الاعتدال السّياسىّ من منظور إسلامىّ

تُثيرُ الأحداث الجارية في مِصرنا الغالية والوطن العربى الكثير من التساؤلات المهمة والملحة والمتعلقة بالعملية السياسية من وجهةِ النظر الإسلاميَّة ، ويبرز التساؤُل المهمّ من عدةِ صيغٍ ، منها : هل التشدّد والتطرُّف من الإسلام ؟ وهل هذه التيارات هى التى ستسود مصطدمة بالآخرين ، وهل ممكن يختلفون معها فكرياً وعقائدياً ، مؤدّية إلى صراع ونزاعات أم أنَّ العكس سيسُود؟
هَذه التساؤلات المستجدة والمتفاقمة تشعل الأحقاد والنعرات المذهبية التى تُؤدى إلى الضَّرر المحدق بالجميع ، لذَا فلا بُدَّ منَ البحثِ في الأصولِ الفكريةِ لهذه الظواهرِ السَّلبيَّةِ ، وإيجَاد سُبل التَّعامل الصَّحيح مع هذهِ الأصولِ والجذورِ الخاطئة والسَّيئة .. لتحقيقِ الخيرِ للجميع ، عبرَ تصحيح المعتقدات الخَاطئة والتَّوجهات الخاطئة ، بما يحقُّ الحقَّ ، ويزيحُ ما يلحق عقيدتنَا الصَّحيحة من شَوائب ومغَالطَات .
من هذا المنطلق فرضَت كلمة ” الاعتدال ” نفسَها على كلِّ من يهمهُ أمر تصحيح المسار الفكرى في عالمنَا الإسلامىّ ، وعندمَا تحضر كلمة ” الاعتدال ” في قاموسنا لا بدَّ أن يحضُر في ظلّها ما يناقضهَا ، وما يعنِى عكسَ ما تعنيه هذه الكلمة ، وما يشعلُ لهيب الصِّدام والنزَاع والتَّشرذم بين أبناءِ الأمَّة ، ألاَ وهو ” التَّطرُّف ” .
وجميعنا يعرف الاعتدال وينشده وينبذ معكوسه ونقيضه ؛ لأنَّ الاعتدال لم يدخل في شئٍ إلاّ زانَه ، ولم يغب عن شئ إلا شَانه ، بيدَ أنَّ مفهوم الاعتدال والتطرف في ” المجال السياسى ” يُفسَّر على هَوى بعض الأشخاص ؛ لذا كان لزاماً علينا وحتماً مقضيّاً أن نبين مفهوم الاعتدال الذى يعنى ” الوسطية ” ، ففى القاموس المحيط للفيروزأبادى ( مادة ع د ل ) أنَّ : ” الاعتدال هو الحكم بالعدل والاستقامة والمساواة . وهذا مرادف للوسطية …قال تعالى في سورة القلم عن أصحاب الجنَّة ” قَالَ أَوْسَطُهُمْ ” /28أى أعدلهم قولاً وعملاً .
ويندرج في معنى الوسطيَّة الاستقامة ، والأفضلية ، والخيرية …
لذا لا بدّ وأن يكونَ السياسى معتدلاً وسطاً ليرضَى الناس بحكمه ، قال الشاعر :
همُ وسَطٌ يرضى الأنامُ بحكمِهم … إذا طرقتْ إحدى اللَّيالى بمُعْظَمِ
وقال أبو العتاهية :
لا تذهبنَّ في الأُمورِ فَرَطا … لا تسأَلنَّ إنْ سأَلْتَ شَطَطا
وكُنْ مِنْ النَّاسِ جَميعاً وَسطاً .
فالاعتدال في كل شئ أمر مرغوب ومحمود تستقيم عليه أمور الناس وتصلح به دنياهم وآخرتهم ، لذا فقد عرف ابن القيّم الجوزية الوسطية في فوائده بقوله : ” … وضابط هذا كله العدل ، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين الافراط والتفريط ، وعليه بناء مصَالح الدنيا والآخرة ” ، وهو بذلك يعنى الخَيْريَّة التى تقضِى العمل بما فيه صلاح النَّاس في الدنيَا والآخرة ، دونَ غلوٍّ وتعصبٍ وتقليدٍ أعمَى ، ودونَ تساهلٍ وتفريطٍ مبنىّ على الأمانىِّ والأحلامِ السياسية أو الفرديةِ ، كما قال الشاعر :
عليكَ بأواسطِ الأُمورِ فإنها … نجَاةٌ ولاَ تركبْ ذَلُلاٌ ولا صعباً
ولذا ينتشر بيننَا قول الآخر :
حبُّ التناهى غلطُ … خيرُ الأمورِ الوسطُ
والممعن النظر يجد أن اللاعتدال السياسى – إن صح التعبير – يؤدى إلى الهزيمةِ والخسران ، بينمَا الاعتدال يجبّ صاحبه – غالباً- الهزيمة والخسران ، وهذا مضمون المثل العربى ” لا تكن يابساً فتكسر ، أو ليناً فتعصر ” .
واليبسُ هو التشدد والتطرف واللين هنا يعنى التسيّب وهو غير مراد- أَيضاً – ؛ لذلك فإِن على من يُريد تجنّب الكسر أَو العصر أَنْ يتمسَّك بعُرى الاعتدال ، وهذا المَثَل يعرفُ النَّاس صِدقهُ في الحياة الاجتماعية ، وكذا يصدق في الجانب السّياسىّ ؛ لأَنه يتَّضح أن بدائل الاعتدال هما التشدّد ( التطرف ) والتسيب. فإن لم يكُن الشَّخص والمجموعة معتدلاً فإنّه إمّا متشدّد ومتطرّف أو متسيّب … أو يحمل مزيجاً من التشدّد والتسيّب .
والاعتدال ليس فقط وضعاً وسطاً بينَ التشدد والتسيب وإِنمَا هُو أَى الاعتدال موقف مُتزِن ومُتوازِن ليس فيه تشدد وغلو وليس فيه تسيباً وانحلالاً إنّه الوسطية التى أَمر الله عباده باتباعهَا والتّمسك بها وعدم التفريط فيها .
ومع الاعتدال السياسىّ يحصل الشعُور بالعدل والأمان ، ومع الوسطيّة تتحقق الخيرية والأفضلية ، ودون ذلك التخبط والتطرف أو الخمود والتفريط .
قال أبو العلاء المعرىّ :
إذا كنتتَ تبغى العيشَ فابغِ توسُّطاً … فعندَ التناهى يقصُرُ المُتَطاوِلُ
تَوَقَّى البُدورُ النَّقصَ وهى أَهِلّةٌ … ويُدرِكُهَا النقصَانُ وَهى كوامِلُ
والطَّرف المعتدل يتجنب بالضَّرورة عواقب التَّطرف والتشدد وتبعات التسيب ، ويتمكن – ربما أَكثر من غيره – بالتالى بالحفاظ على أَمنه وسَلامته وحماية عقيدته وصَون مبادئه وازدهار توجهَاته .
بينمَا التشدد يؤدى في الغالب إِلى خَلق أَعدء ومناوئين يُحاربُون المتشدد بشتى الطرق والوسائل ، وَيقفُون في وجه تَطرفه مُحاولين كَسر ذلك التطرف وإِنزال الهزيمة به والعمل علَى تواريه واختفائه ، وكذلك التسيب يثيرُ الاستياء من صَاحبه وربما يتسبب في اهانته وتراجعه والنفور من توجهاته .
والمتشدد لا يستطيع الوصل إلى هدفه ، لأنه كما قال النبى – صلى الله عليه وسلم – : ” إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ” ، وهو يضرب مثلاً لمن يتشدد فى الأمر ويبالغ فى تطبيق النصوص والأحكام لإثنائه عن مبالغته ؛ حيث إنه لن يدرك ما يريد لأنه سوف يتعب فى منتصف الطريق كالمنبت الذى مشى فى الصحراء على دابته فأهلك دابته فلا هو قطع طريقه ولا أبقى على دابته ويُطلق عليها الظَّهر .

يقول ابن الأثير في ” النهاية” عند شرحه للحديث :” يقال للرجل إذا انقُطِع به في سفره وعطبت به راحلته: قد انْبَتَّ، من البَتّ: القطع ، يريد أنه بقي في طريقه عاجزاً عن مقصده، لم يقضِ وَطَرهُ ، وقد أعطب ظَهره .
لذلك كان الاعتدال وما زال وسيظل هو خيار العقلاء الساعيين للحفاظ على أَمنهم وسَلامتهم والعاملين بفاعلية على حماية عقيدتهم وصيانة مبادئهم ونشر توجهاتهم ، أَما التشدد والتسيّب فمصير من يتبناهما الهزيمة والخسران وسوء المنقلب .

ونجد أن الاعتدال السياسى في عالم اليوم بعد الثورة الفرنسية يتركز على ما يُسمى بالوسط ، فقد أطلق على الأيدلوجيات السياسية – ربما من القرن الثامن عشر- صفات اليمين ، واليسار ، والوسط … إلخ .
واقترن اليسار- كما نعلم – بالتطرف ؛ لأنَّ المتطرفين في البرلمان الفرنسى ( الجمعية الوطنية الفرنسية 1789م) جَلسُوا على اليسار ، وكانوا يطالبون بتغيير الوضع القائم في فرنسا عشية الثورة الفرنسية وإِقامة نظام جمهورىّ وضمان الحريات العامة ، وفى نفس البرلمان جَلس المحافظُون الذين ينادون باستمرار الملكية في فرنسا على يمين المتحدث باسم الجمعية ، والذى جلس بدوره في الوسط .
ومنذ ذلك الوقت برزت هذه التسمية في العالم فيطلق على من يريد تغيير جذرى ” يساري ” وعلى من يريد المحافظة ” يميني ” وعلى صاحب الأهداف المعتدلة ” الوسط ” .

ونجد فعلاً أنَّ الاعتدال السياسىّ الحديث يكمن في نقطةِ الوسط ، ولذا عرف السَّاسة الاعتدال السياسى بأنّه التوجه السياسى الساعى للمواءمة بين التمسك بأهم القيم النبيلة السائدة في مجتمعه ، والاستفادة من معطيات حركة التحديث العالمية المتواصلة ، في شتى المجالات ، وهو سلوك يعترف بالآخر وبخياراته ، في ذات الوقت الذى يتمسك فيه بهويته وقيمه المقبولة .

ونجد أن الإسلام يعترف بالتعايش مع الآخر ، ووثيقة المدينة مع اليهود خير دليل على دستور المواطنة في المجتمع المدنىّ ، ولا يعنى الاعتدال الإسلامى رفض عمليات التحديث العالمية في شتى المجالات ، ما لم تمس الثوابت العقدية للمجتمع المسلم ، ولا تتعارض مع القيم النبيلة التى تسود مجتمعاتنا ، وبالطبع تعترف بالآخر ” المختلف ” وتحترم اختياراته ما لم تحرم حلالاً أو تحلّ حراماً .

إن الاعتدال السياسى في ميزان الشريعة الإسلامية يعنى الموقف الوسط العقلانى الذى يعمل على ما فيه خير وصلاح الأمّة ، بشرط ألا يتعاض – كما قلتُ – مع عقيدتها وقيمها ومصالحها ، والأخذ بوسائل التقدم الحديثة ” من وسائل مسموعة ومرئية متعددة ” ، والتعايش مع الآخر ” المُختلِف ” واحترام خياراته ، وعدم الاقتصار على منفعة أصحاب الرأى المناصر وإقصاء الآخر ، بل والتعاون معه عند الاقتضاء بما يخدم الأمة والإنسانيّة جمعاء ، لأننا نركب باخرة واحدة فإذا خرقت غرقت وإذا غرقت غرقنا معها جميعا .

ولذا نرى أن الاعتدال السياسى أصبح ضرورة ، فتخلف العرب في معظم أسبابه يعود إلى سيادة تيارٍ بعينه ، وإقصاء الآخر ، وربما يكون متشدداً في بعض أفكاره ، أو متسيباً في بعض بلدانه ، وغالباً ما يقفون موقف الرافض والمزرى لمَا عداهم سياسياً ، وقد تصل هذه ” الكراهية ” لدرجة العنف واستخدام السِّلاح والإرهاب ، الأمر الذى يجعلهم مكروهين من قبل أولئك الأغيار ، ومن سُوء الحظّ أنّ أولئك الأغيار يتهمون الإسلام كله بالتَّطرف ورفضِ الآخر” وإن كان من بنى جلدتنا ” ، ويتناسون عمداً تعاليم ديننا الحنيف ووسطية الإسلام ، ومنهجه القويم في السياسة الشرعية عبر العصور والأزمنة ، ويتجاهلون كون هذا التشدد – في الغالب – يصدر من فئة محدودة في المجتمع المسلم تبحث عن مصَالحهَا الشخصية باسم الدين ، وكل هذا يؤدى إلى الإضرار بمصالح الإسلام وتهديهم أولاً ، وإقحام لهم في صراعات لا أوَّل لها ولا آخر .

كما أننا لا نريد العودة إلى التسيب الذى يقود – غالباً- إلى فقدان الهُويَّة ، وفقدان احترام الغير والتعثّر في طريق العزة والكرامة ، والقوة والمنعة ، وضياع الشخصيّة المميزة .
فما أحوجنا الآن إلى الاعتدال ؛ لأنه يعنى : احترام الآخَر واحترام خياراته ، ومن ثَمَّ استدعاء محبة وقبول وتعاون ذلك الآخر، وذلك يصبّ – في نهاية الأمر – في مصلحة الإسلام والمسلمين عامة ومصرنا خاصة ، ويسهم إسهاماً مباشراً في نهضتنا، فما بالنا الأمم تتقدم ونحن نتأخر، لأننا لم ننبذ التشدد والتطرف والتسيب ونتمسك بالاعتدال والوسطية في علاقاتنا وسلوكياتنا المختلفة .

وفى النهاية نقرر أنه من المؤسف أن ظهرت جماعات وفئات مصرية تتبنى التشدد، وتتسم بالتطرف فكراً وسلوكاً، كما ظهرت فئات قليلة – أيضاً – تتسم بالتسيّب، وتبعد عن الاعتدال المطلوب ديناً وخُلقاً ومنطقاً وهى فئات يمكن أن نصفها بأنها تبالغ في ” الاستغراب ” فهى إمّا مستغربة أو شبه مستغربة .
ولا بد أن ننشر ثقافة الاعتدال في الوسط الثقافي والتعليمي، والعمل على تعويد النشء ” بصفة خاصة ” على التسامح ، والسعي لتحقيق الأهداف الخيرة بالحسنى والتفاهم والحوار البنّاء.

7 تعليقات على “الاعتدال السّياسىّ من منظور إسلامىّ”

  1. شكرا لكم جميعا … وإن شاء الله نكمل هذه السلسلة عن المنهج الوسطى فى الإسلام من الناحية السياسية وكل ما يتعلق بها .

  2. فكرة المقال رائعة جداً تلمست عقدة حقيقية ، وأسلوب المعالجة جميل ولكن في رأيي تبقى الفكرة تراوح مكانها ما لم تبدع لها آليات محددة حتى تجد سبيلها للنفاذ بالقدر الممكن …. ترى ما الأدوات التي اعتمدها الفرنسيون بعد حالة الاستقطاب الحاد بين اليسار واليمين إبان وبعيد ثورتهم حتى وصل بهم الحال إلى ما هم عليه اليوم من التوازن والتوسط النسبي على الأقل بالنسبة إلى قضاياهم ؟؟؟
    لا زال السؤال يطرح ذاتة بإلحاح : كيف السبيل إلى اعتمداد الوسطية كمنجية لمعالجة مشكلاتنا الساسية وغير السياسية ؟
    وللأزمة وجه آخر يمكن التعبير عنه بالسؤال الآتي : هل نحن بالأساس اليوم على قناعة بسادة منهج الوسطية ؟؟ أني أشك كثيراً ، ومصدر شكوكي ما ألحظه في أساليب الحوارات الغوغائية بين “المثقفين” كما تهديه لنا القنوات الفضائية .
    سيدي لنا دراسة أصولية “رسالة دكتوراه ” حاولت أن تنجز بعض الجواب عن أصل المشكلة
    مجدداً أرى ان مساهمتك فعالة آمل أن تطورها في اتجاه آليات الوسطية

  3. مقال مهم فى هذا المجال ويؤكد على وسطية الإسلام وانتهاجه منهج الاعتدال
    فلا تفريط ولا تعصب وتشديد …
    كل التحية لفكركم المستنير دكتور محمد البنداري

  4. موضوع رائع … ما أحوجنا إلى مثل هذه الكتابات … سلم يراعك أخى د محمد البندارى

  5. شكرا للموقع ليس لنشره المقال فقط … وإنما لجرأة القائمين على الموقع ونشرهم مثل هذه المقالات …. أقول لكم جهد يذكر فيشكر … تمنياتى بالتوفيق

شارك برأيك