الأوضاع العامة في ريف بايلك الغرب الجزائري أواخر العهد العثماني

(ملخص رسالة الدكتوراه للباحث د. كمال بن صحراوي – جامعة ابن خلدون تيارت، الجزائر)*

ما زالت الجوانب الاجتماعية والاقتصادية من تاريخ الجزائر في العهد العثماني تستقطب اهتمام الباحثين والدارسين، ومازالت رغم هذا الاهتمام تحتاج إلى مزيد من الدراسات التي تعمّق الفهم وتزيل الغموض عن القضايا الخفية من هذا التاريخ. ولعل من بين هذه الجوانب دراسة تاريخ بايلك الغرب الذي عرف ظروفا خاصة بحكم السيطرة الإسبانية على وهران، إحدى أهم مدن هذا الإقليم، وهو ما جعل البايلك يعيش تجاذبا قويا باعتباره احتوى نقطة الاحتكاك بين الإيالة وإسبانيا.
وإذا كان الوجود الإسباني قد أدى في المنطقة إلى قيام تحالف قوي بين السلطة العثمانية وكثير من رجالات الطرق الدينية والعلماء خلال زمن ليس بالقصير، فإن تحرير وهران قد أدى – في فهم كثير من القيادات السياسية والدينية في البايلك آنذاك – إلى زوال مبرر التحالف، وهو الأمر الذي شجع على قيام تنافر قوي تحوّل مع الوقت إلى انتفاضات أثرت على الحياة العامة خاصة في الريف.
من جهة أخرى يجاور بايلك الغرب المغرب الأقصى، ولا يخفى الصراع الذي كان بين الأشراف والعثمانيين، ومن هنا مثّل هذا البايلك مجالا جغرافيا كثيرا ما تداخل فيه المغرب الشريفي والجزائر العثمانية، وتأثرت بهذه التجاذبات الفئاتُ المختلفة من سكان الريف خصوصا تلك التي كانت مستقرة على مقربة من الحدود.
من ناحية ثالثة نرى تركز اهتمامات حكام الجزائر تدريجيا على الداخل في أواخر العهد العثماني بدل الاعتماد على مداخيل الأسطول البحري، بعدما اعتراها من تراجع بسبب اختلال التوازن بينه وبين الأساطيل الأوربية، وهو ما جعل قضية الاعتماد على الريف ومداخيله ومواده الأولية تصبح من أولويات السلطة العثمانية في الجزائر، ولذلك اعتبرته القاعدة التي ارتكز عليها حكمها بشكل واضح.
لكن هل أخذت هذه السلطة بعين الاعتبار مسألة الاهتمام بالريف أيضا من باب تطوير جوانب الحياة المختلفة فيه وتشجيع الطاقات المحلية على العمل الزراعي ومزاولة النشاط الصناعي وتنشيط الفعل التجاري، أم أنها اقتصرت على توفير المناخ الذي يخدم مصالحها دون الالتفات إلى الداخل وحاجاته الأساسية، خاصة وقد تحولت الضرائب التي فرضتها الظروف المستجدة في حياة الإيالة إلى واحدة من عوامل التأثير البالغ على سكان الأرياف، وهو ما انجرت عنه ظاهرة ترك الرعية لأراضيها في كثير من المناطق واللجوء إلى حياة الترحال حتى تنجو من قبضة السلطة، وقد ترتب عن ذلك تأثير واضح على البنية الاجتماعية الريفية.
جدير بالذكر أيضا أن العثمانيين جعلوا السلطة الفعلية في الأرياف في أيدي القوى المحلية حيث حافظوا على النظم التقليدية للقبائل من حيث التسيير والتنظيم وجمع الضرائب، وكان هذا في نظر هؤلاء الشيوخ نوعا من الامتياز تمنحهم إياه السلطة العثمانية، لكن ذلك مثّـل في نظر هذه السلطة إستراتيجية فعالة انتهجتها للإبقاء على وجودها.
لقد انعكست هذه الظروف بشكل عام على الحياة العامة في البايلك سواء الحياة الاجتماعية أو الحياة الاقتصادية، أو ما عرفه البايلك من تحولات سياسية كبرى، وانعكست بالضرورة على سكان الريف من حيث كثرة المجاعات والقحط وقلة الأمن وكثرة الثورات وتسلط مجموعات موالية للسلطة على بقية الرعية.
من هنا ارتأينا البحث في أحوال الريف في بايلك الغرب ضمن موضوع موسوم بـ: “أوضاع الريف في بايلك الغرب أواخر العهد العثماني”، وهو موضوع يمنحنا الفرصة للتعامل مع إشكاليته من خلال الإجابة على كثير من التساؤلات المتعلقة بـ:
– حدود مساهمة الريف بقبائله المختلفة في الحياة السياسية؛ قبائل المخزن، القبائل الممتنعة، القبائل المساندة للوجود الإسباني… أي مساهمة الريف في دعم الوجود العثماني ضمن إستراتيجية التحالف، أو مساهمته في تقويض دعائم سلطة البايلك من خلال البحث عن بدائل كانت في نظر بعض أبنائه “حيوية” كالإسبان في وهران والمغرب الشريفي على الحدود الغربية.
– حجم تأثر الريف بالأحداث السياسية الكبرى كالخلافات مع المغرب وتحرير وهران الأول وخروج الإسبان نهائيا منها وانتقال العاصمة إليها من معسكر، وقيام الثورات الكبرى كثورة درقاوة التي غطت مناطق واسعة وهددت الوجود العثماني بقوة، حتى جند لها العثمانيون قوات كبيرة خاصة بعد إدراكهم لغاياتها السياسية البعيدة.
– طبيعة النشاطات الاقتصادية الرئيسية التي كان المجتمع الريفي يزاولها في بايلك الغرب ويعتمد عليها للحفاظ على “وجوده” في ظل انشغال السلطة العثمانية عن التكفل باهتماماته المختلفة.
– وضعية الأراضي من حيث الملكية (ملكيات خاصة، أملاك البايلك، أراضي العرش، أراضي الوقف…) وأثر ذلك على الفعل الزراعي.
– حدود التعاملات الاقتصادية بين الريف والمدينة.
– حجم مساهمة الريف في خزينة البايلك من خلال الضرائب المختلفة.
– النمو الديمغرافي في الريف في بايلك الغرب والعوامل المؤثرة فيه كالمجاعات والأوبئة والحروب.
– العلاقات الاجتماعية بين مختلف فعاليات المجتمع الريفي؛ بين السلطة والشعب، بين زعماء الطرق الدينية وأتباعهم، بين قبائل المخزن وقبائل الرعية…
– طبيعة المؤسسات الدينية والتعليمية وهيكلتها ودورها في تعبئة المجتمع الريفي
– النظام القضائي ومميزاته…
وقد يكون منطلق هذه الدراسة نابعا من بعض الميول الشخصية قصد التعرف على جزء من تاريخ بايلك الغرب بحكم الانتماء إلى الجهة الغربية من الجزائر، لكن هذه الرغبة الشخصية توفرت لها أسس علمية جعلتها تترسخ أكثر، وذلك لأن الإهمال ظل يكتنف دراسة موضوع الريف، ولأن الغموض ظل يحيط بها رغم أهميتها في فهم التحولات الاجتماعية والتفاعلات الاقتصادية، بل حتى في فهم التطورات السياسية التي عرفتها الإيالة بناء على ما أفرزته طبيعة العلاقة بين السلطة والسكان.
وقد استقطبت دراسة موضوع بايلك الغرب اهتمام مجموعة قليلة من الباحثين الذين أنجزوا أعمالا أكاديمية كمذكرة الماجستير التي أعدها توفيق دحماني حول “النظام الضريبي ببايلك الغرب الجزائري أواخر العهد العثماني” والتي بيّن من خلالها طبيعة هذا النظام وتداعياته على الحياة العامة بالبايلك وعلى علاقة السكان بالسلطة. ومذكرة الماجستير التي أنجزتها رشيدة شدري معمر بعنوان “العلماء والسلطة العثمانية في الجزائر خلال فترة الدايات” والتي أبرزت من خلالها دور العلماء في مجتمع بايلك الغرب وتطور علاقتهم بالسلطة العثمانية على مرحلتين تميزت الأولى بالتفاهم وانطبعت الثانية بالخلاف الذي انتهى بالمواجهة.
هذا إضافة إلى مذكرة الماجستير التي عنوانها “العلم والعلماء في بايلك الغرب” لقدور بوجلال والتي ركز من خلالها على حاضرتي مازونة ومعسكر، ومذكرة الماجستير التي كانت من إنجاز الواليش فتيحة حول “الحياة الحضرية في بايلك الغرب الجزائري خلال القرن الثامن عشر” والتي رسمت من خلالها الإطار العام لحواضر البايلك ووظائفها المختلفة، ورسالة الدكتوراة ذات الصلة بالموضوع لمنصور مرقومة تحت عنوان “القبلية والسلطة والمجتمع في الجزائر، بحث أنتروبولوجي في المجال السياسي التيهرتي” والتي أبرز من خلالها بنية المجتمع الريفي في جزء من بايلك الغرب وهو جهة تيهرت والتحولات العميقة التي عرفتها القبيلة هنالك.
ومن أجل تغطية الموضوع بما يكفي من الدراسة اتبعت منهجا تاريخيا تركيبيا على سبيل الاستقراء، تحليلا ومقارنة ونقدا محاولا الخروج بصورة متكاملة تساهم في تعريف القارئ بريف بايلك الغرب والظروف التي عاشها في ظل الحكم العثماني خصوصا في فترته الأخيرة.
غير أن مجموعة من الصعوبات اعترضت إنجاز هذا العمل منها:
– قلة الدراسات السابقة التي تناولت موضوع الريف في بايلك الغرب بصفة مباشرة، وهو ما جعل الحصول على المادة العلمية يتطلب وقتا طويلا وجهدا مضاعفا.
– قلة المادة العلمية ضمن المصادر المحلية وتناثرُها ضمن صفحاتها في أحسن الأحوال، وذلك راجع لعدم تخصيص أي منها لموضوع الريف وتفاعلاته المختلفة، وهو ما قلل من فرصة استغلالها رغم أننا استخدمناها بشكل كافٍ دون إقصاء أي منها.
– اهتمام الكتابات الأجنبية خصوصا الفرنسية ببعض جوانب الدراسة كتاريخ وهران وقبائل المنطقة الغربية وطبيعة جغرافيا البايلك ووضعية الأرض ونوعية الملكية ودور الطرق الدينية ومسار ثوراتها لاسيما الدرقاوية والتيجانية، وعادات السكان وتقاليدهم وغيرها، وهو ما جعلنا أمام حتمية الاعتماد عليها مع الحذر الدائم منها، وهذا لكثرة ما لاحظناه من الاختلاف فيما بينها، ولكون كثير منها أنجز لتمرير مجموعة أفكار تبرر الظاهرة الاستعمارية وترفع القلم عن ممارسات الاحتلال الفرنسي، وهي بذلك إما جزئية وإما متحيزة على حد تعبير بيار بوايي.
– عدم وفرة الوثائق الأرشيفية الخاصة ببايلك الغرب، على عكس ما يتعلق بدار السلطان وبقية البايلكات، وهو ما جعل الباحثين يُقِرون بصعوبة معالجة تاريخ الغرب الجزائري، كالفرنسي بيار بوايي الذي اعتبر إنجاز دراسة عن إيالة الجزائر كلها يقود إلى طرحٍ أقلَّ حيويةً وإيحاءً، وكالأستاذ ناصر الدين سعيدوني الذي نبّه إلى الإشكالية المتعلقة بصعوبة دراسة الوقف في بايلك الغرب نظرا لعدم وفرة المادة العلمية.
إن الرغبة في إخراج العمل في صورة تليق بأهميته جعلتنا نعتمد على مصادر متنوعة، ذلك أن دراسة تاريخ الريف تقتضي بالضرورة تداخل جهود المؤرخ والاقتصادي والفقيه والأديب والأنتروبولوجي والسياسي والعسكري لتكوين صورة شاملة لما كان من تفاعل خارج أسوار المدينة، ولذلك حاولنا الاستفادة من كل هذه الكتابات بناء على ترتيب منهجي اقتضاه استغلال ما توفر من المصادر والمراجع باللغتين العربية والفرنسية، والتي يمكن أن نجمل أهمها فيما يلي:
الوثائق الأرشيفية:
مجموعة وثائق حصلنا عليها من مركز أرشيف ما وراء البحار بأكس أون بروفونس:
المجموعة الأولى ANOM MI Série B B-4B9 / Sous –Série 2B1 وتحوي وثائق تعود إلى تسعينيات ق 18م، وهي في معظمها حول صفقات تجارية بين البايلك والوكالة الإفريقية لتزويد المجتمع الفرنسي بما يحتاج إليه من قمح وشعير. وتُقدم هذه الوثائق معلومات عن كمية كل شحنة وقيمتها المالية، والسفينة المكلفة بنقلها إلى مرسيليا والقبطان المشرف على العملية.
المجموعة الثانية ANOM, MI, 66miom/36تعود إلى أربعينيات ق 19م وتحوي معلومات هامة للغاية حول “الأسواق العربية” في أرياف كل من معسكر، تيارت وسعيدة من حيث أماكنها وأيام انعقادها والقبائل التي ترتادها والمواد التي تُوفَّر فيها، وهو ما يسمح بمعرفة الإنتاج الريفي وطبيعة التبادل التجاري بين القبائل بناء على حاجاتها الأساسية. ضف إلى ذلك مكانة بعض منتجات غرب الجزائر كالزربية والفليج، والتي تتضح من خلال المشاركة بهما في معارض دولية كذلك المنعقدِ في لندن عام 1862م.
وفي ذات المجموعة نجد وثائق تقدم معطيات أساسية حول مطامير غرب الجزائر، ومعلوم أن البايلك كان يركز كثيرا على المطامير فيقيم الحراسة عليها ويمرّر الطرق بالقرب منها ضمانا لتسهيل نقل محتوياتها. والوثائق محل الحديث تقدم معلومات عن أسمائها وأعدادها وأماكن تواجدها على مستوى القبائل، والدواوير التي كانت تشرف عليها، وكميات القمح والشعير التي تحويها، وحالة السرية التي تكتنفها.
المصادر المحلية:
بهجة الناظر في أخبار الداخلين تحت ولاية الإسبانيين بوهران من الأعراب كبني عامر لعبد القادر المشرفي، مصدر أساسي في دراسة الريف لأن صاحبه انشغل بالعلاقات “المشينة” التي جمعت الإسبان وكثيرا من القبائل في بايلك الغرب حتى تحولت إلى خادمة لهم، وراح يفضح أعمال هذه القبائل بعد أن فصّل الحديث عن أصولها عربيةً كبني عامر وأمازيغيةً ككرشتل وغمرة، ويبيّن موقف الشرع من أفعالها، ويحذّر الناس أن يحذوا حذوها.
ومن هنا كمَنَت أهمية المصدر في كونه بيّن لنا بوضوح أهم الأسباب التي أدت إلى طول فترة الاحتلال الإسباني لوهران والمرسى الكبير، ونقصد الدعم الذي لقيه الإسبان من هؤلاء “الأعراب” الذين تحولوا إلى قاعدة خلفية تمد المحتل بالمؤونة وتجمع له الأخبار وتشارك نيابة عنه في غزو قبائل أخرى.
رحلة محمد الكبير باي الغرب الجزائري إلى الجنوب الصحراوي الجزائري، رافق صاحبها ابن هطال الباي محمد الكبير خلال انتقاله إلى عين ماضي لتأديب التيجانية، وسجل تفاصيل هذه “الرحلة” بدقة. وتكمن أهمية المصدر في كونه نقل إلينا صورةً عن حالة البلاد التي سادها خروج كثير من القبائل في الريف على طول الطريق بين معسكر وعين ماضي عن سلطة البايلك برفضها دفع الضريبة، وهو الوضع الذي عزم الباي على تغييره، وفي هذا الإطار ذكر المؤلف بشجاعة كبيرةٍ طريقتَه لتحقيق ذلك، أي طبيعة تعامله مع الرعية حيث أرهب القبائل التي مر بها حتى دفعت له الكثير استرضاء له واتقاء لبطشه، ورغم ذلك لم يسلم بعضها من القتل والأسر والسلب والنهب.
الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني لابن سحنون الراشدي الذي كان ملازما لبلاط الباي محمد الكبير مكلفا بتأديب ولده وولي عهده عثمان. وتكمن أهمية المصدر في أنه ركز على حياة الباي الكبير والمناصب التي تقلدها قبل توليه مسؤولية البايلك، وعلى دوره في تنظيم الرباطات التي انتهت بتحرير مدينة وهران وطرد الإسبان منها نهائيا عام 1792م.
ورغم أن المصدر لم يكن حول الريف خصيصا فإنه يعطينا فرصة للتعرف على الحياة الريفية من خلال الحديث عن بستان الباي وداره بناحية كاشرو، واهتمامه بالعلم وأهله في الأرياف، ومنعه إقامة الأسواق في غير ضواحي الرباط ليسهل تموين المرابطين وأُسَرهم وأثر ذلك كله على الأرض واستغلالها، ضف إلى ذلك مسألة فتوى العلماء في دماء القبائل القاطعة للطريق وما نتج عن أعمالها من قلة الأمن وفساد المعيشة.
عجائب الأسفار ولطائف الأخبار لأبي راس الناصر الذي لم يكن حاضرا زمن حصار الباي الكبير لوهران ورغم ذلك فإن الأخبار وصلته وهو في تونس، ولقد لاحظ انتشارها في مدن تونسية كثيرة كسوسة وصفاقص والمنستير وجربة، وهو ما شجعه على كتابة قصيدته السينية “نفيسة الجمان في فتح ثغر وهران”، غير أن بساطة أسلوبها جعلته يحولها إلى تأليف يحمل العنوان المذكور سابقا. وقد ضمّن أبو راس تأليفه هذا أخبارا هامة تتعلق بالحصار والتحرير والعلماء المشاركين فيه والقبائل المتعاونة مع الإسبان، إضافة إلى مواضيع أخرى متشعبة بعيدة عن موضوع الفتح.
والملاحظ انتصار أبي راس للبايلك في كتاباته التي لم تخل من مدح البايات وسياساتهم، ومن ذم المعارضين لهم خصوصا درقاوة التي ألف فيها كتابا مازال في حكم المفقود عنونه بـ “درء الشقاوة في حرب درقاوة”. وهو موقف لم يتفرد به أبو راس حيث كان ابن هطال مثلا قد ساند البايلك ضد معارضيه، وأشاد بما قام به “سيده” ” قامع المبغضين ومدوخ المارقين” الباي محمد الكبير، بل قدم حياته ثمنا لهذا الولاء حين لقي حتفه في معركة فرطاسة وهو يساند الباي المنزالي ضد ابن الشريف الدرقاوي.
مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار نقيب أشراف الجزائر، وهو مصدر عايش صاحبُه كثيرا من الأحداث التي عرفتها الإيالة خلال خمسين سنة الأخيرة من عمرها، وتكمن أهميته في أنه أطلعنا على تاريخ الدايات المتأخرين بدءا بالداي علي بوصباع (1754م) وأهم ما ميز فترة حكم كل واحد منهم، وفي خضم ذلك جاء ذكر أحداث سياسية كثيرة لها علاقة ببايلك الغرب كالحروب مع الإسبان، ولكن الأهم من هذا بالنظر إلى الموضوع المدروس هو بيان مراسيم تقديم الدنوش والمبالغ التي تخصص لذلك، والتكاليف التي يتحمل أعباءها سكانُ الريف.
هذا كله إضافة إلى الحديث عن انتفاضة التيجانية وعن حركة درقاوة التي نعت الزهار قائدها ابن الشريف بالثائر. والملاحظ هو عدم انسياق الزهار وراء التيار الرافض لكل هذه الثورات، حيث لم ينعتها بنعوت سيئة، بل ذكر أصحابها ببعض الخير. فقد وصف والد التيجاني بالصلاح، وأقر بزيارته هو لزاوية التيجاني بفاس سنة 1259هـ (1843م).
أنيس الغريب و المسافر للكاتب الخبير مسلّم بن عبد القادر الحميري باش دفتر بايات وهران، والمتوفى عام 1249هـ / 1834م المدفون بسيدي المسعود من بلد تارقة، ترجم أدريان دلباش كتابه ونشره فصولا في المجلة الإفريقية عام 1874، وهو من أهم المصادر التي عالجت تاريخ بايات وهران، وفصلت الحديث خصوصا عن ثورة درقاوة.
المرآة لحمدان خوجة، مصدر هام أرخ لإيالة الجزائر وقدم إحصاءات هامة عن الأرض والسكان والضرائب، كما تحدث عن الإدارة وعلاقتها بالقبائل المختلفة، وعن البايات خصوصا أواخر العهد العثماني، ومن ذلك مثلا حديثه عن الباي حسن بن موسى ودوره في سقوط وهران في يد الاحتلال الفرنسي.
كما تكمن أهميه هذا المصدر في كونه فصّل الحديث عن “سكان الجهة الغربية” في الفصل السادس من الكتاب الأول، حيث تحدث عن صفات سكان تلمسان، مليانة، وهران ومعسكر، وعن أخلاقهم وعاداتهم ونشاطاتهم الاقتصادية. ضف إلى ذلك حديثه عن بايلك الغرب الذي اعتبره أقل خصبا وأقل اتساعا من بايلك الشرق.
القول الأعم في بيان أنساب قبائل الحشم للطيب بن المختار الغريسي، المتوفى عام 1320هـ / 1902م، وقد مكننا من معرفة قبائل الوطن الغريسي، بل وكثير من قبائل الجهة الغربية باعتبار الحركية الدائمة التي كانت هذه القبائل تخضع لها. وفي خضم هذه التعريفات والتراجم أورد المؤلف حقائق تاريخية كثيرة عن أواخر العهد العثماني ودور الحشم خاصة في التحولات السياسية التي عرفها البايلك حين اشتدت ضده الثورات الدينية.
كما تحدث المؤلف عن علاقات هذه القبائل بعضها ببعض ضمن إطار “الخدمة” التي يقتضيها عامل “النسب الشريف” الذي اهتم ببيان أسسه، وبفضح القبائل التي صارت تدعيه وهي في الأصل “غير شريفة”. وهذه مسألة كانت في غاية الأهمية آنذاك لأنها ساهمت في بناء سلم اجتماعي معين.
دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار مدينة وهران للزياني، مؤلَّف هام خصصه صاحبه للحديث عن وهران وباياتها والثورات التي اندلعت ضدهم، وقد فصل الحديث عن ثورة درقاوة تفصيلا، وبيّن تأثر سكان الريف بها، ولم يُخفِ معارضته لها. فقد كتب متحدثا عن تولي المقلش بعد المنزالي الذي هزمه ابن الشريف: “فتفسح الناس وانفرج المضيق، وأمنت من حينه الطريق، وهبت رياح النصر وخفقت أعلامه، وضاق متسع العدو وأظلمت لياليه وأيامه، وصار (هكذا) الحرب لأهل وهران عيدا، وعدوهم بين أيديهم صيدا، فكان قدوم هذا الباي عليهم سعدا، وملاقاته إياهم فوزا ومجدا، قال الشاعر:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا وكوكب المجد في أفق السما صعدا”
وقال في موضع آخر: “فأفنى المخزنُ عامةَ درقاوة أهل الضلالة والشقاوة”.
المصادر الأجنبية:
تقرير يوسف باسيليو دي أرومبورو، الذي عُين حاكما على وهران والمرسى الكبير عام 1738م، وهو تقرير طويل اشتمل على 61 صفحة مخطوطة نشرها محمد القورصو و ميقيل دي إيبالزا عام 1978م. وتأتي أهمية التقرير من أنه كُتب بأمر من ملك إسبانيا فيليب الخامس للإجابة على تساؤل كان يشغل بال الطبقتين السياسية والعسكرية ويتعلق بالبقاء في وهران أو الانسحاب منها.
وقد احتوى التقرير معطيات هامة جدا عن الإجراءات التي اتخذها المستعمر الإسباني للتمركز في الأرض، وعن العلاقات القائمة بين الإسبان من جهة وبين القبائل والأتراك من جهة أخرى، مع وصف للأراضي المحتلة، كما يتحدث عن مشاكل قبائل المنطقة الوهرانية، والضرائب التي كان الإسبان يحصّلونها منها، وثروات المنطقة وغيرها من المسائل الهامة الجديرة بالاطلاع.
أما مؤلفات الأوربيين الذين زاروا الجزائر خلال العهد العثماني إما موظفين وإما رحالة فهي لاتخلو من فائدة، ذلك أنها نقلت إلينا كثيرا من الحقائق حول يوميات الجزائريين والحالة الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البلاد في ظل الأوضاع السياسية التي عاصرها هؤلاء الكتاب.
ومن هؤلاء لوجي دو تاسي L. de Tassy صاحب Histoire du royaume d’Alger وقد زار الجزائر عام 1725م، والدكتور شو Shaw الذي كان في الجزائر في العقد الثاني من ق 18م وألف كتابا سماه Voyage dans la régence d’Alger وفونتور دو بارادي Venture de Paradis الذي نقل إلينا صورة عن الجزائر في 1789م ضمن كتابه Alger au 18ème siècle.
وإذا كانت هذه المصادر لم تعالج موضوع الريف بشكل مباشر، فإنها احتوت على معطيات أساسية تعكس خصوصيات البيئة الريفية وتعطي صورة حول الحياة العامة خارج المدينة، كالعادات والتقاليد والعلاقات العامة وطبيعة التعليم والقضاء ومكانة المرأة ودورها في المجتمع، وحركية القبائل وأدوارها السياسية والعسكرية ونوعية الضرائب المفروضة عليها وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالموضوع.
كما تجدر الإشارة إلى مصدر هام جدا وهو دفتر التشريفات لصاحبه محمد الكاتب والذي اعتنى بالفترة من 1103هـ / 1692م حتى الغزو الفرنسي، وقد تُرجم قسم منه تحت إشراف ألبير دوفو Albert Devoulx ونُشر عام 1852م تحت عنوان Tachrifat, Recueil de notes historiques sur l’administration de l’ancienne régence d’Alger.
المراجع:
دراسات تاريخية في الملكية والوقف والجباية؛ الفترة الحديثة لناصر الدين سعيدوني، مرجع ذو صلة أساسية بالموضوع المدروس، وقد ضمّنه صاحبه تحليلات عميقة للسياسة العثمانية المنتهجة في المجال الاقتصادي ولطبيعة التحولات التي عرفها المجتمع الريفي في الجزائر العثمانية. وقد استفدنا منه على الخصوص فيما يتعلق بأنواع ملكية الأراضي في الريف وطرائق استغلالها، وبأنواع الضرائب وكيفيات جبايتها، وردود أفعال المجتمع الريفي تجاه السلطة التي تفرضها.
كما عرج المؤلف على حياة الفلاح وقدرته على التحايل على الظروف الصعبة التي كان يعيشها اعتمادا على تقنياته البسيطة التي استطاع من خلالها التأقلم مع بيئته، وهو ما مكّنه في النهاية من خدمة الأرض وتربية الحيوانات وتطوير الإنتاج بشكل يتلاءم إلى حد بعيد مع ما يملكه من إمكانات.
تاريخ الجزائر الثقافي، من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين ( 16م – 20م )، لأبي القاسم سعد الله، مرجع هام استفدنا منه فيما يتعلق بالحياة الثقافية ببايلك الغرب، ودور المؤسسات الدينية ورجالاتها في دعم الفعل الثقافي بل وحتى في الحراك السياسي، حيث أطْلَعَنا على حياة العلماء وزعماء الطرق الدينية والزوايا، وبيّن دور الشعراء في المجتمع من خلال أغراض الشعر المختلفة خصوصا الشعر السياسي. كما عرّج في خضم ذلك كله على كثير من العادات والتقاليد التي عرفها المجتمع الريفي وعلى الأحوال الصحية مستفيدا مما جاء في بعض كتب الرحالة.
تاريخ الجزائر الحديث، دراسة سوسيولوجية لعبد القادر جغلول، كتاب هام احتوى تحليلا لأوضاع الريف الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا وضعية المِلكية وأحوال الفلاحين البسطاء، ودور العائلة في الإنتاج، وأهمية أسلوب التويزة في دعم الفعل الزراعي آنذاك، إضافة إلى بيان طرق استغلال الأرض ووضع الخماس ضمن هذه المنظومة الزراعية.
ويجدر بي ذكر أهمية مؤلفات الدكتور يحيى بوعزيز حول تاريخ وهران وبعض مدن الغرب الجزائري، وهي مؤلفات أثْرت المكتبة الوطنية. ففيما يخص تحرير وهران من الاحتلال الإسباني اعتمدنا على كتاب “المراسلات الجزائرية الإسبانية في أرشيف التاريخ الوطني لمدريد (1780م – 2179م)” بينما استعنا بكتاب “مدينة وهران عبر التاريخ” وكتاب “مدينة تلمسان عاصمة المغرب الأوسط” عند تطرقنا لقضايا تهم المدينتين.
أما المراجع الأجنبية فتميزها الأعمال المنجزة خلال العهد الاستعماري والمنشورة في شكل مؤلفات أو في شكل مقالات ضمن مجلات مختلفة أبرزها المجلة الإفريقية.
المراجع المطبوعة:
تميزها أعمال العسكري والسن أسترازي Esterhazy المتعلقة بتاريخ غرب الجزائر تحت الحكم العثماني (1840م) وبموضوع مخزن وهران بقبائله المتنوعة (1849م)، وهو الموضوع الذي يلتقي في بعض خطوطه العريضة مع ما أنجزه Carette (عضو لجنة الجزائر العلمية وأمينها العام) حول أصول القبائل الأساسية في الجزائر وهجراتها.
أما في مجال الحديث عن الطرق الدينية فنذكر عمل Louis Rinn (1884م) حول المرابطين والإخوان التابعين للطرق الدينية المختلفة، وهو عمل عززه الكتاب الذي نشره Depont و Coppolani(1897م) واشتمل على تفصيلات هامة حول هذه الطرق وهيكلتها ودورها في المجتمع خصوصا الريفي. وفي موضوع متصل نذكر عمل دوماس Daumas (1853م) حول عادات وتقاليد الجزائر بمناطقها المختلفة؛ تل، قبائل، صحراء.
وحول تاريخ بايلك الغرب منذ تحرير وهران الثاني حتى بداية الاستعمار الفرنسي نذكر ما نشره Lapène عام 1842م ضمن “جدول تاريخي حول إقليم وهران” والذي يشابه في بعض محاوره ما كتبه ليون فاي Léon Fey (1858) الذي ركز أبحاثه على تاريخ وهران متطرقا إلى آثار السيطرة الإسبانية على المنطقة كلها.
في المجال الاقتصادي تميزت أعمال Mercier (1891) الذي كتب عن الملكية العقارية وما يتعلق بها، وجاء عمل Couput (1889) ليميط اللثام عما كان غربُ الجزائر يزخر به في مجال الصناعات الصوفية والصوف كمادة أولية، حيث فصّل الحديث عن أنواع هذه المادة الهامة مشيرا إلى امتلاك البايلك لسلالات أغنام مختلفة.
أما في ميدان العلوم فقد أنجز Gabriel Colin رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في الطب عام 1905م بكلية الطب بمونبوليي Montpellier تضمنت دراسة معمقة لما في كتاب كشف الرموز لابن حمادوش وطرق العلاج التقليدية التي كانت معتمدة آنذاك لاسيما في الريف، مع إدراج نصوص الكتاب بالعربية في آخره، وهو ما يجعله جديرا بالاطلاع.
المقالات:
اهتم Gorguos بسيرة الباي محمد الكبير وبتاريخ وهران وبايلك الغرب أيام حكمه، فنشر تبعا لذلك مقالين ضمن المجلة الإفريقية عامي 1856م – 1858م، واهتم في المقال الثاني بالحملات التي قادها ضد الجنوب بهدف إخضاعه. أما Berbrugger فقد كتب مقالا في المجلة الإفريقية (العدد 08) حول عودة الإسبان إلى وهران ثانية عام 1732م بعد أن حررها الباي بوشلاغم مدة 24 سنة، وما ترتب عن هذه العودة من نتائج.
في 1877م جاء مقال Lespinasse في المجلة الإفريقية حول قبائل الحشم جهة معسكر، وقد فصّل الحديث حول أصولها وعلاقاتها بالبايلك وببقية القبائل، وكانت الحشم معروفة بصفة المشاكسة لأنها قلّما هدأت أحوالها. وفي 1902م نشرت جمعية جغرافيا وآثار إقليم وهران دراسة مونوغرافية كتبها Fabre حول بلدية تيارت – آفلو المختلطة ضمّنها معطيات هامة حول الأرض وسهولها وجبالها ومواردها المائية وسكانها، معرّجا على تاريخ أهم قبائل المنطقة، وهو ما يسمح بتكوين صورة عامة عن جزء من بايلك الغرب وتفاعل الإنسان فيه مع محيطه الطبيعي.
أما Emerit فقد نشر في حوليات الاقتصاد والمجتمع والحضارة عام 1966م مقالا هاما حول القبائل ذات الامتيازات في الجزائر خلال النصف الأول من ق 19م، موضحا امتيازات قبائل المخزن مقابل دورها في إخضاع بقية القبائل، ومبرزا من خلال ذلك أهميتها في التمكين لسلطة البايلك.
وفي 1977م نُشر في مجلة الغرب الإسلامي والبحر المتوسط مقال لـ Pierre Boyer حول تاريخ قبائل بني عامر حتى ظهور قانون السيناتوس كونسولت، وقد شرح فيه بالتفصيل المراحل التي مرت بها علاقة هذه القبائل بسلطة البايلك متأثرة بخدمتها للإسبان ثم بتحرير وهران النهائي عام 1792م.
أما حوليات الجغرافيا فقد نشرت عام 1917م مقالا كتبه Bernard حول السكن الريفي لدى أهالي الجزائر، ورغم أنه كان يصف السكن كما شاهده في بداية ق 20م فإن ذلك لم يمنعه أبدا من تقديم صورة تاريخية حية لهذا السكن خلال القرون الأخيرة، وهو ما سمح لنا بالتعرف على جزء من مكونات الحياة اليومية التي كان الناس يعيشونها في الأرياف، سواء الأغنياء منهم أو الفقراء، معرجا على مسألة الترحال وأثرها على طبيعة السكن.
وفي سياق مشابه نشرت مجلة جغرافيا ليون في مجلدها رقم 38 الصادر عام 1963م مقالا هاما لـ Sivignon بعنوان “تطور الترحال في السهول العليا للغرب الجزائري” رسم فيه الخطوط العريضة لظاهرة الترحال وبيّن الحدود الطبيعية التي تبدأ عندها مناطقُ الترحال في الغرب الجزائري حيث تسود الخيمة وتزول مظاهر الزراعة ويعيش الناس والأنعام في أصعب الظروف التي تفرضها عليهم الطبيعة القاسية، كما عرّج على طبيعة سكن هذه الشريحة من المجتمع محاولا توضيح نوعية علاقة العزّال بصاحب المواشي وما يتعلق بذلك من قضايا مختلفة.
أما مجلة التاريخ الحديث والمعاصر في مجلدها الأول لعام 1954م فقد نشرت مقالا لـ Emérit حول واقع الجزائريين التعليمي عام 1830م دافع فيه عن أطروحته التي مفادها أن نسبة كبيرة من الجزائريين كانت في هذه السنة تحسن القراءة والكتابة، مشيرا إلى أثر الدين في ذلك، ومتحدثا أيضا عن الجماعات التي كونت المجتمع الريفي وعن المؤسسات التي كانت تؤطره.
وعن السياسة الدينية التي انتهجها العثمانيون في الجزائر كتب Boyer مقالا نشر عام 1966م شرح فيه أبعاد هذه السياسة، وبيّن الدور الكبير الذي قامت به المؤسسات الدينية ورجالاتها خصوصا في المجتمع الريفي. معرجا على موقف البايلك من العلماء المخالفين لتوجهاته، وعلى الصراع الذي كان بينه وبين المغرب الأقصى والذي صارت الطرق الدينية طرفا فاعلا فيه.
وانطلاقا من المادة المتحصل عليها اتبعنا الخطة التالية بهدف الإجابة على مجموع التساؤلات التي شغلتنا طيلة فترة إنجاز البحث، وبذلك تضمنت الرسالة ثلاثة أبواب، كل باب يتضمّن فصلين.
فأما الباب الأول فكان بعنوان “بايلك الغرب؛ إطاره العام ووضعه السياسي” وقد خصصنا الفصل الأول منه لرسم إطاره العام من خلال الحديث عن موقعه وحدوده ثم مدنه الرئيسية بهدف تعريف القارئ به، وذلك بعد بيان أهميته في حياة الإيالة. ثم عرجنا على ما قام عليه البايلك من منظومة إدارية وأخرى عسكرية حافظت على استمرارية سلطة الإيالة به رغم كثرة الصعاب التي واجهت البايات بحكم الظروف الخاصة التي عرفتها منطقة الغرب الجزائري والمتمثلة في الاحتلال الإسباني والصراع مع المغرب الأقصى.
ونظرا لأهمية الظرفين المشار إليهما سابقا كان الفصل الثاني حول التفاعلات السياسية التي عاشها البايلك مع القوى الخارجية المتمثلة أولا في المغرب الأقصى بحكم محاولات العثمانيين التوسع على حسابه، وما ترتب عن ذلك من ردود أفعال كان الريف جزءا من البيئة التي تحققت فيها.
أما القوة الخارجية الثانية فتمثلت في العنصر الإسباني من خلال وجوده بوهران والمرسى الكبير واستمالته لمجموعة من القبائل التي تحالفت معه، فأطالت في عمره وشكلت ثقلا كبيرا على بقية القبائل من خلال الجوسسة التي كانت تقوم بها لصالحه، والمشاركة في عمليات الغزو إلى جانبه، إضافة إلى المواد الأساسية التي كانت توفرها له.
وكان سكان الريف في كل هذا في الواجهة، حيث يضطرون إلى ترك أراضيهم واللجوء إلى أماكن أكثر أمنا ولو كانت غير ملائمة لحياتهم. وزاد من بؤسهم قيام ثوراتٍ بعضها ديني كالدرقاوية والتيجانية وبعضها سياسي كثورة بوكابوس.
الباب الثاني كان حول الوضع الاقتصادي في الريف وقد بدأناه ضمن الفصل الأول ببعض القضايا الأساسية مثل الملكية وما يتعلق بها من معطيات كعدم تفتيتها من قبل البايلك باعتبار أن نية الاستيلاء على الأرض بهدف “الاستيطان” لم تكن واردة لدى الحكام الأتراك، عكس ما سيقع منذ بداية الاحتلال الفرنسي.
ثم عالجنا مسألة علاقة الريف بالمدينة ومساهمته في دعم اقتصادها، ثم تطرقنا إلى الضريبة بين ما يمليه الواجب الديني لدعم خزينة “الدولة الإسلامية” وبين التعسف الذي تعرض له سكان الأرياف وصار يشكل ثقلا شديدا عليه، مدعوما بثقل آخر شكله سوء الأحوال الصحية وكثرة الأوبئة وسوء الظروف الطبيعية.
أما الفصل الثاني من الجانب الاقتصادي فخصصناه للنشاط الاقتصادي الذي مارسه سكان الأرياف بدءا بالزراعة التي شكلت عصب الحياة الاقتصادية الريفية، ووصولا إلى التجارة التي تبرز مدى حيوية هذا الوسط الريفي، مرورا بنشاط صناعي ظل محدودا بشكل عام.
الباب الثالث خصصناه للوضع الاجتماعي، فكان الفصل الأول منه للحديث عن سكان أرياف بايلك الغرب، من حيث العدد والتوزيع والأقسام الكبرى، وذلك بعد بيان أهمية القبيلة في اجتماع هؤلاء السكان، فهي الوعاء الذي ذابت فيه أنانية الأفراد، وهي الإطار الاجتماعي الذي انتظمت فيه مظاهر التضامن بينهم. ولذلك حاول الفرنسيون ضرب المجتمع في الصميم حين روّجوا لسلبية الانتماء للقبيلة وما ينتج عنه من “عشائرية”، ليُظهروا في المقابل أن الفضل في جمع شمل القبائل وإحقاق الحق بينها من خلال سيادة القانون إنما يعودان إلى الإدارة الفرنسية.
أما الفصل الأخير وهو التفاعل الاجتماعي فتركز البحث فيه على دور الجماعة في تأطير السكان، وهي هيئة تعاقدية أقامها المجتمع لتضييق الخناق على الانفلات الأمني المحتمل بطغيان مجموعة على أخرى في مسائل الميراث وحقوق المرأة والديون وإزهاق الأرواح، أو لتأمين تأطير اجتماعي جاد من خلال مظاهر التضامن المختلفة وعلى رأسها التويزة. وهذا كله يلفت الانتباه بقوة إلى غياب سلطة البايلك المباشرة في الريف العميق.
كما جاء الحديث عن المرابطين والطرق الصوفية لبيان مدى تأثير هذه الشخصيات وهيئاتها الدينية في مجتمع ريف بايلك الغرب من خلال التكفل بالتعليم والفتوى، ولكن أيضا من خلال تعبئة المجتمع وتحريكه إما للخضوع للبايك وإما للثورة ضده.
وعرجنا في الفصل الأخير على بعض المظاهر الاجتماعية الإيجابية في المجتمع الريفي كالتكافل الاجتماعي والزواج والخصوبة والطعام واللباس والدفاع عن الأعراض ومكانة الشِّعر ودور المرأة والطفل وطبيعة الاحتفالات في الأفراح كالعيد والعقيقة والختان. كما تحدثنا عن بعض المظاهر السلبية في نظر المجتمع آنذاك كشرب القهوة والدخان، ومواقف أهل العلم منها والذين اعتبروها من مظاهر قلة الحياء.
استنتاجات:
كان بايلك الغرب جزءا من الجزائر العثمانية، وكانت له أهمية كبيرة باعتبار المساحة الهامة التي كان يشغلها، والتي تمتد شرقا من دار السلطان وبايلك التيطري حتى حدود المغرب الأقصى غربا، ومن البحر المتوسط شمالا حتى الصحراء جنوبا مكتسحا الأطلسين التلي والصحراوي والهضاب العليا الغربية.
ويمتلك البايلك بعضا من أجود الأراضي الزراعية في الجزائر متمثلة في سهول كثيرة أهمها سهول وهران وسيدي بلعباس وتلمسان وغريس والسرسو وسعيدة، كما تجري فيه مجموعة من الأودية أهمها الشلف في جهته الشرقية، ومينا وواصل والهبرة وسيق ووادي الحمام وغيرها.
لقد كانت هذه البنية التحتية في الريف كافية لمزاولة مجموعة من النشاطات الاقتصادية وعلى رأسها الزراعة وتربية الحيوانات، ودعم المدينة تبعا لذلك، غير أن الظروف العامة كثيرا ما أجبرت الفلاح على التحول إلى الرعي وترك الزراعة، وبذلك تخلى عن الاستقرار الذي هو دعامة الفعل الحضاري، وصارت حياته أقرب إلى البدائية منها إلى التحضر.
أما من حيث السكان فقد عرف البايلك حركية سكانية واسعة ميزتها الانقسامات التي صنعتها السياسة. حيث صارت القبائل في الريف منقسمة إلى مخزن ورعية ومتحالفين مع النظام هم أقرب إلى المخزن، وقبائل أخرى امتنعت عن دفع الضريبة لكنها دفعت ضريبة من نوع آخر بهجر أراضيها واللجوء إلى الأراضي الجبلية وهوامش الصحراء.
ورغم هذا الضيق الذي عرفه سكان الأرياف فإنهم حاولوا أن يعيشوا حياتهم بشكل شبه طبيعي يزاولون الزراعة والرعي حسب مقتضيات الظروف، وينعمون بعلاقات اجتماعية واسعة، ويعيشون بعاداتهم وتقاليدهم، يؤطرهم شيوخ القبائل ورجالات الزوايا خصوصا في مسائل القضاء والفتوى والتعليم، وحتى فيما تستوجبه الحياة اليومية من بيع وشراء وسلم وحرب وصلح وخصومة.
أما من الناحية السياسية فقد مثل بايلك الغرب الواجهة العسكرية لإيالة الجزائر بقربه من إسبانيا واحتوائه على وهران والمرسى الكبير المستعمرتين منذ بداية ق 16م، ولذلك ظل طابعه مختلفا مقارنة ببقية البايلكات، خصوصا وقد تأثر بوقوعه على حدود المغرب الأقصى الشرقية من خلال الصراع المستمر بين البلدين والذي انعكس على قبائل المنطقة التي عرفت – في ظل هذه الظروف – حركية مستمرة لم تنته حتى بعد دخول الاستعمار الفرنسي.
إن التحالف الذي تم بين الإسبان في وهران وبعض القبائل القريبة منها أمدّ في عمر الاحتلال حيث مثّـل بنو عامر وقيزة وكرشتل وأولاد علي وغيرهم قاعدة خلفية زودت الحاميات الإسبانية بما احتاجت إليه على مدى أكثر من قرنين ونصف القرن. ولذلك كان موقف السلطة والمجتمع على السواء منها موقفا متصلبا، حيث لم يتوانَ البايلك في قمعها كلما كانت الفرصة سانحة، ولم يتأخر العلماء في فضح أفعالها والتشنيع بها وبيان موقف الشرع منها.
وفي إطار هذه المواقف صارت قبائل بايلك الغرب خلال هذه المدة الطويلة مجبرة على النزوح من أراضيها إلى أراضي غيرها، وكثيرا ما اشتد الصراع بينها، وهو ما استغلته السلطة فقربت بعضها وسمته قبائل المخزن لتضغط به على مجموع سكان الريف المعروفين بالرعية، وهم الذين وقعت عليهم أعباء دفع الضريبة وخدمة البايلك. وحتى تتفادى خروج بعض هذه القبائل عن طوعها وتضمن مزيدا من الهدوء عمدت إلى استخدام الشخصيات المرابطية البارزة والقبائل ذات النفوذ الديني.
وإذا كانت خزينة البايلك قد استفادت من الجهاد البحري زمنا طويلا فإنها تأثرت سلبا منذ منتصف ق 18م بالتحولات التي عرفها حوض البحر المتوسط، وهو ما جعل السلطة تلتفت إلى الداخل لتوفر ما يلزمها من أموال، وكان نصيب الريف من هذا العبء وافرا جدا. غير أن الضغط الذي مارسه البايلك لتنفيذ سياسته هذه لم يمنع من قيام ردود أفعال قوية أطرتها الطرق الدينية في معظم الحالات.
لقد أدى تحرير وهران في 1792م إلى تراخي العلاقة التي طالما جمعت هذه الطرق الدينية بالبايلك في إطار الجهاد ضد المسيحيين، وهو ما عبرت عنه الرعية من خلال رفض دفع الضريبة مدعومة من قبل الدرقاوية والتيجانية. ولذلك عرف بايلك الغرب منذ الربع الأخير من ق 18م ثورات متتالية لم تتوقف حتى انهار الحكم العثماني في الجزائر. ولم يكن موقف القادرية من السلطة مختلفا خصوصا مع الاستفزازات التي تعرض لها رجالاتها كالشيخ محي الدين والد الأمير عبد القادر.
أما من الناحية الاقتصادية فقد ساهم الريف – باعتباره القاعدة التي يرتكز عليها اقتصاد الإيالة – في دعم الخزينة بالضريبة، وتزويد المدن بالمواد الأولية الضرورية للصناعة كالحبوب والأصواف والجلود، والتقليل من شبح المجاعة من خلال الإنتاج الذي كان يوفره. كما ساهم سياسيا بالمشاركة في مقاومة الوجود الإسباني ورد محاولات التوسع المغربية.
غير أن هذه المزايا كلها لم تفتح أعين البايلك على ضرورة الاهتمام بالفلاح ودعمه، فقد فُرض عليه الجمود حين حيل بينه وبين التوسع في الأراضي السهلية، وأجبر على الانغلاق على نفسه في المناطق الجبلية كالونشريس وطرارة، فانطوى بممارسة الرعي المتنقل بالهضاب العليا وسهول وهران، وأثقلت كاهلَه الضرائب، وبذلك أحس بالتهميش، وانتهى هذا الإحساس بالثورة.
وإذا كانت هذه الثورات موضوعية في نظر الكثير من الباحثين فإنها في المقابل أفقرت المجتمع الريفي كما أنهكت قوى النظام، فعوض العمل على تطوير جوانب الحياة المختلفة – كما كان الحال في قارة الثورة الصناعية – بُددت الطاقات في هذا الصراع الذي استغلته فئات معينة – كأثرياء المدن والتجار اليهود والوكالة الإفريقية – لجمع الثروة وخدمة المصالح الأجنبية، في الوقت الذي كانت السلطة غافلة عما يحاك ضد البلاد في المحافل الدولية.
لم يكن الريف في الغرب الجزائري إذًا بمنأى عن التحولات الخطيرة التي عرفتها المنطقة في إطار تحرك الآلة الاستعمارية، ولعل ماحدث بعد 1830م مباشرة يدل على المسؤولية العظمى التي تكفّل سكان الريف بحملها من خلال المشاركة في مقاومة الأمير عبد القادر والتصدي للتوسع الاستعماري الفرنسي، متحملين أعباء ترك الأرض والانتقال من جهة إلى أخرى.

* ناقش الأستاذ كمال بن صحراوي بكلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية بوهران – الجزائر – يوم 16/01/2014 رسالة دكتوراه في التاريخ الحديث موسومة بـ ” الأوضاع العامة في ريف بايلك الغرب الجزائري أواخر العهد العثماني” ونال بها درجة “مشرف جدا” إضافة إلى تشجيع من لجنة المناقشة على نشرها. 

3 تعليقات على “الأوضاع العامة في ريف بايلك الغرب الجزائري أواخر العهد العثماني”

  1. بالفعل لا يمكن فصل الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية في الريف عن المدينة او الحضر في العهد العثماني
    لذلك جاءت هذة الرسالة كمقدمة لما سياتي من دراسات فشكراااااا لكم
    و مزيدااا من الرسائل فيما يخص تاريخ الجزائر ابان العهد العثماني

  2. بالفعل لا يمكن فصل الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية في الريف عن المدينة او الحضر في العهد العثماني
    لذلك جاءت هذة الرسالة كمقدمة لما سياتي من دراسات فشكراااااا لكم

  3. سلام عليكم اخي الكريم.اتمنى لك المزيد من التالق والنجاح. انا طالبة2 ماستر تخصص تاريخ الحديث هل يمكنك افادتي في مذكرتي بعنوان وكلاء الجزائر في ازمير ولله فانا في حاجة ماسل للمساعدة كون الموضوع جد صعب عليا. ولله ولي التوفيق.شكرا تحياتي…….ارجوا الرد على السريع

شارك برأيك