القانون والتاريخ في عصمة التغيير

تبدو الحياة مجردة من الحق و العدل من غير قانون يضبط سلوكات البشر و يردع مخالفاتهم و يقرر لهم عقوبات تسكن لوعة الإجرام فيهم حتى لا تتكرر ظاهرة العود بطلاقة الذنب لتزلزل كيانات بريئة في أرواحها و كرامتها و حقوقها المصانة شرعا و قانونا..
و عليه ، فان مهمة القانون مهمة نبيلة و راقية جدا حينما يحقق في الفرد المدني إحساسا بالأمان و الطمأنينة ، حيث يجب عدم خلط المهام فيما بين التاريخ و مرجعية القانون كآلية لحفظ التاريخ و الذاكرة التاريخية دون حاجة ماسة إلى قواعد يمليها العقل المحلل و القلق في نفس الوقت خوفا من ضياع معالم رسمها أبطال فيما مضى فزينت المتاحف أقبيتها بترديدات آثار المجاهدين و المستشهدين في سبيل الوطن و الحرية و العدل و السلام ، لينتقل هذا الصياح إلى خارج المتاحف فتحتضن آهاته منظمات حقوقية تسعى للحفاظ على الإنسانية في اعتراف أكيد أن لكل إنسان الحق في العيش بسلام في اكتساب مشروع لحقوق و آداء لواجبات يمليها الضمير أولا و من ثم يترجمها الفعل الواعي و المدرك لحقيقة البناء و التشييد لصرح كل دولة ليست تحميها حدود و فقط و إنما يطوقها تاريخ حافل بأحداث و أساطير تكسب للدولة ذاتها شموخا و كبرياءا في أن ما مضى نقش بماء نفيس هو أغلى بماء الذهب ..إنها دماء تقية و زكية أبت إلا أن تسقي أراضي أحبها كل مضحي و كل محب لوطنه ، و للقانون دور آخر في كفاية كل محاولة لمسح الذاكرة أو تغييرها أو إعطائها صورا و تقارير لا تمت بصلة بمبادئ و قومية الدولة القانونية.
إن المكسب الديمقراطي يجسده بحث جاد و نزيه في الذاكرة التاريخية يتبعه تنديد بكل من تسول له نفسه أن يسيء لثوابت أبدية الاستقرار في أقلام تلح بإصرار أن الكرامة و الحرية خط احمر لا يمكن تجاوزه ، و المدافعون باسم القانون يتسلحون بسلاح الأحقية في الدفاع عن المكاسب و الممارسة الديموقراطية الحقة بشرعية مدروسة الأبعاد و منقحة في المضمون وفق ما يساير تطورات العصر و انعكاس الأحداث و المتغيرات الراهنة التي تحدث في العالم العربي خاصة ، فلا احد بقي في منأى عن موجة الاضطراب هذه ، لكن يبقى للتغير الحقيقي عصمة أكيدة في أن يحافظ على قواعد القانون و الذاكرة التاريخية لأنهما عمادة القوامة لأي دولة ، فحتى لو هبت رياح مجهولة المنبع تريد إحداث فوضى أو زعزعة استقرار أو إرباك سواعد تعبت لتحصيل المراد فان قوة مضادة ستقف حائلا لحفظ الأمان و السلام..إنها سواعد المثقفين بأقلامهم و المدافعين باسم القانون أيا كانت وظيفتهم
فمثلما كان يقال أن القاضي ليس بوقا يردد القانون ، فان القانون ليست كلمة تترك للتداول دونما تطبيق فعلي لبنود الصرامة و النظام منها ، و مد جسور التغيير تنطلق من معرفة أن الإرادة و الكفاءة موجودتان و الأيدي النقية ممدودة و النيات الطيبة حاضرة غير محجوب على رغبتها الأكيدة في التغيير بعيد عن كل توتر أو قلق آو إحباط ، فلغة التفاهم بين الأجناس المتنوعة وجدت لها وسيلة للتفاهم و التوافق و الانسجام لتصبح العلاقة مترابطة كترابط الفاعل بالمفعول به و إني أشبه ترابط القانون و التاريخ بنموذج جميل لهذه العلاقة المتماسكة و المتتالية في نفس الوقت فلا القانون يطبق بعيدا عن فهم فصول التاريخ لأي دولة و لا التاريخ يكتب و يوثق من غير قانون يؤطر له مجاله الشرعي من الحقيقة و الواقعية مثلما تجسد فعلا في أحداث الماضي من حروب و ثورات و إحصاءات و انجازات و مراسيم مبدعة في تدشين معالم تشهد بالصور الصامتة داخل المتاحف و تحت مظلات المقامات التي تتكلم بلغة الفخر دائما ، و خير كلام يقال حينما يتجول السائح أو المواطن أو الزائر لأي متحف أو محكمة أو مجسدة تاريخية أو قانونية أن هبة أي دولة ترتسم هنا و أي نية في التغيير حتما ستنطلق من هذه الأعمدة المتينة ، ليصبح للتغيير مستقبلا عصمة لا يمكن منحها لأي مشروع آخر لأنه لا يتصور أي فكرة آو مقترح ينافس التغيير في الإتيان بالجديد و المتجدد و المتطور و المستحدث و بالأخص المواكب و المساير لعقيدة ترسم خطوات التوفيق و النجاح من منطلق التمكين بديمومة المبادىء و الثوابت و التي لن تجد لها آلية فعالة في الحماية إلا تحت مظلتي : القانون و التاريخ…

شارك برأيك