خصوصية الإثبات في الأملاك الوقفية في التشريع الجزائري

يعرف قطاع الأوقاف في الجزائر اهتماما متزايدا من الدوائر الرسمية ذات الشأن وعلى رأسها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، كذا على المستوى الأكاديمي صارت الأوقاف وما تطرحه من إشكاليات وانشغالات مثار بحث وتنقيب من الأساتذة والباحثين، وهذا فيه تأكيد على أهمية الأوقاف كمرتع خصب للتنمية ومصدر من مصادر التمويل الإقتصادي، والأهم من ذلك كله هي ميدان للتنافس في سبل الخيرات وأبواب البرّ.

أيضا على المستوى التشريعي، اهتم المشرع القانوني الجزائري بالأوقاف؛ حيث أصدر في هذا الإطار حزمة من القوانين والنصوص التنظيمية على رأسها قانون الأوقاف رقم 91 – 10 المؤرخ في 27 أبريل 1991[1] المعدّل والمتمّم بالقانون رقم 02 – 10 المؤرخ في 14 ديسمبر 2002 [2] وهو آخر تعديل له بعد القانون رقم 01 – 07 المؤرخ في 22 مايو 2001 [3].

وقد نص القانون 91 – 10 المعدّل والمتمّم المشار إليه أعلاه على الإثبات في المادة 35 بالقول: “يثبت الوقف بجميع طرق الإثبات الشرعية والقانونية مع مراعاة أحكام المادتين 29 و 30 من هذا القانون”.

قراءتنا لهذا النص القانوني تُشير إلى عديد الملاحظات التي تَبِينُ عن خصوصية إثبات الملك الوقفي:

1- إن وسائل الإثبات في الأملاك الوقفية متنوعة ومتعدّدة، وهي على تنوّعها وتعدّدها غير محصورة في وسائل بعينها أو مقصورة على وسائل دون أخرى، وهذا واضح من عبارة: “…بجميع طرق الإثبات الشرعية والقانونية…”.

2- أيضا في سياق الملاحظة الأولى؛ وبمقارنة بسيطة بين الإثبات في الأملاك الوقفية من جهة والإثبات في المواد (المسائل) المدنية (في القانون المدني) والإثبات في المواد (المسائل) التجارية (في القانون التجاري الجزائري) من جهة أخرى؛ ننتهي إلى النتيجة الآتية:

إن الإثبات في القانون المدني الجزائري رقم 75 – 58 المعدّل والمتمّم، المؤرخ في 26 سبتمبر 1975[4] محصور في خمس وسائل إثباتية نصت عليها حصرا لا مثالا المواد: 323 – 350؛ وهي ترتيبا: الكتابة، الشهود، القرائن، الإقرار واليمين. وعليه لا يُمكن إثبات أيّة واقعة مدنية إلا بهذه الوسائل، وأيّ إثبات يقع خارج نطاق هذه الوسائل فإنه يقع باطلا ولا يُحتج به.

وهنا قد يعترض بعضهم على هذا الطرح مُستدلا بنص المادة الأولى من القانون المدني: “يسري القانون على جميع المسائل التي تتناولها نصوصه في لفظها أو في فحواها. وإذا لم يُوجد نص تشريعي، حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم يُوجد فبمقتضى العرف. فإذا لم يُوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة”.

قد يرى هؤلاء المعترضون أن القاضي يُمكنه أن يقبل من الخصوم (الأطراف في الدعوى) الإثبات بمقتضى وسائل الإثبات في فقه الشريعة الإسلامية (الفقه الإسلامي) إذا لم يتمكنو من إثبات حقوقهم بأحد وسائل الإثبات المدني الخمس المشار إليها؛ وهذا من وجهة نظري اعتراض مردود من جهة أن حكم القاضي بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية إنما يكون في حالة غياب نص تشريعي في القانون المدني، ومعلوم أن الإثبات المدني قد نص القانون على وسائله صراحة على سبيل الحصر كما تقدّم التنبيه، وليس للقاضي أنْ يُمكّن المدعي من وسائل إثبات أخرى عدا تلك الوسائل المنصوص عليها.

وعلى خلاف الإثبات في القانون المدني فإن الإثبات في القانون التجاري غير محصور في وسائل بعينها أو مقصور عليها دون غيرها؛ حيث نصت المادة 30 من القانون التجاري رقم 75 – 58، المؤرخ في 26 ديسمبر 1975 المعدّل والمتمّم[5]: “يثبت كل عقد تجاري:

1- بسندات رسمية،

2- بسندات عرفية،

3- فاتورة مقبولة،

4- بالرسائل،

5- بدفاتر الطرفين،

6- بالإثبات بالبينة أو بأيّة وسيلة أخرى إذا رأت المحكمة وجوب قبولها”.

الشاهد في هذا النص عبارة الفقرة السادسة الأخيرة: “…بأيّة وسيلة أخرى إذا رأت المحكمة وجوب قبولها”؛ هي عبارة تُشير بوضوح إلى أن الإثبات التجاري غير محصور في وسائل محدّدة كما في الإثبات المدني؛ فيُمكن إثبات الالتزامات التجارية بأيّة وسيلة من وسائل الإثبات المتاحة قانونا في التشريع القانوني الجزائري.

غير أن هذا الإثبات كقاعدة عامة يجري عليها الإستثناء يبقى مقصورا على وسائل الإثبات القانونية دون غيرها من وسائل الإثبات الشرعية المتاحة في فقه الشريعة الإسلامية، ويبقى مقيّدا بموافقة المحكمة وتقديرها في غير الإثبات بكل من السندات الرسمية، السندات العرفية، الفاتورة المقبولة، الرسائل، الدفاتر والبينة؛ معنى ذلك قد ترى المحكمة وجوب قبول وسيلة أخرى من وسائل الإثبات عدا الوسائل المنصوص عليها في المادة 30 أعلاه حتى وإن كانت وسيلة مقرّرة في الشريعة الإسلامية إن أجازها القاضي المختص إقليميا وموضوعيا ورأى وجوبها، ويجري قبولها هنا مجرى الإستثناء.

أما بالنسبة للإثبات في مسائل الملك الوقفي؛ فقد تقدّم أن المشرع القانوني الجزائري لم يحصره في وسائل محدّدة؛ فقد جعل هامش الإثبات واسعا بحيث يستوعب جميع وسائل الإثبات المتاحة شرعا وقانونا دون استثناء، فيمكن الإثبات بما اتفق من الوسائل.

3- وفي سياق الملاحظة الثانية؛ وبما أن عبارة: “…بجميع طرق الإثبات الشرعية والقانونية…”؛ فيها تأكيد على أن إثبات الملك الوقفي مُتاح بأية وسيلة من وسائل الإثبات المقرّرة في الشريعة الإسلامية وفي التشريع الوضعي الجزائري، نجد فيها تأكيدا آخر على أن أحكام ونصوص الشريعة الإسلامية مصدر أصيل لأحكام الوقف في التشريع القانوني الجزائري؛ ومئنّة ذلك تقديم الإثبات بالطرق الشرعية على الإثبات بالطرق القانونية.

4- أخيرا عند مراجعة النصوص التنظيمية لوسائل إثبات الأملاك الوقفية: نجد أن المشرع القانوني الجزائري لم يذكر لها نماذج كثيرة، ومن وجهة نظري تبقى وثيقة الإشهاد المكتوب أحد أهم هذه الوسائل؛ وتبدوا أهميتها من الخصوصية التي تتمتع بها؛ كونها جمعت بين الشهادة والكتابة؛ فهي إشهاد من شخص عدل جامع لأوصاف الشهادة وشرائطها، تُحرّر شهادته في وثيقة مكتوبة وفق وضعيات ومقتضيات وشروط شكلية حدّدها الأنموذج الملحق بالمرسوم التنفيذي رقم 2000 – 336، المؤرخ في 26 أكتوبر 2000؛ يتضمن إحداث وثيقة الإشهاد المكتوب لإثبات الملك الوقفي وشروط وكيفيات إصدارها وتسليمها [6].

ولا غرو أن توثيق الشهادة بالكتابة أدعى في إثبات الملك الوقفي من كتابته فقط أو شهادته فقط مع الإقرار بالقيمة الشرعية والقانونية لكل من الكتابة والشهادة كوسيلة للإثبات؛ على الرغم من أن الكتابة قد يلحقها التبديل أو يعتريها التزوير، وكذلك الشاهد قد تكون فيه مطاعن ومثالب ربما لا يُنتبه إليها أو عارض من عوارض الأهلية أو عيب من عيوب الرضا (الإرادة) التي يُغفل عنها.

الهوامش:

[1] – أنظر: الجريدة الرسمية الجزائرية، السنة 21، العدد 28، الصادر في 8 مايو 1991، ص 690.

[2] – أنظر: الجريدة الرسمية الجزائرية، السنة 12، العدد 78، الصادر في 30 سبتمبر 1975، ص 990.

[3] – أنظر: الجريدة الرسمية الجزائرية، السنة 38، العدد 29، الصادر في 23 مايو 2001، ص 7.

[4] – أنظر: الجريدة الرسمية الجزائرية، السنة 39، العدد 83، الصادر في 15 ديسمبر 2002، ص 3.

[5] – أنظر: الجريدة الرسمية الجزائرية، السنة 12، العدد 101، الصادر في 19 ديسمبر 1975، ص 1306.

[6] – أنظر: الجريدة الرسمية الجزائرية، السنة 37، العدد 64، الصادر في 31 أكتوبر 2000 ، ص 26.

تعليق واحد على “خصوصية الإثبات في الأملاك الوقفية في التشريع الجزائري”

شارك برأيك