اللسانيات الإشراقية عند ابن عربي 2

مدارج التكوين بين اللغة والوجود:

إذا استقر في نفسك أن الإنشاء الإيقاعي الذي به أوجد الباري سبحانه وتعالى الكون إنما هو جملة لفظ (كن) سبقته الإرادة التكوينية التي ليس بينها وبين إيجاد الفعل مسافة زمنية مقيسة ومعقولة ، اتضح لك فيما بعد أن إطار التكوين له مدارج يمكن أن نقسمها إلى قسمين على ما سيتضح لك فيما بعد ، وكلها راجعة لأنماط التواصل الجلالي أو الجمالي السابقة الذكر.

المرتبة الأولى: ونسميها التكوين الفوري، وهو تكوين يأتي دفعة واحدة ليس بينه وبين إنشائه الخطابي مسافة.وهو دليل الخلق المطلق الذي اختص به الباري.

المرتبة الثانية: ونسميها التكوين التدرجي، وهو تكوين يأتي على سنن التدرج في الإيجاد بين الفعل الإنشائي والإيجاد ذاته. وهو دليل الحكمة المطلقة فيما تقتضيه الأبنية بحسب الجهد وهو مبدأ تعليمي تأديبي بيداغوجي.

وابتداء الجسوم الإنسانية عند ابن عربي على أربعة أنواع تختلف نشأتها في السببية مع الاجتماع في الصورة الجسمانية والروحانية، فهناك:

– جسم آدم: خلقه من تراب (إني خالق بشرا من طين) (سورة ص، الآية71)، وزوده بالقوة الجاذبة والدافعة والهاضمة والقوة الخيالية والوهمية والحافظة، “وهذا كله في الإنسان بما هو حيوان لا بما هو إنسان فقط، غير أن هذه القوى الأربعة قوة الخيال والوهم والحفظ والذكر هي في الإنسان أقوى منها في الحيوان، ثم خص آدم الذي هو  الإنسان بالقوة المصورة والمفكرة والعاقلة فتميز عن الحيوان، وجعل هذه القوى كلها في هذا الجسم آلات للنفس الناطقة لتصل بذلك إلى جميع منافعها المحسوسة والمعنوية(23)

– جسم حواء: وأصلها كما هو معروف ضلع آدم، وقد سبق في علم الله إيجاد التوالد والتناسل في هذه الدار لأجل بقاء النوع، وقد كانت من الضلع للانحناء الذي في الضلع لتحنو بذلك على ولدها وزوجها، فحنو الرجل على المرأة حنوه على نفسه لأنها جزء منه، وحنو المرأة على الرجل لكونها خلقت من الضلع ، والضلع فيه انحناء وانعطاف، كما أن مجيئها لتقوية ركن التواصل في الحياة وإغنائه(24)

– جسم عيسى:يقول تعالى(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) (آل عمران، الآية59). فالضمير يعود على آدم ، وقد وقع الشبه في خلقه من غير أب أي أن صفة نشئه كصفة نشء آدم إلا أن آدم خلقه من تراب ثم قال له كن، ثم إن عيسى على ما قيل لم يلبث في بطن مريم كما يلبث سائر الأولاد، لأنه أسرع إليه التكوين من حيث جعله الله آية وحجة في التواصل والاستدلال على قدرته سبحانه، وفيه رد على الطبيعيين الذين يحكمون على الطبيعة بما أعطتهم من العادة لا بما تقتضيه مما أودع الله فيها من الأسرار (25).

– أجسام بني آدم: وهي دليل الاستمرار والحكمة والاستخلاف، وقد جاءت من التناسل الطبيعي بين آدم وحواء وأبنائهما على ما تقتضيه سنن الالتقاء والتعارف(يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (الحجرات،13).

والإنشاء الأول عند ابن عربي كان على الفطرة ، يقول الشيخ الأكبر شارحا هذا المعنى “والفطر الفتق، ومنه كل مولود يولد على الفطرة، وأول ما فتق الله أسماع المكونات في حال إيجادها وهي حالة تعلق القدرة بين العدم والوجود بقوله(كن) فتكونوا بأنفسهم عند هذا الخطاب امتثالا لأمر الله ، وتلك كلمة الحضرة، وأول ما فتق أسماعهم به وهم في الوجود الأول قوله(ألست بربكم قالوا بلى)(الأعراف،172) فهذا خصوص بالبشر والتكوين عموم، وأول ما فتق به ألسنتهم بقولهم:بلى.”(26)

وهو تصور يؤسس للتواصل الإلهامي الذي يستمر إشعاعه في ذات العبد وفي عبادته، يقول ابن عربي  في معرفة أسرار الصلاة وعمومها: “يقول العارف: سجد وجهي أي حقيقتي، فإن وجه الشيء حقيقته للذي خلقه أي قدره من اسمه المدبر، وأوجده من اسمه القادر البارئ المصور” وشق سمعه بما أسمعه في(كن) (البقرة، 117) وأخذ الميثاق ثم التكليف، وبصره بما أدركه ليعتبر في المبصرات فإن ذلك في حق هذه النشأة وأمثالها كما فطر السماوات والأرض وفتقهما بعد رتقهما ليتميزا، فيظهر المؤثر والمؤثر فيه لوجود التكوين”(27) .

وبهذا تتحقق حقيقة الصلاة باعتبارها عند ابن عربي قمة التواصل بين الخالق والمخلوق، وهي أقرب أنواعه على الإطلاق حيث أقرب ما يكون العبد إلى مولاه وهو ساجد(اسجد واقترب) (العلق،19)، وفيها أقصى مظاهر التجلي الروحاني . يقول الحاتمي” ثم إنه ليس في العبادات ما يلحق العبد بمقامات المقربين، وهو أعلى مقام أولياء الله تعالى من ملك ورسول ونبي وولي ومؤمن إلا الصلاة”(28).

وعند ابن عربي يرقى العبد حتى يتحقق له السجود الكامل وهو سجود القلب ، ” فمن سجد اقترب من الله ضرورة”(29)

لاَ تُطِعِ النفْسَ الِتي مِنْ شَأْنِهَا****سَدْلُ الحِجَابِ عَليْكَ وَاسجُدْ واقْتَرِبْ

لاَ تَطْمَعَن بِهَا فَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا****وَاجْنَحْ إلى النورِ المُهَيْمِنِ وَاغْتَرِبْ

فَهُوَ الذِي أعْطَى الوُجودَ بِجُودِهِ****فَاعْمَلْ بِمَا يُعْطِي وُجُودُكَ تَقْتَرِبْ

ومسألة الاقتراب هذه في التواصل بين الله وعبده الساجد تفسيرها فيما يؤثره السجود من حميمية الاتصال بين المتخاطبين(30) لقرب المسافة Proximity المتوهمة بينهما، وما يحمله المتقرب(الإنسان) من مشاعر الحب والفناء إلى المتقرب منه(الله)، وظلال هذه القضية عرفية تداولية كرستها تقاليد العرب في تعارفهم ومراسيم استقبالهم واحتفالهم ومخاطباتهم.

ومن هذا يظهر أن إقام الصلاة هو إقام لضرب من التواصل الذي يحتاج منا إلى توقف طويل ليس هذا محل بسطه، باعتبار الصلاة سلوكا، وكل سلوك كما يذهب فاتسلافيك وأصحابه رسالة وتواصل(31).

وإذا استقر عندك هذا ، قلنا : إذا كان التواصل كما عند هابرماس يحيل على رهان أساسي وعميق، يتمثل في تشييد مجتمع ينبني على قبول الآخر(32) فإن الصلاة تتجاوز هذا الرهان في اتجاه أنطلوجي أكبر ينبني على القبول/الإيمان بالله صاحب هذا الوجود، في حين يبدو رفض الصلاة أو إنكارها هدما لهذا الضرب من التواصل الجوهري.

السرعة ودليل ما ثم إلا الله:

في القول الإنشائي الأول (الأمر بالوجود)، يشبه الحق سبحانه سرعة التنفيذ بلمح البصر لبيان أنه ما من شيء إلا وقبله الله في مرحلة تمهيدية ثُم ما ثَم إلا الله في مرحلة نهائية،  يقول :(وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)(القمر،50) إذ البصر لا شيء أسرع منه، وأبعد الأشياء في الحس الكواكب الثابتة التي في فلك المنازل، وعندما تنظر إليها يتعلق اللمح بها، فهذه سرعة الحس، فما ظنك بالمعاني المجردة عن التقييد في سرعة نفوذها، فإن للسرعة حكما في الأشياء لا يكون لغير السرعة، ومن هنا يعرف قول الحق للشيء(كن فيكون)،فحال (كن) الإلهية حال المكون المخلوق ، ولهذا أسرع ما يكون من الحروف في ذلك فاء التعقيب، فلهذا جاء بها في جواب الأمر،وينبه ابن عربي أنك إن أردت أن تعرف صورة نشء العالم وظهوره وسرعة نفوذ الأمر الإلهي فيه، وما أدركت الأبصار والبصائر منه، فانظر إلى ما يحدث في الهواء من سرعة الحركة بجمرة النار في يد المحرك لها إذا أدارها(33)، فتحدث في عين الرائي دائرة أو خطا مستطيلا إن أخذ بالحركة طولا أو أي شكل شاء، ولا تشك أنك أبصرت دائرة نار، ولا تشك أن ما ثم دائرة، وإنما أنشأ ذلك في نظرك سرعة الحركة وهو قوله(وما أمرنا) وهو قوله(كن) إلا واحدة كالجمرة كلمح بالبصر إدراك الدائرة وما هي دائرة، فذلك عين الصورة المخلوقة الظاهرة لإدراك العين، فتحكم من حيث نظرك ببصرك وبصيرتك وفكرك أنه خلق، وبعلمك وكشفك أنه حق مخلوق به ما ظهر لعينك مما ليس هو ، فهذا عدم في عين وجود(34). وعند إيميل بنفينست Emile Benveniste عملية التلفظ المختزلة والسريعة ضرورية لكي يكون للنص صفة الإنجاز(35)

كيف صار (أمره) كلمح البصر؟

يجيب ابن عربي في موضع آخر بأن “الضمير في أمره يعود على الوقوف، فاعلم أن الكيفيات لا تنقال ، ولكن تقال بضرب من التشبيه، فإن (واحدة) أي كلمة واحدة مثل لمح البصر، “(36) وينبه ابن عربي على أن هذا للإفهام والتوصيل، أي أنه من مقتضيات التخاطب التبسيطية المنافية للروح التركيبية التعقيدية التي تجلب الالتباس، وربما كانت السرعة في القلة أقل من هذا المقدار، بل مقداره الزمان الفرد المتوهم الذي هو يوم الشأن، وكذلك الروح الأمري في العقول وفي الأجسام الطبيعية، فمثل هذا لا يستبعده إلا من لا علم له بالأمور والحقائق(37).

وأنت إذا تأملت وجدت هذا التمثيل يقصد إلى تنبيه العقل إلى أنه ما ثم إلا الله، لأنه لا ثبات إلا له ولا بقاء إلا له ولا خلود إلا له، ومن كانت هذه أوصافه فهو سبحانه الحقيق بالعبودية والمحبة والفناء في ذاته، لأن ما سواه أشباح وأطياف وظلال لا قيام لها إلا به..

*-باحث في اللسانيات والفلسفة من المغرب

1 – يقول ابن عربي في الفتوحات”فإن العبارة تجوز منها إلى المعنى المقصود بها ولهذا سميت عبارة، بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنها ذات المشار إليه” ضبطه وصححه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 3/117.وعند ستيوارت ميل:أن ألفاظ الإشارة هي أفراد وما صدقات، وليست مفهومات.ينظر، أزولد وتزيفان: الدلالة والمرجع: دراسة معجمية، ضمن المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث، ترجمة عبد القادر قنيني،40-41.منشورات أفريقيا الشرق،ط2.

2 – Gregory Bateson, Mind and Nature: A Necessary unity. Flamingo; London; 1985; p 81-219.

3 – ابن عربي، الفتوحات المكية،3/116.

4 – ابن عربي، الفتوحات المكية، 4/257.

5 – ابن عربي، الفتوحات، 4/256.

6 – ابن عربي، الفتوحات، 4/255.

7 – ابن عربي، الفتوحات، مصدر سابق، 4/257.

8 – ابن عربي: الفتوحات.3/272.

9- Graham.K.J.L. A critique of ordinary language philosophy; p57-58.

10 – جون أوستينJohn Austin منطقي ولساني بريطاني(1911-1960)، درس الفلسفة في أوكسفورد (1952-1960)، لم تصدر له كتب، إلا أن مقالاته جمعت في :

– philosophical papers, 1961.

– sens and sensibilia, 1962

– how to do things with words,1962.

11 – Austine. How to do things withe words. P47.

12 –  ابن عربي: الفتوحات، مصدر مذكور،3/272.

13 – الفعل بالهمة عند ابن عربي يدخل ضمن التولية الإلهية، وهو من أعظم تأثيراتها من حيث إن النفس ناطقة لا من حيث الحرف والصوت المعتاد في الكلام اللفظي ، فإن الهمة من غير نطق النفس الذي يليق بها ، وإن لم يشبه نطق اللسان لا يكون عنها انفعال بوجه من الوجوه.  ينظر: الفتوحات، 3/103.

14 – فيلسوف أمريكي (1913-1988)، من أهم فلاسفة اللغة الذين كان لهم أثر كبير في توجيه الدرس الفلسفي للمعنى وكيفية تشكله من اللغة انطلاقا من فهم آليات التخاطب، صاغ نظريته في الدلالة القصدية من خلال محاضراته الشهيرة(محاضرات وليام جيمس)William James Lectures التي ألقاها بهارفارد سنة1968، ونشرت لاحقا سنة1975.

15 – Grice.H.P.” Logic and conversation”. In steven davis(ed),Pragmatics:A READER. NEW YORK; oxford university press, 1999.pp307-309.

16 – ابن عربي: الفتوحات، مصدر مذكور،3/273.

17 – يفهم هذا من خلال تقاطع إرادة التكوين وإرادة التكليف، إذ الأولى لا تتخلف في حين أن الثانية يمكن أن تتخلف.

18 – الفتوحات:1/213.

19 – خالد ميلاد: الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة، دراسة دلالية تداولية، نشر مشترك بين جامعة منوبة كلية الآداب منوبة و المؤسسة العربية للتوزيع تونس،2001، 133.

20 – ينظر، ابن هشام:شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، بيروت دار الجيل، 42.

21 – لجون سورل كلام جميل عن الإرادة والقصد والرغبة والإنشاء في كتابه عن القصدية، فليرجع إليه:

John Searle. Intentionality, Cambridge university press, 1983; p165-177.

22 – ينظر: سيبويه، الكتاب، 1/137.و أيضا1/298.تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، ط3.

23 – ابن عربي: الفتوحات، 1/191.

24 – ابن عربي: الفتوحات، 1/192.

25 – الفتوحات:1/193

26 – الفتوحات:2/281.

27 – ابن عربي: الفتوحات،2/85.

28 – الفتوحات:1/388.

29 – الفتوحات:7/278.

30 – Edward Hall. Silent Language .Doubleday. New york 1959.pp208-209.

Pierre Guiraud. La Sémiologie .que sais-je. Paris. 1971.pp104-105.

31 – Watzlawick, Beavin, Jackson. Une Logique de la Communication./ pragmatics of human communication,1967/ trad. Morche; seuil . p 46.

32 – Habermas, Morale et communication, Le cerf, 1986.

33 – الصواب ما أثبتناه ، وفي النسخة المطبوعة(أرادها)  بيد أن السياق لا يقبلها لأن المراد حركة التدوير وليس الإرادة.

34 – الفتوحات:2/473.

35 – E.Biniviniste. Problèmes de linguistique générale, Gallimard, paris; 271.

36 – الفتوحات:3/123

37 – الفتوحات:3/123.

تعليق واحد على “اللسانيات الإشراقية عند ابن عربي 2”

شارك برأيك