الكلام في الإصلاح

لا يشك ناظر في الخطاب الأخير لملك البلاد أنه جاء خطابا على الإصلاح ولم يكن خطابا في الإصلاح، وفرق ما بين “على” و”في” بين لمن له نصيب من فقه اللسان، فقد  تكلم الخطاب “على” الإصلاح فجاء بالكلام عن وسائل الحكم وأدواته وعن “الآخرين” مع ما تفيده”على” من فوقية وكلام عن السطح واستعلاء ومجاوزة كما يقرره أهل اللغة في معاني الحروف، ولم يتكلم “في” الإصلاح أي في جوهره و”داخله”، أو قل معي الكلام في”موقع المؤسسة الملكية التي هي مربط الفرس” في الإصلاح، ذلك أن السلطات التي يخولها الدستور للملك لا نهاية لها، وقد سبق أن قلنا بأن الحكم المطلق مفسدة مطلقة كما هو مشتهر في تاريخ سياسة البشر.

وحيث إن الكلام كان “على” الإصلاح ، فقد جاء مبشرا بكل شيء إلا بالإصلاح المنتظر، مثلما تكلم الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب عن كل شيء إلا التفسير كما يقولون، ودليل ذلك أنه تكلم “على التعديل” ولم يتكلم “في التغيير” الذي ينتظره شباب 20 فبراير، في الوقت الذي لا ينسى الناس أن لغة” التعديل” لم تكرس إلا مزيدا من الإغراق في “حكم الفرد” و”حماية وبسط أركان الاستبداد” منذ دساتير الستينات من القرن الماضي.

إنه لا يكون الكلام “في” الإصلاح بتوسيع صلاحيات المؤسسات، حتى وإن كانت مؤسسة البرلمان أو رئاسة الوزراء أو القضاء ما لم يتوغل الكلام “في”صلاحيات الملك التي إن لم يتناولها التحديد، كان كل كلام على الإصلاح ضربا من اللغو الذي لا يعني شيئا، مادامت سلطات الملك تتجاوز كل سلطة، فتحل البرلمان، وتنصب وتعزل خارج كل المساطر، بل وبكل المساطر، وتأمر وتنهى من غير حسيب ولا رقيب،إذ شرط من يتولى شيئا من أمور الناس بالإدارة أن يقبل الحساب ويتعرض إن هو أخل للعقاب كما بيناه في”باب في إصلاح الحكم” من كلام لنا سبق.

الكلام على الإصلاح لم يحرر ولم يحقق المناط كما يقول أهل الأصول، فذهب يتكلم فيما لم يخل منه أي خطاب سابق، أي ما هو مقصود بالتبع لا بالأصالة عند طالبه، تكلم في كل شيء إلا في العلة الموجبة للتغيير، وهو الحد من سلطات الحاكم ببناء دولة المؤسسات التي تعكس الإرادة والإدارة الجماعية معا كما تعكس المسؤولية والحكامة الراشدة، والتي يجري فيها تبريز القضاء النزيه والمستقل لمحل المشرف على كل سلطة بالقانون ، قانون لا يرتفع عليه أحد ولا يتفصى من سياطه وعقابه من يفاخرون الناس تارة بالعدد وتارة أخرى بالشرف أو بالسند.

إن مقتضى الكلام “في الإصلاح” أن يتوجه إلى تحقيق غرضين من نفس مادته الاشتقاقية والدلالية:

الأول: إلى طلب ما فيه “الصلاح” للأمة المغربية تحقيقا لا تقديرا، وقد ظهر لكل ذي نفس حرة أبية أن مكمن الصلاح في أن تعود الكلمة والسيادة للأمة لا للفرد، كما ترجح عند الفضلاء من الإسلاميين واليمين واليسار أن الصلاح لا يكون بمجاورة الفساد، وعليه وجب قطع دابره، فاليد المتآكلة يجوز قطعها لما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة وهو حفظ الروح. وإن الفساد قد عم بالحاشية والبطانة السيئة الحائطة بالحكم حتى استحال معها كل ذي شوكة من آل الفاسي وعصابة الهمة أميرا وحاكما، وتلك الطامة الكبرى.

الثانية: إلى طلب “المصالحة” الوطنية الحقيقية الشاملة لا الهاملة مع أبناء الشعب الذين تصرفت فيهم أيدي السلطة بالبطش والتنكيل جراء مواقفهم من الحكم وسوء تدبيره، فإن الإصلاح ما لم يبادر إلى الإقرار بأخطاء الماضي ويكف عن أخطاء الحاضر، ويجرم أصحابها، ويبادر إلى إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي فإن رهانه على الاستثناء رهان هش، ذلك أن حرية الناس وكرامتهم أمر مقدس وليس بالشيء الضائع في الغمار.

وفي نظرنا أنه لا تكون”مصالحة” والداخلية مصرة على لغة أشبه بالخشب في تعقب كل من يعبر عن”اختلافه”، وتهديده وإلحاق الضرر به، كما لا تكون مصالحة باتهام كل من يختلف مع ” الخطاب الرسمي” بالعمالة والخيانة ، إنها متاجرة صريحة بمفهوم”الوطنية” لابد أن تكون لها عواقب وخيمة على العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

إننا نعتقد أن الكلام “في” الإصلاح يجب أن لا يتغافل إعادة الروح الوطنية للناس من طريق إحقاق الحقوق لا من طريق الشعارات والأناشيد الوطنية، فإن”الوطنية” ليست معنى مجردا لا تعلق له بالملابسات المادية، فضياع الحقوق أو إهدارها موجب لنمو النقمة أو ما يسمى بمجتمع الكراهية، وليس من العقل آنئذ أن نطلب إلى الفرد التضحية بكل شيء في سبيل وطن لا يؤدي لهذا الفرد شيئا من الخير، أو على العكس يؤذيه ويطارده بالحرمان والشقاء، ذلك أن مثل هذه التربة لا تصلح لنماء بذور الوطنية في النفس البشرية، بل هي تئد هذه البذور في مهدها وتغرس بدلها الحقد على هذا الوطن والاستهانة بمصالحه، كما تبعث روح الفردية البغيضة والتفكك بين فئاته. وكلما أحس المواطن أن له في الرخاء العام نصيبا، وأن مصيره في الخير والشر مرتبط بمصير حدود وطنه ازداد تعلقا به وسارع لحمايته بدمه، وتلك غاية كل تربية وكل إصلاح.

شارك برأيك