أ.د. تمار يوسف: أستاذ التعليم العالي في كلية الإعلام و الاتصال بجامعة الجزائر 3
لا شك أن المجلات العلمية – إلى جانب البحوث الأكاديمية – من أهم الحوامل التي تعكس مدى نضج العلم والبحث العلمي في أي دولة، فهي المرآة العاكسة لما هو عليم مؤشر البحوث العلمية فيه، و هذا بناء على:
– أنها موجهة إلى فئة معينة من القراء، يفترض أنهم مميزون في تعاملهم مع عالم الأفكار و الإشكاليات التي تهم المجتمع وتعد من بين اختلالاته.
– تنشر المجالات مواضيع خاصة و دقيقة و موجهة .. فهي تخضع إلى تقنيات عملية صارمة يُقال لها المنهجية.
– هي الإطار الذي يمكن أن يعرض نتائج البحوث العلمية و تطورات البنى المعرفية لكل تخصص.
وعلى هذه الأسس فالمجالات العلمية ليست على شاكلة الكتب و الصحف و الأنواع الأخرى من الكتابات، فهي فريدة في طبيعتها و نوعها و محتوياتها لذلك شهدت بعض المجلات العلمية، عرض أكبر النظريات العلمية التي شهدتها الإنسانية والأمثلة كثيرة قد لا يساعد المجال لذكرها جميعاً.
لكن الإشكال في وطننا العربية فيما يخص وضعيت المجالات، هي أنها أصبحت غير قادرة على استيعاب التفاعلات العلمية التي تحدث في جامعتنا و مخابرنا و بخاصة في العلوم الإنسانية و الاجتماعية، فهي:
– عدم تخصص القائمين عليها باعتبار أن الهدف من إنشاء الأغلبية منها، هو الربح المادي.
– بقاء مضمون الكثير منها، في المستوى السردي المبني على ما كان و ليس ما هو كائن أو على ما يجب أن يكون، فهو مضمون سطحي، سردي، حكياتي لا ينطبق مع الطابع البراغماتي الذي يتصف به البحث العلمي.
– ضيق دائرة انتشار الكثير منها، فالبعض منها قد لا تعدى نطاق البلدة التي تطبع فيها، مما يقلص دائرة قرائها و التفاعل معها، فكم من مجلة ليس لها وجود حتى في مواقع الإنترنيت.
– عدم علمية قوانين النشر في بعض المجالات العربية، فهي شروط إدارية أكثر مما هي شروط علمية مبنية على أصالة الطرح العلمي.
– قبول بعض المجالات مواضيع الإثارة (مواضيع المعارضة السياسية، مواضيع خاصة بأحداث معينة، أو أنظمة معينة ..) و كأنها صحيفة يومية، و هذا راجع إلى أن القائمين عليها، يلعبون أدوار الصحفيين عوض رجال علم هدفه نشر المعرفة.
و نختم بملاحظة لا ندري الهدف منها، و هي أن بعض المجالات يُطالبون من يريد النشر فيها، دفع مبلغ معين حتى يتم ذلك، فهذا يعني منطقياً أن الشرط الوحيد للنشر، هو دفع المبلغ و ليس أصالة الموضوع و مستواه، إن أخطر ما يمكن أن يمس هوية و أهمية و انتشار العلم بصفة عامة، هو الطابع تأويل الطابع التجاري على الطابع العلمي لمحتوى هذه المجلات، نحن لا ننكر أهمية التمويل المادي للحفاظ على وجود المجلة، لكن لا ينبغي أن يطغى ذلك على الهدف من وجود هذه المجلات.
إنه لوضع مؤسف أن تنشر المجلات العلمية مقابل قدر من المال، معنى هذا حسب اعتقادي أن أصحاب المال يريدون أن يجروا أصحاب الفكر إلى مجالهم المتعفن، و معنى هذا أيضاً أن هناك من أصحاب الفكر الذي يقايضون أفكارهم بأثمان بخصة، و ما زاد الطين بلة، أن بعض القوانين المسيرة للدراسات العليا، تجبر الطلاب على تقديم منشورات مقابل مناقشة أطروحاتهم، و هذا ما شكل فرصة “لا تعوض” للمتطفلين التجار أن يغتنموا هذا الوضع كفرصة لإجبار هؤلاء الطلبة للنشر مقابل مبالغ مادية.
أتذكر أنه في يوم ما كانت المجلات العلمية المتخصصة، فرصة لنشر الأفكار و تحفيزاً مادياً للكاتب حتى يكثر من الانتاج، بل بعضنا كان لا يطلب أي مقابل لاعتبارات أخلاقية، ففرحتنا كانت عندما يقرأ لنا طلابنا و باحثينا، و كان الإجراءات التنظيمية للدراسات العليا، لا تطلب هذا النوع من العراقيل حيث يبقى الباحث حرا في نشر أعماله و أفكاره لا يشترط فيها إلا القيمة العلمية في هذا التخصص أو ذاك، لذلك فإن الدراسات و المقالات العلمية المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة في الثمانيات و حتى التسعينيات، ذات قيمة علمية كبيرة استفدنا منها على كل المستويات، أما الآن فما هي قيمة مقال يُنشر بمقابل مالي؟ معنى ذلك أن قيمته العلمية مشكوك فيها، و هي بالفعل كذلك حسب ما قرأناه في الكثير منها.
إن الكثير من المجلات العلمية المتخصصة، لا تخضع إلا لمنطق التجارة و الربح السريع، و هذا طبعاً على حساب الطرح العلمي، و اللوم على من يشكلون مجالس القراءة لهذه المجلات الذين يساهمون في هذا الوضع غير العادي الذي أصبحت عليه مجلاتنا العلمية المتخصصة.
نحن ننادي عبر موقعكم المحترم الذي لا زال يحافظ على تقاليدنا العملية الحرة، بالعودة إلى أصولنا العلمية في نشر المعرفة و فتح أبواب النقاش واسعة بخاصة للباحثين المبتدئين عندنا، و أن تُزال الشروط البيروقراطية التعجيزية لهم في هذا الإطار، و للحديث بقية.
اترك رد