صورة اليهود في الرواية العربية .. نورة دعاس

نورة دعاس: باحثة ماستر تخصص ادب حديث ومعاصر جامعة محمد الشريف مساعدية سوق اهراس

في خضم التطورات المعاصرة وتحديات العولمة والغزو الثقافي …تعترينا العديد من القضايا والافكار التي طالما خالجت أرواحنا قبل فكرنا حول قضية اليهود ،التي باتت حديث الساعة في الوسط الإعلامي ناهيك عن تواجده في المسيرة الإبداعية والتي شهد لها حضور بارز مؤخرا .
فقد سعى اليهود جاهدا إلى محاولة السيطرة على العالم ،والتحكم فيه وتسيره حسب مصالحهم ومايتماشى مع متطلباتهم ،ومبتغاهم وعلى الرغم من قلة عددهم ، فإنهم استطاعوا بطريقة أو بأخرى أن يوثقوا بصمتهم في العالم وفي التاريخ عموما .
ذكر المليونير “والتر راثن” هناك 300رجل كل منهم يعرف زملائه الاخرين ،ويتحكمون في مصير العالم انهم ينتخبون حلفائهم من الاشخاص المحيطين بهم ،وهؤلاء اليهود يملكون الوسائل التي تمكنهم من القضاء على اية حكومة لا يرضون عنها “1”
كما طرح مفهوم اليهود عيد المضامين والرؤى على الصعيد الثقافي والأدبي محاولين في ذلك تمرير سلطتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من خلال عدة وسائل وطرق ، تمكنهم من ذلك .
لعل اهمها : الإصلاح البروتستانتي {يعد مارتن لوثر الأب الشرعي لهذا الإصلاح }الذي له مساهمة كبيرة في حضور اليهود في الأدب ،والفكر والفن ، حيث نلمس عدة موضوعات تجسد هذا الحضور ، ولعل أبرز ما يؤكد ذلك صورة مريم العذراء وتجليها في اللوحات التشكيلية “الم يكن للعذراء مريم أن ألهمت أكبر رسامي عصر النهضة في إيطاليا أولا ثم مجمل أوروبا ثانيا “2”
إذ لم يقتصر ذالك على الرسم فقط…. بل نجده ضمن منظومة الموسيقى ، حيث ترك لنا “جورج فريد برج ” هندل “Handel ” وروائعه الخالدة نذكر منها “إسرائيل في مصر Israël en Egypte” سليمان sulaiman ” ويوشع Josué “.
لنعثر عليهمؤخرا ضمن تلابيب وثنايا الأدب ،حيث نجد ايضا اهتماما بالغا باليهود ،وبضرورة عودته إلى الأرض المقدسة وخروجه للحياة بعد ما كان يخشى أن يبوح بانتمائه ، وقد جسد الكثير من الروائين المعاصرين خاصة هذا الطرح في أعمالهم وقد جسده الكيلاني في “حارة اليهود دم لفطير صهيون ” فالكيلاني يعطينا في هذه الرواية التي الفها عام 1971م حقيقة تاريخية ،يبين من خلالها ظلم اليهود وعدائهم تجاه البشرية فهذه الرواية أكثر سلبية في تصوير اليهود ، وتحاول أن تثبت بأن فساد هذا الشعب ناتج عن فساد عقيدته ، وتحريف تعاليمه الدينية فليس من الغريب أن يتطرق الروائيون المصريون إلى تصوير الشخصيات اليهودية في رواياتهم ،لأن هناك سببان يقتضيان هذا التصور :
الأول : هو مسايرة الرواية المصرية لتطورات قضية فلسطينية ،دور مصر كدولة عربية مجاورة لفلسطين في الحروب ضد إسرائيل
أما الثاني :هو وجود كمية كبيرة من سكان اليهود في مصر منذ مئات السنين “3”.
فقد صور الكيلاني اليهود في هذه الرواية شعبا لا يلتزم بالأخلاق والقيم ،فنجد ” كاميليا زوجة هراري ” تلجأ إلى خادمها لإطفاء شهواتها دون أن يعرف زوجها ويتعاون الخادم مع سيدته ويخون ” داود هراري ” .
وهذه التيمة جسدها أيضا الباردي في روايته ” حنة ” ذكر اليهود بصورة ظهروا فيها منبوذين غير محبوبين ، ” أصبحت الأن أعرف الشوارع الرحبة وأزقتها باستثناء الحارة ، كانت أمي توصيني بالإبتعاد عنها وكانت تقول لي : ابتعد عن اليهود ،وكانت تقول ايضا الحارة نتنة ، طعام اليهود نتن ، وثيابهم نتنة ن وأجسادهم نتنة .” 4″
في هذا المقطع يبين لنا اليهود محتقرون لدرجة لدرجة أن الأميين من يحكمون عليهم
وفق الباردي في روايته هذه في وصف المرأة اليهودية إلى أبعد الحدود يقول : تبدوا المرأة اليهودية ذات جمال مدهش ،وامرأة مليئة بالحب “5” .
فعلا إعترف الباردي بجمال اليهوديات من خلال قوله ” كنا نقف أمام باب المدرسة ،لنرى بناتهم ، كنا نقول اليهوديات أجمل من المسلمات … ألم نرى بنات اليهود ونحن نتعلم في مدرسة يدخلها إلا الذكور “6”.
ردا على الباردي : موقفك إلى حد ما صحيح ولكن هذا لايعني أن اليهوديات أجمل من المسلمات فالجمال مع الوقت يزول ،لكن جمال القلب ونقاءه لن يزول .
وهذا الموقف “موقف الباردي ” يتناقض مع رؤية وموقف “خولة حمدي” التي تنحاز للدين الإسلامي وخاصة في روايتها “في قلبي أنثى عبرية ” التي تبرز مدى تداخل الدين في المجتمع العربي الذي تفاعل فيه الديانات الثلاث {يهودية ،مسيحية ،والإسلام } اذ استطاعت الرواية أن تصور كيف تعايشت هذه اليانات طيلة عدة قرون -فكان يمكن لليهودية أن تتزوج المسلم أو المسيحي ، فتزوجت سونيا اليهودية من سالم التونسي المسلم ، حيث تقول ندى : ” خالتي تزوجت من رجل مسلم ،وخالي ارتبط بمسلمة ..”7″
وحتى الضوابط الدينية تسمح زواج المسلم بالكتابية -على غرار المرأة فيمنع أن تتزوج بغير مسلم .
فارواية تنحاز للإسلام وتحاول إبرازه بأنه دين الله ومن يبغي غيره فلن يقبل منه دينا …فالإسلام يدعو الى الإحسان لكافة الناس ، والتعامل معهم بالحسن ” وقل لعبادي يقولوا التي أحسن إنّ الشيطان ينزع بينهم إنّ الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا “”8”.
وهذا الطرح عكس رواية جاك أتالي “إخوة اليقضاتين ” التي تنحاز إلى فئة اليهود وقد ألبسها الروائي رداء المظلوم والمغضوب عليه .
“ضربت هزة قوية المدينة ، وعقدت السلطات الدينية بصورة استثنائية اجتماعيا بزعامة القاضي المعظم ابن رشد وأخرون وقرروا أن تقام صلوات مشتركة لترافق الضحايا إلى جنة الله “”9″.
فالناس في نظر الإسلام سواسي كأسنان المشط ، وهم أبناء العائلة الإنسانية ويوفر لهم الإسلام جميعا الحق في العيش والكرامة دون استثناء ،أو تميز ” وفضلناهم على كثيرا من خلقنا تفضيلا ” .”10″
وهذا الإختلاف مدعاة للتنافر والتناكر ، بل هو سبب للتعارف والتعاضد والتعاون على الخير والبر والتقوى ، كما جاء في القران الكريم ” إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير “.”11″
بدليل أن أحمد هو شاب مسلم تعرف على ” ندى ” وهي فتاة يهودية تنحدر من أسرة تونسية ، وكانت العلاقة بينهم علاقة مودة ورحمة فاستلطفا بعضهما ، وانتهت بهم العلاقة إلى شيء رسمي وهو الخطبة والشيء الأجمل في تلك العلاقة هو طلب أحمد من ندى التعرف على الإسلام ” حتى تتعرف على الإسلام ، لم يطلب منها أحمد أن تقرأ القران وتفسيره ، بل وجهها إلى حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وشجعها على البدء من هناك .”12″
إن اليهود تمكنوا من نشر تعاليمهم ومبادئهم في الأوساط العالمية ، وبين المثقفين بشكل خاص ،- ورغم أن المثقف لا يقبل الأفكارإلا بعد ألاف السنين ، وما نشهده اليوم من تحول في عالم الفكر والأدب دليلا على ذلك – اذ وصل إلى المثقفين ، معناه أن القضية أصبحت متبناة ولها شريعة وحقيقة ،فاحضور اليهودي في الرواية رهيب ،يتجلى بشكل أو باخر ، وإن لم يظهر بالاسم ظهر بالفكر .
المصادر والمراجع :
1-عبد التل : خطر اليهود على الإسلام والمسيحية ، دار القلم للنشر ، 1994.ص136.
2-جورج قرم : تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب ، تر : الي ذبيان ،ط1،دار الفارابي للنشر والتوزيع ،بيروت ،لبنان 2001.ص198.
3- مودز جوبسكي : تاريخ يهود التل ، تر : يوسف درويش القاهرة ، دار الشروق ،2008.ص25.
4- محمد الباردي : حنة -سيرة ذاتية روائية -الكتاب الاول ،ط1 ،دار كنعان للنشر ،2008.ص47.
5- عادل الاسطة : اليهود -جدل الذات والاخر – ط1،الرقمية للنشر .ص111.
6- محمد الباردي :حنة .ص47.
7- خولة حمدي : في قلبي انثى عبرية ،دار الكيان للنشر والتوزيع ، 22شهيد الحي بجوار مترو اوم المصريين، الهرم ، مصر ، 2013،ص333.
8- الاسراء : الاية 53 .
9- جاك اتالي إخوة اليقضاتين ، تر : محمد عبد الكريم ابراهيم ،ط1 ،دار علاء الدين للنشر ، دمشق ، 2006.ص15.
10- الاسراء : الاية 70 .
11-الحجرات : الاية 13 .
12- خولة حمدي : في قلبي اثى عبرية .ص333.

تعليقان (2) على “صورة اليهود في الرواية العربية .. نورة دعاس”

  1. موضوع مثير الاهتمام. حاول الكاتب صبحي فحماوي من خلال روايته صديقتي اليهودية أن يرسم شخصية المرأة اليهودية التي يلتقيها خلال رحلته السياحية .وفي رحلته تلك يستطيع أن يغير مسار ا فكريا كان قد نشأ عند صديقته نتيجة التضليل الإعلامي والكذب اليهودي على مر السنين على أبنائها. لتصل في نهاية الأمر إلى اقتناع تام بضرورة عدم ارسال ابنها لفلسطين.
    ومن خلال الحوار الرائع الذي ينقل القارئ من حقيقة إلى أخرى تكتشف اليهودية أن فلسطين هي أرض فلسطينية أصحابها فلسطينيون.

    1. شكرا أستاذة على
      لقد عرفنا اليهود عبر الزمن ، بأنهم مهمشون يعانون من الظلم ، ولكننا فوجيئنا بأن العالم نفسه يعاني استبداد اليهود وتحكمهم فيه وبسط نفوذه بطرق متعددة .

شارك برأيك