هل الطبیب ضامن؟ ..  سید نصرالله محبوبی

دکتور سید نصرالله محبوبی: عضو هيئة التدريس ورییس جامعه الآية الله العظمى بروجردي

مقدمة:
حرمة الحياة الإنسانية :
إنّ الحياة الإنسانية محترمة لا يجوز الاعتداء عليها إلاّ في المواطن التي حددتها الشريعة الإسلامية ، وهي موارد خارجة عن نطاق الطب .
أمّا في غير تلك المواطن ، فلا يجوز التعدّي على حياة أيّ إنسان حتى إذ كان بداعي الشفقة ؛ لأنّه خارج عمّا نصّ عليه الشارع من اهدار الحياة ، ومخالف لتعاليم الشريعة التي منعت منه وعاقبت عليه ، فقد ورد عن رسول اللّه‏ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) : « كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فَجَزَعَ ، فأخذ سكينا فحزّ به يده ، فما رقأ الدم حتى مات . فقال اللّه‏ تعالى : بادرني عبدي بنفسه حرّمت عليه الجنّة » (1).
ولهذا المبدأ ( احترام الحياة الإنسانية ) قال تعالى : {مِن أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْْإَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَ النَّاسَ جَمِيعاً } (2).
وقال تعالى : {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ } (3).

وقال تعالى : {وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَل يُسْرِف فِي الْقَتْلِ } (4).
وقال تعالى : {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } (5).
وعلى هذا ، فلا يجوز الاعتداء على أي نفس حتى حياة الفرد نفسه بالانتحار بدعوى أنّ ألم الحياة أشدّ من الموت والانتحار ، فإنّ هذا هو منطق الملحدين الذين لا يؤمنون إلاّ بالحياة الدنيا وهم في غفلة عن حياة الآخرة ، على أنّ الآلام مهما قست يمكن التغلّب عليها بالدواء أو الجراحة العصبية كم يقول الطب . ومن أجل هذا ورد النصّ القرآني القائل : {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (6)، وقوله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » (7).
وظيفة الطبيب :
إنّ أي انسان لا يصحّ له أن يتصدى للطبّ والطبابة ما لم يكن ملمّا بعلوم الطب المعتبرة التي تقرّها المؤسسات الطبيّة المعتبرة ؛ وذلك لعدم اندراجه في عنوان « أهل الخبرة » حتى يسوغ له أن ينظر في أمر المريض ويكون الرجوع إليه من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم الذي هو أمر بديهي وطبيعي في استقرار الحياة الإنسانية ، بل يكون من قبيل رجوع الجاهل إلى الجاهل الذي لا يقرّه العقلاء ولا الشرع ، فلا يكون تصدّيه صحيحا ولا مبرءً لذمّته إذ تضرر المريض بذلك التدخل الباطل .
ويؤيده ما روي من قول رسول اللّه‏ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) : « من تطبّب ولم يُعلَم منه طبّ فهو ضامن » (8).
ومع تقدم الطبّ وتطور الأبحاث والتكنولوجيا في العمليات الطبيّة الذي أدّى إلى ظهور الاختصاصات المتعددة ، فلا يحلّ لمن كان ملمّا بطب القلب ـ مثلاً ـ ولم يكن ملمّا بطبّ العيون أن يتصدى لطبّ العيون ؛ حيث يصدق عليه أنّه تطبّب ولم يُعلم منه طبّ ، فيكون ضامنا .
وبما أنّ الطبيب يكون وكيلاً أو أجيرا للمريض في الاشراف على جسمه والتصرف فيه عند مراجعة المريض له ، فهذا يعني أنّ الطبيب مسؤول عن معالجة مريضه بقصد الشفاء ، ويعمل كل ما فيه المصلحة من أجل شفاء المريض ، ولا يجوز له أن يهمل فيقصّر أو يتعدى على المريض وجسمه بم ليس فيه مصلحة للمريض .
وهكذا نعرف : أنّ الطبيب إذا عمل بوظيفته الطبيّة ورضي المريض بكونه أجيرا له ومعالجا لمرضه ، وقصد الطبيب بعمله هذا شفاء المريض ، ولم يقع الطبيب في إهمال المريض أو التعدي عليه ، بأن عمل على حسب القواعد الفنيّة لعلم الطب ، ولم يصدر منه خطأ أو إهمال لا تقرّه الأبحاث الطبيّة العلمية فقد عمل بوظيفته وخرج عن المسؤولية اتّجاه المريض ، سواء كانت النتيجة مرضية للمريض أم غير مرضية .
وقد يستدل لهذا : بأنّ تطبيب المريض صار سائغا ، وإذا صار سائغا لا يستتبع ضمانا ، على أننا إذا شككنا في الضمان فالأصل عدمه .
أقول : سيأتي منّا أنّ الطبيب ضامن حتى في هذه الصورة إذا لم يأخذ البراءة من المريض ، وهذا على حسب القاعدة حيث يضمّن الفقهاء كل أجير قد أخلّ بعمله الذي استؤجر له ؛ فكل من آجر نفسه لعمل في مال أو غيره إذ أفسد ذلك المال ضمن كالحجّام إذا جنى في حجامته . والختّان في ختانه ، وهكذا الخياط والنجّار والحدّاد إذا أفسدوا .
هذا إذا تجاوز الحدّ المأذون فيه . أمّا إذا لم يتجاوز ففي الضمان إشكال ، وكذا الطبيب المباشر للعلاج بنفسه إذا أفسد فهو ضامن إذاً ، ما يُطلب من الطبيب هو أن يقدّم لمريضه العناية اللازمة حسب م يقتضيه الوجدان والفن ، ولا يُسأل إلاّ إذا أهمل أو تعدّى في ذلك .
ولكن مع هذا ، فقد يتعرّض الطبيب إلى انتقادات ، فقد يتّهم بالتقصير لأنّه لم يلجأ إلى الأساليب الحديثة التي ذكرها علم الطب الحديث ، كما أنّه قد يتّهم بالتهور والتعدي فيما إذا لجأ إلى الأساليب الحديثة بحجة إذا لم يثبت بعدُ رواجها وفائدتها بلا ضرر بصورة أكيدة ، وهكذا نرى أنّ الطبيب « المحافظ » كالطبيب « المتجدد » كلاهما عرضة للنقد والانتقاد من الناحية الفنية .
ضمان الطبيب :
إنّ ضمان الطبيب في الفقه الوضعي يعني المسؤولية القانونية التي تتوجّه إلى الطبيب والتي يترتب عليها الجزاء القانوني .
والمسؤولية القانونية : هي مسؤولية شخص تجاه آخر إذا توجه ضرر لغير المسؤول نتيجة إخلال بالتزام سابق ( سواء كان عقدا أو عدم الضرر ) .
وتنقسم المسؤولية القانونية إلى قسمين :
1 ـ المسؤولية المدنيّة :
وتتوجه إذا كان هناك ضرر أصاب الفرد نتيجة عمل غير مشروع فيكون جزاء المسؤولية المدنية التعويض إذا طالب به المتضرر ؛ لأنّه حقّه ويجوز له أن يتنازل أو يتصالح عن حقّه ؛ لأنّ الحق خاصّ به .
2 ـ المسؤولية الجنائية :
وهي تقوم على وجود ضرر أصاب المجتمع نتيجة جريمة منصوص عليها ، فيكون جزاء المسؤولية الجنائية عقوبة يطالب النائب العام بها باعتباره ممثّلاً للمجتمع ، ولا يجوز التنازل عنها ؛ لأنّ الحقّ عام للمجتمع ، ولابدّ من توفر القصد في اقتراف الجريمة ؛ فإنّ القصد شرط ضروري في أكثر الجرائم (9).
وأمّا في الفقه الإسلامي : فإنّ ضمان الطبيب متفرع على التفريط ( التقصير ) بحيث يلحق الأذى والضرر بالمريض بسبب تقصير الطبيب الناشئ من إهماله ، فيكون ضامنا لتعويض الضرر إذا طالب به المتضرر به ، وأمّا إذ كان مع هذا التقصير تجاوز ( تعدّي ) على الحكم الشرعي بترك واجب أو فعل حرام ، فيكون هناك بالإضافة إلى تعويض الضرر عقاب يتوجه إلى المتجاوز للحكم الشرعي في الدنيا وعذاب في الآخرة ، والفقه الإسلامي لا يفرّق في العقاب الذي يتوجه لمخالف الحكم الشرعي بين أن يكون حدوث الضرر متوجها إلى المجتمع أو الفرد .
المسؤولية المدنية للطبيب ( بذل العناية ) :
إنّ المسؤولية المدنية للطبيب تأتي من تعامله مع المرضى طبق القواعد العامة للإجارة على الأعمال ، وهي على نوعين :
1 ـقد يلتزم الطبيب أداء منفعة للمريض بإنجاز أمر معين محدود مع تمكنه أن يتلقى المهام الاُخرى ، فيكون الطبيب أجيرا عاما للمريض .
2 ـقد يلتزم الطبيب للمريض بإجارة خاصة فيرتبط الطبيب بالمريض خلال مدة معينة بتطبيبه بنحو لا يعمل لغير المريض الذي تعاقد معه ، فيكون الطبيب أجيرا خاصا للمريض .
وهذا يسمى بالاصطلاح الثانوي « بذل العناية » .
وحينئذٍ يكون الطبيب مستحقا للأجر إذا أنجز ما عليه ، فإن حصل البرء في المدة فهو ، وإن امتنع المريض من مواصلة العلاج فهو مسؤول عن أداء الأجر للطبيب ، ولكن إذا مات المريض في المدة أو في وقت جريان العمل الذي يقدمه الطبيب للمريض أو تلف العضو الذي عالجه الطبيب فهل يكون الطبيب ضامنا ؟
هنا يوجد خلاف ، فقد ادعي الاجماع عند باقي المذاهب على عدم ضمان الطبيب إذا أدى ما عليه من مسؤوليات فنيّة ، ولكن هناك رأي آخر سيأتي لجمع من علماء الإمامية ادّعوا فيه ضمان الطبيب إلاّ أن يأخذ البراءة من المريض أو من وليّه من أوّل الأمر .
أمّا إذا لم يقدم الطبيب المنفعة الخاصة للمريض في الإجارة العامة بأن أخلّ بها لأي سبب كان ، وقد تضرر المريض نتيجة ذلك أو لم يقم الطبيب بقوانين الإجارة الخاصة بنحو قد لحق المريض ضرر من عدم العمل بقوانين عقد الإجارة ، فيكون الطبيب مسؤولاً مسؤولية مدنية بلزوم تعويض المريض عن الأضرار التي لحقت به .
وبعبارة اُخرى : إنّ المسؤولية المدنية للطبيب متفرعة على التفريط ، فيلحق الأذى والضرر بالغير بسبب ذلك التفريط ، وحينئذٍ تكون المسؤولية المدنيّة مترتبة على الخطأ والإهمال لا عن عمد ( تفريط ) .
ولكن قد يكون العمل غير المشروع قد وقع عمدا بتعدّي وتجاوز .
وعلى كلّ حال ، فالضرر الذي أحدثه الخطأ ( كسؤ علاج المريض ) يجب أن يعوّض كاملاً من دون تفريق بين الحالتين ، وإن كانت الحالة الثانية فيه مسؤولية جنائية أيضا .
وحينئذٍ إذا حدث ضرر من إنسان على آخر نتيجة نسيانه أو إهماله فالضمان للتعويض عن الضرر موجود ؛ لأنّ الإهمال الموجب لضرر من يجب عليه عدم الإهمال والاعتناء لا يُسقط حقوق الآخرين المالية وإن كان يسقط الإثم أو التكليف .
وترتفع مسؤولية الطبيب المدنية إذا كان طبّه عن معرفة ودراية وأذن له المريض أو وليّه ، فعمل بوظيفته حسب القواعد الفنّية ، ولم يقع منه خطأ أو إهمال لا يقرّه الطبّ ، وكان عمله بقصد العلاج ، وإن لم يحصل المريض على غايته المنشودة من الشفاء .
وقد ادّعى بعض أنّ العلماء أجمعوا على عدم ضمان الطبيب في الصورة المتقدمة .
ولكن علل عدم المسؤولية هذه فقال : « إنّ الفقهاء حين أجمعوا على رفع المسؤولية عن نتائج فعل الطب حين توافر الشروط المشار اليها اختلفت وجهات نظرهم في تعليل نفي المسؤولية على نحو يدلّ على التقدير لشأن هذه المهنة وخطورتها في آن واحد ، فبعضهم يرى أنّ العلّة هي الحاجة إلى ممارسة المهنة في جو يشجع على أدائها . . . لا سيما حين يقترن ذلك بالإذن . . . وبعضهم يرى أنّ العلّة بالإضافة للإذن أن الغرض من الفعل قصد العلاج لا الضرر ، والقرينة على هذا القصد وقوعه موافقا للاُصول الفنيّة . . . ويرى البعض أنّ العلّة هي الإذن في صورته المزدوجة المركبة من إذن الحاكم بممارسة المهنة وإذن المريض بأداء ما تقضي به من أعمال »(10).
أقول : هناك قول قوي لضمان الطبيب حتى في الصورة المتقدمة ، ذهب إليه جمع كثير من علماء الإمامية وإليك هذا الرأي مع دليله :
ضمان الطبيب في حالة عدم التقصير والتعدي :
ذهب جمع من علمائنا إلى القول بضمان الطبيب إذا عمل على وفق قواعد الطب وفنونه ولم يقصّر ولم يتعدّ ولكن لم يحصل على النتيجة التي أراده المريض من العمل الجراحي وتلف المريض أو تلف عضو منه .
قال صاحب العروة : « وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر إذا أفسده يكون ضامنا إذا تجاوز عن الحدّ المأذون فيه ، وإن كان بغير قصده ؛ لعموم من أتلف وللصحيح عن أبي عبد اللّه‏ ( الإمام الصادق (عليه ‏السلام) ) في الرجل يعطي الثوب ليصبغه ؟ فقال (عليه ‏السلام) : « كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن » بل ظاهر المشهور ضمانه وإن لم يتجاوز عن الحدّ المأذون فيه » (11).
وقد ذهب السيد الگلبايگاني إلى ضمان الختّان وإن لم يتعدّ عن محل القطع بأن كان أصل الختان مضرّا بالمعالج ، إذا كان الختّان طبيبا جرّاحا يعتمد عليه فيه مثل الجراحين في زماننا فقال : « الأقوى الضمان ( أي ضمان الختّان ـ الطبيب المعالج ـ وإن لم يتعدّ ) إلاّ مع التبرئة » (12).
أقول : ولهذا ستكون البراءة من الضمان مفيدة ؛ لعدم ضمان الطبيب إذا لم يتعدّ ولم يفرّط في عمله لا مطلقا ؛ وذلك : لقاعدة الضمان على المتلف ، وأمّ الإذن في العلاج فهو ليس إذنا في الإتلاف ، والإذن في العلاج قد جاء بالجواز الشرعي ، وهذا الجواز الشرعي لا ينافي الضمان كما في ضرب الطفل للتأديب فإنّه جائز ولكن إذا حدث تلف فالضمان متوجه على الضارب .
وقد يقال : إنّ الطبيب لم يتلف عضوا عمدا ، وهذا صحيح ، إلاّ أنّه إذا ثبت ذلك فيرتفع عنه العقاب الذي هو القصاص في الدنيا وعذاب اللّه‏ في الآخرة الذي هو مترتب على الحرمة ، وأمّا الضمان فهو مترتب على الاتلاف الذي حصل وإن لم يكن عمديا لقاعدة من أتلف .
هذا وقد وردت الروايات عن أهل البيت (عليهم ‏السلام) تدلّ على الضمان في هذه الحالة ، فمن الروايات : ما رواه السكوني ( في الموثّق ) عن الإمام الصادق (عليه ‏السلام) قال : « قال أمير المؤمنين (عليه ‏السلام) : من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه ، وإلاّ فهو له بتقريب : أنّ المراد من الولي هو من له الولاية وهو يشمل نفس المريض أيضا .
ومنها : ما ورد في تضمين الختّان القاطع لحشفة الغلام ، فقد روى ضامن » (13)
السكوني أيضا عن الإمام الصادق عن أبيه ( الإمام الباقر (عليهما السلام) ) أنّ عليّا (عليه ‏السلام) : « ضمّن ختّانا قطع حشفة غلام » (14).
أقول : الرواية الثانية لعلّها ظاهرة في الطبيب الذي لم يعلم منه طب ، حيث إنّ قطع الحشفة في الختان لا يصدر من الطبيب الحاذق ، أو أنّه قد أهمل إهمالاً لا يعذر فيه فيكون ضامنا من هذه الجهة لا من جهة تضمينه مع عدم خطأه وتجاهله وتعديه كما هو مفروض البحث تبقى عندنا الرواية الاُولى : وهي دالة على تضمين الطبيب حتى إذا لم يهمل وعمل بما توجبه قواعد الطب وفنونه إلاّ أنّه حصل التلف ، فيكون ضامنا إلاّ في صورة أخذ البراءة من المريض لدفع الديّة .
وقد يقال : إنّ هذه الرواية تسقط ضمان الدية قبل حدوث الدية فتكون دالة على اسقاط ما لم يجب ولم يحدث ، وهو غير صحيح ؛ لأنّ الإسقاط إنّم يتوجه للموجود لا للذي سيوجد فيما بعد .
والجواب : إنّ هذه الرواية تقول بأنّ البراءة من الضمان معناها سقوط الفعل عن اقتضاء الدية عند أخذ البراءة ، وحينئذٍ تتخصص الديّة عند عدم البراءة فيكون الفعل مقتضيا للديّة .
ولنا أن نقول أيضا : إنّ إسقاط ما لم يجب وما لم يوجد ممتنع في الاُمور الطبيعية وأمّا في الأبحاث الفقهية التي هي اعتبارات الشارع حيث اعتبر الدية عند اتلاف عضو ما ، فيمكن أن يعتبر البراءة من الديّة في صورة إتلاف عضو غير متعمد في المستقبل ، وهي صورة أخذ البراءة للطبيب من المريض ، فلا تقاس الأبحاث الفقهية بالأبحاث الفلسفية والطبيعية .
على أنّ إسقاط ما لم يجب ليس مدلولاً لفظيّا ، وليس فيه استحالة عقلية ، بل يوجد إجماع على بطلان التعليق في العقود كبطلان الطلاق قبل الزواج وانشاء البيع للسلعة قبل شرائها ، أمّا اسقاط ما لم يجب فهو معروف بين الفقهاء فلا يشمله الإجماع .
هذا مضافا إلى انّ هذا الرأي لم يثبّط الأطباء من معالجة المرضى حيث يمكنهم أن لا يقدموا على عمل إلاّ بعد أخذ البراءة من الضمان عند التلف وهو أمر يقوم به الأطباء عادة عند اجراء العمليات الجراحية ، تخلّصا من الضمان .
مجالات المسؤولية القائمة على تحقق نتيجة :
قد يحتوي عقد الإجارة بين المريض والطبيب ، بالاضافة إلى بذل العناية على بذل غاية وهي الشفاء من المرض ( البرء ) ، فهل هذا العقد الذي احتوى على هذه الغاية يكون صحيحا أم لا ؟
ذهب البعض إلى بطلانه لما فيه من الجهالة ، لأنّ البرء غير معلوم الحصول حتى لو أحاط الطبيب علما بأحوال مريضه ومرضه ، لأنّه ليس مقدورا للطبيب ، بل هو بيد اللّه‏ تعالى .
أقول : إنّ احتواء عقد الاجارة بين المريض والطبيب على تحقق نتيجة البرء يتصور على صورتين :
1 ـأن يكون البرء قيدا في عقد الإجارة ، فمتعلق الاجارة العلاج الذي ينتهي إلى البرء .
2 ـأن يكون البرء شرطا في عقد الإجارة .
وهنا يكون متعلق الإجارة هو العلاج ، ولكن يشترط المريض على الطبيب انّه لو لم يبرأ يكون له حقّ الفسخ ، ولكن ظاهر الشرط في الكلي والعمل في الذمة هو كونه قيدا ، فهذا الفرض خلاف الظاهر .
ويمكن أن نصل إلى صحة هذا العقد بتوضيح اُمور :
1 ـقد ذهب السيد الطباطبائي صاحب العروة الوثقى إلى تصحيح العقد في الصورتين معا فقال : « يجوز المقاطعة عليها ( الطبابة ) بقيد البرء أو بشرطه إذا كان مظنونا بل مطلقا » (15).
وقد أشكل عليه : بأنّ البرء خارج عن القدرة لأنّه بيد اللّه‏ تعالى فليس
اختياريا للطبيب (16).
وقد أجاب عن هذا الإشكال فقال : « يكفي كون مقدماته ( البرء ) العاديّة اختيارية ، ولا يضر التخلف في بعض الأوقات » (17). كما هو ملتزم به إذ كان العمل المستأجر عليه حفظ المتاع مع أنّ الذي تحت القدرة هو محاولة الحفظ ولكن بما أنّ الحفظ مقدور عليه بالقدرة على مقدماته صح العقد على حفظ المتاع . 2 ـأقول : هناك اشكال آخر على عقد الإجارة المحتوي على البرء قيدا وهو صيرورة العقد غرريا ؛ لأنّ الطبيب يجهل حصوله على الأجر إذا دخل هذا الأمر في العقد قيدا فيتحول العقد إلى عقد غرري، والغرر يبطل العقد كما هو واضح .
ولذا فقد ذهب جمع من الفقهاء منهم السيد الإمام الخميني والسيد الإمام الخوئي والسيد الإمام الگلبايگاني (18)إلى صحة هذا العقد مع الوثوق أو الاطمئنان للطبيب بالقدرة على حصول البرء بالواسطة ، أي حسب ما عنده من علم موصل إلى البرء عادة فيتمكن من الوصول إلى البرء فعلاً ؛ إذ في هذه الحالة يرتفع الغرر من المعاملة وإن كانت كل الاُمور راجعة إلى قدرة اللّه‏ تعالى ومشيئته .
وأمّا مع عدم الوثوق والاطمئنان بالبرء فيكون العقد غرريا باطلاً .
ثمّ إنّ متعلق الإجارة في كون البرء شرطا هو العلاج ولكن إذا اشترط المريض على الطبيب البرء فمعنى ذلك أنّ المريض يحتفظ بحق الفسخ إن لم يحصل على البرء ، وأثر هذا أنّه لو حصل الفسخ وجب أن يدفع المريضإلى الطبيب اُجرة المثل دون الاُجرة المسماة .
3 ـولو لم يُقبل جواب اشكال عدم القدرة على البرء بارتفاع الضرر بالوثوق على القدرة بتحصيل البرء ، أو كان الطبيب غير واثقٍ بحصول البرء ، فيمكن الوصول إلى صحة العقد بجعل جعالة للطبيب معلقة على حصول البرء كأن يقول : من عالجني معالجة برء فله كذا ، أو من عالجني بشرط البرء فله كذا ، فحينئذٍ إن لم يحصل البرء لا يستحق الطبيب الجعالة وعلى هذا ، فإن ترك الطبيب المعالجة قبل البرء فلا شيء له وإن تمم غيره العمل حتى برء يستحق الطبيبان الجعل بالنسبة .
وقد ذهب إلى هذا القول من قال إن البرء بيد اللّه‏ وليس اختياريا للطبيب ولم يقبل كون مقدمات البرء العاديّة اختيارية ، ومن هنا لم يصحح الإجارة على هذا النحو من الطبابة ، ولذا صحح الجعالة في هذه الصورة وإن كان البرء عملاً مجهولاً ، فيكفي في الجعالة تحديد مقدار الجعل وبيان الغاية المطلوب تحقيقها بقطع النظر عن مقدار العمل .
4 ـكما يمكن لتصحيح العقد شرعا أن يجعل الطبيب المريض وكيلاً عنه في إبراء ذمته من الأجر للطبيب إن لم يحصل البرء من عمله .
أو يشترط المريض على الطبيب الوكالة عنه في إبراء ذمته من الاُجرة إذا لم يبرأ من مرضه ، وهذه الوكالة صحيحة ولا تقبل العزل5 ـأن يشترط المريض على الطبيب أن يبرأ ذمته من الاُجرة على تقدير عدم البرء ، وهذا شرط فعل على الطبيب يجب عليه الوفاء به .
6 ـأن يشترط المريض براءة ذمته من الاُجرة على تقدير سراية العلّة إلى المريض ، وهذا كشرط النتيجة لا يصح عند من يقول بأنّ شرط النتيجة غير صحيح إذا كان الشارع قد جعل للابراء طرقا محصورة كإبراء الدائن أو الوفاء .
هذا وقد ذكر وجه آخر لتصحيح هذا العقد القائم على تحقيق نتيجة لدليل تعبدي ألا وهو ما ورد من أنّ أبا سعيد الخدري عالج رجلاً وشارطه على البرء وعلم بذلك رسول اللّه‏ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) فأقرّ تصرفه (19). وهذا يؤيد القول بالصحة الذي ذكرنا وجوها متعددة له .
مجالات المسؤولية القائمة على اشتراط السلامة :
لو تعاقد الطبيب مع مريضه واشترط المريض أن يكون عمل الطبيب مقترنا بالسلامة من السراية إلى المضاعفات التي لا تُحمد عقباها ، فهل هذ الشرط صحيح ؟
نقول :
1 ـذكر البعض : بطلان هذا الشرط ؛ لأنّ الطبيب غير قادر على الالتزام بهذ الشرط . على أنّ ضمان الآدمي يجب بالجناية لا بالعقد (20).
أقول : أمّا عدم القدرة على ذلك ، فقد تقدم أنّ مقدمات السلامة العادية اختيارية ولا يضرّ التخلف في بعض الأوقات .
وحينئذٍ نقول : إذا كان الطبيب واثقا ومطمئنا من عدم سراية ما يعالجه إلىمواطن اُخرى من الجسم فيصح أن يقبل الطبيب ذلك الشرط عليه مع كون العقد واقعا على المعالجة ، ومعنى ذلك أن يحتفظ المريض بحقّ الفسخ إن لم يحصل على السلامة من السراية ولم يتحقق الشرط ، وأثره أن لا يدفع إلى الطبيب الاُجرة المسماة بل اُجرة المثل .
وأمّا ضمان الطبيب فقد تقدم أنّ الطبيب ضامن إذا لم يأخذ البراءة من المريض حسب موثقة عبد اللّه‏ بن سنان المتقدمة فلا نعيد فلاح .
2 ـوقد ذكر بعض بطلان هذا الشرط بكون الطبيب يعمل بواجبه عند اشتراط السلامة عليه ، والأصل أنّ الواجب لا يتقيّد بوصف السلامة (21). بخلاف الحقوق المباحة كحقّ الولي في التأديب وحقّ الزوج في التعزير فيم يحتاج له ونحوهما ، فهذه الحقوق تتقيّد بوصف السلامة لمن يؤدب ويعزِّر . أقول : هذا باطل أيضا ، لأنّ الأصل لو كان صحيحا ، إلاّ أنّ المريض اشترط ذلك ، فقد دخل على الأصل شرط فنسأل حينئذ : هذا الشرط باطل أو صحيح ؟ فلابدّ أن يتكلم في هذه الناحية .
3 ـوقد ذكر البعض عدم صحّة الشرط لأنّه راجع إلى تضمين الأمين ، وشرط ضمان الأمين باطل (22).
أقول : وهذا أيضا غير صحيح ؛ لأنّ الأمين لا يضمن أوّلاً وبالذات ، أمّا إذشرط ضمانه فهل يكون صحيحا أيضا ؟
وعلى كلّ حال ، فإنْ شرطَ السلامة ـ كشرط البرء ـ ووثق الطبيب من قدرته ولو بواسطة علمه ووسائله الفنية المتطورة أنّه قادر على أن لا يجعل المضاعفات تسري إلى المريض ، فله أن يقبل هذا الشرط على نفسه ، ول يكون العقد غرريا وتكون فائدة الشرط هو إن لم تحصل السلامة وبدت المضاعفات تؤثر على بدن المريض فللمريض حقّ الفسخ ، وحينئذٍ إذا فسخ فلا يستحقّ الطبيب الاُجرة المسماة بل يستحق اُجرة المثل ، ولكن مع هذ تكون الأضرار اللاحقة بالمريض مضمونة حسب النصّ المتقدم من ضمان الطبيب إن لم يأخذ البراءة .
المسؤولية الجنائية للطبيب :
الجناية هي الذنب والجرم مما يوجب العقاب والقصاص وهي في اللغة : عبارة عن إيصال المكروه إلى غير مستحق .
وفي الشرع : عبارة عن إيصال الألم إلى بدن الإنسان كلّه أو بعضه ، فالأوّل جناية النفس والثاني جناية الطرف . . . وغُلبت الجناية في ألسنة الفقهاء على الجرح والقطع ، والجمع جنايات ، وجنايا ( مثل عطايا ) قليل (23).
والمسؤولية الجنائية في موضوعنا هنا : هي عبارة عن المسؤولية التي تكون ناشئة من تجاوز حقّ الطبيب في المعالجة ( عند ممارسة مهنته ) بشرط اختيار الطبيب وإدراكه .
وتوضيح ذلك :
1 ـإنّ حقّ الطبيب في المعالجة إذا قلنا أنّها حقّ للطبيب تستوجب مساءلته في حال تجاوز حقّه الذي نشأ منه ضرر على المريض .
2 ـوإذا قلنا إنّ طبابة الطبيب للمريض واجب شرعي يقوم به اتجاه المريض ، فحيث أنّ طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب لما له من تفويض واسع في طريقة وكيفية الأداء ، كان هذا أيضا داعيا لمسائلته عن نتائج عمله إذا أدّى إلى نتائج ضارّة بالمريض نتيجة خطأه الجسيم غير المغفور له طبيّا .
وحينئذٍ إذا تبيّن أنّ الطبيب قد نهج في عمله أكثر مما يجوز له ، فضرّر المريض ، أو تبيّن انّه قد أخطأ خطأً جسيما غير مغفور له طبيّا ، فهو مسؤول جنائيا عن عمله هذا ؛ لأنّه يعدّ تعدّيا عمدا يوجب مسؤولية جنائية .
3 ـكما أنّ الطبيب إذا أجرى عملية جراحية لمريض بدون إذنه ( وكان بالإمكان أخذ الإذن منه أو من وليّه ) وضرّره كان مسؤولاً مسؤولية جنائية عن عمله الذي يعدّ تعديا على جسم المريض بدون إذنه (24).
4 ـكما أنّ الطبيب إذا أقدم على تطبيب مريضه أو أجرى له عملية جراحية بباعث يخالف مبادئ الشرع يعتبر مسؤولاً جنائيا ، فالطبيب الذي يستأصل مبيض إمرأة بناءً على طلبها ، أو يستأصل رحمها ، وكان الاستئصال مضرّ بها ، أو قتل مريضا لا علاج له ليريحه من المعاناة ، يقع تحت طائلة المسؤولية الجنائية والمدنية معا .
5 ـ لا يحقّ للطبيب اجهاض الجنين حتى لو طلب منه الوالدان ذلك ؛ لأنّ حياة الإنسان محترمة في كافة أدوارها حتى مراحل حياته الجنينية في رحم الاُم ، وإن كان في أدواره الاُولى ( المضغة وما قبلها مما يطلق عليها اسم اللقيحة ) .
وقد دلّت الأدلّة الدالّة على النهي عن ذلك الدالّ على الحرمة ، وكذلك الأدلّة على وجوب الدية على المجهض ، وهي أمارة على حرمة العمل وتلك الروايات الدالّة على حرمة الاجهاض للجنين ولو في مراحل حياته الاُولى موثقة إسحاق ابن عمار : قال : قلت لأبي الحسن ( الإمام الكاظم (عليه ‏السلام) ) المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها ؟ قال : « لا » ، فقلت إنّما هو نطفة ؟ فقال (عليه ‏السلام) : « إنّ أوّل ما يُخلق نطفة » (25).
ومن الروايات الدالّة على وجود غرامة مالية على من أسقط الجنين ، صحيحة محمّد بن مسلم : قال : سألت أبا جعفر ( الإمام الباقر (عليه ‏السلام) ) عن الرجل يضرب المرأة فتطرح النطفة ؟ فقال (عليه ‏ال سلام) : « عليه عشرون دينارا » ، فقلت :
يضربها فتطرح العلقة ؟ فقال : « عليه أربعون دينارا » ، فقلت : فيضربه فتطرح المضغة ؟ فقال : « عليه ستون دينارا » ، فقلت : فيضربها فتطرحه وقد صار له عظم ؟ فقال : « عليه الدية كاملة . . . » (26).
كما أنّ الأدلّة دلّت على وجود حقوق للجنين في تركة أبيه أو أحد مورثيه ، وهو إقرار بحق الجنين في الحياة ، كما أنّ الحامل لو حكم عليها بالقتل اُجِّل التنفيذ حتى تضع الحمل ولو كان جنين سفاحٍ ، وما هذا إلاّ للتأكيد على حقّ الجنين في الحياة ، ومع حقّ الجنين في الحياة كيف يجوز للطبيب اسقاطه ؟
وعلى هذا فكل دعوة للاجهاض سواء كانت قبل بث الروح في الجنين أو بعده فهي باطلة وخلاف الأدلّة الشرعية وخلاف حقّ الجنين في الحياة .
الخطأ المتعمد :
إنّ الجناية سواء كانت قتلاً أو جناية على الطرف ، فانّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام ( ولنطبق الجناية على القتل وهي بنفسها تنطبق على الجناية على الأطراف ) :
1 ـ القتل العمدي :
وضابطه أن يكون البالغ العاقل عامدا في فعله وقصده ، فيقصد الفعل والقتل معا ، أو يقصد الفعل الذي يقتل مثله غالبا عالما به ، وإن لم يقصد القتل ؛ لأنّ القصد إلى الفعل الذي يقتل مثله غالبا عالما به هو كالقصد إلى القتل .
وذهب بعض إلى صدق العمد بالقصد إلى القتل بما يقتل نادرا ، فاتفق القتل (27).
2 ـ القتل شبه العمد :
ولعلّه هو المقصود بالخطأ المتعمد ، مثل أن يضرب للتأديب فيموت ، والضابط فيه : أن يكون عامدا في فعله وهو الضرب للتأديب والمزح أو نحوهما مما لم يرد به القتل ، ومنه علاج الطبيب ، فيتفق الموت به ، بل ومنه الضرب بما لا يقتل غالبا بقصد العدوان ، فيتفق الموت به . . . فالمراد بشبه العمد أن يكون عامدا في فعله مخطئا في قصده الذي هو القتل بمعنى عدم قصده القتل (28).
فما لم يقصد القتل أو قصد عدم القتل ، فحصل القتل ، فيصدق القتل ؛ لأنّ صدق القتل عرفا لا يرتبط بقصد القتل أو عدمه ، بل يكفي استناد القتل إلى الفاعل ، ولكن لا يصدق العمد .
ولكن لو تنزلنا وقلنا إنّ هذا يصدق عليه العمد ، لأنّ الفاعل قصد فعله والفعل أدّى إلى القتل فيصدق القتل العمدي ، إلاّ أنّنا نقول : إنّ الأدلّة الشرعية أجرت على هذا حكم الخطأ شبه العمد وستأتي أدلته .
ويلحق بشبه العمد : قصد الفعل والقتل لمن ظنّه مستحقا لذلك بكفر أو قصاص ، فبان خلافه ، بل ومن ظنّه صيدا مباحا فبان إنسانا ، وربّما يتكلّف لادراجهما بأنّه قصد الفعل وأخطأ في قصد القتل المخصوص (29).
3 ـ القتل الخطأ المحض :
ومثاله أن يرمي طائرا فيصيب إنسانا ، أو لم يقصد الفعل أصلاً ، كمن تزلق رجله فيقع على غيره فيقتله أو ينقلب في النوم على غيره كذلك (30).
وضابط الخطأ المحض : المعبر عنه بالخطأ الذي لاشبهة فيه ، هو أن يكون مخطئا في الفعل والقصد ، ففي مثال رمي الطائر وإصابة الإنسان لم يكن قاصدا بالرمي إصابة إنسان ولا قتله ، سواء كان بما يقتل غالبا أم لا .
ويُلحق بالخطأ المحض : تعمد الطفل والمجنون شرعا .
وهكذا تنقسم الجناية على الأطراف إلى ثلاثة أقسام ( جناية عمدية ، وجناية شبه عمدية ، وجناية خطأية ) .
الأدلّة على هذا التقسيم :
وقد وردت الأدلّة الوافرة على صحة هذا التقسيم ، فمن تلك الأدلّة :
1 ـصحيحة الفضل بن عبد الملك ـ على رواية الصدوق ـ عن الإمام الصادق (عليه ‏السلام) أنّه قال : « إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد ، قال : سألته عن الخطأ الذي فيه الديّة والكفارة أهو أن يتعمد ضرب رجل ولا يتعمد قتله ؟ فقال : نعم . قلت : رمى شاة فأصاب إنسانا ؟ قال : ذاك الخطأ الذي لا شك فيه ، عليه الدية والكفارة » (31).
2 ـصحيحة أبي العباس وزرارة عن الإمام الصادق (عليه ‏السلام) قال : « إنّ العمد : أن يتعمده فيقتله بما يقتل مثله ، والخطأ : أن يتعمده ولا يريد قتله ، يقتله بما لا يقتل مثله ، والخطأ الذي لا شك فيه : أن يتعمد شيئا آخر فيصيبه » (32).
3 ـصحيحة اُخرى لأبي العباس عن الإمام الصادق (عليه ‏السلام) قال : قلت له : أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله ؟ قال : « هذا خطأ ( ثمّ أخذ حصاة صغيرة فرمى بها ) قلت : ارمي الشاة فاُصيب رجلاً ؟ قال : هذا الخطأ الذي لا شك فيه ، والعمد : الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله (33).
وغيرها من الروايات الكثيرة الدالّة على هذا التقسيم .
أمثلة للتعدي العمدي من قبل الطبيب :

1 ـيتحقق العمد من قبل الطبيب العاقل البالغ بقصده للعمل الذي يعدّ جناية على المريض فيما إذا ترتبت الجناية عليه ، كما في قلع السن الصحيحة عمد بدلاً عن السقيمة .
2 ـيتحقق العمد من قبل الطبيب إذا قصد عملاً لم يكن جناية غالبا ، ولكن ترتبت الجناية عليه ، كما إذا عمل عملاً جراحيا لمريض لم يرقأ جرحه ، فالعمل الجراحي ليس جناية غالبا ، إلاّ أنّه في مورد يعلم الطبيب أنّ الجرح لم يرقأ عند هذا المريض الخاص وحصل ضرر من عدم رقأ الجرح ، فهو عمل عمدي ، لحصول قصد الضرر عند الطبيب حيث إنّ القصد إلى الفعل مع الالتفات إلى ترتب الجناية عليه لا ينفكّ عن قصد الجناية تبعا .
3 ـلو تعهد الطبيب بتمريض المريض وأجرى له عملية جراحية ، ومنع أي طبيب آخر من الاشراف عليه ، وطرأت مضاعفات لهذا المريض واُبلغ الطبيب بذلك ولم يحضر في الوقت المناسب حتى مات المريض ، فهو من التعمد الذي يحاسب عليه الطبيب .
الخطأ الجسيم من الطبيب يوجب مسؤولية جزائية عليه :
1 ـيمكن أن نعدّ الخطأ الجسيم الذي يوجب القتل من العمد وإن لم يقصد الطبيب القتل بخطأه الجسيم ، فمثلاً إذا أطعم الطبيب مريضه عمدا دواءً سامّ يقتل عادة ولم يكن المريض عارفا بالحال ، أو كان غير مميز ، فمات المريض ، فهنا يعدّ الطبيب متعمدا للقتل وإن لم يقصد قتل المريض بهذا الدواء السام ؛ وذلك : لأنّ القتل العمدي صادق في هذه الصورة عرفا وإن لم يقصد الطبيب القتل (34)حيث تقدم أنّ ميزان العمد هو القصد إلى الفعل الذي يقتل غالبا وإن لم يقصد القتل .
2 ـوكذا لو اُجريت عملية للمريض وكانت العملية دقيقة وصعبة بحيث يضرّ المريض أي تصدع لهذه العملية الدقيقة ، ولكن لم يجعل لهذا المريض مرافق من أهله ولم يكن له مرافق من المضمدين ، فوقع من سريره وهو في حالة الاغماء فتصدعت عمليته ، فيعتبر هذا من العمد ( وإن لم يقصده الطبيب ) ، فيوجب عليه مسؤولية جزائية (35).
3 ـإذا نقل مريض إلى مستشفى الطبيب وهو بحالة إسعاف شديدة وبحاجة إلى إجراء عملية جراحية سريعة ، ولكن الطبيب لم يقبله بحجة الارهاق مثلاً ، فمات المريض ، أو لم يقبل الطبيب إجراء العملية له حتى يقبض أجره مسبقا ولم يكن الأجر حاضرا ، فهنا يصدق على هذه الحالة القتل عمدا عند العرف حقيقة وهذا كافٍ في توجيه المسؤولية الجنائية إلى الطبيب .
4 ـلو قال المريض للطبيب اقتلني ، فقتله ، فقد ارتكب الطبيب محرّما ، حيث إنّ حرمة القتل لا ترتفع بإذن المقتول ، ولكن هل يكون الطبيب عامدا في قتله فعليه القصاص ؟ اختلف فقهاء الإمامية في ذلك :
فذهب الشيخ الطوسي في محكي مبسوطه والفاضل في التلخيص والارشاد ، واختاره المحقق في الشرائع وفي المسالك إنّه الأشهر إلى عدم القصاص من الطبيب .
وقد استدل على ذلك : بأنّ الآمر قد أسقط حقّه بالإذن فلا يتسلط عليه الوارث .
ولكن السيد الخوئي (رحمه‏ الله) ذهب إلى ثبوت القصاص على الطبيب إذا مات القاتل مختارا ( كما في صورة الفرض ) ؛ وذلك لأنّ الإنسان غير مسلط على اتلاف نفسه ليكون إذنه بالاتلاف مسقطا للضمان كما هو الحال في الأموال ، فعموم أدلّة القصاص محكمة (36).
5 ـإذا جي ء بإنسان يراد قتله إلى الطبيب ليقتله قتل رحمة بتزريقه إبرة مثلاً ، وكان بامكان الطبيب أن يخلّصه من القتل ولو بتزريقه ابرة مخدّر يظن المريد للقتل حصوله ، ولكن الطبيب قبل العرض فضربه ابرة القتل مع التفاته إلى صورة التخلّص ، أو لم يقبل العرض أصلاً مع علمه بأنّ الفرد سيقتل قتلاً غير رحيم إذا امتنع ، وحصل القتل غير الرحيم بامتناعه لأصل العرض ، ففي الصورة الاُولى يعتبر الطبيب قاتلاً عمدا ، وفي الصورة الثانية يكون الطبيب مسؤولاً مسؤولية جنائية لرفضه تخليص هذا الانسان من القتل ولم يفعل .
6 ـقال السيد الخوئي (رحمه‏ الله) في المسألة الخامسة : « إذا جنى ولم تكن الجناية مما تقتل غالبا ، ولم يكن الجاني قد قصد بها القتل ، ولكن اتفق موت المجنيّ عليه بالسراية ، فالمشهور بين أصحاب الإمامية ثبوت القود ، ولكنه لا يخلو من إشكال ، بل لا يبعد عدمه ، فيجري عليه حكم القتل الشبيه بالعمد » (37).
وقد ذكر في وجه قول المشهور وردّه : « أنهم ذهبوا إلى أنّ السراية في الجناية العمدية مضمونة وإن لم تكن مقصودة ، فيثبت القصاص إذا سرت الجناية وترتب عليها الموت ، ولكنه يندفع بأنّ ضمان الجناية إنّما هو بمقدارها المقصود ، وأمّا الزائد المترتب عليها اتفاقا فهو إذا لم يكن مقصودا ولا مما يترتب عليها غالبا لا يكون عمديّا ، بل هو شبيه بالعمد على ما يأتي من أنّه متقوّم بقصد الفعل المترتب عليه القتل اتفاقا من دون قصده . . . » (38).
هذا ولكن ذهب الحنفية إلى أنّ القاعدة هي أنّ الطبيب لا يُسأل متى لم يتجاوز الموضع المعتاد ، ويعللون ذلك : بأنّ الهلاك ليس بمقارن للعمل ، وإنّم هو بالسراية ، بعد تسلّم العمد ، والتحرز عنها غير ممكن ؛ لأنّ السراية تبنى على قوة الطباع وضعفها في تحمل الألم ، وما هو كذلك مجهول ، والاحتراز من المجهول غير متصوّر ، فلم يمكن التقييد بالمصلح من العمد لئلا يتقاعد الناس عنه مع مساس الحاجة (39).
أقول : إنّ هذا الدليل إذا اُريد به رفع الحرمة ( الحكم التكليفي ) فهو أمر صحيح ، أمّا إذا اُريد به رفع استناد المضاعفات إلى الطبيب فهو غير صحيح ؛ لأنّ صدق استناد المضاعفات إلى من أوجد علتها واضحة عرفا ، إلاّ انّه لا يصدق عليه العمد ، وعلى هذا فالطبيب يكون مسؤولاً عن الضرر الذي لحق بالمريض وتعويضه ، فيكون مسؤولاً مسؤولية مدنية ؛ لاستناد السراية إليه وإن لم يكن قد فعل محرما ولم يكن يصدق عليه العمد أيضا .
أقول : ويؤيد ما ذهب إليه السيد الخوئي من كون سراية الجرح إلى القتل تعتبر شبه عمد ما ورد عن ذريح قال سألت الإمام الصادق (عليه ‏السلام) عن رجل شجّ رجلاً موضحة وشجّه آخر دامية في مقام واحد فمات الرجل ؟ قال (عليه ‏السلام) : « عليهما الدية في أموالهما نصفين » (40).
صور من المسؤولية الطبيّة :
1 ـهل للطبيب أن يعمل عملاً جراحيا لخدمة مريضه حتى وإن لم يوافق عليه ؟
يرى بعض الأطباء أنّ لهم الحقّ باجراء عملية تخدم المريض وتقوده إلى الشفاء رغم ممانعة المريض من ذلك ، كأن يتفق المريض مع الطبيب على إجراء عملية الزائدة الدودية فقط دون المساس بالفتق الذي يحتاج إلى إجراء عملية أيضا ، ولكن الطبيب يرى أنّ له الحقّ عند تخدير مريضه من إجراء كل العمليتين معا بدون إذن مريضه إذا وجده قادرا على تحملهما ، وكان ذلك يقود المريض إلى الشفاء . وقد ذكر ابن حزم ما نصّه : « من قطع يدا فيها آكلةٌ بغير إذن صاحبها ، قال أبو محمّد قال اللّه‏ تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (41)وقال تعالى : {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ } مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } (42)، فالواجب استعمال هذين النصين من كلام اللّه‏ تعالى ، فينظر فإن قامت بيّنة أو علم الحاكم أنّ تلك اليد لا يُرجى لها برء ول توقف وأنّها مهلكة ولابدّ ، ولا دواء لها إلاّ القطع فلا شيء على القاطع وقد أحسن ؛ لأنّه دواء ، وقد أمر رسول اللّه‏ بالمداواة . . . (43).
أقول : على هذا الاستدلال إذا يجوز أن نأخذ أموال الناس بلا إذن منهم ونصرفها في البرِّ والتقوى استنادا إلى قوله تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } وقوله تعالى : {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَااعْتَدَى عَلَيْكُمْ } ، وهذا الصرف في وجوه البرّ ليس إلاّ معاونة على البرّ وليس اعتداءً على صاحب المال ؛ لأنّ الصرف في البرّ كان في صالحه .
ولكن هذا الكلام غير صحيح ؛ لأنّ الطبيب وإن كان قد عمل لصالح المريض إلاّ أنّه غير مجاز بهذا العمل حسب الفرض ، وكل عمل غير مجاز يعدّ تعديا وإن كان فيه نفع للغير ؛ فإنّ الاحسان إنّما يكون إحسانا بشرط أن يوافق عليه من يُحسن إليه ، فاذا أراد إنسان أن يصلح بيت الغير بدون إذنه فهو عمل غير مشروع ؛ لأنّه تعدّ على حقّ الغير بدون إذنه ، فيجب على المعمّر أن يزيل ما عمّره إذا أحدث التعمير بدون إذن صاحب البيت ، ويجبر ضرر صاحب البيت لو حصل من ذلك ضرر عليه .
فالصحيح هنا عدم جواز إقدام الطبيب على عمل فيه نفع بحسب علم الطبيب مع منع المريض من ذلك ؛ وذلك لعدم جواز أن يتدخل الطبيب في جسم المريض بما زاد على الاتفاق معه ، فإن فعل ذلك كان مسؤولاً مسؤولية مدنية لو حصل ضرر على المريض ومسؤولية جزائية لعمله عملاً غير مشروع بدون الإذن .
نعم ، يستثنى من عدم الجواز ما إذا دخل الطبيب في عملية مريضه بعد تخديره ، وتبيّن أثناء العملية الجراحية أنّ الواجب على الطبيب يحتّم إجراء عملية اُخرى ذات شأن بالمعالجة ، ولا يمكن أخذ إذن المريض أو وكيله في تلك الحالة ، فهنا يجوز للطبيب إجراء العملية الاُخرى استنادا إلى وجوب ذلك عليه كالاسعافات الأولية التي يجب أن يقوم بها الطبيب ولو بدون إذن المريض أو وليّه ، إذا كان المريض فاقد الوعي ويتضرر من عدم اجراء العملية له فورا .
2 ـهل للطبيب أن يرفض العناية والمعالجة ؟
إذا تعوقد مع الطبيب لمعالجة مريض معين لمدة معينة ، أو قبل مريض بعد مراجعته الطبيب للمعالجة من دون تعاقد صريح ، وكان هذا التعاقد أو هذ القبول يستدعي زيارة المريض في كل اسبوع مرتين في بيته ، فهل يجوز للطبيب أن يتقاعس عن الاستمرار بزيارة المريض ؟ وكذا إذا وعد الطبيب امرأة بتوليدها واعتمدت المرأة على هذا الوعد ، بأن قطعت علاقتها مع أي طبيب آخر استنادا إلى هذا الوعد ، ولكن الطبيب اعتذر في الساعات الأخيرة التي لا تتمكن المرأة من الحصول على من يولدها بالصورة التي تريدها ، ونتج من اعتذاره ضرر للمرأة الحامل ، فهل يكون الطبيب مسؤولاً مسؤولية مدنية أو جنائية عن عمله هذا ؟
والجواب على ذلك : إنّ الطبيب في صورة تعاقده مع مريضه بالمعالجة سواء كان التعاقد مكتوبا أو عمليّا ، فلا يجوز له أن يتقاعس عن عمله وم يستوجبه ذلك العمل من الزيارات المتكررة التي يكون العلاج متوقفا عليها ، إلاّ أن يثبت انشغاله بعمل أهم أو كان غير قادر على الزيارات والمعالجات مطلقا ، أو أثبت أنّ مريضه كان مهملاً للتعاليم التي يقدمها له بحيث يكون العلاج غير نافع في هذه الحالة ، وأمّا في غير هذه الحالات فيكون الطبيب مقصر ويتحمل المسؤولية المدنية إذا ترتب ضرر من جرّاء تقاعسه ، وكذلك يتحمل المسؤولية الجنائية أيضا لعدم التزامه بمضمون العقد الواجب الاجراء وأمّا بالنسبة للتوليد : فإذا كان الوعد قد وصل إلى مرحلة العهد بحيث رتّبت المرأة على هذا الوعد كل ما من شأنه أن يقويه ويضعّف أو يعدم علاقتها بكل المولدين اعتمادا على هذا الوعد ، فحينئذٍ سيكون الطبيب مسؤولاً عن نكوله بهذا العهد الذي اعتمدت عليه الحامل ، بشرط أن لا يكون نكول الطبيب واعتذاره ناشئا من عدم قدرته على التوليد لعارضٍ ألمّ به أو كان نتيجة انشغاله بأمر أهم أو كان نتيجة عدم التزام المرأة الحامل بالإرشادات التي لها دخل في عملية التوليد .
خلاصة البحث :
ويمكن أن يلخص البحث بعدّة نقاط :
الاُولى: للحياة الإنسانية حرمة لا يجوز الاعتداء عليها إلاّ في حدود الشريعة وهي خارج نطاق الطب ، وتتمثل هذه الحرمة في بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى : {مِن أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْْإَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } (44). وعلى هذا فلا يجوز الانتحار في الإسلام ؛ لأنّه قتل للنفس بلا موجب .
الثانية: إنّ وظيفة الطبيب إذا كان يعمل حسب مقررات علم الطب أن لا يتدخل في غير اختصاصه ، وإذا كان طبيبا عاما أن يحيل كلّ حالة إلى أهل الاختصاص ولا يتدخل فيما ليس له فيه تخصص وعلم ؛ لأنّه يصدق عليه أنّه قد تطبب ولم يعلم منه طبّ ، فيكون ضامنا ( أي مسؤولاً مسؤولية مدنية وجزائية ) . على أنّ الطبيب المتخصص لا يجوز له إلاّ العمل لصالح المريض الذي جعله وكيلاً أو أجيرا في العمل لصالح المريض ، ويحاسب الطبيب في حالة تفريطه وتعدّيه .
الثالثة: إنّ الطبيب يكون ضامنا في الفقه الوضعي ضمانا قانونيا مدنيا أو جزائيا ـ في حالة الاضرار بالمريض أو بالمجتمع بانتهاكه جريمة منصوص على تحريمها .
وأمّا في الفقه الإسلامي فقد قلنا إنّ مسؤولية الطبيب في الضمان في حالة تعديه وتقصيره ، وهذا موضع اجماع من قبل المسلمين ، إلاّ أنّ هناك قول (45)عند علماء الإمامية يعتبر الطبيب ضامنا حتى في صورة عدم تعدّيه وعدم تفريطه إذا أتلف نفسا أو عضوا إلاّ أن يأخذ البراءة من المريض ، وذلك حيث يسند اتلاف النفس أو العضو إليه ، وحيث لم يكن متعمدا في ذلك فيسقط الحكم التكليفي ( الحرمة ) إلاّ أنّ الضمان يبقى على حاله ، نعم إذ أخذ الطبيب من المريض البراءة ، فمعنى ذلك أنّ المريض قد أسقط ما في ذمّة الطبيب من الضمان عند تلف العضو أو النفس ، وهذا أمر ممكن في الاعتباريات إذا دلّ عليه الدليل نظير {أوفوا بالعقود } (46)أو « المؤمنون عند شروطهم » .
ودليل الضمان في هذه الحالة بالاضافة إلى القاعدة رواية السكوني عن الإمام الصادق (عليه ‏السلام) حيث قال : « قال أمير المؤمنين (عليه ‏السلام) : من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه ، وإلاّ فهو ضامن » (47).
الرابعة: قد يكون الاتفاق بين الطبيب والمريض قائما على تحقق نتيجة الشفاء ( البرء ) وقد اختلف في صحة هذا الاتفاق على قولين ، الصحيح منهما صحة هذا الاتفاق لأنّه مقدور بالقدرة على مقدماته ، فيصح عقده من قبل الطبيب إذ كان واثقا ومطمئنا من قدرته على البرء فيرتفع الغَرر ، كما يمكن أن يكون الاتفاق على جعل جعالة لالخامسة: ونفس الكلام يقال في الاتفاق بين المريض والطبيب على شرط السلامة من السراية إلى مضاعفات لا تحمد عقباها ، فهو أمر مقدور للطبيب بقدرته على مقدماته ، فإن كان واثقا من قدرته على ذلك لا يحصل الغرر من هذا الاتفاق والعقد . كما هو ملتزم به إذا كان العمل المستأجر عليه هو حفظ المتاع ، فإنّ العمل المستأجر عليه في الحقيقة هو محاولة الحفظ الذي هو تحت القدرة ، ولكن يقال هناك إنّ الحفظ مقدور عليه بالقدرة على مقدماته ، فاذا كان واثقا من نفسه بقدرته على الحفظ ولو بقدرته على مقدماته كان العقد بعيدا عن الغرر ، على أنّ محاولات كثيرة ذكرت لتصحيح شرط البرء وشرط السلامة ، منها : أن يكون المريض وكيلاً ( في ضمن العقد ) في إبراء ذمته من الأجر إذا لملطبيب إذا حصل البرء للمريض بواسطة عمل الطبيب .
يحصل البرء والسلامة .
السادسة: إنّ الطبيب مسؤول مسؤولية جنائية إذا تعدّى حقّه أو واجبه فارتكب إثما قد حرّمه الشارع المقدّس عن علم وعمد كقيامه باجهاض حمل محرّم ولو كان في بداياته ؛ لأنّ له حرمة ودلّ الدليل على عدم جواز إسقاطه .
السابعة: ذكرنا ضابطا للخطأ المتعمد وهو ما يسمى في الشرع بشبه العمد ، وهو أن يكون قاصدا للفعل مخطئا في قصده .
كما ذكرنا في ضابط العمد أنّه قصد العمل وغايته الذي يعدّ جناية إذ ترتبت الجناية عليه ، وكذا إذا قصد العمل ولم يكن جناية ولكن تترتب الجناية عليه غالبا مع علمه بهذا الترتب .
الثامنة: الخطأ الجسيم من الطبيب يعدّ عمدا وإن لم يقصد الخطأ الجسيم كمن سقى مريضه السمّ بقصد العلاج فحصل الموت ، فهو من العمد وإن لم يقصد القتل ؛ لأنّ القتل العمدي صادق هنا عرفا وإن لم يقصده الطبيب .
التاسعة: ذكرنا أنّ الطبيب لا يحلّ له أن يعمل عملاً جراحيا لخدمة مريضه إن لم يوافق على ذلك المريض أو نهى الطبيب عن إعماله ؛ لأنّ المريض مسلّط على جسمه ، ولا يحلّ لإنسان أن يتعدى على جسم غيره إلاّ برضا صاحبه وإذن الشارع في ذلك ، خلافا لمن أجاز ذلك بعنوان الإحسان إلى المريض .
العاشرة: لا يجوز للطبيب إذا قبل مريضه أو اتفق معه على المعالجة أن يتقاعس عن ذلك ويترك المعالجة إلاّ أن يكون مشتغلاً بالأهم أو انتفت قدرة الطبيب على المعالجة أو يثبت الطبيب أنّ مريضه لم يكن ملتزما بالتعليمات الصادرة له . وإلاّ فسيكون الطبيب مسؤولاً عن تقاعسه إذا أدّى إلى ضرر المريض .
هذا ما أردنا بيانه في ضمان الطبيب ومسؤوليته والحمد للّه‏ ربّ العالمين

الهوامش:

(1)صحيح مسلم 4 : 146، ط ـ دار الفكر .
(2) المائدة :32.
(3) الأنعام :151
(4) الاسراء :33.
(5) النساء :92.
(6) البقرة :195.
(7)مسند أحمد بن حنبل 5 : 327. سنن إبن ماجة 2 : 784، ح 2340و 2341. عوالي اللئالي 1 : 383، ح 11، وغيرها من المجاميع الروائية .
(8)راجع : سنن أبي داود 2 : 387. سنن النسائي 8 : 53. مستدرك الحاكم 4 : 212. والظاهر أنّ المراد من كلمة الضمان هنا هي المسؤولية الأعمّ من الضمان الاصطلاحي والعقاب الدنيوي والاُخروي .

(9)راجع : الوسيط في شرح القانون المدني ، مصادر الالتزام 1 : 744ـ 745. مع تصرف وإختصار واضحين
(10)راجع بحث الدكتور عبد الستّار أبو غدّة المقدّم للدورة الثامنة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي في بروناي دار السلام ، ص 44 ـ 45.
العروة الوثقى : 67، بحث الإجارة . ط ـ جماعة المدرسين .
(12)راجع : تعليقة السيد الگلبايگاني على العروة الوثقى 5 : 67، بحث الإجارة .
(13)وسائل الشيعة 29: 260، ب 24من موجبات الضمان ، ح 1 . (11)
(14)المصدر السابق : ح 2 .
(15) العروة الوثقى 5 : 135 ـ 136.
(16)المصدر السابق : 137.
(17)المصدر السابق
(18)المصدر السابق : 136، 137( التعليقة

(19)راجع : المغني لابن قدامة 5 : 400.
(20)راجع : ما كتبه الدكتور عبد الستار أبو غدة في بحثه المقدم للدورة الثامنة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي تحت عنوان : ( مسؤولية الطبيب وضمانه ) ص 42عن الهداية 2 : 194و 3 : 179. وعن مجمع الضمانات : 47ـ 48.

(21)بداية المجتهد 2 : 194. الطب النبوي لابن القيم : 35.
(22)المصدر السابق
(23)مجمع البحرين 1 : 416، مادة « جنا » .

(24)أمّا إذا كان المريض بحاجة إلى عملية فورية ولم يكن بالامكان أخذ إجازته أو إجازة وليّه إمّا لكونه في حالة إغماء ، أو لعدم وجود وليّه أو عدم معرفته فهنا لا حاجة إلى إذن المريض أو وليّه . لأنّ هذه الحالة من حالات الاسعاف العاجل التي لا يمكن فيها الانتظار إلى حصول الرضا ، حيث يكون الانتظار إلى حصول الرضا هلاكا مؤكدا للمريض ، فهنا لو أقدم الطبيب على العلاج والحالة هذه فهو يدفع خطرا محققا عن هذا المريض العاجز عن التعرف على مصلحته ، فيجب على الطبيب العلاج وجوبا كفائيا إذا كان هناك غيره ووجوبا عينيا إن لم يكن غيره . وقد استثنت كثير من اللوائح الطبيّة الحديثة حالات الاسعاف العاجل من ضرورة الحصول على إذن المريض أو وليّه
(25)وسائل الشيعة 29: 25 ـ 26، ب 7 من قصاص النفس ، ح 1
(26)المصدر السابق : 314، ب 19من ديات الأعضاء ، ح 4 ، وغيره .
(27)جواهر الكلام ( للمحقق النجفي ) 42: 12، 13و 43: 3 .

(28)المصدر السابق 43: 3 ، 4 .
(29)المصدر السابق : 4 .
(30)المصدر السابق : 3 .

(31)وسائل الشيعة 29: 38، ب 11من أبواب القصاص في النفس ، ح 9 .
(32)المصدر السابق : 40، ح 13.
(33)المصدر السابق : 37 ـ 38، ح 7 .
(34)راجع : مباني تكملة المنهاج 2 : 7 ، مسألة 8 .
(35)وشبيه هذه الحالة ذكرها السيد الخوئي في « مباني تكملة المنهاج » 2 : 8 ، مسألة 9فقال : « لو حفر بئرا عميقة في معرض مرور الناس متعمدا ، وكان الموت يترتب على السقوط فيها غالبا ، فسقط فيها المارّ ومات ، فعلى الحافر القود ( القصاص ) بلا فرق بين قصده القتل وعدمه » . أقول : إنّ على الحافر القود إذا توفرت شروط القصاص ، وهذا واضح ؛ لأنّ كلامنا هنا هو في صدق العمد ، وأمّا القصاص فله شروطه التي منها صدق العمد في الجناية .
(36)راجع : مباني تكملة المنهاج 2 : 16.

(37)المصدر السابق : 6 ، مسألة 5 .
(38)المصدر السابق 2 : 6 ، 7 .
(39)مقالة الدكتور محمّد عطا السيد سيد أحمد ، المقدمة للدورة الثامنة لمجمع الفقه الاسلامي في بروناي دار السلام ، مسؤولية الطبيب : 3 . عن الهداية والعناية 7 : 206.

(40)وسائل الشيعة 29: 280، ب 42من موجبات الضمان ، ح 1 .
(41) المائدة : 2.
(42) البقرة :194.
(43)المحلّى 10: 444.
(44) المائدة :32.

(45)انظر : جواهر الكلام 42: 107. مستمسك العروة الوثقى 12: 79 ـ 80.
(46) المائدة : 1.
(47)وسائل الشيعة 29: 260، ب 24من موجبات الضمان ، ح 1 .

اترك ردا