الأصول الفلسفية والإيديولوجية للنظريات اللغوية: محاضرة بكلية الآداب بني ملال يؤطرها الدكتور سعيد العلام

تقرير محمد احدوش

احتضنت قاعة المحاضرات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال، مساء الخميس 17 يناير 2019 محاضرة بعنوان “الأصول الفلسفية والإيديولوجية للنظريات اللغوية” من تأطير الدكتور سعيد العلام، أستاذ التعليم العالي بمركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط. وكانت من تنظيم مختبر الأبحاث التطبيقية في الأدب واللغة والفن والتمثلات الثقافية بتعاون مع مختبر اللغة العربية وتحليل الخطاب، وجمعية فن ومرئيات للثقافة والتنمية.

  انطلق الأستاذ العلام في محاضرته من ملاحظة مفادها غياب السؤال الابستيمولوجي على المستوى البيداغوجي في الجامعة المغربية، بحيث تُقدَّم المعرفة العلمية إلى الطالب المتلقي دون مساءلتها ابستمولوجياً، الشيء الذي يجعلنا دائما في موقف الانفعال مع النظريات العلمية لا التفاعل معها.

 وقد فضل الأستاذ المحاضر قبل الدخول إلى لُجة المحاضرة بسْطَ مفاهيمها الأساس، وهي: الإيديولوجيا – الأصول الفلسفية- النظريات اللغوية.

  كما عرّج على عدد من الثنائيات التي ميزت النظريات اللغوية وأثرت فيها، والتي سيقاربها ليس من زاوية لسانية بل من زاوية ابستمولوجية. وهذه الثنائيات هي (اللغة/ الكلام) و(التزامن/ التعاقب) و(الدال/ المدلول) و(الوصف والتفسير). طارحا السؤال: لماذا هذه الثنائيات؟

 وللإجابة عن هذا التساؤل انتقل الدكتور بالحاضرين إلى السياق التاريخي والمعرفي لظهور النظريات اللغوية، فبدأ بالنظرية البنيوية مع دي سوسير التي ظهرت في لحظة اتسمت ببروز النزعة العلمية وليدة الفلسفة الوضعية. هذه النزعة كانت نتيجة للتأثر بالفكر العقلاني الديكارتي، حيث بدأ الاهتمام بالمنهج العلمي، وهو البراديغم الذي أطر روح العصر، عصر دي سوسير ومن جايله، وهو اتجاه يروم القطيعة مع الفلسفة.

  فالعالِم اللغوي سوسير تحتَ تأثير هذه النزعة كان يبحث عن العِلمية والموضوعية في دراسة اللغة، فأنشأ مفهوم (اللسان) بحثا عن شيء ثابت يمكن دراسته، فثنائية (لغة/كلام) تحيل على علاقة اللغة بالتطور والتاريخ والتحقق الواقعي مما يحيل على دخول عناصر يعتبرها غير موضوعية، وفي ذلك نقد للنزعة الميكانيكية التي ترى بأن اللغة جسم حي أي أنها شكل ومضمون. فالبنيوية تعتبر اللغة ظاهرة ثابتة، وهذا معناه إلغاء الجانب التاريخي، وفي هذا إحالة على ثنائية (التزامن/ التعاقب).

  انتقل الدكتور العلام إلى البحث في الأصول الفلسفية لثنائية (الوصف/التفسير) التي تميز النظريات اللغوية المعاصرة، ليقرر أن (الوصف) باعتباره ملاحظة الواقع وعدم تجاوزه، أسست له النظرية السلوكية، وقد كان العامل الأساس في اعتماد البنيوية منهج الوصف هو اعتبارها اللغة ظاهرة ثابتة، بالإضافة إلى استبعادها كل ما هو خارج لغوي (اللغة بِذاتها ولِذاتها)، ولأنهم تخوفوا من مسألة (المعنى) الذي لا ينضبط لمعيار “العلمية”. ومن هنا ظهرت فكرة (البنية) خصوصا مع الشكلانيين الروس ومع جاكبسون وغيره…

  وقد عرّج الأستاذ المحاضر في ثنايا حديثه عن ثنائية (وصف/ تفسير) على أهم المداخل التي شكلت منعطفا في النظرية اللسانية، حيث ستنتقل من مجرد وصف الظاهرة اللغوية إلى البحث عن تفسير الظاهرة، وهو المنعطف الذي ظهرت ملامحه مع عدد من اللسانيين الأمريكيين وعلى رأسهم ناعوم تشومسكي. وأجمل هذه المداخل في ثلاثة:

  المدخل الأول يتمثل في تأثر تشومسكي بنسبية (بوبر) الذي اعتبر أنه لن تكون هناك نظرية علمية حقيقية مالم تكن عندها القدر التفسيرية. والمدخل الثاني تمثل في نقد مدرسة فرانكفورت بزعامة (هابرماس) للاتجاه الوضعي خاصة في بعده الأداتي التشييئي، وقد كان تشومسكي منخرطا في هذا الاتجاه. أما المخل الثالث فيظهر في انتقاد تشومسكي للسلوكية. فكان الحل بالنسبة له هو الرجوع إلى الفلسفة من باب النزعة الديكارتية، وخصوصا الأفكار الفطرية، فكان كتابه (اللسانيات الديكارتية)، فتم التحول من (البنية) في اللسان إلى (البنية) في الكلام. فاتجه تشومسي نحو البعد التفسيري في دراسة اللغة، أي تفسير كيفية إنتاج الكلام، ومن ثم الرجوع إلى الفلسفة وإلى علم النفس. هذا الرجوع شكل بدوره نزعة وبراديغم جديد سيحدث ثورة أخرى في الدرس اللساني مع ظهور النظرية التوليدية، والبحث عن نحو عالمي (أو نحو كلي).

 وفي ختام محاضرته، حاول الدكتور العلام تجميعها في عدد من الخلاصات أهمها:

لا بد من تجاوز النزعة التوّحُّدية (أي الاندماج في نظرية معينة وعدم القدرة على  تجاوزها) والانتقال إلى التفاعل بدل الاكتفاء بالانفعال.
لا بد من التسلح بالفكر النقدي والإيمان بالنسبوية
لكي نبتكر لا بد أن نعي ما هو موجود أولا
المعرفة العلمية في العلوم الدقيقة تتجه نحو النسبوية، والعلوم الإنسانية تتجه للعودة نحو الفلسفة
الابستمولوجيا تمدنا بالأسئلة المعرفية التي تقود نحو الابتكار، سواء طرحناها على التراث أم على الحاضر.
لا يهم المنهج في النظرية بقدر ما تهم الإيديولوجيا المحركة والباعثة للنظرية.
النظريات بنات عصرها وسياقها، تجيب عن أسئلة الراهن وتعبر عن رؤية للعالم.
يحق من الناحية الابستمولوجية التساؤل حول علمية اللسانيات؟ وقبل ذلك لا بد من التساؤل حول ماهية العلم؟
اللغة موضوع إنساني، ومن الصعوبة بمكان إسقاط منهج علمي على موضوع إنساني.

شارك برأيك