بحث/ التدبر والبيان لهدايات قوله تعالى: “فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ … ” -الأنعام 125-

أ.ذ. أحمـد الريفـي

بِسـۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على من أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ورضي اللهم عن صحابته الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.
أما بعد؛ فإن من المقاصد الكبرى، والغايات الأسمى، التي جاء القرآن الكريم ليبلغها إلى البشرية جمعاء، أنه هو سر حياتها، ونور قلبها، وبَصِيرة نفسها وروحها، وسبيل سعادتها: (أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ ) -الأنعام 122- (وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ) -الشورى52- فلا حياة للأمة إلا بروح القرآن وهديه، ولا بصيرة لقلبها ونفسها إلا بنوره وبصائره: (قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ ) -الأنعام104- ولا نجاة لها من الضلال في الدنيا، والشقاء في الدنيا والآخرة، إلا باتباع هداه: (فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ)- طه123-
أهمية الموضوع
ومن هنا كانت أهمية البحث في الهدايات القرآنية باعتبارها:
أ= المقصد الأول والأعظم من نزول القرآن الكريم، فالقرآن الكريم إنما نزل هدىً للناس، هداية بيان ودلالة وإرشاد: (شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ) -البقرة185- ونزل هدىً للمتقين، هداية إلْهام وإِنْعام، وتوفيق وتأييد: (ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ)-البقرة 2-
ب= وباعتبارها (الهدايات) نوراً ورحمة، وشفاء وبركة، وموعظة وذكرى … كما وصفها الله تعالى في آيات كثيرة، ففيها كل الخصائص التي تحيى بها القلوب والنفوس، وتستنير ببصائرها العقول والأرواح.
ج= باعتبارها كذلك هي السبيل الوحيد لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الجهل بالله، إلى العلم به وجلاله وجماله وكماله، ومن الضنك والشقاء إلى الفوز والفلاح، ومن ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة … فما أخرج الله هذه الأمة للناس -يوم أن أخرجها- من مواتها إلا بهدايات القرآن، ولن تعود لمجدها وعزها ونصرها إلا بالقرآن كذلك إن شاء الله تعالى.
ولذلك كان تفسير القرآن الكريم على أهميته وجلالة قدره؛ لتعلقه بكتاب الله تعالى وخدمته، ما هو إلا وسيلة للوصول إلى الهدايات القرآنية من أجل العمل بها والاهتداء بهديها، عقيدة، وعبادة، وأخلاقاً، ومعاملةً، وعلماً وعملا ودعوةً.
ولقد جاء هذا البحث محاولة لتحقيق هذه المقاصد والمعاني وإبرازها، أو بعضها على الأقل، من خلال بحث تطبيقي موجز في هدايات قوله تعالى: (فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ) – الأنعام 125-
وانتظمت خطته في: مقدمة وأربعة مباحث، على النحو الآتي:
مقدمة عن الموضوع وأهميته
المبحث الأول: معاني مفردات الآية
المبحث الثاني:مناسبة الآية لما قبلها وما بعدها.
المبحث الثالث: الهدايات الخاصة بالآية
المبحث الرابع: سبل تحقيق هدايات الآية في واقع الأمة
ثم فهرس لائحة المصادر والمراجع

المبحث الأول
معاني مفردات الآية ( )
(فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ) – الأنعام 125-
– قوله تعالى: (فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُ)
قال الزمخشري رحمه الله: ” أن يلطف به، ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف”( ) قلت: وهذا المعنى الدقيق الذي ذكره الزمخشري هو ما يفيده أصل الكلمة “الهدى” في اللغة كما ذكره أصحاب المعاجم؛ قال ابن فارس: ” الهاء، والدال، والحرف المعتل، أصلان: أحدهما، التقدم للإرشاد، والآخر، بعثه لطف ..”( ) قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: “هدى: الهداية دلالة بلطف، ومنه الهدية..”( ) قال سيد قطب رحمه الله: ” من يقدر الله له الهداية – وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء – “يشرح صدره للإسلام”( )
– قوله تعالى: )يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ ۖ(
قال ابن عطية:”هو تسهيل الإيمان وتحبيبه وإعداد القلب لقبوله وتحصيله”( ). “أي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامات على الخير كما قال تعالى: )أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (” ( ) قال الراغب الصفهاني: ” أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرَّحته، ومنه شرح الصدر أي بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله ورَوْحٍ منه، قال تعالى:)رب اشرح لي صدري( – طه25- ) ألم نشرح لك صدرك( – الشرح1- وشرح المشكل من الكلام بسطه وإظهار ما يخفى من معانيه”( ). قال الزمخشري:”يشرح صدره للإسلام: يلطف به حتى يرغب في الإسلام، وتسكن إليه نفسه، ويحب الدخول فيه”( ). قال الطاهر بن عاشور: ” واستعمل الشرح في كلامهم مجازاً في البيان والكشف، واستعمل أيضاً مجازاً في انجلاء الأمر ويقين النفس به، وسكون البال للأمر، بحيث لا يتردد فيه ولا يغتم منه، وهو أظهر التفسيرين في قوله تعالى: ) ألم نشرح لك صدرك(
والصدر مراد به الباطن، مجازاًً في الفهم والعقل بعلاقة الحلول، فمعنى )يشرح صدره للإسلام ( يجعل لنفسه وعقله استعداداً وقبولا لتحصيل الإسلام، ويوطنه لذلك حتى يسكن إليه ويرضى به.. وإذا حل نور التوفيق في القلب كان القلب كالمتسع، لأن الأنوار توسع مناظر الأشياء.( ) فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: )َفمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ ( قالوا: يارسول الله ما هذا الشرح؟ قال: “نور يقذف به في القلب” قالوا: يارسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف؟ قال “نعم” قالوا: وما هي يارسول الله؟ قال:”الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت”( )
– قوله تعالى: )وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ (
بعد ذكره سبحانه وتعالى صنف من يقدر له الهداية وفق سنته القدرية والشرعية، ذكر مقابل ذلك من قُدِّر له عكس ذلك، وهذا من الأساليب القرآنية البلاغية، وهو ما يسمى ب:”الطباق والمقابلة” أي الجمع بين المعنييْن المتضادَّيْن تقابلاً. )فمن يرد الله أن يهديه( )ومن يرد أن يضله( قال الراغب: “الضلال العدول عن الطريق المستقيم ويضاده الهداية، قال تعالى:)فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ( –يونس 108، الإسراء15- قال أبو جعفر الطبري:”ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى، يَشغله بكفره وصدِّه عن سبيله، ويجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه حرجًا، و”الحرج”، أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذه، من شدة ضيقه، وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان، لريْن الشرك عليه” ( ) قال القرطبي: )ومن يرد أن يضله( يغويه )يجعل صدره ضيقاً حرجاً ( وهذا رد على القدرية. ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” أخرجه الصحيحان”( ) قال الزمخشري): ومن يرد أن يضله( أن يخذله ويُخلِّيَه وشأنه وهو الذي لا لطف له )يجعل صدره ضيقاً حرجاً ( يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه، وينبوَ عن قبول الحق وينسدَّ، فلا يدخله الإيمان )كأنما يصعد في السماء (كأنما يزاول أمراً غير ممكن؛ لأن صعود السماء مثَلٌ فيما يمتنع ويبعُد عن الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة. وقرئ يصَّعَّد، وأصله يتصعد، وقرأ عبد الله يتصعَّد ويصَّاعد، وأصله يتصاعد .. ( )
قال ابن كثير رحمه الله: “ويقول مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء. وقال ابن عباس: )كأنما يصعد في السماء( فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله قلبه”( ) قال سيد قطب رحمه الله: ) يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء( وهي حالة نفسية تُجَسَّمُ في حالة حسية من ضيق النفس، وكربة الصدر، والرهق المضني في التصعد على السماء! وبناء اللفظ ذاته “يصَّعَّد” فيه هذا العسر والقبض والجهد. وجرسه يخيل هذا كله، فيتناسق المشهد الشاخص، مع الحالة الواقعة، مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد.”( )
– قوله تعالى: )كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ(
وفي سورة يونس: ) ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ( –يونس100- وهذه الجملة القرآنية تذييل لما قبلها. قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: “وقوله: (كَذَٰلِكَ) نائب عن المفعول المطلق المراد به التشبيه، والمعنى: يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون جعلاً كهذا الضيق والحرج الشديد الذس جعله في صدور الذين لايؤمنون .. وجيء بالمضارع في (يجعل) لإفادة التجديد في المستقبل، أي هذه سنة الله في كل من ينصرف عن الإيمان ويعرض عنه”( ) قال ابن كثير رحمه الله: “يقول كما يجعل الله صدر من أراد ضلاله ضيقاً حرجاً، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله”( ) ومن معاني الرجس في الآية كذلك: الخذلان والارتكاس المؤدي إلى العذاب وسخط الله وعقابه، نسأل الله السلامة والعافية، والرشاد والهداية.

المبحث الثاني
مناسبة الآية لما قبلها وما بعدها
تمهيد: حول المناسبة بين الآية والسورة: لا شك أن لهذه الآية الكريمة صلة وثيقة بموضوع السورة ومحورها الكبير ألا وهو: موضوع العقيدة، وما تتضمنه من حقيقة الألوهية والعبودية وما بينهما من علاقة، وما لهما من آثار في حياة الإنسان وتصوراته وأفعاله، فإذا كان الله عز وجل –كما في محاور السورة ومواضيعها- هو الخالق والرازق والمدبر والمالك والحاكم والحكيم والمشرع، وصاحب القدرة المطلقة، وعالم أسرار الغيب والشهادة … فإنه سبحانه هو الذي يملك قلوب العباد، وهو القادر على هدايتها، أو إضلالها وفق سُنَنِه: “فالقلوب بين أصبعي الرحمن يقلبها كيف يشاء”: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ ( – الأنعام 125-
أولا: مناسبة الآية لما قبلها: لما ضرب الله المثل لحال من كان ميت القلب بالكفر والشرك والظلم، فأحياه الله بنور الإيمان وهداية الإسلام، مع حال مَن بقي مرتكساً متخبطاً في ظلمات الكفر والظلم، وذكر الشبه الزائفة التي وجهها الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة، وأسباب إعراضهم عنها: )أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ … وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ( -الأنعام 122-123- : ذكر هنا في هذه الآية: أن الهداية والإضلال بيد الله ومشيئته وحكمته، ووفق سنته الجارية في هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه، أو إضلال من يرغب عن ذاك ويعرض عنه: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ( – الأنعام 125- قال الطاهر بن عاشور رحمه – عقب هذه الآية-:”الفاء مرتبة الجملة التي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله: ) أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ ( وما ترتب عليه من التفاريع والاعتراض. وهذا التفريع إبطال لتعللاتهم بعلة: )حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ( وأن الله منعهم ما علقوا إيمانهم على حصوله، فتفرع على ذلك بيان السبب المؤثر بالحقيقة إيمان المؤمن وكفر الكافر وهو: هداية الله المؤمن، وإضلاله الكافر فذلك حقيقة التأثير دون الأسباب الظاهرة، فيعرف من ذلك أن أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا، حتى يريد الله هدايتهم إلى الإسلام، كما قال تعالى: )وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ( – الأنعام 111- “( )
ثانيا: مناسبة الآية لما بعدها: أما مناسبة الآية لما بعدها فهي مناسبة المقدمة للنتيجة، والبيان للمبين، إذ بعد بيان حال من يريد الله هدايته للإسلام هداه وفق سنته الشرعية والقدرية، وحال من يريد أن يضله وفق سنته كذلك في الهدى والضلال، جاء قوله تعالى: )وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ… ( -الأنعام 25-26- عطفاً كالتعقيب على ذلك ليبين أن هذا الذي يدعوهم إليه ليهتدي من يهتدي ويضل من يضل، هو صراط الله المستقيم. قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: )وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ … ( هذا عطف على جملة )ومن يرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ( إلى آخرها، لأن هذا تمثيل لحال هدي القرآن بالصراط المستقيم الذي لا يجهد متبعه، فهذا ضد لحال التمثيل في قوله )كأنما يصعد في السماء (. أو يكون المعنى كما قال الزمخشري: “وهذا طريقه الذي اقتضته الحكمة، وعادته في في التوفيق والخذلان) مستقيماً( عادلا ومطرداً” ( )
قلت: والأول أرجح لأنه عام وشامل للثاني، والعلم عند الله عز وجل. لذلك قال ابن كثير رحمه الله: “لما ذكر طريق الضالين عن سبيله، الصادين عنها نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال: )وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ ( منصوب على الحال أي هذا الدين الذي شرعناه لك يامحمد بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط الله المستقيم” ( ) ) قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ( استئناف وفذلكة لما تقدم، والمراد بالآيات آيات القرآن، واللام في ) لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ( للعلة، أي فصلنا الآيات لأجلهم لأنهم الذين ينتفعون بتفصيلها، والمراد بالقوم: المسلمون لأنهم الذين أفادتهم الآيات وتذكروا بها.( )

المبحث الثالث
الهدايات الخاصة بالآية
قال تعالى: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ( – الأنعام 125-
تمهيد: لا شك أن لهذه الآية الكريمة من الأسرار الإلهية، والهدايات الربانية ما لاينتهي، لأنها كلام الله عز وجل: )قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ( -الكهف 109- وهدايات القرآن الكريم شاملة واسعة، فهناك هدايات تؤخذ من القرآن الكريم كله، وهدايات تؤخذ من كل سورة منه، وهدايات تؤخذ من كل آية من آياته، بل وهناك هدايات تؤخذ من كل كلمة من كلماته، وهذا من إعجازه، وعجائبه وأسراره التي لا تنقضي إلى قيام الساعة.
وسأذكر بعض ما تيسر لي ذكره من هدايات هذه الآية الكريمة، مما استفدته من كتب التفسير، ومما فتح الله به علي ووفقني إليه من خلال تدبر هذه الآية:
1- تفيد هذه الآية أن الإرادة الحقيقية والمطلقة هي إرادة الله عز وجل، وأن إرادة العبد تابعة لإرادة الله جل جلاله: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ (وفي هذا بيان لمقام الربوبية الحقَّة، ومقام العبدية الحقيقية فالعبد عبد، والرب رب.
2- تفيد الآية أن الله تعالى هو مصدر الهُدَى )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أنْ يَهْديَهٌ… ( كما قال تعالى في آية أخرى: )قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ( -آل عمران73-
3- تفيد الآية أن كلا من الهداية والضلالة هما بإرادة الله ومشيئته تعالى: )مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ( -الأنعام39- لكنه سبحانه لا يرضى لعباده الضلالة والكفر، بل يرضى لهم الهداية والشكر، كما قال تعالى: )إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ( -الزمر7-
4- تفيد الآية أن من هداه الله تعالى من عباده فبفضله، وأن من أضله فبعدله.
5- دلَّت الآية على أن كل شيء بقدر، إذ إسناد الهدى والضلال إلى الله هو”إسناد حقيقي لأنه تعالى هو الخالق لذلك والموجد له والمريد له” ( ) فلا يقع شيء إلا بإذنه ووفق إرادته وقَدَرِه.
6- تفيد الآية أن أعظم النعم هي نعمة الهداية إلى الإسلام، لما لصاحبها من أنوار السعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة، كما تفيده كلمة: (يَشْرَحُ)، وكما قال تعالى ) أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦٰۚ ( – الزمر22 – فكل نعمة هي دون هذه النعمة وتابعة لها.
7- تفيد الآية أن نعمة الهداية والتوفيق، لا تحصل إلا بانشراح الصدر، وهو يقين القلب وسكون البال للأمر بحيث لا يتردد فيه ولا يغتم منه ( )
8- تفيد الآية أن أول خطوة في طريق الهداية هي: ميل القلب ورغبته في البحث عنها، ومن ثم ينشرح لقبولها والاهتداء بها: )يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ ( فلا بد إذن من العمل ثم بعد ذلك: “فكل ميسر لما خلق له”
9- تفيد الآية أن “القلوب بين أصبعي الرحمن يقلبها كيف يشاء” هداية وضلالة، ومن هنا سر كثرة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء – تعليماً لنا- “اللهم يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”
10- تفيد الآية أن دخول الهدى والنور إلى القلب نعمة وفضل من الله تعالى: )يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ (وأن طريق ذلك هو الإقبال على الوحي، كما قال تعالى على لسان نبيه:) وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ( -سبأ 50-
11- تفيد الآية أن للهداية علامات وأمارات ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: ” تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ ( قالوا: يارسول الله ما هذا الشرح؟ قال: “نور يقذف به في القلب” قالوا: يارسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف؟ قال “نعم” قالوا: وما هي يارسول الله؟ قال:”الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت”( )
12- تفيد الآية أن من اتبع سبل الضلال أضله الله تعالى: ) وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا ( فالجزاء من جنس العمل.
13- تفيد الآية أن البشرية تنقسم إلى قسمين تجاه الهدى القرآني: قسم اهتدى بهدي الله تعالى، وقسم ضل عن هذا الهدى:)فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ . وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا (
14- تفيد الآية أن الهداية المقصودة هنا، هي هداية التوفيق والإلهام والتأييد، أما هداية البيان والدلالة أو الإرشاد، فهي حاصلة للناس جميعاً بمقتضى إرسال الرسل وإنزال الكتب، كما قال تعالى: ) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ ( -فصلت17-
15- تفيد الآية أن لكل من الهداية والضلال سنناً متبعة، وسبلا مسلوكة، فمن اتبع سنن الهداية سهل الله له سُبُلها، ويسر له طريقها؛ ومن سلك طرُق الضلالة هُيِّئت له سبلها، فأعرض عن الحق وضاق صده له: ) فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ . وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا( وكما قال الله تعالى: ) وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ( -العنكبوت69-
16- تفيد الآية أن العقاب المعنوي هو أخطر من العقاب المادي وهو الأصل له: ) وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ (
17- تفيد الآية أن قلب المهتدي إذا حلَّ فيه نور التوفيق والهداية يتسع بسَعَة الإيمان، وينشرح صدر صاحبه بأنواره وينفسح، بخلاف قلب المضل، فإنه ضيق حرج، مظلم بظلمات الكفر والرجس: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ . وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا( وهذا هو معنى رحمة القرآن.
18- تفيد الآية أن الكفر أصل كل شر وخبيث:) كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ( كما تفيده آية التوبة: )وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ِ( -التوبة 125-
19- تفيد الآية أن الرجس إذا تمكن من قلوب الكافرين لا يهتدون للإيمان، ولا تنشرح صدورهم للإسلام، وهو ما تفيده كلمة “(على) في قوله تعالى: ) عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ( فالعلاقة مجاز في التمكن، مثل ) أولئك على هدى من ربهم( والمراد تمكنه من قلوبهم وظهور آثاره عليهم” ( )
20- تفيد الآية أن سنة الله بِجعْل الرجس على الذين لايؤمنون دائمة ومتجددة ما وُجِد سببه، ولذلك: (جيء بالمضارع في ) يَجۡعَلُ ( لإفادة التجدد في المستقبل، أي هذه سنة الله في كل من ينصرف عن الإيمان ويعرض عنه) ( )، وقد ذكرت مقابل ) يشرح (التي تفيد السنة نفسها في وجود أسباب الهداية.
21- تفيد الآية أن على المؤمن أن يكون دائماً بين خوف ورجاء، خوف من الوقوع في الضلال بالوقوع في أسبابه، ورجاء في الله بأن يثبته على الهداية، فالناس فريقان: )فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ (-الحديد26- )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا(
22- دلَّ قوله تعالى: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا( أن قصة البشرية هي البحث عن السعادة، لكن سبيل الوصول إليها هو الذي اختلفت فيه: ) وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ( -الشورى46-
23- دل قوله تعالى: )يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ ( على معجزة تنبأ بها القرآن قبل أن يعرفها الناس، فقد اكتشف علماء العصر أن لهذه الأرض غلافاً جوياً خاصاً محيطاً بها، إذا جاوزه الإنسان أو من فيه حياة، شعر بضيق نفسي وحرج وقلق في صدره لأن الهواء يقل ويضعف بالتدريج حتى ينتهي فيحس الإنسان بالاختناق أو ربما خرجت روحه إذا لم يكن مزوداً بالهواء ( ) فصح هذا التشبيه وتطابق حقيقة وواقعاً على الذي رفض الهدى وضاق ضدره وأصابه الحرج منه.
هذا ما تيسر استخراجه، وتهيأ إيراده من هدايات هذه الآية، ولا شك أن هناك هدايات أخرى يمكن استخراجها منها، فإن آيات القرآن الكريم لا تنقضي معانيها وأسرارها، وكما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله عن القرآن الكريم: “إنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علمهم، وصفاء قلوبهم وتوافر دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب، ويكون لكل واحد حد في الترقي إلى درجة أعلى منها، فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما، فأسرار كلمات الله عز وجل لا نهاية لها”( ) .

المبحث الرابع
سبل تحقيق هدايات الآية في واقع الأمة
إن تحقيق الهدايات القرآنية عموماً، وهدايات هذه الآية التي هي محل الدراسة خصوصاً، في واقع الأمة هو الغاية من دراسة القرآن الكريم وتدارس آياته وتفسيرها، وذلك من أجل استنباط واستخراج هذه الهدايات والوقوف عليها، والتحقق بها، والتخلق بآثارها وأنوارها، وذلك بما تمثله هذه الهدايات من الهدى المنهاجي من أجل إبصار لآيات الطريق، كما قال تعالى عن هُدَى القرآن ووظيفته: )وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيم ( -الشورى52- وخاصة في عصرنا هذا الذي كثرت فيه الفتن والانحرافات –إلا من رحم الله تعالى- بسبب البعد عن هدايات القرآن الكريم، ومن ثم كان لا بد من البحث عن سبل لتحقيق هدايات هذه الآية في واقع الأمة، والتي منها:
1- الرجوع إلى الله عز وجل، والفرار إليه سبحانه، لأنه هو مصدر الهُدَى )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أنْ يَهْديَهٌ… ( وكما قال تعالى في آية آل عمران: )قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ( -آل عمران73- فمن أراد أن يتحقق بهداية هذه الآية فعليه بالإنابة والتوبة إلى الله تعالى، يتوب الكافر من الكفر والشرك، ويتوب المؤمن من الذنوب والآثام، ليهديه الله تعالى: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ(
2-الابتعاد عن كل أنواع الرجس القلبي والخبث النفسي؛ رجس الشرك والظلم والكبر والحسد، وغير ذلك مما يضيق به القلب عن قبول الهدايات وأنوارها، لأنها أسباب مانعة من دخول الهدايات إلى القلب: ) وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا (
3- العمل بأسباب الهداية واجتناب أسباب الضلال، فلكل من الهداية والضلال سنن متبعة وطرق مسلوكة كما تفيده آية البحث: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ . وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا( وكما هو واضح في سورة طه: )فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا( -طه123_
4- العمل على إيصال هدايات هذه الآية إلى الناس جميعاً بإسماعهم إياها، تلاوة وتدبراً وتدارساً لهداياتها، ذلك لأنه إذا كان الله هو مصدر الهداية، كما تفيده الآية، وكما في قوله تعالى: )لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ( -البقرة272- فإنا علينا البلاغ والتبليغ، تحقيقاً لهذا الغرض، كما قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: )يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ ( -المائدة67- وقوله سبحانه له صلى الله عليه وسلم كذلك:) فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ( -الغاشية21،22- وذلك لإقامة الحجة على الخلق، وإبراء الذمة للحق.
5- اتباع طريقة القرآن في تحقيق هدايات هذه الآية في واقع الأمة بالاهتمام أولا بالمجال العقدي والإيماني والتركيز عليه لأنه هو الأساس، وهو ما تفيده آية البحث، ثم المجال العبادي، ثم الأخلاقي، ثم المجال المعاملاتي … وهكذا
6-الاستجابة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم، بطاعة الله وامتثال أوامره واتباع صراطه المستقيم، ثم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وهديه: )يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ( وهو مقتضى ما تفيده الآية التي عقب الله بها على هذه الآية مباشرة وهي قوله تعالى: )وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ( -الأنعام126-
7- اليقين بأنه لا انشراح لصدورنا، ولا حياة لقلوبنا، ولا سعادة لنفوسنا، إلا بالاهتداء بهدي الله تعالى ونور كتابه، كما تفيده لفظة )يشرح صدره(
8- تقديم الترغيب في الدعوة إلى الهدايات القرآنية على الترهيب، وهو ما تفيده الآية: )فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ . وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا(
هذه باختصار أهم السبل لتحقيق هدايات هذه الآية في واقع الأمة، كما حاولت استنباطها واستخراجها منها.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورضونه:
أحمد أبو زيد الريفي
ماجستير السيرة النبوية، أستاذ التربية الإسلامية بالتعليم الثانوي التأهيلي
باحث بسلك الدكتوراه في الدراسات القرآنية
بمدينة آيت أورير من حواضر مدينة مراكش الحمراء/ المملكة المغربية
11جمادى الأولى 1430هجرية/ 19-1- 2019

فهرس المصادر والمراجع
– القرآن الكريم
-البحر المحيط في التفسير: أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: 745هـ) ت: صدقي محمد جميل، دار الفكر – بيروت الطبعة: 1420 هـ
– التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، للنشر والتوزيع، تونس، ط، 1997
– تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء اسماعيل ابن كثير الدمشقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط،1، 1418هـ/1997م
– جامع البيان في تأويل القرآن : محمد بن جرير أبو جعفر الطبري (المتوفى : 310هـ) ت أحمد محمد شاكرالناشر : ط، مؤسسة الرسالة الطبعة : 1 ، 1420 هـ – 2000 م
– الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ) ت: هشام سمير البخاري ط: دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية ط: : 1423هـ/ 2003م
– الجواهر واللآلئ المصنوعة في تفسير القرآن العظيم بالأحاديث الصحيحة المرفوعة، الشيخ عبد الله التليدي، ت 1437هـ، دار البشائر الإسلامية، ط،1، 1424هـ،2003م
– الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التاويل، لأبي القاسم محمد بن عمر الزمخشري، ضبط ومراجعة: يوسف الحمادي، مكتبة مصر بدون سنة الطبع.
-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ)ت عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة: الأولى – 1422 هـ
– من دلائل التوحيد انطلاقاً من القرآن والكون، للشيخ عبد الله التليدي، ت1437هـ، دار بن حزم، ط1،1420هـ،1999م.
– معجم مفردات الفاظ القرآن، لأبي القاسم بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني ت503هـ، ت: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت،ط3، السنة 2008م
معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)
ت: عبد السلام محمد هارون دار الفكر 1399هـ – 1979م.
– الهدايات القرآنية دراسة تأصيلية، كرسي الملك عبد الله بن عبد العزيز للقرآن الكريم، جامعة أم القرى. إعداد الفريق البحثي: أ.د. طه عابدين طه حمد- د. ياسين بن حافظ قاري- د.فخر الدين الزبير علي.

الكلمات المفتاحية: التدبر – البيان – الهدايات القرآنية – سبل تحقيق الهدايات القرآنية في واقع المة

اترك ردا