رؤيا فى مأسسة المجتمع المدني


بقلم: الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي

فى البدء لابد من الاشارة الى ان معد هذه المطالعة هو اول من اثار فى الصحف والمجلات الليبية فى العهد البائد موضوع المجتمع المدنى فى الساحة الثقافية الليبية* ، من حيث مناقشة فكرته واهميته. واليوم، وبعد الانتصار لمساحات كبيرة للديموقر اطية والتعبير بفضل الهبة الربانية للسابع عشر من فبراير لسنة 2011 يكون لزاما علينا التقدم الى كل ما يفيد هذا الوطن فى مسيرته ، لانه وبكل بساطة المسيطرون السابقون على هذا الوطن وليبيا وطناً ليس ملكا لهم، فالانظمة فى زوال والشعوب والاوطان فى بقاء.هذه المطالعة تحاول ان تضع حداَ تفسيرياَ لمقولة المجتمع المدنى!!؟

وعودة الى موضوع مطالعتنا ، ونحن فى طريقنا الى تأصيل مرحلة انتقال ليبيا من مرحلة الشخصنة الى مرحلة المأسسة ، نطرح مفهومنا لفكرة المجتمع المدنى فى الحالة الليبية ، وهذا ما نادينا به فى كتاباتنا السابقه حول المجتمع المدنى المطلوب للحالة الليبية. وخلال انتفاضة فبراير الوطنية انطلقت فى طول البلاد وعرضها الجمعيات الخيرية والمنتديات الاجتماعية والثقافية والسياسية وذات الاهداف، وكذلك التجمعات السياسية والتى لها برامج وطنية مختلفة . ولكن لم تكن هناك مواصفات ومعايير ووضوح الاساليب والوسائل ، ولكن اتخذت تلك الجمعيات والمنتديات والتجمعات اماكن لمزاوالة انشطتها للاسهام فى عملية التحرير .

ولا ننسى الانقلاب المفاهيمى الذى افرزته ثورات تونس ومصر وليبيا للعديد من المفاهيم والثقافيات السياسية ومنها مقولات المجتمع المدنى والدعوات التى تصاحبه من فترة الى اخرى . ففكرة المجتمع المدنى ببساطة جمعيات غير ربحية تعمل على تحقيق ما تعجز على تحقيقه الدولة القائمة، الا ان المشكل هو اضافة فلسفة الاحزاب وقيامها ضمن ثقافية المجتمع المدنى وهذا خلط مفاهيمى لا يغفر ابداَ !!!

ان مرحلة انتقال الدولة المتحررة من الشخصنة الى مرحلة المأسسة تتطلب وضوح الافكار والمبادىء، والاهداف والمفاهيم والسياسات وصراحة المؤسسات وصدق النوايا ، والشفافية والمصالحة، من خلال الانتماء والهوية لقيم الوطن السرمدية، ليس ذلك فقط، ولكن التشابك مع الوطن ومصالحه، وفئاته بعيدا عن الاقصاء والتهميش والابعاد والتخوين ، وليبيا ليست لاحد بعينه!!!

المجتمع يتكون من جماعات وكل جماعة لها خصائص المجتمع ، اذا كل جماعة هى مجتمع بذاته !!؟ من هذا الاستدلال نستنتج ان عمليات الانتقال من مرحلة الشخصنة الى مرحلة المأسسة للدولة الليبية تحتاج منا التحديد والتوصيف الموضوعى ، وهو صلب الفكرة المؤسساتية والتأسيس ، وهى مقاصد مطالعتنا!؟ المجتمع الذى تعنية هذه المطالعة ينقسم الى (1) المجتمع السياسى (2) المجتمع المدنى (3) المجتمع المهنى

المجتمع السياسي:Political Society

وهو الوعاء الذى يجمع كل من يتعاطى العمل السياسى السرى او العلنى برمته من خلال الاحزاب ، والمعارضه ، واعضاء النظام السياسى القائم هم العاملين فى المؤسسات الساسية للنظام السياسى القائم: الانتخابات، الترشح للعمل السياسى، اعضاء المؤسسة التشريعية والتنفيذية، انخراط الشعب فى العمل السياسى فى مواسمه، وهذا هو المجتمع السياسى، لانه بمثابة مجتمع السلطة او مجتمع ممارسة القوة والسيادة من خلال اعضائه المكلفين ، بمعنى كل من يكلف بممارسة سلطة سياسية من طرف الاخرين ، او بشكل مستقل، يصبح عضو من اعضاء المجتمع السياسى.

فالمجتمع السياسى هو مجتمع السلطة ، وهو وعاء لكل من يمارس السلطة التنفيذية والتشريعية برغبة او نيابة عن الاخرين. ولعل قائل يقول ان الاحزاب هى اجسام شرعية للمجتمع المدنى ، وهذا القول لا تتفق معه هذه المطالعة. المجتمع المدنى فى تأصيله مؤسسات غير ربحية وليست لها علاقة بمؤسسات الدولة والسلطة ، والاحزاب فى حراكها جزء لا يتجزء من المجتمع السياسى ، لانها تناضل من اجل برامجها ومعتقداتها وسياساتها وافكارها وهدفها المركزى هو المشاركة فى عملية التداول على السلطة واعادة بناء المجتمع السياسى من جديد !!! ؟

المجتمع المدني :Civic Society

كل ادبيات المجتمع المدنى تتفق فى ان مؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى فى تأصيلها المفاهيم عبارة عن تجمع غير رسمى سلطوى تسعى الى المساهمة فى الحراك المجتمعى النهضوى ، وتستهدف الانسان وكرامته ومصالحه المدنية الحياتية وليست السياسية ، وهى جمعيات ومؤسسات وتنظيمات خيرية ذات النفع العام، ومنفصلة فى النشأة عن الدولة ومؤسساتها ، مؤسسات السلطة. وهى تذهب الى مجالات الثقافة والاعلام وحقوق والانسان والحريات العامة ، والتعليم والصحة، والبيئة والعلوم والاغاثة والاداب والى كل المناشط الاجتماعية والانسانية للمواطن الفرد والجماعة والتى لا تخضع لمؤسسة الدولة او السلطة.

القول بذلك ان عكس المدنية هى البدائية ، وهولاء السابق ذكرهم تطلعو الى رؤية المجتمع المدنى ليحميهم من توحشية الدولة وغلو مؤسسات المجتمع السياسى ( محتمع السلطة) ويطورهم نظرا لرفضهم لحالة او مرحلة البدائية والتحول الى الزمن المدنى . مؤسسات المجتمع المدنى لا يعنيها المجتمع السياسى ( مجتمع السلطة ) لانها تعمل فى بيئة مخالفة لمؤسسة السلطة ، وهى تعمل على تحقيق العديد من المنافع والتى عجزت مؤسسة السلطة على تحقيقها . بمعنى اخر هى منظمات لجماعات مصالح وضغط لفئات غير ربحية همها المبدئى المواطن وتفعيل دوره المجتمعى .

المجتمع المهني:Professional Society

فواعل المجتمع المهنى تختلف اختلاف كلى عن غيرها من المجتمع السياسى والمدنى : فاعضاء المجتمع المهنى هم اولئك الافراد الذين ينتمون الى وسائط مهنية يتلقون من خلالها مقابل مادى ومزايا ربحية ، وينتمون الى قطاعات عامة او خاصة ، ويتوزعون من خلال النقابات والاتحادات والروابط المهنية.

وهى تنظيمات لا يعنيها المجتمع السياسى ، فهى مرتبطة بالمهنة وتطويرها والمحافظة على حقوق ومصالح منتسيبيها. فهى تعبير عن الحرية وحرية تكوين التنظيمات لاصحاب المصالح المهنية . فالمجتمع المهنى مختلف عن المجتمع السياسى والمدنى من حيث الاهداف والوسائل والتكوين والاهتمامات والمقاصد العامة.

لقد درجت العادة فى كل المجتمعات ان لكل مهنة نقابة او اتحاد او رابطة نظرا لارتباط هذه المهن بعمليات الانتاج السلعى او الخدمى ، ومواجهة تقلبات مؤسسة السلطة ( المجتمع السياسى) فى تعاملها مع قطاع الانتاج المهنى العام، والمقاصد العامة للمجتمع المهنى هى المحافظة على المهنة وحقوق ومصالح اصحابها لاحداث التراكم الانتاجى المهنى والمعرفي كرافد وطنى من روافد الانتقال من مرحلة الشخصنة للدولة الليبية الى مرحلة المأسسة.

دعوة أخيرة:

الى انصار الفكر الدستوري نقول عليهم العناية بمثل هذا التوصيف الحرياتي والذى يضع حدودا موضوعية لممارسة الحقوق والواجبات للمواطنة فى ليبيا ، وان يضع خبراء الدساتير فى ليبيا هذه الدعوة نصب اعينهم عندما يقوموا بوضع المبادىء الدستورية للشعب الليبى .

*مجلة المؤتمر (ملف المجتمع المدني)

شارك برأيك