الدولة الليبية: من الشخصنة الى المأسسة

الهوية فى ليبيا:

نحو مؤسسة وجدانية ليبية

قد نتفق او لا نتفق ان مرحلة ما يسمى بالعولمة يمكن ان نطلق عليها مرحلة الصحوة للهويات العرقية والثقافية ، وعودة الامم والشعوب الى التمسك بما تعتقد فيه هويتها وثقافتها، ومن ثم اعتقادها ان لها شخصيتها من خلال التضحية من اجلها، لان فى هويتها وجودها المادى والمعنوى!! هذا النزوع العالمى الى التمسك بمكونات الهوية للامم والشعوب كوسيلة للدفاع عن الذات، وعدم الذوبان فى هويات اخرى يجعلنا نحن فى ليبيا ان ندرس هذا الهم الذى قد يثير فينا مشاغل فقدان مكتسبات الهبة الربانية للسابع عشر من فبراير لسنة 2011 !! هذه المطالعة تبحث فى ماهية الهوية الليبية وكيفية مأسسة مكونها !!!

ان الحديث عن الهوية هو الحديث عن الشخصية الوطنية. وليبيا موطناَ للهجات واللكنات اللغوية ، وهويات ثقافية مثل العربية والامازيغ والتبو والطوارق، وتنوع ثقافة الشمال عن الجنوب، وتنوع القبائل وامتداداتها فى الدول المجاورة، وهى موطن لمليون حافظ للقرآن ، وهى موطن للغة العربية واستعمالاتها، وهى موطن لعبور الاسلام وانتشاره فيها الى هذا اليوم. فالاعتراف بالتعدد والتنوع الثقافى او العرقى فى اطار الدولة الوطنية ليس عيباَ ، وليس خروجا عن الشخصية الوطنية ، ولا يعنى الدعوة الى اثارة النعرات. بل بالعكس هو اثراء لهوية الدولة الوطنية !!!؟

والهوية بمثابة مخزن التراكم المعرفى والتراثى والحضارى ، والعادات والتقاليد والالآم والعذابات والتضحيات ، وكل اشكال المشاعر الانسانية التى يتشارك فيها ابناء الوطن الواحد. فالتنوع الثقافى والعرقى فى المجتمع لا يعيق الهوية وتكونها ومن ترسخها. الولايات المتحدة الامريكية مثال للتنوع الثقافى والعرقى ولكن الكل يذهب الى النبع الواحد وهو الهوية الامريكية، والحضارة الامريكية ، والثقافة الامريكية . فالهوية هى التوحد للجماعات والافراد تجاه مصدر ثقافى تراثى تراكمى واحد اعلى ينتمى اليه الجميع خدمة للمصالح العليا للدولة الوطنية!!!

فالتنوع فى الهوية الثقافية والعرقية لا يفسد اللجؤ الى هوية واحدة يلتف حولها ابناء الدولة الوطنية ذات الامتداد الجغرافى الواحد والمصير الواحد، والدين الحنيف الواحد، واللغة العربية الواحدة . فالانتصارات التى حققها الشعب الليبى عبر تاريخه الطويل كلها تشكل مصدرا ومخزناَ لهويته وشخصيته . فالدولة الوطنية الحرة ذات السيادة، والمستقلة وذات الامتداد الجغرافى الواحد، وذات المصير الواحد، وذات المصلحة العليا الواحدة، وذات المشاعر والعادات والالآم والتضحيات الواحدة ، كلها مصدراَ مهما للهوية والتى نرمز اليها بما يعرف بالراية او بالسيادة او الاستقلال او الوطن.

فالتنوع الثقافي والعرقي فى الهوية فى الهند واستراليا وكندا والولايات المتحدة الامريكية وفى البرازيل والارجنتين امثلة لقوة الهوية وصمودها ، ومن هنا فإن فرص الالتفات حول هوية قوية البنيان فى الحالة الليبية امر يشغل بال الاجيال للمحافظة على مكتسبات الاستقلال والتحرير. ونحن هنا لا نتحدث عن هوية عربية بعينها او هوية اسلاميه فهذه مضامين وعناصر اساسية لهوية الدولة الوطنية فى ليبيا، لأن الذى تعنيه هذه المطالعة هو كيفية بناء مرجعية وطنية ثقافية ترجع اليها المواطنة فى ليبيا وتتمسك بها فى وجه الالغاء والاكنفاء والاستبدال والاحلال ، وفى ازمنة الاختلاف !!

بمعنى أخر كيف تكون الهوية مصدراَ للوحدة الوطنية ؟ وكيف تكون الهوية مخزناَ لتغذية المستقبل ؟؟ وكيف تكون الهوية مصدراَ للتسامح والمصالحة ؟ وكيف تكون الهوية مصدرا لنبذ الخلافات ؟ وكيف تكون الهوية داعمة للوحدة الوطنية؟؟ وكيف تكون الهوية عاملاَ من عوامل تخليق التقدم فى ليبيا ؟؟

الدول المزدهرة والقوية هى التى تتمتع بهوية قوية ، لإن الدولة الوطنية القوية تستمد قوتها من هويتها ، ومن ليست له هوية ليست له قوة !!؟ وهذا يمكن تتبعه من خلال سلسلة الانهيارات للدول والانظمة السياسية فى مختلف ارجاء المعمورة. فالهوية هى التى ترسم معالم شخصية الدولة الوطنية ، وشخصية المواطنة فيها .

لابد للمواطنة والدولة من اجراءات لمأسسة هويتهما ، وجعل الهوية بمثابة مؤسسة وجدانية تلتف حولها المواطنة وتجتمع حولها دون سواها . فهوية الدولة الوطنية والمواطن وجهان لعملة واحدة ، ولابد من تأسيس المؤسسات الاجتماعية والسياسية التى تؤسس لهوية وطنية : فهناك مشروعات التنشئة السياسية وبرامج التنشئة الاجتماعية وسياسات الثقافة الوطنية ، وهناك ايضاَ برامج التعليم واعادة مأسسة جودته، والاعلام الملتزم منه المكتوب والمقرؤ والمرئى والمسموع . ليس ذلك فقط ولكن الاهتمام ببحوث عمليات اعادة تنقيح التراث من اجل بناء منظومة مؤسساتية للقيم والمبادىء تلتف حولها المواطنة فى ليبيا !!

هذه المطالعة تؤمن بالبحث عن هوية ليبية تكون بمثابة المؤسسة الوجدانية لليبيين والليبيات ، إنها مؤسسة المواطنة للدولة الليبية الوطنية !! ولا نعنى ببحثنا فى الهوية تقوقعا وانزواء نحو الاقليمية الضيقة ، ولكنها دعوة الى بناء الترسانة الوطنية للمكون الوجدانى لليبيين، وخلق التشابك المفقود بين المواطنة والوطن ، وبناء جسور التشابك بين الدولة الوطنية الليبية وساكنتها صونا لمكتسباتها . اننا ندعو الى تأسيس مركز بحوث الهوية والمواطنة فى ليبيا ، لان ليبيا خلقت وطناَ لنا لكى تبقى !!!

* كلية الاقتصاد / قسم العلوم السياسية/ جامعة قاريونس

والمدير التنفيذي للمركز العام للبحوث والاستشارات والتدريب

جامعة قاريونس

تعليق واحد على “الدولة الليبية: من الشخصنة الى المأسسة”

  1. في البداية اهنئي الشعب الليبي بانتصار ثورة الشعب وبارادة التغيير التي كانت غالبة لامحالة … ولكن في نفس الوقت اتمنى ان تتجنب ليبيا لغة القبلية والجهوية البغيضة … وحسب معرفتي البسيطة بالشعب الليبي شعب طيب وتبدو عليه سمة الانسجام والعفوية .. فمثل هذه المواضيع من البحوث فهي الخطوة الاولى نحو التقدم والعقلانية والديمقراطية ودولة المؤسسات والتنمية المستدامة .. نتمنى ان تتواصل هكذا مؤتمرات وبحوث ميدانية في ليبيا مترافقه مع سياسة تربوية واعلامية في ليبيا لاذكاء روح الوطنية واعلاء قيم المواطنة .. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .

شارك برأيك