السياسة الخارجية خلال حقبة حكم القذافي (2)

 

أولاً: تأصيل مفاهيمي ومعرفي

Conceptual Theoretical Framework

 المقصود بالسياسة الخارجية : Foreign Policy

لابد من التذكير بأنه لا يوجد اتفاق في أدبيات السياسة الخارجية حول تعريف محدد للسياسة الخارجية، فهناك التعريفات العامة والجزئية، والسبب في ذلك لكون السياسة الخارجية ظاهرة معقدة يصعب معها الوصول إلى أبعاد تشكل إطارها. فصعوبة تعريف السياسة الخارجية إنها لاتتحدد من خلال تشريع أو دستور وإنما تتحدد من خلال منطلقات عامة يتفق بشأنها بأنها معاني أو مقاصد المصلحة الوطنية للدولة ، لأنها في الغالب تعطي مؤشرات ونتائج متناقضة، وبالتالي فالسياسة الخارجية ليس لها تشريع ملزم كما هو معروف في السياسات الداخلية . فهناك السياسة الخارجية التعاونية والصراعية والمحايدة.

حامد ربيع(1) ، فبرنس وسنا يدر(2) ، والترليبان(3) ، مودلسكي(4)  ، تشارلز هيرمان(5) ، مازن الرمضاني(6) ، بلاتو ووالتون(7) فاضل زكي(8) وروزناو(9)  * ، هــؤلاء تتفاوت تعريفاتهم للسياس الخارجية من العمومية إلى الجزئية وعدم إلمامهم بكل أبعاد السياسة الخارجية ، فقد حاول كلٍ منهم التركيز على بعد معين دونما ذكر أوتحديد بقية الأبعاد .

ولغرض الدراسة ورغبتها في استقراء رؤيتها تحديداً في علاقة قضية التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار بمساءلة المصلحة الوطنية National Interest  ، باعتبار أن التصرفات الخارجية لايمكن تصنيفها بسياسة خارجية إلا إذا ارتبطت تلك التصرفات بالمصلحة الوطنية من خلال أهدافها المعلنة وغير المعلنة، وهنا نميل إلى تبني قاموس العلاقات الدولية ( بلانو وولتون 1982 ) حيث قدم قاموس العلاقات الدولية تعريفاً للسياسة الخارجية يعتمد على المصلحة الوطنية والتخطيط لإنجاح عمليات التنفيذ ( السياسة الخارجية هي منهاج مخطط في الدولة س باتجاه دولة ص أو عدة وحدات سياسية دولية لغرض تحقيق مقاصد ومعاني المصلحة الوطنية للدولة ). فالسياسة الخارجية ليست بالعلاقات الدولية وهي سياسة علنية لأن مصلحتها الوطنية علنية ، وهي عمل برامجي منهجي يعتمد على البدائل والاختيار، وهي أيضاً معنية بالترابط و ” التشابك ” بينها وبين السياسات الداخلية للدولة  وبدون توفر هذه الاشتراطات لا يمكن للمراقب أن يمنح صفة ” السياسة الخارجية ” على الظاهرة المراد تحليلها .

تخطيط السياسة الخارجية:  Foreign Policy planning

  هناك العديد من المدارس الفكرية والتي حاولت أن تعطي تعريفاً لمفهوممستويات:في السياسة الخارجية والتي تصل إلى ستة مدارس أو تيارات مفاهيمية تقريباً(10) ، وتبدأ من التعريفات الضيقة إلى الشاملة والجزئية . ويُعرف أصحاب هذه التيارات مفهوم التخطيط في السياسة الخارجية بعدة مستويات :

1-  مستوى حل المشكلات –Solving Problem.

2-  مستوى عمليات تغيير المستقبل كجوهر لعملية التخطيط ،وعلى رأسهم روستوالذي يُعرف “.خطيط بأنه فن التفكير الذي يؤدي إلى تحسين مركز الدولة في المستقبل .

3- مستوى الأبعاد التخطيطية للسياسة الخارجية .

4-  مستوى تحديد الأهداف واختيار وسائل تنفيذها ومراقبتها أو” نموذج التحرك الإداري ” .

5-  مستوى المنظور التاريخي ، التحليلي للتخطيط ، ويقود هذا التيار بريجنسكي .

6-     مستوى الأبعاد الرباعية لتخطيط  السياسة الخارجية :

أ- التعريف      ب- التوقع       ج- المراجعة      د- التحدي

أيضاً يمكن الرجوع إلى كتاب د. محمد السيد سليم، تحليل  السياسة   الخارجية، مكتبة النهضة المصرية، 1981، والذي قدم فيه تحليلات واسعة لقضايا التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرار في السياسة الخارجية.

وبالتالي فإن عملية التخطيط في السياسات الخارجية المعاصرة تحظى بأولويات كبرى نظراً لطبيعة الأدبيات التي تعتني بهذا الجانب، باعتبار أن أهمية التخطيط ترتكز على عدة أبعاد:

1-     البعد المؤسساتي والذي يقصد به التنسيق الكفؤ لمؤسسة صنع واتخاذ القرار الخارجي.

2-     البعد الطارئ ويقصد به تخطيط الطوارئ ووضع الخطط البديلة للتعامل مع القضايا والأزمات الطارئة .

3-     البعد التخطيطي ألبرامجي والذي يشمل إدراج البرامج والسياسات المحددة نحو قضايا محددة.

4-     البعد العام للتخطيط والذي يشمل الصياغات الإستراتيجية للسياسة الخارجية .

5-     البعد المستقبلي والتنبؤ للتخطيط .

    ويتضح من ذلك أن للتخطيط في السياسات الخارجية مجالات عديدة ومن أهمها الجوانب المؤسساتية والمفاهيمية والموضوعية ، كل ذلك من اشتراطات التخطيط الرشيد الذي من المأمول أن ينتج عنه قرارات رشيدة قابلة للتنفيذ .

  تنفيذ السياسة الخارجية(11) Foreign Policy Implementation   

   التنفيذ  يعني  إنجاز شيء ما أو إكمال شيء ما، بمعنى السياسة أو القرار قد نُفذ، والمقصود بالسياسة الخارجية هنا في علاقتها بعملية التنفيذ إنجاز الأهداف. السياسة الخارجيةعريف عملية السياسة الخارجية بدون تعريف عملية التنفيذ ، لأنه قد تكون هناك سياسة خارجية ولكنها بدون فعل والذي يعني غياب التنفيذ ، وبالتالي التنفيذ لايمكن له النجاح أو الفشل بدون الأهداف ومصادرها المفاهيمية للمصلحة الوطنية للدولة .السياسة الخارجية ليس لها تشريع كما أشرنا ملزماً لها، فهي تعتمد على عدة عناصر منها السلوك والعزم والعقيدة الفكرية والتصميم والرغبة في الفعل. وهي ايضاًَ  تلك العملية التي تتطور من خلال منظمة العمل الخارجي ومؤسساتها . ولكي يتم التيقن من عمليات التنفيذ فإن السياسة الخارجية لابد لها من ” بدايات “و” نهايات ” ووسائل وأهداف وعوامل مؤثرة فيها .

فهناك علاقة ارتباطيه وموضوعية بين عملية صنع السياسة الخارجية وعملية التنفيذ ، حيث هذه العلاقة الإرتباطية تؤثر على الخصائص الهدفــية للسياسة الخـارجية والتوقع والمراجعة والتحدي

 لمواجهة إحدى قضايا السياسة الخارجية. إذاً التنفيذ Implementation   مرتبط دائماً بعملية صنع واتخاذ القرار في السياسة الخارجية ، ويقصد بالتنفيذ في هذا السياق مدى ارتباطه بسياسات خارجية محددة ومخططة واستجابة لأهداف محددة .

    بمعنى آخر، عندما يُقال أن هناك سياسة خارجية، يعني أنها قابلة للتنفيذ وهي نتاج لما حصل في مراحل إعداد وتخطيط وصنع واتخاذ القرار في السياسة الخارجية، وهذا بدوره يوضح أن التنفيذ مرحلة من مراحل بدايات ونهايات السياسة الخارجية. والتنفيذ بدوره يشكل حلقة ذات مراحل عدة منها البدائل والمراجعة والتقييم والتقويم والمراقبة.

    إذاً التنفيذ في السياسة الخارجية عملية منفصلة كلياً عن بقية مراحل السياسة الخارجية، إلا في حالات نادرة كالتي تتصف بالعاجلة. بمعنى آخر، التنفيذ في السياسة الخارجية هو تلك المقارنة بين المنجز من خطة السياسة الخارجية والمتوقع من النتائج للأداء العام لمؤسسات صنع القرار الخارجي.

     وبشكل موجز، فالتنفيذ يعتبر من أعقد مراحل إدارة السياسة الخارجية، فهي مرحلة مختلفة عن مرحلة صنع وتخطيط وإعداد واتخاذ القرار الخارجي، فكل مرحلة لها خصائصها ومفاهيمها وأبعادها واشتراطاتها المنهجية.

    وقبل مغادرة الجانب المفاهيمي والمعرفي للقضايا الثلاثة التي رشحتها الورقة ، لاحقاً نحاول الإجابة إن وجدت على الأسئلة والأجوبة الغائبة من خلال إسقاط بعض التأصيل ألمفاهيمي والمعرفي على قضايا التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرار في السياسة الخارجية الليبية .

ثانياً: إمكانيات وفرص التخطيط في السياسة الخارجية الليبية

Libyan Foreign Policy planning Opportunity

     لقد أشار قرار “اللجنة الشعبية العامة رقم (66) لسنة 1493″ والذي يتعلق بإعادة تنظيم أمانة اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي( في  ليبيا) إلى جملة  من المهام ومنها ” وضع الخطط والبرامج التي توثق علاقات ليبيا بغيرها من الدول والشعوب والتنظيمات المختلفة “(12) ، وإشارة أخرى يتيمة إلى” إعداد الدراسات والأبحاث السياسية والإستراتيجية حول أهم القضايا الدولية التي تهم ليبيا “(13)  .

هذا يوضح مشكلة في غاية الأهمية وهي ضعف الأدبيات التي تشير إلى أهمية التخطيط في السياسة الخارجية الليبية . بمعنى آخر، مفهوم التخطيط من المفاهيم الحديثة سوى في عملية صنع السياسة الخارجية أو في أدبيات السياسة الخارجية المعاصرة ، ولكن لم نجد أية إشارة في أدبيات اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي( في  الحالة الليبية) ولعقود مضت عن إشارات على أهمية التخطيط وموقعه في عمليات السياسة الخارجية الليبية ، الأمر الذي يثير وباستمرار من الذي يخطط  وكيف يُخطط ؟ إن وجد التخطيط .

     لقد أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية ” ما يُعرف بمجموعة التخطيط للسياسة الخارجية ” سنة 1947 لكي تجيب هذه المجموعة عن الأسئلة وكيفية التعامل مع متغيرات وتغيرات النظام الدولي . وفي مصر نلاحظ وجود ” لجنة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية وكان ذلك سنة 1955 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. أما الخارجية البريطانية بدورها أنشأت ” هيئة التخطيط ” سنة 1957 . وعلى هذا المنوال أدخلت العديد من دول العالم فكرة مجالس التخطيط لسياستها الخارجية وجعلتها إحدى مصادر أدائها الخارجي (14).

     ونحن لسنا بحاجة بالتركيز كثيراً على أهمية التخطيط، لأن عدم وضوح مصدر السياسة المنفذة وهل هي مخططة أم غير مخططة يثير العديد من الأسئلة وتبقى أجوبتها غائبة.

     فالتخطيط في السياسة الخارجية يساعد الدولة على التوقع المستقبلي للتطورات التي قد تنعكس على منظومة مصالحها الوطنية. بمعنى آخر، من خصائص آلية التخطيط هو العمل على الحد من حالات عدم التيقن التي دائماً وفي الغالب تصاحب عمليات السياسة الخارجية وأفعالها المختلفة.

    وفي هذا السياق فإن العديد من دول العالم قد استفادت  كثيراً من فكرة إدخال مجالس الشؤون الخارجية، كمجالس تخطيطية استشارية ورافد لوزارات الخارجية فيها نظراً لما توفره هذه المجالس من أدبيات خاصة بالسياسة الخارجية ومراحلها من وإعداد  وتخطيط وصنع واتخاذ وتنفيذ قراراتها .

وعود على الحالة الليبية في السياسة الخارجية، نلاحظ أن المشرع قد خص المنفذ بعملية وصنع الخطط والبرامج وإعداد الدراسات والأبحاث السياسية والإستراتيجية لتفعيل  مصالح ليبيا خارجياً . وهذا الأمر لا يمكن أن يستوي ، فالمنفذ للسياسة ليس بالمخطط لها ولئيمكن أن تنجز المهمة في ظل مثل هذه الازدواجية !!

من ناحية أخرى ، أشارت أدبيات “المؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب العام” في جزئية السياسة الخارجية بأن “المؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب العام” غير معنيين بعملية التخطيط لا من بعيد ولامن قريب !!!

مرة أخرى من الذي يخطط السياسة الخارجية الليبية؟

ففي ظل غياب أدبيات رسمية حول التخطيط في السياسة الخارجية الليبية ووجود ” مجلس الشؤون الخارجية العام ” أسوة ببقية المجالس، وتوفر مطبوعة منهجية عن الدبلوماسية الليبية، تبدو عملية التخطيط بمثابة أسئلة لأجوبة غائبة ، إلا أن ذلك لايمنعنا من الاجتهاد  في أن هناك معضلة ومشكلات نابعة من طبيعة السياسة الخارجية عموماً الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة التخطيط في السياسة الخارجية الليبية .

معضلات التخطيط في السياسة الخارجية الليبية :

    السياسة الخارجية بشكل عام تتصف ” بعدم التيقن ” والفجائية التكتيكية والإستراتيجية من خلال تضارب المصالح الدولية والإقليمية والأزمات . أيضاً تداخل تأثير العوامل البيئية الداخلية والخارجية، الأمر الذي معه يصعب تقييم البدائل أثناء صنع وتنفيذ السياسة الخارجية. أيضاً عدم ثبات وتحديد دالة دائمة للمنفعة في السياسة الخارجية مثل” دالة تكلفة القرار الخارجي” أو أثر البدائل على علاقات دولة س أو ص في المنتظم الدولي ، حيث هناك عدة دول والتي تشكل تعارض بينها عند التنفيذ ، فالدالة التي من الممكن أن تحقق لصانع القرار الخارجي منفعة ، قد تعطل هذه المنفعة دالة أكثر أهمية أو أقل أهمية .

    ففي الحالة الليبية” خلال حقبة حكم القذافي” تعتبر دالة العلاقة مع العرب مثلاً وقضاياهم القومية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى تضاربت وتناقضت مع علاقتها بالغرب فأصبحت  دالة المنفعة عربياً في السياسة الخارجية الليبية متناقضة ومتضاربة مع دالة التوجه بعلاقات نفعية مع الدول الغربية . ولعل أهم الخصائص التي تقف أمام صياغة تخطيطية للسياسة الخارجية الليبية كما يلي :

  • عدم وجود تشريع ملزم للسياسة الخارجية الليبية كما هو الحال في السياسة الداخلية.
  • صعوبة تخطيط السياسة الخارجية هرمياً طويل الأجل.
  • السياسة الخارجية تحتاج إلى برامج يمكن تعديلها في أي وقت.
  • عدم وضوح الهيكل الذي ينبغي أن يخطط، وغياب الفكر المؤسسي .
  • تأثير العامل القيادي وشرعنة شخصنته في اتخاذ القرار الخارجي .
  • منح الصفة الشمولية والسيادية نظرياَ لصنع السياسات “للمؤتمرات الشعبية” دون غيرها .
  • ضعف وغياب التشريعات المنظمة لعمليات وتمويل السياسة الخارجية وتطبيقاتها خارجياً.
  • غياب أطراف مجتمعية أخرى( مؤسسات المجتمع المدني) تُدلي بدلوها في عمليات تخطيط السياسات الخارجية، خصوصاً ،وأن الدولة لم تعد وحدها معنية بمخرجات ومدخلات نظامها السياسي .
  • غياب المفهوم العام للمصلحة الوطنية العليا، وتحديد أولوياتها ومتطلبات عكسها عملياً .
  • غياب وجود جهاز أو مجلس متخصص يهتم بقضايا التخطيط في السياسة الخارجية .

     ومعضلةً أخرى تواجه عمليات التخطيط في السياسة الخارجية الليبية وهي أن الذي يقوم بالتخطيط هو الكادر الدبلوماسي أوقادة الوظائف الدبلوماسية. إلا أن هؤلاء تعودوا من خلال الممارسة أن وظيفتهم هي “كيفية وفن التعامل مع القضايا الراهنة والملحة” لغرض تحقيق إنجازات محددة. وهذا الأمر طبيعي لأنه يتعلق خصوصاً وأنهم معنيون بمستقبلهم الدبلوماسي ، في حين انصرافهم إلى التفكير في تخطيط استراتيجيات وبرامج للسياسة الخارجية الليبية قد يتعارض مع طموحاتهم الدبلوماسية ، باعتبار أن قضايا التخطيط غير ملحة ونتائجها سوف تظهر في المستقبل الأبعد . وبالتالي فإن الإشكالية التي تتميز بها طبيعة الأداء الخارجي في ليبيا تقع بين مفهومين:

الأول وظيفة المخطط السياسي الخارجي، والثاني  وظيفة المشتغل بالدبلوماسية. وهذا التنوع أوجد فراغاً في عمليات التخطيط نظراً لانشغال العاملين بالعمل الخارجي بالوظيفة الدبلوماسية ومتطلباتها والابتعاد عن دورهم في عمليات التخطيط.

    فالمنظور الدبلوماسي يركز على الأمور المستعجلة والتعامل المباشر معها ، أما التخطيط يتطلب قدرات تفكيرية مرهقة. فالتخطيط مثلاً يتوجب أن يركز على المشكلة أو الظاهرة والأهداف والاستراتيجيات والبدائل والتقييم والتقويم، هذه الأمور لا يملك الدبلوماسي المحترف القدرة أن يتدخل فيها، لأنه بكل بساطة معنى بالتنفيذ فقط ، ولايرغب  في نقد سياسات مخططة مسبقاً .

   وحتى وإن وجد جهاز متخصص للتخطيط في السياسة الخارجية الليبية فإن هناك معضلة أخرى وهي عدم استقرار العاملين في الجهاز الدبلوماسي خصوصاً المعنيين بعمليات التخطيط ، فالتغيير الدوري لقادة التخطيط مثلاً ، وهو أمر تمليه قواعد الترقيات والتنقلات الدبلوماسية ، يؤدي إلى هدر الكفاءات التي ترتبط بالتخطيط الطويل الأجل ، وبالتالي تتحول عمليات التخطيط إلى إجراءات دبلوماسية نسبية .

 ومعضلة أخري تتعلق بالوضع الاقتصادي والإمكانيات وعلاقة ذلك بعملية التخطيط في السياسة الخارجية: صحيح أن ليبيا تمتلك فوائض نفطية وهي قادرة على فرض وتحقيق سياساتها الخارجية، ولكن هذا ليس شرطاً أساسياً لتحقيق ذلك.

طبيعة النظام الاقتصادي وقوته تشكل معضلة، في كون الدولة التي تتميز بتبعية اقتصادية غير قادرة على العناية بأصول التخطيط في السياسة الخارجية، وضعف مؤسساتها الاقتصادية.فتخطيط السياسة الخارجية يتطلب القدرة على التحرك السريع في منظومة المصالح  المتضاربة في العلاقات الدولية والقدرة على توفير البديل. فمعضلة التبعية الاقتصادية لاقتصاديات ليبيا إلى دول أكثر تأثيراً نظراً لامتلاك تلك الدول لأدوات التأثير عليها ، هذه بدورها تُضعف قدرة المخطط في العمل الخارجي في ليبيا على التخطيط الحقيقي المؤثر اقليمياً ودولياً !!

     وباعتبار أن ليبيا إحدى الدول النامية وهي تعاني ما تعانيه تلك الدول ، خصوصاً في مجال الضعف البنيوي للمؤسسات المتخصصة في جمع وتحليل البيانات والمعلومات والصياغات المفاهيمية والإستراتيجية وصياغة الخطط البديلة ، يظل التخطيط مطلب صعب المنال .

      إن غياب جهاز تخطيط القرار الخارجي إنما يرجع إلى ضعف في جهاز صنع واتخاذ القرار، وهو انعكاس واضح في الضعف الهيكلي لمؤسسة صنع القرار في السياسة الخارجية الليبية.

     ثانياُ:ة هذا الجزء من الورقة ، نحاول أن نقدم مقترحاً تحت مسمى ” مجلس الشؤون الخارجية العام ”  ليسهم بدروه في رسم فلسفة تخطيطية منهجية للأداء الخارجي العام للدبلوماسية الليبية ، على أن يهتم هذا المجلس بالأمور التالية(15) :

  • العناية بالجوانب المفصلية في السياسة الخارجية الليبية منها المنطلقات والمصلحة الوطنية

           والإمكانيات والأولويات المستقبلية وتحديد الخطر الخارجي .

  • آليات التنسيق بين المؤسسات المجتمعية العاملة في حقل العمل الخارجي .
  • المزج العلمي والموضوعي بين  طبيعة العمل الدبلوماسي والخبرات الأكاديمية والعملية.
  • العناية بالجوانب المنهجية وتوسيع دائرة التخطيط السياسي الخارجي وإرساء أعراف

           لجهاز تخطيطي دبلوماسي.

  • بناء قاعدة للبيانات والمعلومات وتحليلها وتفسيرها .
  • توسيع دائرة صنع القرار الخارجي .  هذا يقودنا إلى معرفة طبيعة اتخاذ القرار في السياسة الخارجية الليبية في ظل وجود جهاز تخطيط القرار أوفي غيابه .

الهوامش:

* الكُتاب السابق ذكرهم قدموا تعريفات مختلفة وأبعاد متعددة لمفهوم السياسة الخارجية الأمر الذي يؤيد الاعتقاد أن تعريف المصطلح لازال يحتاج إلى جهود أكاديمية عصرية تتوافق مع المتغيرات والتغييرات الإقليمية والدولية .

(10)-George, Allen, “Planning in Foreign Policy: The State of the Art”,” Foreign Affairs, 39 (2) January 1961 .p.274. ،

(11) يمكن للقاري الرجوع إلى:

Michael Hill and Pefter Hape , implementing Public Policy , SAGE publications , London , 2004  وهذا المخطوط يعتبر من الإصدارات الحديثة حول قضايا التنفيذ في السياسة العامة .

12 – قرار اللجنة الشعبية العامة رقم ( 66 ) لسنة  1493 .

13- نفس المرجع السابق ذكره .

14- محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، ص 493.

15- يقترح الباحث استحداث مجلس الشؤون الخارجية  العام أو الوطني إلى منظومة مؤسسة صنع القرار الخارجي في ليبيا .

* د. ميلاد مفتاح الحراثي: مركز البحوث والاستشارات والتدريب، جامعة بنغازي، ليبيا.

شارك برأيك