عرض كتاب: أسطورة الإطار

يعتبر كتاب”أسطورة الإطار…”(1) الواقع متنه في ثلاثمائة وخمس وعشرين صفحة مجموعة مقالات ومحاضرات للفيلسوف”كارل بوبر” (1992-1994)، كتبت وألقيت في مناسبات مختلفة وجمعت بين دفتي كتاب موجه لغير المتخصصين، ولان فصل الأسطورة الإطار شيق وثري اختير عنوانه عنوانا للكتاب بأكمله.
إن ” أسطورة الإطار” مرافعة قوية عن العلم والعقلانية، كما يستشف ذلك من عنوان الكتاب الفرعي، وكما هو مقرر في غير ما موضع من الكتاب(2). مرافعة يتسلح فيها “بوبر” بما يكفي من الحجج والاستدلالات لإقامة دعاواه وزعومه، وينسف فيها الكثير مما شاع في العلم من البدع، ونسوق في هذا الصدد على سبيل المثال لا الحصر: بدعة أو وهم المعرفة التخصصية وما ينبز بسلطة الخبراء، التي تتنافى ونواميس العلم، الذي يرتكز في نموه كلية على الاختلاف(3) أو ما يسمى اليوم في فلسفة العلوم بتداخل/تكامل المعرفة.
ونحزر نحن أو نوقن بما لا يدع مجالا للشك أن الدفاع عن العلم والعقلانية هي رسالة الكتاب العميقة، والتي يريد “بوبر” إبلاغها لعموم المتكلم إليهم.

وسنحاول في هذه المقالة العجلى أن نقدم ما وسعنا ذلك، نبذة عن أهم محاور الكتاب، متوسلين في ذلك آلية الوصف والتلخيص، وعلنا توسلنا في تارات أخرى التحليل والتركيب والنقد.
تعني عبارة أسطورة الإطار: “استحالة قيام مناقشة عقلانية ومثمرة ما لم يتقاسم المساهمون فيها مشتركا من الافتراضات الأساسية أو (…) ما لم يتفقوا على مثل هذا الإطار لكي تسير المناقشة”(4).
ومن خلال التوصيف “أسطورة” ذي الحمولة القدحية في التداول العربي، يتضح أنها [ أي أسطورة الإطار] بنظر “بوبر” أسطورة متهافتة ومغلطة ومضللة، وإذا عم الاعتقاد فيها دمرت الجنس البشري لأنها تسجن وتكبل الفكر والعقل، ثم إن المنطق لا يدعم الإطار(5)، “فبوبر” إذن يدين مفهوم الإطار، ويلفت نظرنا إلى خطورة تلبسه بالعقول(6).
ويحسن بنا في هذا المقام أن ننبه إلى الفروقات التي يقيمها “بوبر” بين بعض الأمور الأولية التي لا ضير منها، والتي تسعف في المناقشة من قبيل الرغبة في الوصول إلى الصدق، والاستعداد للمشاركة في حل المشاكل وتفهمها وان كانت مشاكل الآخرين.
والإطار الأسطورة قد تشكله اللغة، أو الثقافة أو الدين… أو هذه الأمور مجتمعة أي “التكوين” بتعبير الناقد الفرنسي “لوسيان غولدمان” أو “المجال التداولي” بتعبير الفيلسوف طه عبد الرحمان.
ولتقريب مفهوم أسطورة الإطار، وفهم “السلطة” التي يفرضها على المتأطرين داخله يسوق “ك.بوبر” قصة أوردها هيرودوت في كتابه “التاريخ” عن ملك الفرس داريوس الأول، وقد أفلح بنظرنا، في ذلك لأن القصة أصابت في مقتل الهدف الذي أوردها من أجله.
وملخص القصة أن الإغريق جميعهم ألفوا وتعودوا في تداولهم/إطارهم إكرام موتاهم عن طريق تحريقهم، وأي شيء آخر غير هذا يظل مستبعدا ومجانبا للعقل والصواب بالنسبة إليهم، والكالاتيين رسخ لديهم وفق إطارهم أن إكرام الميت يتم بأكله.
وأراد داريوس الأول أن يقلب الأدوار، فطلب من الإغريق الذين يحرقون موتاهم أكلهم، وطلب من الكالاتيين الآكلين آباءهم بعد الموت تحريقهم، فكان أن استبشع كل فريق الطلب المرفوع إليه واستهجنه واستصغره واعتبره إيغالا في الهمجية والتخلف، وينهض استغراب الفريقين كليهما طلب داريوس على بدعيته وغرابته عن إطاره.
وقد ساهم فلاسفة عظام من حيث شعروا أو من حيث لم يشعروا في التمكين لأسطورة الإطار، أمثال “ماركس” حين حديثه عن العلم البروليتاري، والعلم البورجوازي، وأن كلا منهما رهين إطاره الخاص، وبعده “ماركس شيلر”، و ” كارل مانهايم” اللذان  أطلقا على نظرياتهما ” علم اجتماع المعرفة”، واستمسكا مثل “ماركس” بأن لكل إنسان إطاره المفاهيمي الخاص الذي يتحدد عن طريق محيطه العام أي تداوله(7).
وقد عرض الفيلسوف “بوبر” بالدرس والتحليل لكيفية حصول التقدم في العلم الذي بنظره نعمة ملتبسة بالنقمة، بل يذهب، أكثر من هذا إلى أن النعم جميعها ملتبسة بالنقم إلا ما ندر (8).
وهو يناقش التقدم في العلم من منظور تطوري بيولوجي(9)، ولا يقول إنه الوحيد والأوحد في مقاربة مسألة التقدم في العلم، وإنما يسعفه هذا المنظور في تقديم فكرتين وازنتين ومركزيتين هما فكرتا:
– التوجيه:                                                                        Instruction
– والانتخاب: Sélection
ويذهب إلى أنه من هذا المنظور يمكن النظر إلى العلم على أنه وسيلة يتوسلها النوع البشري ليتكيف مع البيئة، أي لكي يكشف المخبوء من المواطن البئية.
وهناك حسب ” بوبر” ثلاثة مستويات من التكيف هي:
– التكيف الجيني. 
– تعلم السلوك التكيفي.k
– الكشف العلمي، وهو حالة خاصة من حالات تعلم السلوك التكيفي(10).l
ويهدف “بوبر” من استدعاء آليات ومصطلحات علم الأحياء/البيولوجيا إلى استنطاق وكشف التماثلات والاختلافات الموجودة والمنعقدة بين ما يسميه هو: استراتيجيات التقدم أو التكيف في المستوى العلمي، واستراتيجيات التقدم في المستويين الآخرين [ الجيني،
والسلوك التكيفي]، وتبيان الدور الذي يضطلع به قانونا التوجيه [ الذي يتم إما من خلال الشفرة الجينية أو من خلال التقاليد](11)، والانتخاب في كل مستوى.
ويعلن “بوبر” عن دعواه فيما يتصل بالإشكالية سالفة الذكر، وهي أن هناك تماثلا جوهريا بين المستويات الثلاثة، أي إن جوهر آلية التكيف هو نفسه في التكيف الجيني، وفي السلوك التكيفي وفي الكشف العلمي(12).
ولتوضيح ما تقدم فالتكيف بنظر”بوبر” يبدأ من بنية موروثة أساسية بالنسبة إلى المستويات الثلاثة؛ البنية الجينية للكائن الحي؛ يناظرها في المستوى السلوكي، المخزون الفطري من أنماط السلوك المتاحة للكائن الحي، وفي المستوى العلمي الحدوس                           أو النظريات العلمية السائدة.
هذا عن التماثل الحاصل بين المستويات الثلاثة، أما عن الاختلاف، فيذهب “بوبر” إلى أن الخلاف الأساسي والجوهري بين المستوى الجيني، والمستوى السلوكي يتمثل في:
* أن الطفرات على المستوى الجيني ليست فقط عشوائية بل عمياء تماما، وهي كذلك بمعنيين:
أولا: لا تتعقب هدفا محددا.
ثانيا: بقاء طفرة ما لا يمكنه أن يحكم الطفرات الأبعد ولا ترددات واحتمالات  حدوثها.
* المحاولات أيضا على المستوى السلوكي عشوائية إلا أنها ليست عمياء بأي من المعنيين المذكورين؛ إذ إن هناك هدفا تتعقبه ثم إن “بوبر” يذهب إلى أن الحيوانات قد تتعلم من حصيلة المحاولات فتتفادى الفشل وتطلب النجاح.
أما فيما يتعلق بالمستوى العلمي فالكشوف فيه ثورية إبداعية أبدا(13)؛ فلكي تشكل نظرية ما كشفا جديدا وخطوة إلى الأمام يجب أن تطيح بسابقاتها وأن تنقضها(14)، فالتقدم
في العلم يصدق عليه بنظرنا شعار “كارل ماركس” : الثورة دائمة، وفي هذا السياق يفهم انتصار “بوبر” للداروينية واعترافه لها بخاصية الإبداع(15)، وهذا بنظرنا إنصاف لدارون الذي لم يقر و لم يتلق تلقيا منصفا في البيئة العربية.
ثم إن النظريات العلمية يمكن صياغتها صياغة لغوية، يكون معها طبعها ونشرها أمرا ميسورا، وتغدو بالتالي موضوعات خارج ذواتنا أي موضوعات مطروحة للفحص والاختيار والنقد(16).
ويقوم تصور “بوبر” للتقدم في العلم على زعم له محوري وخطير، وهو أن المعرفة العلمية بأكملها فرضية أو حدسية افتراضية قابلة للخطأ أو هي مخطئة ضرورة، أي إن العلم أبدا يبدأ بما يسميه “بوبر” مشكلات نظرية، وينتهي كذلك بمشكلات من جنس التي بدأ بها أي نظرية(17). نلخص ونقول إن منهج العلم كما يتصوره “بوبر” تلخصه المعادلة التالية:

وتتجلى خطورة دعوى ” بوبر” في دورها العاصف ونقدها الالذع لمدرسة فرانكفوت وتتجلى خطورة دعوى “بوبر” في ردها العاصف ونقدها اللاذع لمدرسة فرانكفورت (أدورنو، هورككهايمر، هابرماس …)القائم تصورها على الدياليكتيك/الجدل الهيغلي لعلوم الاجتماع(18).ويحيلنا ” بوبر” بزعمه هذا على أعماله التي رجت الحصيلة العلمية والمنهجية لمدرسة فرانكفورت خصوصا كتبه: “ما هو الدياليكتيك؟” و”عقم التاريخانية”،   و ” المجتمع المفتوح”.
كما انتقد ” بوبر” ما سماه ” دوجما مذهب الملاحظة” التي تؤكد أفضلية الملاحظة ووضاعة التأمل النظري، والتي ينسلك فيها “بيكون” ومن ذهب مذهبه(19).
وفي نقده لوجهة نظر “بيكون” القائلة بأهمية التجربة والملاحظة يقول: إننا لا نستطيع تطهير عقولنا وتخليصها من الانحيازات، والقول بدرجة الصفر في العقل، أي العقل البكر الخالص خطأ صراح(20)،ويذهب إلى أن التجارب نفسها لا يباشرها المجرب وذهنه خلو من تصور ما، بل إنها [ أي التجارب] تسترشد هي الأخرى ودائما بحس باطني نظري تأملي وان لم يعه المجرب(21).
وكما تحدث “بوبر” عن كيفية حصول التقدم في العلم، تحدث أيضا عن المثبطات والعوائق، أو ما يدعوه هو بالعقبات الكبرى الكؤود في وجه العلم، وذهب إلى أنها إما ذات طبيعة اقتصادية و إما ذات طبيعة فكرانية/ إيديولوجية(22).
وإيضاحا منه للتي هي ذات طبيعة اقتصادية يذهب إلى أنه ليس العوز والفاقة فقط ما يشكل عقبة وحائلا دون التقدم، بل الترف كذلك يمكن أن يكون عقبة يعسر تجاوزها؛ فتضخم المنشورات والمطبوعات قد يئد الأفكار المهمة، والجنيهات الوفيرة جدا قد لا تمسك إلا بأفكار ضئيلة ومسفة للغاية!!.
أما العقبات الفكرانية فيحصرها في التعصب الديني اللصيق باليقينيات والمفتقر إلى الخيال(23)، ولهذا ينبغي بنظر “بوبر” النظر إلى الأفكار الجديدة بايجابية واعتبارها ثمينة وإن كانت جامحة ومارقة، بل وإن كانت جودتها غير عالية، وديدنه في هذا هو التحمس لعدم كبت أي فكرة جديدة.
ويمثل “بوبر” للأفكار التي كانت ضحية الفكرانية الرعناء بـ: “فكرة التطور الداروينية” و” نظرية الفيزيائي ألفيني آرتورهاس” وغيرها كثير.
ولا يسعف التحيز المفرط لنظرية ما [ بنظر بوبر] في تحقيق تقدم علمي، وهو في هذا يشاطر ” كلود برنار” الرأي حين يقول:”أولئك المزودون بإيمان مفرط بأفكارهم غير مهيئين لإحراز كشوفات”(24).
وكذا “فرنسيس بيكون” الذي دعا العلماء إلى تجنب “مثلبة” التحيز، ولكن هل في الحقيقة يستطيع المرء أن يتحلل من جميع تحيزاته!!
طبعا ليس بمقدور المرء أن يتحلل من جميع تحيزاته، فهو بالضرورة وفي جميع مقارباته يستصحب ثقافته ومكونات بيئته بشكل أو بآخر،وهذا ما يتفطن له “بوبر” نفسه في آخر الفصل الأول يقول “(…) ولا أقصد (…) أن العلماء العظام (…) ينبغي أن يكونوا كائنات عقلانية من رأسهم حتى أخمص قدميهم(…) [بل] لو أصبحوا دائما وأبدا موضوعيين وعقلانيين، بمعنى أنهم ذوو نزاهة وغير متحيزين، فسوف تصادفنا عقبة كؤود أمام التقدم الثوري في العلم”(25).
فالتحيز إذن أمر حتمي وواقع لا محالة، و ٍ”بوبر” نفسه لم يسلم منه حين يرتد بالأصول النظرية الأولى للتسامح، والديمقراطية، والعلم، والمعرفة، والعقلانية إلى الإغريق(26)، وكذا حين رده أولية الحديث عن المسؤولية الخلقية للعالم إلى الطبيب الإغريقي أبقراط، وإطنابه الفج في الحديث عن قسمه(27)، وهذا ما رصدته أيضا المترجمة يمنى طريف الخولي حين أقر “بوبر” بأسبقية اليونان على المصريين فيما يتعلق بالكتابة [!!] واعتبرته مما يثلب فكره(28).
وقبل الختام يجمل بنا الإشارة إلى أن الكتاب تعتوره نقيصة التكرار؛ فجمة هي الأفكار المكرورة داخل متن الكتاب،إلا أن هذا التكرار قد يكون معزوا إلى عملية الترجمة، وعموما فالكتاب تتشعب أفكاره وتتعدد المباحث المعرفية المطروقة فيه؛ من بيولوجيا وفلسفة وفيزياء وتاريخ ، ويشفع لنا هذا الذي ذكرناه في ما قد نقع فيه من الانتقائية والابتسار، وحسبنا بعد هذا جهدنا [ وهو جهد مقل] في تقديم نظرة موجزة عن بعض جوانب فلسفة كارل بوبر التي تعتبر بحق من أهم اتجاهات الفلسفة المعاصرة المشكلة لمعالم الفكر الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين.
ولعل أهم فكرة لفتت نظرنا في الكتاب هي تقرير “كارل بوبر” أن النظرة المحدثة للعلم تقوم على أن جميع النظريات العلمية مجرد حدوس وافتراضات قابلة للتفنيد والتكذيب، وليس هناك البتة نظرية فضلى مقطوع بصحتها وتنزهها عن الخطأ وإمكانية السقوط(29).

الهوامش:
(1)- أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية، كارل بوبر، تحرير: مارك.
أ.نوترنو، ترجمة: أ.د. يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة، الكتاب 292، أبريل/ماي 2003م، محرم/صفر  1424،[ د.ط].
(2)- المصدر نفسه، ص.29.
(3)- نفسه،ص.26.
(4)- نفسه،ص.61.
(5)- نفسه،ص.82،64.
(6)- نفسه،ص.8.
(7)- نفسه،ص.75.
(8)- نفسه،ص.34.
(9)- نفسه،ص.45.
(10)- نفسه،ص.35.
(11)- نفسه،ص.37.
(12)- نفسه،ص.35.
(13)- نفسه،ص.39.
(14)- نفسه،ص.45.
(15)- نفسه،ص.42.
(16)- نفسه،ص.40.
(17)- نفسه،ص. 187،123،118.
(18)- نفسه،ص.92، ويعتبر بوبر كتابات مدرسة فرانكفورت بمثابة أفيون للعقول، أنظر ص.107.
(19)- نفسه،ص.111.
(20)- نفسه،ص.113.
(21)- نفسه،ص.121.
(22)- نفسه،ص.47.
(23)- نفسه،ص.48.
(24)- نفسه،ص.41.
(25)- نفسه،ص.57، وانظر في السياق نفسه حديثه عن قدره المرء على جعل سجنه؛ أي إطاره رحبا وواسعا: ص.82.
(26)- نفسه،ص.69،67.
(27)- نفسه،ص.150.
(28)- نفسه،ص.266، الهامش:6.
(29)- نفسه،ص.118.

اترك ردا