محمد مندور وتلقي النص العربي القديم

نوقشت يوم الأربعاء: 30 ماي  2012م موافق 8 رجب 1433 هـ على الساعة التاسعة صباحا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية (ظهر المهراز، فاس المغرب) أطروحة لنيل الدكتوراه للطالب عبد العزيز خلوفة في موضوع: ” محمد مندور وتلقي النص العربي القديم”  بإشراف: الدكتور عبد الرحيم الرحموني.

وقد تألفت لجنة المناقشة من السادة الباحثين:

الدكتور محمد بوحمدي: رئيسا

الدكتور عبد الرحيم الرحموني: مقررا

الدكتور محمد الواسطي: عضوا

الدكتور رشيد السلاوي: عضوا

الدكتور عبد الرزاق الصالحي: عضوا

وبعد مناقشة الرسالة العلمية، نال الباحث درجة الدكتوراه في الأدب العربي بميزة مشرف جدا.

ملخص الرسالة:

                                بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد والشكر لله والثناء الجميل على توفيقه ومنِّه وعطائه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

      فقد كانت الحاجةُ ملحة إلى تقويم موروثنا الأدبي والنقدي من خلال أدوات جديدة، نستطيع استنادا إليها كشف حقيقته، و تبيان جدارته، إذ نستوضح خباياه، ونستزيد من استلذاذه، منتهين إلى تسجيل الحوار القائم بين القدامى والمحدثين، في مظهريه؛ أوله الاندماج، وثانيه التعارض. فمهما تعالت الأصوات بإقبار الماضي يظل الرجوع إليه أمرا حتميا، ولن يتأتى ذلك، إلا بالاقتناعِ بضرورة مواكبةِ سير النقاد المعاصرين في إرسائهم لأصول النقد الأدبي، وبحثهم في سبلِ تقويم النِّص الإبداعي، كما تبدى ذلك من خلال مناهجَ ونظرياتٍ وافدةٍ من الغرب، أراد لها أصحابُها تطويع عمل المبدع و الرقي به، وسعيا منهم إلى معرفة فضلِ وجود النص وخلوده.

         ويستلزم تقويم التراث الأدبي، فهمه فهما دقيقا، والتأني في استصدار أحكام إزاءه، ثم العمل على تمثل الثقافة الغربية تمثلا حقيقيا، يقود إلى استجلاء أصول الثقافتين معا. وعندما تتوافر الشروط المذكورة، يزداد الإقبال على تلقي النص العربي القديم، ويصبح القولُ باستجلاء أغواره أمرا مشروعا، بدعوى أن ثمة حقائقَ وكنوزا لم تستوعب بعد، وهو ما دفع المحدثين إلى تناوله من جديد، لإعادة النظر فيما قيل، أو تأكيد ما انتهى إليه القراءُ القدامى، حيث عاينوا أسراره من جديد، وانتبهوا إلى متانته، رغم احتكاكهم بأرقى  النصوص الأدبية الحديثة، بحيث أثبتت التراكماتُ القرائيةُ مدى جدارةِ النَّص القديم، سواء أتعلق الأمر بالنص الإبداعي أم بالنص النقدي. وذاك ما يدفعنا إلى القول بأن النص القديم يظل فضاء مفتوحا على العديد من القراءات، فلخصوصياته الفنية والجمالية يتجاوز الزمن الذي وجد فيه، ليصبح قابلا لدراسته بآليات نقدية أشد تطورا من التي استعين بها زمن ظهوره.

         ولم نجد سبيلا إلى التيقن من ذلك، غير المقارنة بين ثقافة الناقد المعاصر وثقافة المبدع القديم، شاعرا كان أم ناقدا، وقد تم التركيز على الدكتور محمد مندور، باعتباره شيخ النقاد المحدثين؛ فقد تبين أنه أوعى بما أحاط به الغرب من فلسفات وثقافات نقدية، إذ واكب الرجل أهم تيارات النقد الأدبي الحديث، وتشرب مختلف مشاربها. ولم يقف حده عند ذلك، بل كانت له إسهاماتُه الفعَّالةُ في إرساء مفاهيم بعض التيارات من خلال آثاره النقدية الغزيرة. وهذا ما أهله إلى الاقتدار على تقييم التراثِ الأدبي إبداعا ونقدا، منتهيا من خلال أعماله إلى الكشف عن أوجه الاتفاق والاختلاف بين تراثنا الأدبي العربي وما توصل إليه الأدب الغربي. ويكشف ذلك تناول الدارسين بشكل كبير لردود فعله إزاء النص العربي، فبين المعجب بجرأته، والمشمئز من غلظته وقسوته، فمنهم من رآه نظَّر للنقد العربي، وأعاد إليه اعتباره، والآخرون يرون فيه رجلا سلبت عقله الثقافة الغربية.

       وقد اضطررنا إلى تصفح عدة مراجع تناولت محمد مندور من حيث روافد ثقافته النقدية، أو تلك التي تعرضت لمراحله النقدية، أو التي أبانت عن كيفية قراءته للنص الأدبي بشكل عام، ومن بينها:

    – التأثير الفرنسي في أدب محمد مندور، عبد المطلب صالح، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1997 م

    – تطور النظرية النقدية عند محمد مندور، فاروق العمراني، الدار العربية للكتاب تونس، الطبعة الأولى 1988م

    – محمد مندور رائد الأدب الاشتراكي، هنري رياض، دار الجيل بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1411 هـ 1991 م

    – محمد مندور شيخ النقاد، فؤاد قنديل مركز الحضارة العربية، الطبعة الثانية القاهرة. 2000م

    – محمد مندور شيخ النقاد في الأدب الحديث، محمود السمرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت، الطبعة الأولى، 2006 م

     – محمد مندور الناقد والمنهج، غالي شكري، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1981 م

      – محمد مندور وتنظير النقد العربي، محمد برادة، منشورات دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى، يناير 1979م

      – محمد مندور ونقد الشعر، ربيع عبد العزيز، دار رياض الصالحين، الطبعة الأولى.1314هـ 1994 م

      – الهمس في نقد الدكتور محمد مندور، عبد اللطيف محمد السيد الحديدي، الطبعة الأولى،1422هـ2001م

         وعلى ضوء ما سبق، تأتي هذه الرسالة لتضع عمله النقدي في كفتي الميزان، تصغي إلى هذا وذاك، وتنتقي ما تجلى لها صائبا، مبررة مواقفها، ومشيرة إلى دواعي تنكرها لآراء بعض الباحثين، حيث فضلنا تتبع الرجل في علاقته بالنقد الأدبي، وما ترتب على ذلك من ردود فعل  إزاء النص القديم، بشقيه الإبداعي والنقدي، إذ تحرك مندور في تلقيه للنصين الشعري والنقدي من أفق واسع، يتجاذب فيه الماضي والحاضر بأحدث مقولاته النقدية. ولم نجد بدا من تناول ذلك في ضوء مفاهيم نظرية التلقي، استثمارا منّا لِمَا تعرّفناه عند رجال نظرية التلقي، من مفاهيم إجرائية ومقولات نقدية ذي صلة بالقارئ وفعل القراءة.

        وقد استدعت الضرورة المنهجية اعتماد مقاربة وصفية تحليلية، إذ من الأجدر ذلك، لأن تتبع مسار نقدي معين يحتاج إلى مسح شامل لكل المؤثرات الذاتية والموضوعية التي تقف وراءه، مع الخروج بخلاصات واستنتاجات اقتضاها التحليل. هذا بالإضافة إلى المقاربة المقارنة، حيث من اللازم الوقوف عند نقاط الالتقاء والاختلاف الواردة بين الناقد محمد مندور والناقد القديم، مادامت الرسالة تبحث في الحوار الجاري بينهما.

        وهكذا استقر اختيارنا على موضوع “محمد مندور وتلقي النص العربي القديم”، لما للدراسة من أهمية قصوى في تجديد تعرفنا إلى تراثنا الشعري والنقدي، وإعادة تقويمه استنادا إلى معايير جديدة تولدت بفعل المثاقفة مع الغرب. بحيث إن تلقي النص القديم لدى المحدثين يزيدنا تعرفا على أسرار جماليات نصوصنا الإبداعية والنقدية، ويحيطنا علما بمكانتها التاريخية الحقيقية. ولقد كان اختيارنا لمحمد مندور، كناقد حديث، مناسبا، بحيث استوضحنا كيف أن الانفتاح على المناهج  النقدية الحديثة، وما توصل إليه النقاد الغربيون من مقولات ومفاهيم، تعين بشكل أو بآخر في تقويم تراثنا، بل  وترد له اعتباره من جديد. كما أن هذا الجانب المهم يظل يقلقنا منذ اختيارنا، في سلك الدراسات العليا المعمقة، لوحدة “النص القديم في ضوء نظرية التلقي”، حيث رغَّبنا في ذلك رئيسها محمد الأمين رحمة الله عليه، وكذا أساتذة الأدب القديم بالوحدة ذاتها.

        وبناء على ذلك، فإن طبيعة هذه الدراسة تقتضي أن يأتي البحث في مدخل نظري وخمسة فصول وخاتمة، وستكون فصول البحث ومباحثه على النحو الآتي:

         مدخل عام تتضمن صفحاته فرشا نظريا لأهم مرتكزات نظرية التلقي، وقد استدعت الضرورة أن يتوزع بين ثلاثة مباحث؛ أولها يبحث في مفهوم النظرية وجذورها المعرفية، من خلال مطالب تستوفي الدراسة حقها بما يتمشى وطبيعة الموضوع، والمبحث الثاني يستوضح فرضيات هانس روبرت ياوس، رائد نظرية التلقي بمدرسة كونستانس الألمانية، وأخيرا مبحث ثالث يتمم باقي فرضيات نظرية التلقي عند رائدها الآخر فولفغانغ إيزر.

         ويتناول الفصل الأول العوامل التي أسهمت في تشكيل أفق الناقد محمد مندور، وبالنظر إلى تعددها فقد حاولنا تلخيصها في ثلاثة مباحث، يعالج المبحث الأول العامل الذاتي، ونتقصد بذلك، ما يتعلق بحياة الناقد الشخصية من حيث الميولات والقدرات والرغبات. وقد تناولت دراستنا، فقط، ما يكشف عنه التأثير الحاصل لدى مندور عند تلقيه للنص الأدبي. ويتطرق المبحث الثاني إلى العامل السياسي، ذلك أن مذهب مندور في النقد لم يتبلور من خلال دراساته الأدبية فحسب، وإنما اشتركت تجاربه في الحياة، وميولاته الإيديولوجية في تكوين مذهبه. ويأتي المبحث الثالث الأخير في الفصل الأول لتناول العامل الثقافي، حيث وقفنا عند روافد ثقافة مندور النقدية، وقد توزعت بين الروافد الغربية والروافد العربية. فأما الروافد الغربية فقد وجدنا  الناقد كثير التشبع بآراء جوستاف لانسون، ومقولات الواقعية الاشتراكية، إذ وجدنا أنفسنا أمام رجل يُصدر أحكامه استنادا إلى الإطارين المرجعيين المذكورين. وأما الروافد العربية فالناقد محمد مندور كثيرا ما كان يتبنى مقاييس بعض نقادنا العرب المحدثين، وقد اعترف بذلك، حيث إن رجالا ثلاثة كانوا وراء تكوينه النقدي، ويتعلق الأمر هنا بطه حسين والعقاد وميخائيل نعيمة.

         وقد خلصنا من عرض ذلك إلى أن اتساع أفق توقع محمد مندور كان بدافع اتصاله الثقافي بالآداب الغربية المتنوعة طيلة التسع سنوات التي قضاها بفرنسا، مما يعني أن ذلك سيكون له الأثر الأكبر في تكوينه الفكري والنقدي، حيث نجد مندورا شديد الارتباط بالمناهج النقدية الفرنسية، محاولا منه العمل على كشف حقيقة التراث الأدبي العربي استنادا إلى ذلك الانفتاح، ثم تطوير النقد العربي والسير به إلى الصورة التي تليق به.

         أما الفصل الثاني فجاء في مباحث ثلاثة تهم ملامح أفق توقع محمد مندور، أولها عالج مفهوم الأدب لدى محمد مندور، من خلال مطالب ثلاثة، يكشف الأول عن أصول الأدب، والثاني عن وظيفة الأدب، والثالث عن الفرق الوارد بين دراسة الأدب وتاريخه. ثم المبحث الثاني الذي من خلاله تم استيضاح مفهوم النقد لدى مندور، وقد تأتى ذلك استنادا إلى أربعة مطالب، تطرقنا في البداية إلى ماهية النقد. ثم انتقلنا في المطلب الثاني إلى وظيفة النقد، وفي المطلب الثالث أشرنا إلى المراحل التي عرفتها مسيرة مندور النقدية، لما حصل لديه من تحول في المعتقدات، صاحبه  تغيرٌ في المسار النقدي. وجاء المطلب الرابع للبحث في رأي مندور إزاء المنهج العلمي في دراسة الأدب. وخلصنا نهاية هذا الفصل إلى رؤيته الشعرية، إذ حددنا مقاييسه الشعرية المتمثلة في المضمون الشعري والموسيقى واللغة الشاعرة، وانتهى أمرنا في الفصل الثاني باستعراض أقسام الشعر لدى مندور.

        وقد تبين كيف أن مندورا ظل مشدودا إلى التلقي الجمالي، جاعلا من الذوق معرفةً تمكن القارئ الناقد من إدراك أسرار النص، والاقتدار على التمييز بين أساليب المبدعين. وفي هذا الاقتناع روح منهج جوستاف لانسون الذي تلخصت مقاييسه في كون الناقد يجب أن يكون تأثريا، لأن الأدب يثير لدى المتلقي بفضل خصائص صياغته صورا خيالية أو انفعالات شعورية أو إحساسات فنية، والأدب شعرا كان أم نثرا وجب أن يتناول موقفا إنسانيا أو تجربة بشرية، وعندما يتحقق ذلك يكون المبدع قد فتح آفاقا إنسانية رحبة.

         وفي المقابل، يحذر مندور، عند تلقي النص الأدبي، من إقحام النظريات العلمية، لأن ذلك لا يفيد الأدب في شيء، بل يفسده ويُغيب كثيرا من حقائقه وأسراره، إذ يصبح الناقد لا يرى في النص خلا ثقافتِه وآراءِه وأفكارِه، أي أنه يُسرف في قراءته فيُقول النص ما ليس فيه، وقد ثبت هذا الكلام في المعارك التي كانت بينه وبين نقاد اعتمدوا المنهج النفسي، والأمر هنا يتعلق بالعقاد، ومحمد خلف الله، وغيرهما من النقاد الذين كانت قراءتهم للنص قائمة على أحكام جاهزة.

         ويأتي الفصل الثالث للبحث في مواقف مندور إزاء أكبر القضايا النقدية القديمة إثارة للجدل، إذ ركزنا على قضايا ثلاث، كما هو متناول في مباحث ثلاثة؛ أولها كيفية تلقي مندور لقضية اللفظ والمعنى، حيث تم تحديد رأيه، هل من الضروري القول بأنصار اللفظ وأنصار المعنى، أم أن الفعل الإبداعي يظل بريئا من هذا التصارع. وانتقلنا إلى المبحث الثاني لتناول مفهوم الطبع والصنعة بالنظر إلى ما جادت به قريحة المثقفون المحدثون، فمن الطبيعي أن يستوضح مندور في ردوده أمارات الشعر المطبوع وأمارات الشعر المتكلف. ونختم الفصل الثالث بتناول تلقي مندور لقضية السرقات، فتحديد مفهوم السرقةِ الشعريةِ أمرٌ هامٌ، لدى مندور، لكشف أصالة الشاعر. وعلى الرغم من التعارض الذي حصل بينه ونقاد قدامى، فإن مندورا أبان عن اندماج أفق توقعه مع نقادٍ عربٍ قدامى آخرين، علما أن هذه القضايا أثارت حراكا نقديا بين النقاد القدامى منذ زمن ليس بقريب، ويأتي دور ناقدنا الحديث محمد مندور للفصل في تلك المعارك استنادا إلى الحقائق النقدية المتراكمة في عصرنا الحديث، لأن الحسم في ذلك يدفع بفعل الكتابة الشعرية إلى مكانة أرقى.

         وفي مناقشته لما سبق ذكره، أبان مندور عن ثقافة نقدية معارضة لما رآه بعض نقادنا القدامى، إذ إنه لا يقبل بفكرة أن اللفظ خدم للمعنى، لأنه ليس من الضروري أن يكون كلُّ بيت شعري يتضمن معنى معينا، كأن يحوي فكرة أخلاقية، أو فلسفية، أو حكمة، بل الشعر غير ذلك، حيث إنه خلقٌ فني يُقصد نظمه لقيمه الفنية الذاتية. ومن ثم، فالخلق الشعري لديه يستوجب أن لا استقلالَ للَّفظ عن معناه، بل ثمة تلازم بينهما، ولا يمكن الحديث عن انفصال أحدهما عن الآخر. ويبلغ الخلق ذروته عندما يكون النظم سليما، أي وجود تفاعل بين اللفظ وما يجاوره من ألفاظ، بحيث لا يقصد من اللفظ إلا العبارة عن معنى معين. لذلك فهو لا يعتد بما يسميه بعض العلماء بالترادف اللغوي،  إيمانا منه بأن التعبير عن المعنى الواحد لا يكون إلا باللفظ الواحد.

         كما تجلى التعارض مع نقادٍ عرب قدامى آخرين، عند مناقشة مندور لأمارات الطبع والتكلف في الشعر، فالشعر لديه لا يحيا إلا بالتجويد والتنقيح، مما يفيد أن الشعراء الذين وصفوا بأنهم عبيد الشعر لا يخرجون من دائرة الشعراء المطبوعين، بل الطبع مرحلة أولى تحتاج إلى الصقل. وباستيضاحه هذا الأمر يكون قد صحح الخلط الوارد بين الارتجال والطبع، إلا أنه يشترط أن تكون الصنعة في الشعر محكمة إلى حد الخفاء، حتى لا تطغى الصنعة على الطبع، لأن العبث اللفظي والزركشة المبالغ فيهما ليستا من جوهر الشعر في شيء. وخلص مندور، بشكل عام، عند تناوله القضية، إلى ربط حركة الزمن بالطبع والتكلف، حيث إن أوَّلَ شعرٍ عرفه العربُ يتجسد في  الشعر الجاهلي والأموي اللذين يسلمان من التكلف، خلافا لشعر المحدثين الذي طغى عليه التكلف، لاختلاط العرب بغيرهم من الأمم زمن العباسيين.

          ومن جهة أخرى، يقتضي الحكم على الشاعر، لدى مندور، البحث في أصالته، وهذه الدراسة لا يوفق إليها الناقد إلا بتناول قضية السرقات تناولا حذرا، لأن الشعراء في إبداعهم يستقون من منابعَ متشابهةً، إذ تظهر براعة الشاعرِ رغم اشتراكه مع شعراء آخرين في المعاني، أما الصياغة فيراها تفردا شعريا لا يمكن استنساخه. وباستقراءه لجهود العرب في قضية السرقات، خلص به الأمر إلى أن دراسة السرقات دراسة منهجية، لدى النقاد العرب، لم تظهر إلا بعد قيام الخصومة حول أبي تمام، لأن المؤلفات التي ظهرت قبل ذلك، كانت لا تزال تخلط بين السرقة ومفاهيم أخرى؛ كالاستيحاء واستعارة الهياكل والتأثر، وعندما يحصل الخلط يُظلم الشاعر ويحرم من الإنصاف على أنه شاعر أصيل.

         وأما الفصل الرابع فقد تمت الإشارة فيه إلى ما يتصل بتلقي مندور للشعر العربي القديم، وهذا التلقي لم يتخذ مظهرا واحدا، كما الشأن بالنسبة للنص الشعري العربي الذي لم يستقر على معايير جمالية واحدة، فأول تلق للشعر العربي القديم، الجاهلي منه والأموي، لدى مندور، كان مظهره الاندماج، وهو ما أشرنا إليه في المبحث الأول، بحيث توقفنا في مطلبين أولهما المضمون الشعري والثاني الصورة الشعرية، باعتبارهما معيارين وراء اندماج أفق تلقيه. وفي المبحث الثاني عرضنا في مطلبين أيضا تجليات تخييب الأفق لدى مندور، والأمر يتعلق بأفق إنتاج أبي نواس وأفق إنتاج أبي تمام، الشاعرين اللذين لم يحظيا برضا ناقدنا مندور. لكن أفق  توقع مندور لم يكن منغلقا، إذ سرعان ما تبين أنه قابل للتعديل، لذلك جاء المبحث الثالث للبحث في المعايير التي تقف وراء هذا التعديل، وهو ما تبدى في ثلاثة مطالب أولها يتناول معيار الأصالة، إذ رحب مندور بأفق إنتاج المتنبي كشاعر ناجح في مسايرة تطور الكتابة الشعرية بعد الشعراء الجاهليين والأمويين. واستمر تعديل الأفق، لدى مندور، من خلال تعرفه على معايير جمالية جديدة أبان عنها الشعراء الرومانسيون الوجدانيون، وهو ما تمت معالجته في مطلب معيار الذاتية. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل راح مندور يكشف عن أفق قرائي واسع تجسد ذلك في اندماجه مع الشعراء الواقعيين، الذين مارسوا فعل الكتابة الشعرية وفق ميولاته الإيديولوجية، إذ تحولت معتقدات مندور، بعد انخراطه في الحياة السياسية وتشبعه بالفلسفة الاشتراكية، لهذا الأمر أفردنا مطلبا ثالثا بعنوان معيار الواقعية. وقد جاءت الإشارة إلى هذا التعديل الحاصل في أفق مندور، نحو الشعر الحديث، عرضا، لأن دراستنا تقتصر بالدرجة الأساس على النص القديم، لذلك تجاهلنا، عن وعي، شواهده الشعرية الحديثة الكثيرة، إلا ما كان من باب التمثيل.

          وهو ما يفيد أن مندورا  يهم إلى غربلة تراثنا الشعري، إذ أبان عن اندماج أفق توقعه إزاء النص الشعري القديم، الجاهلي منه والأموي، فهُما بالنسبة له خيرُ ما أنتجتِ العربُ، ومرد اندماجه يعود إلى مقاييس شعرية تتلخص في صدور الشعر القديم عن مضمون شعري إنساني أصيل، حيث إنه مستمد من الحياة البسيطة التي يعرفها المتلقي الجاهلي، كما أن الشعراء الجاهليين والأمويين، أبانوا عن اقتدارهم على نقل محيطهم بلغة إيحائية تطفح بالعفوية والصدق. وهذا ما يعكس بدقة أن الناقد محمد مندور تلقى الأعمال الشعرية بأفق واسع يمتلكه جراء تراكم هائل وتاريخ طويل من المقاييس والرؤى، ومن خلال ذلك فقد عبر عن تفاعله الإيجابي المتمثل في استجابة الاندماج. لذلك نسجل أن التلقي الإيجابي لنص شعري قديم يعكس خلود النص وقابليته لتأويلات عديدة.

         وعلى النقيض مما سبق، أعرب مندور عن تخييب أفقه إزاء شعر المولدين، الذي انزاح عن معهوده على مستوى الخصائص والمقومات، التي كان يستند إليها عند قراءة الشعر القديم، فالشعر المحدث وما عرفه من ابتذال وإسراف في توظيف البديع، كان مدعاة لمندور للتعبير عن تخييبه، لا ينم ذلك عن تعصب، وإنما لعدم قدرة المولدين على كتابة شعر يحظى بالجدة مضمونا وصياغة. وقد تناول على وجه التحديد شعر أبي نواس، وتبدى له أنه ليس بأفق إنتاج بديل للشعر القديم، لكونه ليس بتجربة أصيلة، كما أن مضامينه التافهة لم ترق الجمهور العربي منذ العهد الذي كتب فيها. كما يزعم مندور أن أبا تمام لم يؤسس لأفق إنتاج بديل، يحدث تغييرا في أفق توقعه، لعدم قدرة الشاعر على الخروج من قبضة القديم، إذ إن إسرافه في البديع لا يعتد جديدا، بل مظهرا من مظاهر التكلف، ويتضح ذلك أكثر في رده العنيف على المعجبين بشعر أبي تمام.

          لكن هذا التخييب لا يفيد أن مندورا ذو أفق نقدي منغلق، بل منفتح على آفاق إنتاجية أخرى بديلة، عرفها تاريخ الكتابة الشعرية العربية، تمثلت بالدرجة الأساس، في شعرية المتنبي، فقد أبان مندور عن قابلية تعديل أفقه، عند استحسانه لشعر المتنبي، لما تضمنه من ابتكارات، سواء أتعلق الأمر بالوسائل الفنية أم بالمعنى، فهو شاعر أصيل خلافا لما ذهب إليه خصومُه، وهنا يكون مندور قد جعل من الأصالة معيارا لتعديل الأفق. والشأن نفسه عند الحديث عن أفق إنتاج الشعراء الرومانسيين، إذ أعرب مندور عن إعجابه بهذا الشعر لجعله الذات محور إبداعه، فهو شعر مهموس يكشف عن نغمات حارة تنبع من صميم وأعماق الشاعر، وجماليته تتجسد في معانيه الإنسانية  التي تهز وجدان المتلقي المتذوق. بيْد أن الأفق القرائي السالف الذكر سيعرف تعديلا من جديد، بمجرد انخراط مندور في العمل الحزبي والسياسي، وتعرفه إلى الفكر الاشتراكي، ثم تشبعه بمذهب الواقعية النقدية، الذي كان منتشرا في البلاد العربية لاعتبارات تاريخية وحضارية، وهو ما جعل مندورا يستجيب لهذه التطورات التي عرفتها الحياة الراهنة، إذ أصبح ينادي بشعر الوجدان الجماعي بدل الوجدان الذاتي.

              ويأتي الفصل الخامس للوقوف عند الحوار الجاري بين الناقد محمد مندور ونقادنا العرب القدامى، إذ قُسم الفصل إلى ثلاثة مباحث؛ تناول المبحث الأول مفهوم القارئ لدى مندور، بناء على تلقيه للنص القديم، حيث تم الاقتصار في ثلاثة مطالب على القراء القدامى الذين نالوا إعجابه، وقد اكتفت الدراسةُ بشكل مفصل بثلاثة قراء؛ أولهم الآمدي والثاني القاضي الجرجاني، والثالث عبد القاهر الجرجاني. والدافع، أيضا، أن هؤلاء النقاد الثلاثة تناولوا النص الشعري بشكل موضِعي يسمح لنا بدراستها في ضوء مفاهيم نظرية التلقي. ثم اتتقلنا إلى المبحث الثاني مناقشة فعل القراءة الوارد في الموازنة والوساطة والدلائل، ومدى اندماج أو تعارض مندور مع النقاد أصحاب المؤلفات المشار إليها. وانتهينا في المبحث الثالث الأخير إلى مستويات التلقي عند القدامى كما يراها مندور، وقد قسم المبحث أيضا إلى ثلاثة مطالب أولها يعالج التلقي الفني، والثاني يتطرق إلى التلقي اللغوي، والثالث يتناول التلقي الإيقاعي.

        وصفوة القول، انتهى بنا مندور، إلى تقويم التلقي النقدي العربي، وذاك في مرحلته النقدية الأولى، حيث التلقي الذوقي مسيطرا على ثقافته النقدية، لذلك نجده يُشيد بالقارئ التأثري، كما الحال عند الإشادة بالآمدي قارئا نموذجيا لما توافرت فيه من موضوعية واقتدار على تبرير تأثراته عند فصله بين الشاعرين البحتري وأبي تمام، اللذين كانا سببا في نشوب معركة نقدية متوهجة، وهو خلاف ما نجده في رد فعله إزاء قراءة الصولي. ثم تقديره للناقد القاضي الجرجاني، الذي تمكن من الرد على قراء شعر المتنبي، خصوما كانوا أو معجبين، وفي وساطته تجليات واضحة للقراءة القائمة على الذوق المعلل، عكس نقادٍ آخرين كالحاتمي وابن عباد وابن العميد. ولا ننسى الاندماج الكبير مع الناقد التأثري عبد القاهر الجرجاني، الذي وظف منهجا لغويا (فيلولوجيا) في تلقيه النقدي للنص الشعري، وأنه ظل مقتنعا بأن النص الأدبي يستوجب قراءته في ضوء الاقتناع بأن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ بل مجموعة من العلاقات، وهي خطوة هامة للتمييز بين أساليب الشعراء، وهذا يتمشى مع ما ينادي به روادُ المدارس الألسنية الحديثة، وبالأخص الرائدين فردناند دي سوسير وأنطوان ماييه. ويستخلص مندور أن الفضل في مقاومة شكلية قدامة بن جعفر وأبي هلال العسكري، يعود إلى عبد القاهر الجرجاني من خلال فلسفته اللغوية، حيث إن نظرية النظم صححت منزلقات عدة، أهمها الفصل بين اللفظ والمعنى.

          ويبرر مندور اندماجه مع ما ورد في الموازنة والوساطة والدلائل، بما يتكشف فيها من قراءة تنم عن معاشرة النص العربي بشكل مستمر، حيث إن أصحابها يستندون إلى الذوق المدرب المعلل، كما أن مقاييسهم مقاييس لغوية وشعرية وإنسانية، ففعل القراءة في الموازنة كما الحال في الوساطة و الدلائل، لتضمنها نقدا موضعيا تطبيقيا، يقف عند جمالية اللفظ أو العبارة ويثير المزيد من المشكلات، وتلكم هي القراءة التي ينادي بها إيزر. على عكس ما هو وارد في الطبقات لابن سلام، والشعر والشعراء لابن قتيبة، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر والصناعتين لأبي هلال العسكري.

          وبناء عليه، يعكس اندماج أفق توقع مندور مع الآمدي، ميلهما، معا، إلى الشعر القديم عموما، وشعر البحتري على وجه الخصوص، وكذا استهجانهما، معا، لشعر المولدين المتمثل في شعر أبي تمام، و ذلك عن تعليل وليس عن تعصب وهوى، كما يعكس اندماج أفق توقع مندور مع القارئ القاضي الجرجاني، تأكيد مندور لميله إلى شعر المتنبي، اعترافا بأصالة الشاعر المتمثلة في ابتكاراته، وتخلصه من التقليد.

          ويتجلى ثراء التلقي النقدي القديم، لدى مندور، في كونه يعتمد مستويات عدة للتلقي، فالأمر لا يقتصر على جانب واحد من جوانب النص الأدبي، كالإشارة إلى آلية الذوق، بل القراءة تشمل مختلف عناصر القصيدة الشعرية، فقد وجدنا المستوى الفني، حيث الحكم على جمالية النص الشعري انطلاقا من جودة التصوير. ثم المستوى اللغوي والنحوي، إذ إن اعتماد الناقد العربي على ذخيرته اللغوية والنحوية لا تفيد أنه معياري يفرض على الشاعر الالتزام بجملة قواعد، بل توظيف تلك الآليات كان بهدف كشف جمالية النص الشعري، واستجلاء أسراره، كما تتكشف جمالية النص الشعري لدى الناقد العربي القديم من خلال مستوى آخر، يتجسد ذلك في القراءة المعتمدة على عنصر الموسيقى، وهو ما يراه مندور أيضا، إذ إن الموسيقى الشعرية أداة للتعبير،، قد تفوق في أهميتها اللفظ أو الصورة.

        ونختم الرسالة بخلاصة تركيبية تتضمن نتائج البحث وأبعاده. ويلي ذلك ثبت بالمصادر والمراجع المعتمدة في البحث، ثم فهرس لفصوله ومباحثه.

       ولا نخفي أن هذا العمل المتواضع، كانت وراءه تحديات، حيث إن بعض مؤلفات الدكتور محمد مندور مفقود، إذ لم تُعد دور النشر طبعها من جديد، وهو ما أشار إليه ابنه طارق مندور عندما استفسرته عن ذلك، فقد أكد لي أنه في طور إعداد كتب لأبيه ليست موجودة في المكتبات. دون أن ننسى قلة المراجع التي تناولت مندور في علاقته بالتراث الأدبي القديم، إذ كان مجملها يركز على تناول مندور كشخصية نقدية لها أهميتها في تنظير النقد العربي.

        ومهما يكن، فطبيعة البحث العلمي تفرض أن يصبر الباحث على مكارهه، ويتحمل كل المعاناة التي تنجم عن انشغاله بموضوع تجاوزت مدته خمس سنوات، لكن من حسن حظي، أني وجدت إلى جواري الأستاذين الدكتور عبد الرحيم الرحموني والدكتور محمد الواسطي. واعترافا بفضلهما علي، بعد الحق سبحانه، أجدد لهما الشكر وجميل التقدير. وجزاهما الله عني خير الجزاء.

       كما أتوجه بجزيل الشكر وجميل التقدير لأعضاء اللجنة العلمية المناقشة، مقدرا ما أنفقوه من وقت وجهد في سبيل تقويم الرسالة وتقييمها، وما سيفضلون به علي من ملاحظات وإرشادات وتوجيهات تدعم البحث وتفيد البا%D