أزمة الحداثة العربية … د. محمد علواش

نقف في هذا المقال عند مجال هيمن عليه التحديث الغربي بشكل واضح، وتجلى فيه بكل خلفياته ومظاهره، ونعني به المجال الأدبي والفني، حيث نجد القوانين العلمية التي تخضع لها المسائل التجريبية بمثابة معيار تقاس عليه وتخضع له القضايا الفنية عند أصحاب نظرية الحداثة الأدبية، فهؤلاء يظنون أن قوة الفن وجاذبيته وجماليته ليست نابعة من معاييره الذاتية والرمزية، بقدر ما هي ثمرة للقيم العقلانية الإيديولوجية التي يحتويها، ثم إنهم نظروا إلى مجمل الآداب والفنون، وما شملته الثقافة الشعبية عامة، على أنها تجسيد لقيم تقليدية قديمة، تعبر عن الجمود والرتابة والفقر والتأخر، ولمواجهة هذا الوضع جعلت الفنون والآداب والرمزية الغربية الحديثة باعتبارها مثالا للقيم الحية وللحضارة والتقدم والعقلانية، وبالتالي الإبداع والتوليد، ومن هنا أصبح الانفتاح على الغرب وآدابه هو ذاته وفي ذاته، نظرية في الجمالية وفي التجديد الفني[1]، ولهذا يزعم أحد الحداثيين العرب أنه “لم تطرح الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة إلا ضمن إشكالية خاصة بها، فهي لم تكن صورة عن الحداثة الغربية، بل كانت محاولة عربية لصياغة الحداثة داخل مبنى ثقافي له خصوصياته التاريخية، ويعيش مشكلات نهضته فجاءت الحداثة العربية حداثة نهضوية، إنها إطار التكسر الثقافي –الاجتماعي- السياسي، ومحاولة تجاوز هذا التكسر بالذهاب إلى الأمام…[2]“، فالحداثة في نظر الكاتب لا علاقة لها بالحداثة الغربية، وإنما نشأت في ظل الخصوصية التاريخية للثقافة العربية، وهي محاولة لتجاوز مخلفات الماضي بعد أن فقد شرعيته، ونظرة إلى مستقبل نستطيع فيه إيقاف الإبادة القادمة.

ويتفق شكري عياد مع هذا التوجه الحداثي بصيغة التعميم، إذ يبين أن الحداثة أصبحت عقيدة فنية لدى النخبة المثقفة وشباب الفن في مشرق العالم العربي ومغربه، ومخرجا مناسبا من حالة الضياع التي أصابتهم بعد شعورهم الحاد ب”سقوط الحلم العربي، [وعجزهم] المطلق عن الحركة الفاعلة، كما يؤكد أن للحداثة العربية جانبها الإيديولوجي باعتبارها ثورة النخبة، وباعتبارها ثورة نخبة، فإن الحداثة بمعناها العربي والغربي على السواء “تتجه إلى تدمير عمد النظام”، ومن الطبيعي أن يجيء التعبير الفني الذي تنتجه الحداثة “رفضا قاطعا للتقاليد الفنية السابقة، بل رفضا أيضا لفكرة التقاليد نفسها، وتأكيدا للحركة المستمرة في الفن كالثورة المستمرة في السياسة[3]“، وهذا الكلام فيه ربط واضح بين الحداثة العربية والغربية، فكلاهما ينحو إلى تدمير”عمد النظام”، كما يربط بين الحداثة والإنتاج الفني والأدبي الذي تفرزه، ومن الطبيعي أن يكون هذا الإنتاج كرد فعل عن الواقع ورفض له من جهة، وحركة إلى الأمام من جهة أخرى، وهذا الربط يبرر خيار الحداثيين عموما، سواء كانوا عربا أم غربيين، وهو رفض التقاليد الفنية السابقة، بل رفض فكرة التقاليد نفسها، وهو تمرد سوف يفسر فيما بعد الكثير من أفكار البنيويين والتفكيكيين، ولكنه خيار يضع بعض البنيويين العرب، أو قل معظمهم في حقيقة الأمر، في موقف يناقضون فيه المبادئ الأساسية للحداثة، ويتناقضون مع أنفسهم حينما يرفعون شعار “الأصالة والمعاصرة”، ويحاولون إعادة قراءة التراث من منظور حداثي[4]، أو العثور على مفردات الحداثة داخل التراث الثقافي العربي، ويعتبر “عز الدين إسماعيل” من الرواد الذين سطروا كتابات عن الحداثة العربية، فهو وإن كان لا يصرح أن الحداثة العربية ترجع أصولها إلى الحداثة الغربية، إلا أن إنتاجه الفكري يربط بين الحداثة والواقع الثقافي الغربي بكل ما أفرز من تغيرات هزت النظام المعرفي، وأنتجت قيما جديدة فرضت نفسها على المبدع، حتى أصبح ما هو وهم وما هو حقيقة على قدم المساواة، ومن هنا [كما قال أحد الكتاب الغربيين] فقد الكتاب ثقتهم في كل نظام أو فلسفة أو مبدأ أخلاقي أو عقيدة دينية، فجاءت إنتاجاتهم ضربا من اللعب وسيلته اللغة، لا يقيم وزنا لتقاليد سابقة أو لأعراف أدبية قارة، أو يلبي رغبات فطرية متواترة، أو يستهدف تحقيق أغراض المتلقي[5]، وهذه الإفرازات جاءت في ظل التقدم العلمي السريع منذ النصف الثاني من القرن 19م، ثم الإنجازات التكنولوجية المذهلة، في ميدان الصناعة، كما امتدت هذه الإفرازات لتشمل حقل الأدب، فأنتجت بدورها أدبا جديدا، وحصلت تغيرات على لغة النقد ترجع إلى سيطرة نظريات التلقي، والأهمية المتزايدة التي أصبح يكتسبها القارئ والناقد باعتباره منشئا للنص الأدبي ومبدعا له، ويتضح هذا الأمر من المصطلحات والمفردات التي يستعملها الحداثي العربي، فهي لا تخلو من رموز وإشارات شديدة التعقيد وإبهام وغموض، في الوقت الذي تتميز به اللغة العربية بالعبارات السهلة.

للاطلاع على النسخة الكاملة

شارك برأيك