الرؤية النقدية عند المبرد

د. المعتمد الخراز

يمثل “سؤال التراث”، هاجسا يسكن كل باحث معاصر، سواء من يشتغل به تحقيقا ودراسة، أم من يشتغل بقضايا وظواهر حديثة. ذلك أن التراث حاجة معاصرة، تستدعي قراءته والوعي به، وليس حنينا إلى الماضي، أو حالة وجدانية، تنتهيان بنا إلى الإقامة فيه.

من رحم “سؤال التراث”، ولد موضوع هذا البحث، ليكون مساهمة في إعادة قراءة تراث المبرد النقدي قراءة معاصرة، تتوسل بمنجزات المناهج النقدية الحديثة، وتروم التحرر من إسار القراءات السابقة، دون التنكر لاجتهاداتها وإضافاتها.

أما عن علاقتي بتراث المبرد فترجع إلى نهاية التسعينيات من القرن الماضي، عندما شرعت في إنجاز بحث جامعي، اقتصرت فيه على دراسة كتاب “الكامل”، فكان هذا البحث مناسبة للاطلاع على أسئلة المبرد النقدية الكبرى، التي يمكن صياغتها في: سؤال القدم والحداثة، وسؤال أدبية النص، وسؤال المنهج. والحق، أن هذه الأسئلة التي شغلت تفكير المبرد النقدي في القرن الهجري الثالث، لا زالت محافظة على راهنيتها، ولا زالت تمثل أسئلة الناقد المعاصر.

من هنا، فإن هذا البحث الذي عنونته بـ”الرؤية النقدية عند المبرد”، يسعى إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، وذلك من خلال مراعاة السياق التاريخي والثقافي الذي تشكلت فيه هذه الرؤية، مع استحضار السياق المعاصر للقراءة. وهو أمر حاولت القيام به من خلال الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية، وهي:

1- ما هي منابع الرؤية النقدية عند المبرد، وكيف تشكلت؟

2- ما هي أنساق هذه الرؤية؟

3- ما هي تجلياتها؟

وتجدر الإشارة، إلى أن هذا البحث، الذي أطمح فيه إلى قراءة تراث المبرد قراءة جديدة، هو في حقيقته يمثل حلقة من حلقات ممتدة، اهتمت بتراث المبرد، قديما وحديثا. مثل كتاب “الكامل” مدارها، لأنه حظي لدى القدماء، مشرقا ومغربا، ومنذ القرن الهجري الرابع، بعناية تجلت في مجموعة من الشروحات والحواشي والتنبيهات والمختصرات. أما في العصر الحديث، فيمكن أن نعتبر تحقيق المستشرق وليم رايت لكتاب “الكامل”، عودة جديدة لهذا التراث، ستتمثل في توالي تحقيقات هذا الكتاب وطبعاته، واكتشاف غيره من مخطوطات المبرد وتحقيقها، ثم إنجاز مجموعة من الدراسات حولها.

لكن رغم هذا الاهتمام بتراث المبرد، فإني وجدت جهوده النقدية لم تحظ بالعناية الكافية من طرف الدارسين المحدثين، لأن ما أنجز حولها، ظل “انتقائيا” و”تجزيئيا”.

من هنا تأتي مشروعية هذا البحث، الذي يروم الكشف عن نسق الخطاب النقدي عند المبرد، وتحديد الرؤية النقدية التي كان يصدر عنها.

ومن أجل تحقيق هذه الغاية، حددت لبحثي تصميما، افتتحته بمقدمة حددت فيها دوافع البحث، والأسئلة التي يروم الإجابة عنها.

ثم وضعت مدخلا، بدأته بالإجابة عن سؤال اعتبرته أساسيا، وهو: هل كان المبرد ناقدا؟ وهو سؤال طرحته بعد أن وجدت الدارسين على تباين في موقفهم من الجانب النقدي في تراث المبرد، فكانت خلاصة النظر في آراء هؤلاء، التمييز بين اتجاهين:

1ـ الاتجاه الأول ينفي صفة “الناقد” عن المبرد، ويذهب إلى أن ما في كتاباته من إشارات لغوية ونحوية، لا يعبر عن اشتغال بالنقد الأدبي وقضاياه.

2ـ أما الاتجاه الثاني فيمكن أن نميز ضمنه بين فريقين:

أ- فريق ركز في دراساته على كتاب “الكامل”، واعتبر المادة النقدية الموجودة فيه محدودة، لا تجعله يرقى إلى مصاف الكتب النقدية في القرن الثالث الهجري.

ب- وفريق اعتبر المبرد أحد ممثلي النقد العربي في القرن الهجري الثالث، وسعى إلى الكشف عن موقف المبرد من مجموعة من القضايا النقدية، واستخراج منهجه في النقد، وحصر مصطلحاته النقدية.

وتأتي مشروعية الإجابة عن السؤال الذي انطلقت منه، وعرض مواقف الدارسين منه، من كون البحث يسعى إلى أن يخطو خطوة أبعد مما انتهى إليه هذا الفريق من الباحثين، الذي أثبت صحة انتماء المبرد إلى قبيلة النقاد. وتتحدد هذه الخطوة في لم شتات آراء المبرد النقدية الموزعة في كتبه، والبحث عن خيط ناظم لها، من أجل الكشف عن رؤيته النقدية، بدل أن نبقى أمام مجموعة من الآراء الجزئية والمنفصلة.

لذلك، قمت بعرض نقدي للدراسات الحديثة التي أنجزت حول المبرد، فكانت النتيجة أن ميزت ضمنها بين اتجاهين:

أولهما يمكن وسمه بـ”الاتجاه اللغوي النحوي”؛ وهو اتجاه يجد في كتابات المبرد، بحثا لغويا من حيث كونه يقوم على شرح الكلمات، والبحث عن أصولها، والإتيان بشواهد على معانيها… وهو اتجاه يجد في هذه الكتابات أيضا، بحثا نحويا وصرفيا، من حيث اهتمامه بالإعراب، وتخصيصه أبوابا للقضايا النحوية والصرفية، ومناقشته لإشكالاتها…

ونحن نرى أن أصحاب “الاتجاه اللغوي النحوي”، قاموا بمقاربة كتابات المبرد وفق مفهوم “القراءة التجزيئية”، وهو ما يتضح أكثر عندما نجد أن الاهتمام ظل منصبا على أقوال للمبرد مبثوثة في مجموعة من المصادر، أو على دراسة كتابه “الكامل” دون غيره من تراثه.

أما الاتجاه الثاني فيجد في كتابات المبرد “منحى جماليا”، وهو ما تجلى في شرحه “للنصوص” و “تفسيرها”. ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن اهتمامه بالجوانب اللغوية والنحوية، إنما جاء للكشف عما تخبئه تلك النصوص من جمالية.

وعلى الرغم من أهمية إشارات هؤلاء النقاد إلى المنحى الجمالي في كتابات المبرد، إلا أنها ظلت في نظري عبارة عن انطباعات، وأحكام عامة غير قائمة على التعليل والتتبع، كما أنها لم تتمكن من نسج خيوط آراء المبرد النقدية في نسيج واحد يمكن أن نصطلح عليه بـ”الرؤية الجمالية”.

لذلك آثرت في هذا البحث اعتماد مفهوم “القراءة النسقية”، وهي قراءة تتوخى الكشف عن الخيط الناظم لتراث المبرد، والمنطق الداخلي لخطابه النقدي، من خلال مراعاة مختلف القطاعات المعرفية التي ساهم فيها. وتقوم هذه القراءة على تكامل مستويات هذا الخطاب، الذي ميزت ضمنه بين ثلاثة مستويات، وهي: مستوى النقد النظري، ومستوى النقد التطبيقي، ومستوى النقد الضمني (الاختيارات).

وتسعى “القراءة النسقية”، إلى ربط عناصر الخطاب بعضها ببعض (المصادر، والمصطلحات، والقضايا النقدية)، لتتخذ بذلك موقعا مخالفا لمفهوم “القراءة التجزيئية”، التي تفصل عناصر الخطاب المشار إليها. وتخالف مفهوم “القراءة القطاعية”، التي تنظر إلى كل قطاع معرفي بمعزل عن قطاع آخر.

إلى جانب ما سبق إن القراءة النسقية تروم مقاربة خطاب المبرد النقدي، باعتباره نسقا لا ينفصل عن نسق أكبر، هو نسق الخطاب النقدي القديم، دون إنكار لكل أطروحات القراءة السياقية.

ومن أجل تحقيق ذلك، قسمت البحث إلى ثلاثة أبواب، وسبعة فصول، وقد جاءت على النحو التالي:

الباب الأول: تشكل الرؤية

الفصل الأول: مصادر الرواية

الفصل الثاني: سمات الرواية

الباب الثاني: أنساق الرؤية

الفصل الأول: بنية الاختيارات

الفصل الثاني: أسس الاختيار

الباب الثالث: تجليات الرؤية

الفصل الأول:جماليات الأسلوب

الفصل الثاني: المفاضلة

الفصل الثالث: القراءة والتأويل

4 تعليقات على “الرؤية النقدية عند المبرد”

  1. بوركت الانارات التي تنير عالمنا العربي… عمل في غاية الروعة وكيف يمكن الحصول علي نسخة منه
    اخوكم ابو العز. من فلسطين

  2. مبارك عليك اخي الكريم الاطروحه وارجو منك مساعدتي في الحصول على نسخة منها وبورك فيك

  3. ألف مبروك أخي المعتمد و بالتوفيق و الاستمرارية إن شاء الله تعالى.أتمنى الاطلاع على هذه الأطروحة.و أتمنى أن يوفقك الله إلى طبعها.

شارك برأيك