الهجرة والهوية والتعددية الثقافية

في سياق فعاليات الدورة الثانية لربيع العلوم الاجتماعية التي انطلقت يومه السبت 26 مارس 2022 بإفران بمشاركة نخبة من الباحثين والجامعيين من مختلف المؤسسات الجامعية الوطنية توزعت أشغال هذه الورشة العلمية الثانية المنعقدة على الساعة الرابعة والربع عصرا، والتي ترأس الأستاذ الباحث بجامعة محمد الخامس بالرباط الدكتور جمال فزة، والمعنونة ﺑ” الهجرة والهوية والتعددية الثقافية”، على خمس مداخلات موضوعاتية على الشكل التالي:
المداخلة الأولى:
• ذة. أمينة زوجي، طالبة باحثة، جامعة محمد الخامس، الرباط: “إشكالية التطرف لدى شباب المهجر: محاولة للفهم”.
في تعاطيها لسؤال التطرف لدى شباب المهجر ذكرت الباحثة أمينة زوجي بسياق إشكالية التطرف الذي ابتدأ منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، إذ اتجهت أنظار العالم صوب الإسلام والمسلمين معتبرة إياهم مصدرا للتطرف والإرهاب. وتعرضت في دراستها لإشكالات الهوية والاندماج والدين، وذلك في محاولة منها لفهم مسارات التطرف لدى الشباب وتفسير شروط إنتاج السلوك المتطرف في علاقته بأشكال التدين والهوية والاندماج.
وقد خلصت الباحثة إلى أن ظاهرة التطرف الديني لدى الشباب المهاجر لا يمكن الاستناد في تفسيرها إلى عامل واحد، بل يجب التوسل بمقاربات متعددة، ذلك أن حالات التطرف تعكس تجارب فردية نفسية واجتماعية وثقافية مختلفة. وكشفت نتائج الدراسة أن معظم المتطرفين الذين قاموا بعمليات جهادية في فرنسا وغيرها اتبعوا مسارات متشابهة إلى حد ما كانوا يعيشون بالضواحي والأحياء المهمشة. إلا أن كل ما ينتج عن هذا العيش من هشاشة وتفكك أسري وفشل دراسي لا يدفع دائما أصحابه إلى التطرف والإرهاب. ويبقى رهان الاندماج عنصرا مهما يقي العديد من الشباب من الارتماء في دروب الجنوح والتطرف.
المداخلة الثانية:
• د. عبد الرحمان الزكريتي، أستاذ باحث، ذ. مولاي أحمد دريسي، طالب باحث، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان: “الهجرة السرية نحو أوروبا والهوية المنقذة: حالة شباب قلعة مكونة من الجنوب الشرقي المغربي”.
أثار الباحث في مداخلته سؤال الهجرة السرية بوصفها لحظة إغراء لتحسين أحوال العيش. واستهل فرشه النظري بالتذكير بتعدد محددات الهجرة الدولية بدءا من النظرية الكلاسيكية للدفع والجذب، ومرورا بالنظرية التي تجعل من الروابط الاجتماعية محددا للفعل الهجروي، وانتهاء بمقاربة النوع الاجتماعي والبيئة وسياسات الهجرة وغيرها. لينتقل الباحثان فيما بعد إلى مفهوم الهجرة السرية والإشكال الذي يثيره. واستدعى في مقاربته للموضوع مفهوما مركزيا هو مفهوم الهوية، متوسلا به لمحاولة فهم وتفسير مختلف أشكال التفاوضات التي يمارسها المهاجر بوصفه فاعلا في سبيل العبور إلى الضفة الأخرى.
لقد حاولت هذه الدراسة من خلال استدعائها للمناهج الكيفية الكشف عن أن الهجرة السرية بقدر ما تبدأ كهجرة للتخلي عن هوية والالتحاق بأخرى، تتحول من حيث هي كذلك للحظة صانعة لهوية/ هويات أخرى تتعدد بتعدد السياقات، الأمر الذي يحيل على تفاوضات الذات بما تفرضه الوضعيات الصعبة التي يعيشها المهاجر. إن هوية الما بعد /عبور هذه تتطلب التفاوض للإفلات من شبكات المهربين وعصابات قطاع الطرق وحرس الحدود، الأمر الذي يجعل منها مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهو ما عبر عنه المشاركون في البحث. وستستمر هذه المغامرة، مغامرة التخلي عن هوية لامتلاك أخرى طالما لم تتموضع القيم الإنسانية الكونية لتصير النواة الصلبة لقوانين كل بلد، فتمحى بموجبها الحقوق الأساسية لكل المواطنين والعابرين والمهاجرين.

المداخلة الثالثة:
• Dr.Fatima Zahra Bouachrine, Enseignante chercheuse, FLSH AC Casablanca : Gnaouas, migration et acculturation des symboles et rites: approche socio-anthropologique
تناولت الباحثة فاطمة الزهراء بوعشرين في دراستها جماعة كناوة، مبرزة تاريخ هذه الجماعة وجذورها الإفريقية وهجراتها التي أنتجت تثاقفا للرموز والطقوس باعتمادها لمقاربة سوسيوأنثربولوجية. وقد أشارت إلى أن كناوة دائما ما يجدون شرعية لهويتهم الثقافية داخل المجتمعات التي يحيون فيها، على الرغم من طقوسهم واحتفالاتهم وممارساتهم الموسيقية غير المعتادة والتي غالبا ما تكون في الهامش. وقد تمكن كناوة عبر فترات زمنية طويلة من أن يعيدوا إنتاج أنفسهم استجابة لاعتبارات سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية. ومند بداية القرن العشرين عمل العبيد المحررين على الاتجار بقدراتهم على العلاج مع المغاربة من خلال “البركة” مقابل الهبات. ويمكننا القول بأن كناوة حافظوا على عدد من طقوس أجدادهم فضلا عن معتقدات هؤلاء والتي تترجم عبر التقاليد الموسيقية الفريدة لهذه المجموعة الاجتماعية المتميزة.
وفور انتهاء مساهمات المتدخلين تفضل السيد رئيس الجلسة بفتح باب التفاعل الذي عمل على تثوير النقاش وتوسيع وجهات النظر بخصوص قضايا وإشكالات الهجرة. وقد اتفقت مجمل المداخلات على التحولات التي عرفتها الهجرة. هذه الديناميات الهجروية تجعل من الهجرة موضوعا مركبا وعرضانيا يجعل مقاربته تستدعي استحضار مختلف التخصصات المعرفية في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

شارك برأيك