الإعلام بين إدارة الأزمات وصناعتها

بقلم: د. خالد الخاجة

الأزمة هي لحظة حرجة لا تنفع معها الحركة الروتينية المعتادة؛ لأنها لحظة غير معتادة تتطلب سرعة الحركة واتخاذ القرار السريع، عبر بث المعلومة، التي في غيابها تكثر التكهنات، كما أن غياب المعلومة يوحي بأن هناك شيئا ما يتم إخفاؤه أو الخشية من الإعلان عنه، وهذه بداية تصاعد الأزمة وخروجها عن السيطرة.

وتختلف الأزمة عن المشكلة، التي لا تتحول إلى أزمة إلا إذا تم تجاهلها أو حلها في بدايتها ثم تناولها إعلاميا بشكل سلبي، أي أن بداية الأزمة تصدر عن وسائل الإعلام، وهنا تكون بداية النشر. ولأن المدرسة الإعلامية الغربية تعيش على الأحداث المثيرة وغير المألوفة، وكذلك على الأزمات باعتبارها تحوي قصصًا إنسانية تشد القارئ أو تثير فضوله؛ فافتتاح مستشفى أو بناء عشرة آلاف مسكن أو تعبيد طريق، لا تحتل العنوان الرئيس من الصحف، عكس تسرب النفط من عَبّارة أو غرقها أو انخفاض أرضي أودى بحياة مئات الأسر، أو أزمة اقتصادية أو انهيار للبورصات.
وبالتبعية فإن هذا هو حال إعلامنا العربي، الذي لم يرد أو لم يستطع أن يضع لنفسه خارطة تختلف عن المدرسة الغربية، التي تقدم مادتها إلى جمهور يختلف في تكوينه الثقافي وفي إطار يختلف.
إن إعلامنا العربي سار على نفس خطوات الإعلام الغربي، فأصبحت الأزمات هي الزاد الذي يعيش عليه، باعتبارها تصنع جماهيرية المقدم الذي يريد أن يصفق له الجمهور، وكذلك القناة التليفزيونية أو الصحيفة، على اعتبار أنه كلما زادت الإثارة زادت نسبة المشاهدة، وبالتبعية زاد إقبال المعلن عليها. وفي حال وجود أخطاء فلا بأس في أحسن الأحوال من الاعتذار، أو حتى التعديل دون تنويه أو اعتذار، فالقارئ أو المشاهد سريع النسيان، وكيف له أن يتذكر في ظل تلك الزحمة والضجيج الذي لا ينقطع!
لذا، فمن يتابع ما تنشره بعض الصحف أو تبثه الفضائيات العربية المتخمة ليلا ببرامج “التوك شو” التي تسبب عسرا للفهم وارتباكا في المشهد الإعلامي على عموميته، رغم أن بعض هذه البرامج لها دور لا ينكر في إيصال صوت المهمشين وإلقاء الضوء على ساكني المقابر في بعض البلدان، إلا أن صناعة الأزمات أصبحت زادا يوميا يصدر للمشاهد، سواء بين الدول بعضها البعض أو بين مكونات المجتمع الواحد.
ألم تقم وسائل الإعلام ببث حالة من الفزع، من مرض انفلونزا الطيور وانفلونزا الخنازير، وأغلقت المدارس أبوابها في بعض الدول خوفا على أبنائها من هذا المجهول، الذي قيل عنه إن له دورة ثانية وثالثة يتحور فيها، للدرجة التي تم خلالها حصر مبدئي لما قد يقع من ضحايا في كل مرحلة بشكل مفزع، ليتضح لنا بعد ذلك أن تلك الأمراض رغم وجودها، إلا أن تقديمها بهذا الشكل كان ظاهرة إعلامية في المقام الأول، ثم اختفى الحديث عنها وكأن شيئا لم يكن، بعد أن حققت شركات العقاقير العالمية أهدافها وسوقت ما لديها من مخزون.
إن الخطورة تأتي من أن بعض الفضائيات والصحف في عالمنا العربي، تتبع المدرسة الشعبوية للإعلام، إن جاز التعبير، وهي مدرسة تلعب على مشاعر الجماهير في كل الحالات، سواء كانوا على صواب أم خطأ، وهنا تفقد الوسيلة دورها التنويري والتوجيهي والإرشادي. ثم يأتي انتزاع الكثير من النصوص من سياقها وتقديمها للجمهور، أو تعظيم حالات فردية وتقديمها على أنها ظاهرة، فضلا عن إشاعة حالة من الإحباط العام، وهو من أخطر الأزمات التي يصدرها الإعلام للمشاهد.
إن كثيرا من الحروب يبدأ على شاشات التليفزيون قبل أن يبدأ على أرض الواقع، كما أن العلاقات بين الدول تديرها شاشات التليفزيون أحيانا قبل السفارات والهيئات الدبلوماسية، بل إن الدبلوماسية في أوقات كثيرة تستنزف كثيرا من طاقاتها في رتق الخرق وجبر الكسر، وإطفاء الحرائق التي يشعلها بعض الإعلاميين عبر الفضائيات العربية، وهم يقاتلون في قضايا وهمية أو يسعون لمصالح ضيقة أو بطولة زائفة، بصرف النظر عن علاقات الشعوب ومصلحة الأمة.
وهنا أقول إن إدارة الأزمة تتطلب من المسؤول أن يكون على صلة بوسائل الإعلام، وأن يكون هو المصدر الرئيس للمعلومة؛ لتنقطع ـ بالتالي – المصادر التي تجتهد في ما لا تعلم، وأن يملك شجاعة الاعتذار عن الخطأ إن حدث، بما يضفي له المصداقية، وبما يجعل الأزمة – أحيانا – فرصة للتصحيح إذا تم تجاوزها بشكل سليم؛ على اعتبار أن السم الذي لا يقتلني يحييني، خاصة وأن الأزمة قد تؤرق أو تعيق عمل المؤسسة المعنية بها لفترة، لكنها لا تقضي عليها، شرط أن تملك مهارة مخاطبة الجماهير ووسائل الإعلام.
ففي إحدى الأزمات شاهدت متحدثا رسميا خرج على الناس ليهدئ من روعهم عبر مؤتمر صحفي، وإذا به يعامل الحضور وكأنهم في فصل دراسي؛ فيمنع من لديه هاتف نقال ويهدد الآخر بالطرد ويطلب من الثالث ألا يتحدث، ولم يبق غير أن يوقفهم على الحائط كالتلاميذ! وكانت النتيجة أن خسر لسوء تصرفه، تعاطف الإعلام والرأي العام معا. وهنا أتذكر أحد رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، وكان لا يجيد التحدث إلى الإعلاميين، حين قال بأسلوب غير مباشر لمستشار له: “كيف تساعدني على إزالة بقعة التبغ التي على لساني؟” في إشارة إلى رغبته في التحدث بود ولطف.
لذا، فمن الأهمية بمكان أن يكون هناك فريق لإدارة الأزمات يحدد متحدثا رسميا، يجسر العلاقة بين المؤسسة التي ينتمي إليها وبين مختلف وسائل الإعلام، ويمدها دائما بالحقيقة الأولى التي يصعب محوها في غالب الأحيان…
وفي التعامل مع الأزمات ليس المهم ما حدث، ولكن المهم ما يعتقد الناس أنه حدث، وهذا يحتم أن يتم التعامل مع ما يتصورونه هم، لا وفق تصوراتنا نحن؛ حتى لا نكون في واد وهو في واد آخر، وأن يضع المسؤول نفسه مكان الجمهور، لكي يستطيع أن يتفهم مشاعرهم ويتعاطف معها، ويشعرهم بأنه معهم، وأن يخاطبهم بما يحبون أن يسمعوه، لا من باب امتصاص غضبهم وحسب، بل من باب مد جسور الثقة بين أطراف الأزمة، وهذا هو الأهم لما يليه من إجراءات.
إن الإعلام في العالم العربي لا يجب أن يكون صانعا للأزمات أو مصدرا لها، كما أن الأدوار المنوطة بوسائل الإعلام في أوطاننا لا بد أن تتوافق وطبيعة الظروف المحيطة بنا، فضلا عن السعي للبناء لا الهدم، وطرح القضايا الحقيقية، دون افتعال قضايا وهمية واللعب بمشاعر المشاهدين وعقولهم، وتغليب الصالح العام على المصالح الضيقة.. هنا يستطيع الإعلام بحق أن يدير الأزمات، لا أن يصدرها ويقتات عليها.

* عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية، جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

المصدر

شارك برأيك