اللغة والعنف … مصطفى العادل

مصطفى العادل: باحث ماجستير – جامعة محمد الأول (المغرب)

لما كانت اللغة هي الوجود كله -حسب تعبير أستاذنا الفاضل الدكتور بدر المقري- استطاعت أن تختزل العالم بأكمله في جوفها، بشساعته وضخامته، وبماضيه وحاضره، فكانت قبلة لكل الباحثين في مختلف المجالات والعلوم، ومدار الحياة الانسانية على هذا الكوكب، إذ اللغة هي الحياة، والحياة هي اللغة، والفصل بينهما ضرب من الخيال، وهذه الحقيقة تجعلنا نقول بشيء من الحكمة الأرسطية:
إذا كانت الحياة بالتفاعل والتواصل
فإن التواصل والتفاعل يتم باللغة
ومن تمة فالحياة هي اللغة واللغة هي الحياة
إنها حقيقة لا يمكن أن ننكرها، بل نجد أنفسنا مضطرين للعودة إليها في كل وقت وحين ما دامت هي اساس الحياة الانسانية، القائمة على التفاعل والاحتكاك اليومي، فلما كانت اللغة أهم وسائل هذا التفاعل، ارتبطت بمختلف المشاعر والأحاسيس البشرية المتقلبة، فلغة الحب والفرح والغضب والعنف تختلف فيما بينها، انطلاقا من الحمولة التي يتميز به كل نوع على آخر.
ومما اثار انتباهنا ونحن نتصفح المكتبة العربية، وجود عناوين للكتب بحمولة عنيفة، بمعنى آخر أن عناوينها تشعر القارئ بنوع من الرعب، وكأنها تهديد يقع على أذن السامع بثقله الكامل، والحق أن الحديث عن اللغة من هذه الناحية يفتح أمامنا أبوابا كثيرة في قضية اللغة، وانطلاقا من المسلمة التي بدأنا بها نقول: إن الحديث على اللغة لا يمكن إتمامه مادامت اللغة هي الوجود كله، لأن الوجود شاسع غير منته.
إن اللغة والعنف أو العنف اللغوي، شكل آخر من أشكال العنف، بل أقسى أنواعها وأشكالها، ثم إن العنف بكل أقسامه لغوي قبل كل شيء، فالحرب والثورة والقمع والقسوة والقتل والتشريد في حد ذاتها أصوات عنيفة قبل معناها الواقعي المعبر عن أحداث وأفعال عنيفة، وهو الأمر الذي يدركه حتى غير العربي بمجرد وقوع هذه الأصوات على أذنية. ويمكن لك أن تقارن بين الألفاظ في (أ) و (ب)، لتشعر بالفرق.
أ‌- (حسن- جميل- ورود- حب- سلام- تفاؤل- صديق- رجمة- غيث- أزهار- ابتسامة…)
ب‌- (قمع- قبيح- رعب- رهب- ظلم- كره- عدو- حرب- عذاب- مطر- حزن…)
إذا تأملنا بشيء من الدقة هذه الألفاظ، سنلحظ أن تمة شيء ما يميز بين التي وردت في (أ) والتي وردت في (ب)، بل يمكننا التمييز بين الأشياء الحسنة والسيئة، انطلاقا من الأصوات المشكلة لكل لفظة منها، وذلك أن كل لفظة منها تحمل أصواتا وحركات عنيفة، تؤدي معنى عنيفا كلما غلبت على مكوناتها تلك الأصوات.
ومن جهة أخرى فإننا غالبا ما نلجأ إلى اعتماد اللغة العنيفة في تواصلنا لتحقيق مجموعة من الأغراض، وهو الشكل الجلي في خطاباتنا اليومية وتفاعلاتنا مع الآخرين، والمتأمل في سير الأبطال عبر التاريخ، سوف يقف على جملة من الخطابات التي غيرت المواقف والأحداث، وربما غيرت العالم لحمولتها العنيفة ورسالتها التهديدية.
إن اللغة بإمكانها أن تعطينا الصورة الحقيقية للآخر ، لذلك يتم تحليلها لمعرفة مدى قوة الخصم وضعفه، لذلك من الصعب أن يتم السطو أو غزو الآخر دون قراءة لغته وخطابه، باعتبار هذه الأخيرة من علامات قوته وضعفه. ثم إن الخوف من الآخر وخشيته راجع إلى نوع اللغة التي يعتمدها ويتفاعل بها.
من جمالية التأليف عند العرب قديما، حسن اختيارهم للعناوين، إذ العنوان هو المفتاح الأول والأهم عند القارئ، وهو ما يجعله أحيانا يختار بعض الكتب انطلاقا من عناوينها، من هنا كان العنوان الوجه الأمامي للكتاب، والصورة الأولى التي يصادفها القارئ وهو يتصفح المكتبات المختلفة والمؤلفات العديدة، مما يجعل الكاتب أمام اختيار كبير وهو امتحان اختيار العنوان.
نعود من جديد للوقوف عند موضوع اللغة والعنف في التأليف العربي، وقد اخترنا الاكتفاء بعنوان واحد، تأكيدا لما ذهبنا إليه وهو كتاب (الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية)، لأبي الربيع نجم الدين الصرصري الحنبلي (تـ 716ه)، وقد كان الهدف من وراء تأليفه كما أشار في المقدمة، بيان فضل العربية والرد على منكري فضلها ممن أخذتهم العصبية الشعوبية، والغرض الذي يهمنا هنا لا يتعلق بالكتاب في ذاته أو فضله بقدر ما يهمنا العنوان المثير للعنف، أو بالأحرى العنوان بحمولته القاسية، ولا عجب أن يشعر القارئ بشي ما ينتابه عند قراءة العنوان، لأنه مكون من ألفاظ كالصعق والغضب والنكران، وكلها أصوات عنيفة، بإمكان أي قارئ أن يشعر بالتهديد الذي يحمله كل صوت من أصواتها.
لما كانت اللغة هي الوجود، كان من الطبيعي أن يتغير هذا الوجود بتغير اللغة، والآن بإمكاننا أن نقول غن تدمير العالم وتغييرة كان باللغة، وعلى اللغويين التفكير في سبيل آخر ليتخلص العالم من هذا الخراب.




رأي واحد حول “اللغة والعنف … مصطفى العادل”

  1. بارك الله فيكم لم يكتف البحث بيان أهمنية اللغة وخطورتها في نفس الوقت، كما فتق آفاقا جديدة للبحث والتوسع في الأفكار.

اترك ردا