الصورة والآخر في النص الأدبي

سكينة عبد اللوي علوي : طالبة باحثة في سلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب 

حظيت مقولة الصورة قبل أن تصبح مفهوما في ميدان النقد و النظرية الأدبية بعناية الفلاسفة أمثال “أفلاطون” وأرسطو” ،ثم انتقلت من حقل الميتافيزيقا إلى مجال المعرفة لتدخل في جوهر التفكير المعرفي الحديث ،ليجد مفهوم الصورة صداه ضمن الدراسة الأدبية و البلاغية و البنائية و الدلالية وعليه فإن”دراسة الصورة لم تقتصر على الأدب، بل شملت حقولا معرفية مختلفة أيضا،لهذا عانت مثل أي دراسة في مجال العلوم الإنسانية من بعض الانحرافات فقد ركزت بعض الدراسات اهتمامها على جماليات النص الأدبية دون الانتباه للتحليل الثقافي التاريخي” وإنه لمن البديهي قبل الخوض في كل هذا إعطاء لمحة عن مفهوم الصورة وقد ورد في لسان العرب لإبن منظور “باب الراء فصل الصاد”: صور: في أسماء الله تعالى: المصور: و هو الذي صور جميع الموجودات و رتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة و هيئة مفردة يتميز بها على اختلافها و كثرتها” و جاء في مقاييس اللغة لابن فارس: “و من ذلك الصورة صورة كل مخلوق، و الجمع صور، و هي هيئة خلقته. و الله تعالى البارئ المصور، و يقال: رجل صير إذا كان جميل الصورة…” أما في المعجم الوسيط: فالصورة: الشكل، و التمثال المجسم، و في التنزيل العزيز: “الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك…” و صورة الشيء ماهيته المجردة و خياله في الذهن أو العقل .”
إن أول ما قد يلاحظ على التداول العربي للفظ “الصورة” هو اقترانها بمعاني المحسوس والمجرد معا، حيث تكتسب صفة الظاهر “من دلالتها على الهيئة” و “الصفة”، و تكتسي صبغة الباطن عندما تتضمن فعل “الخلق”.
و الظاهر أن تسديدات لفظ “صورة” العربي، تلك، تشترك مع مقابلاتها الأجنبية في الإحاطة بمعاني الخفاء و التجلي، إذ نجد صيغتي “image و Figure تستعملان للدلالة على قيم التشكيل و التحسين و إعادة الخلق في آن، و ترتبط أصولهما الاشتقاقية بقيم معنوية يلتبس فيها الحسي بالمجرد.وبهذا قد تعددت المنابر التي تطرح السؤال” ما المقصود بالصورة؟ترتبط الصورة حسب معجمي littré وrobert بميدان الفن، فهي تعني التمثيلreprésentation التشكيلي والتصويري لشخص ما .هذا هو معناها الحقيقي.أما معناها المجازي فتشير إلى وصف شفوي أو مكتوب لشخص ما؛ وقد شاع استعمال هذا المصطلح في البلاغة اللاتينية حيث يدل عند ‘بيير فونطاني’ أحد ممثليها البارزين في القرن 19 على الوصف المعنوي والمادي لكائن حي سواء أكان حقيقيا أو خياليا، وتنقسم الصورة la portrait إلى نوعين يختص أولهما بالجانب الجسدي للموصوف (الوجه الجسد الملامح…) ويسمى la prosopographie بينما يهتم الثاني بأخلاقه ومزاجه أو بصفاته المعنوية بشكل عام ويسمى l’éthopée وقد انتقل هذا المفهوم إلى حقل الدراسات الأدبية ليعين الوصف الذي تحظى به الشخصيات في العمل الروائي، وبانتقاله فقد جزء من معناه فأصبح يشير إلى الشخصية لا إلى الشخص.والفرق بينهما هو نفس الفرق الموجود بين الخيال الأدبي والحقيقة الواقعية” .وقد ارتبطت الصورة بالكثير من الحقول إذ لم تقتصر على جانب أوحد بل كان لها نصيب ضمن الفلسفة وعلم النفس وغيره إذ إنها “شكل متوسط من المعرفة يجمع بين الإدراك و الذاكرة و الخيال… و هي فضلة لتجربة سابقة… و معنى كامل يكونه قصد يستند إلى معرفة… فالصورة الذهنية لا يمكن أن يكون لها وجود من غير المعرفة التي تؤلفها، أي أن المعرفة تحقق في الصورة الذهنية التكامل البديهي في هيئة موضوع محدد.
وهكذا ومن خلال ما سلف فإن للصورة مكانة متميزة في كل حقل على حدى ورغم هذا التباين إلا أن الأمر يصب في مجال أوحد إذ “تمثل الصورة عادة بوصفها أثرا مستشريا، يرافق الذهن مددا طويلة، وقد يمتد العمر كله محفزا الخيال على نسج احتمالات المعنى.وقد يكون فكرة منبعثة من سديم التفاصيل.هذا إن استبعدنا الرصيد الجمالي بتعبيراته المختلفة.والشيء الأكيد ان الصور تكتنز بطول التأمل والتدبر وإعمال الفكر، وتحبل بطول العشرة .فللصورة حياة موازية لحياة متلقيها ولها حكايات جديرة بأن تروى” . كل ما سيق لا يؤكده بوضوح إلا ما جاء به ابن عربي من خلال نظرته للصورة ولتمثلاتها إذ يورد عنها مايلي:”لولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العقلية”
ويمكن القول بأن تبلور معنى الصورة قد بدأ في مجال الدين. فكانت الصور في المسيحية داخل الكنائس وداخل المعابد تأخذ معنى الآلهة وتتجه إلى معنى القدسية مثل صورة الآلهة المصرية في الفترة الفرعونية الدالة على عظمة الآلهة وكبرها. فتعتبر مقدسة بالنسبة للفراعنة كما أخذت الصورة دورا آخر في المسيحية أصبحت معه تبرز معنى الرمزية مثال صورة الصليب، أما عند المسلمين، فقد تبلورت بشكل خاص من خلال الجدل الذي أثارته بعض الآيات التي تشبه العناصر الحسية بأخرى معنوية.لتنتقل بذلك إلى حقول أخرى برزت بجلاء.إن تمثل الصورة في النص الأدبي الروائي والشعري يجعل من هذا المفهوم حاضرا بكل مقاييسه الفنية والجمالية، من هنا استمدت الصورة قوتها وجعلت من نفسها موضوعا خصبا للنقاش والمدارسة.وفي ذلك يقول “د.ماجدة حمود”:”بناء على ذلك لا نستطيع أن نستهين بالصورة التي يشكلها المبدع عن ذاته أو عن الآخر في نصه الأدبي، فهي فعل ثقافي ترتسم من خلاله تفاعل الذات مع الآخر.فيتم معرفة الذات بقدر معرفة الآخر.من هنا تأتي ضرورة دراسة مادة هذه الصورة الثقافية ودلالتها الإنسانية.أي البحث عن وظيفتها ضمن العالم الرمزي بكل معطياته التخييلية وبكل ارتباطاته الاجتماعية أو الثقافية إذ بفضل الصورة التي يقدمها المبدع يستطيع المجتمع أن يرى مرآة أعماقه بما فيها من قبح وجمال ” .
لقد أنتجت الدراسات الأدبية والثقافية المعاصرة عددا من الثنائيات والمفاهيم التي يشتغل عليها الباحثون المهتمون بهذا المجال من الدراسات الإنسانية.من بينها ثنائية الأنا والآخر التي ينظر إليها بوصفها واحدة من أهم الثنائيات التي يشتغل عليها الفكر الإنساني والثقافة الراهنة، حيث تتجلى عبرها مختلف آليات الوعي الثقافي وانماطه وأشكاله، وتنمو من خلالها أيضا تقنيات وآليات واستراتيجيات عدة تصلح لأن تكون مقاربات ذاتية للمتخيل الإبداعي في طار تشكيل صورة الأنا ومحاولات إدراك ماهية الآخر، وذلك ضمن مثاقفة واعية تؤسس للتقارب لا التنافر بين الشعوب والثقافات والحضارات الإنسانية المختلفة من خلال متون أدبية متنوعة في الآداب المختلفة.ومن بينها الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية.الذي اخترنا من بينه رواية:”صيف في ستوكهولم”.
لقد اعتبر الكثيرون ثنائية الأنا والآخر من بين الإشكالات الكبيرة التي تؤرق مضاجعهم.ف”لم يقف التفكير الفلسفي منذ بداياته عن الخوض في مشكلة العلاقة بين الأنا والآخر ذلك أن التجاور إلى جانب وجود اختلافات في اللغة والمعتقدات والثقافات، قد بعث لدى الطرفين الرغبة في اختراق الآخر، وهو أمر أسهم أحيانا في خلق تعايش جيد وإيجابي بينهما، وفي أحيان أخرى باندلاع حروب وصراعات دامت سنينا طويلة. هكذا يمكن القول أن التفكير في الآخر نابع من وجود معطى أساس هو الاختلاف، فكل واحد منا يرى ذاته متميزا عن الآخر.لكن عدم فهم هذا التمايز قد يقود نحو نزعة مركزية تكون سببا في نشوء رغبة جامحة من أجل تدمير الآخر قبل أن يفكر في القيام بذلك”
وعليه، فإن العلاقة التي تجمع بين الأنا والآخر، هي علاقة جدلية لايمكن إلغاؤها أو تجاهلها.إذ إن طبيعة الحياة الإنسانية تدفع إلى نشوء مثل هذه الثنائيات ، وتجعل كل طرف منها شرطا لوجود الآخر وفهمه والاعتراف به؛ فهما طرفان منفصلان متصلان في نفس الآن.مقترنان ومتحدان.يقول “فؤاد كامل”:”يتحدث المرء عن نفسه عندما يتحدث عن الآخرين، ومن لم يستطع أن يتحدث عن نفسه لم يستطع أن يتحدث عن غيره.لذلك ترتبط مشكلة الغير ارتباطا وثيقا بمشكلة الذاتية والشخصية في تاريخ الفلسفة.ويستتبع الشعور القوي بالشخصية الشعور بالآخر كحد للمقاومة بوصفه القطب الذي تتجه إليه الذات” .وقد سعى عدة مؤلفين ومبدعين إلى استجلاء هذه الثنائية ومحاولة صوغها في قوالب أدبية فنية.ويعد “عبد الكبير الخطيبي”ضمن لائحة أولئك الذين يصبون اهتمامهم على هذه القضية الإنسانية التي شغلت مختلف الحقول المعرفية إذ”يتعلق الأمر عند الخطيبي بهجرة لا متوقفة للنصوص حيث تتداخل الأجناس وتتكسر حدود الحقول المعرفية والإبداعية لإنتاج نص متعدد ومتوتر الرموز.من هنا يأتي اهتمام الخطيبي.إبداعا وتنظيرا بقضايا التخيل والمتخيل، ففي كتابه صور الأجنبي في لأدب الفرنسي يحاور بعض النصوص الإبداعية الفرنسية ويلاحق مدى تمثلها للآخر والأجنبي والغريب.وحواره هذا ليس جديدا لأن كتابة الخطيبي منذ بداياتها، جاءت مسكونة بقضايا الآخر لاسيما وأنه يكتب بالفرنسية ”
لقد عرض لهذا الموضوع من قبل مفكرون وكتاب كثيرون ينتمون إلى بيئات وثقافات وخلفيات وأزمان متباينة، نذكر من بينهم على سبيل المثال: ‘الجاحظ’ و’الشهرستاني’ و’ابن خلدون’ و’كارل ماركس’ و’آرنولد توينبي’ و’رفاعة الطهطاوي’ و’رشيد رضا’ و’محمد عبده’ و’مالك بن نبي’ و’فرانز فانون’ و’جان بول سارتر’ و’إدوارد سعيد’…أما في مجال القصة والرواية بصفة عامة، فقد كان لموضوع العلاقة بين الأنا والآخر، مكانة بارزة في عدد من الروايات والأشكال السردية الأخرى التي أبدعها ثلة من الروائيين والمؤلفين في شتى أنحاء العالم. نذكر من بين تلك الأعمال العالمية التي عرضت لإشكالية العلاقة بين الأنا والآخر – على سبيل المثال – رواية ” قلب الظلام ” للكاتب البولندي الأصل الذي كان يكتب باللغة الإنجليزية “جوزيف كونراد”، ورواية الكاتب الفرنسي “البير كامو” بعنوان: “الغريب” L’Etranger، ورواية الكاتب الإنجليزي ” ادغار مورغان فورستر”: ” ممر إلى الهند” أو A Passage to India ، ورواية ” التجربة الغامضة ” L’Aventure Ambiguë للكاتب السنغالي ” شيخ حامدو كان” ، ورواية: “الأشياء تتداعى” Things Fall Apart للكاتب النيجيري “تشينوا أشيبي”،” بالإضافة إلى رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، وروايات عربية أخرى كثيرة عرضت لقضية جدل الأنا والآخر قديما وحديثاً، مثل رواية ” ثلاثية غرناطة ” لرضوى عاشور” .

اترك ردا