من أوراق ملتقى "التعديلات الدستورية في الدول العربية"

ضمن أعمال الملتقى الدولي الذي نظمته جامعة حسيبة بن بوعلي بالجزائر حول التعديلات الدستورية في الدول العربية على ضوء المتغيرات الدولية الراهنة، يومي 18 و19 دجنبر 2012، شارك الباحث الدكتور محمد منار بدراسة حول التعديلات الدستورية بالمغرب. وقد بلغ مجموع الدراسات المقدمة في هذا الملتقى 60 دراسة.

ففي دراسة جديدة له بخصوص دستور فاتح يوليو 2011 أكد الباحث محمد منار أن الإشكال الدستوري بالمغرب ليس إشكال تأويل أو تنزيل فقط، ولكنه إشكال نص دستوري بالأساس، إذ لا يمكن الحديث عن تأويل أو تنزيل ديمقراطي لمضمون دستوري غير ديمقراطي، بل إن وجود نص ديمقراطي كان سيعفينا من كثرة الحديث عن التأويل أو التنزيل الديمقراطي، فإشكال التأويل أو التنزيل الذي يثار حاليا سببه الأساس أن النص الدستوري لم يكن ديمقراطيا، لذلك إذا كان هناك اليوم من يناضل من أجل تأويل وتنزيل ديمقراطي للدستور، فهل يمكن تحقيق ذلك إذا كان نص الدستور غير ديمقراطي؟ وهل يمكن الحديث عن دستور ديمقراطي إذا كانت الممارسة السياسية والدستورية التي أنتجته غير ديمقراطية؟

وتحدث الباحث عن المفارقة التي طبعت سياق المراجعة الدستورية ، بحيث أن حركة 20 فبراير كان لها دور واضح في التسريع بذلك، بالنظر إلى ما كان يعرفه العالم العربي، لكن رغم أن الحركة استطاعت أن تفرض مراجعة الدستور، فإنها لم تستطع تحقيق دستور ديمقراطي، نظرا لمجموعة من العوامل التي وقف عندها محمد منار في دراسته. وبخصوص الأحزاب السياسية سجلت الدراسة موقف الإذعان لدى جلها، بحيث لم تغتنم الفرصة للضغط على المؤسسة الملكية في اتجاه تحقيق دستور ديمقراطي، بل يلاحظ أنها انتقلت من موقف الملتمس من الملك إصلاح الدستور إلى موقف المنبهر بما طرحته المؤسسة الملكية في خطاب 9 مارس، هذه الأخيرة التي استمرت في تعاليها بخصوص المسألة الدستورية، بحيث رغم انفتاحها على بعض الشخصيات والفاعلين، فإن ذلك لم يكن من منطلق كونهم شركاء دستوريين، ولكن فقط من كونهم ملتمسين أو خبراء.

وبعد أن أشار الباحث إلى مجموعة من الملاحظات الهامة بخصوص مسار إعداد دستور فاتح يوليو وشكله ميز في دراسة المضمون الدستوري بين منهجين؛ منهج المقارنة ومنهج المقايسة أو المعايرة، ليسجل أن بعض الأبحاث والدراسات ذهبت إلى مقارنة دستور 2011 بدستور 1996، لتستنتج أن الدستور الجديد أتى بمقتضيات جديدة ومتجددة مقارنة مع سابقه، وأحدث تغييرا بنسبة عالية. وإذا كان ليس بمستطاع أحد أن ينكر بعض الإيجابيات التي أقرها دستور 2011، خاصة فيما يتعلق بتوسيع اختصاصات البرلمان، وتوسيع مجال الحقوق والحريات،إلا أن إمكانية المقارنة نفسها مع دستور 1996 تؤكد أن دستور 2011، رغم ما عرفه من جديد، لم يخرج عن إطار الدستور السابق. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن من يرون أن التغييرات الجزئية في المجال الدستوريمن شأنها أن تحدث تطورا مستمرا، من دستور إلى آخر، غاب عنهم أن دستور 2011 لم يحمل من جديد بخصوص بعض المقتضيات سوى الرجوع إلى أول دستور عرفه المغرب بعد الاستقلال، أي دستور سنة 1962، بل إن بعض المقتضيات الأخرى لم تبلغ حتى ما كان منصوصا عليه في ذلك الدستور، ولعل أوضح مثال على ذلك ما يرتبط بسلط الملك في مجال المراجعة الدستورية. و في انتقاده دائما للتعسف في استعمال منهج المقارنة في الدراسات الدستورية أشار الباحث إلى أن هناك من يرى في السلطات المخولة للملك في المغرب تشابها وتقاربا مع الاختصاصات المخولة لرئيس الدولة في فرنسا. والحقيقة أن هناك بونا شاسعا، ليس فقط بالنظر إلى الاختصاصات الدينية والعسكرية والأمنية المخولة للملك، ولكن أيضا بالنظر إلى الشرعية التي تستند إليها تلك الاختصاصات. لينتهي إلى أن المقارنات الجزئية من شانها أن توصل إلى استنتاجات غير صحيحة، فمثلا هناك من يرى أن ما أضافه دستور فاتح يوليو للملك بخصوص المراجعة الدستورية، يبقى أفضل مما أقره الدستور الفرنسي للرئيس، بحيث اشترط الدستور المغربي مصادقة البرلمان في اجتماع مشترك لمجلسيه، بأغلبية ثلثي الأعضاء، في حين اشترط الدستور الفرنسي أغلبية من ثلاثة أخماس من الأصوات المعبر عنها، ومن المعلوم أن أغلبية الثلثين أكبر من أغلبية ثلاثة أخماس، مما قد يعني تقييد مبادرة مراجعة الملك للدستور أكثر مما هي مقيدة مبادرة الرئيس الفرنسي. هذا ما يمكن أن توصل إليه –حسب الباحث- المقارنة الجزئية والمتسرعة، في حين أن المقارنة الشاملة والمتأنية توصل إلى عكس ذلك تماما. فالدراسة المقارنة حسب محمد منار ليست بتلك البساطة التي يتصورها البعض، فإذا كان “مارسيل بريلو” ميز بشكل عام في إطار الدراسات المقارنة في مجال القانون بين “القانون المقارن حسب الزمن” “Droit comparé dans le temps”، وهو الذي يهم المقارنة داخل نفس البلد في أزمنة مختلفة، و”القانون المقارن حسب المكان” “Droit comparé dans l’espace” وهو الذي يهم المقارنة بين بلدان مختلفة، فإن أحد رواد الدراسة المقارنة في المجال الدستوري، الذي هو “بوريس ميركينكيوتزيفتش” اقترح بعدا ثالثا للمقارنة يتمثل في الدمج في نفس الآن بين المقارنة حسب الزمن والمقارنة حسب المكان. يقول “كيتزوفيتش”:” لدراسة النظام البرلماني الحالي في فرنسا، ينبغي مقارنته ليس فقط مع النظام البرلماني الإنجليزي، ولكن أيضا مع ذلك الذي عرفته فرنسا في الجمهورية الثالثة، للويس فيليب، ومع ما كان موجودا في انجلترا في القرن الثامن عشر، والقرن 19″.

وتوسلا بما أسماه الباحث بمنهج المعايرة أو المقايسة قاربت الدراسة دستور فاتح يوليو 2011 انطلاقا من مفهوم الدستور الديمقراطي لتخلص إلى أن صيغة “سيادة شعبية أقل مقابل حقوق أكثر”، قد تفيد في إظهار دستور 2011 بمظهر الدستور الديمقراطي، وذلك بالتركيز على بعض الجوانب دون أخرى، لكنها لا تفيد أبدا في الترسيخ الفعلي للديمقراطية، التي جعلتها الوثيقة الدستورية على مستوى منطوقها من الثوابت. فقد بقي المغرب، رغم ما عرفه من حراك سياسي ودستوري، دون المأسسة الديمقراطية.

4 تعليقات على “من أوراق ملتقى "التعديلات الدستورية في الدول العربية"”

  1. السلام عليكم فعلا كانت مشاركة الاخوة المغاربة على غرار المنار والطاهري وكذا لكريني دريس مشاركة فعالة ومثمرة وهذا بشهادتي أنا الدكتور غربي محمد رئيس الملتقى وصاحب الفكرة رفقة الاستاذة بدروني انيسة وكانت كلية الحقوق والعلوم السياسية لجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف صاحبة الفضل في تنظيم الملتقى وكذا التغطية المادية والبشرية وعلى العموم تمكنا على ضوء المشاركات المميزة للاساتذة من داخل وخارج الوطن من وضع اطار منهجي واكاديمي لتصور واضح لما يمكن ان يكون عليه اي تعديل دستوري ناجح على ضوء النماذج والتجارب العربية الراهنة وشكرا

  2. السلام عليكم
    الموضوع جميل وجديد ومهم للغاية. اشكر الاساتذة على هذا التجدد في التنوير والإفادة المهمة.
    للإشارة فإسم الجامعة هو : حسيبة بن بوعلي بولاية الشلف بالقرب من الجزائر العاصمة ، فقد كتب في المقدمة : حسية بن بوعلي بالجزائر ، للعلم فحسيبة بن بوعلي هي شهيدة من شهيدات الجزائر أثناء الثورة التحريرية الجزائرية.شكرا للشبكة وللجميع.

  3. ما تزال السياسة فى العالم العربى تعانى كثيرا من التحديات عبر تطور الدولة العربية الحديثة التى تتسم بالشكل المدنى، وما تزال ترزح تحت اشكاليات الحداثة والديمقراطية، على حين أن اعتى الديمقراطيات عبر العالم ما تزال تعانى فى مجتمعاتها التى نشأت بها كثيرا من المشكلات، والطبيعى أن منهجية البشر تعتمد فى معظم أحوالها على اجتهادات أصحابها، وأفكارهم ورؤاهم الخاصة, والذى لا شك فيه أن الديمقراطيات وليدة مجتمعاتها.
    نريد أن نؤصل ديمقراطية عربية تتمتع بدرجة كبيرة من الرضا المجتمعى والإنسانى، فى ظل مكون ثقافى عربى أصيل، متشبع بعادات وتقاليد مجتمعاتنا العربية.
    فهل حان الوقت لتشرق شمس الديمقراطية العربية الأصيلة، مستمدة من ثقافتنا، انها دعوة للتأمل حول ايقاعات ثقافية متنوعة متشابكة فى أعرافها وتاليدها، تعتمد على درجة من التجانس، يمثلها فى بعض الأحيان الاتفاق فى اللغة أو الموقع أو المعتقد، على اعتبار أن الثقافة بنت مجتمعاتها، قياسا على أن الإنسان ابن بيئته.
    انها دعوة لأن نحاول رؤية واقعنا العربى من منظور عربى، ونرىالواقع العربى من منظور التجريب، فكما نجرب الديمقراطية الغربية، فلا مانع أن نجرب الديمقراطية العربية، بشكلها القائم على الوحدات الثلاث السابقة التى تتمثل فى الدين واللغة والموقع.
    لو كان هذا هو القاسم المشترك فى الديمقراطية العربية، فلا شك أنها ستبتعد فى كثير من الأحوال عن الهوى الشخصى والرغبات الفردية، وتصبح الديمقراطية العربية بنت بيئتها، دون خلاف أو تنازع فى تفسير الرؤية الطبيعية للديمقراطية، كما نرى من خلافات حول تطبيقات الديمقراطيات الوافدة.
    ونؤمن كما يؤمن الزعماء العرب والسياسيون أن الديمقراطية العربية يجب أن تبتعد عن فكر الفرد الواحد، والذى قد يتمثل فى الزعيم أو الرئيس، والذى يرى فيه كثيرون أنه الشخص الملهم الوحيد القادر على صياغة لون من الديمقراطية.
    ان الوضع الذى تصل اليه البلاد العربية، والحالة هذه قائمة تصبح استمرارا للنظرية الميكافلية التى صار مكانها الطبيعى فى الكتب وعبر ارفف المكتبات العالمية، وان طرأ عليها شئ فانه لا يعدو الإشارة فى كتب الدراسة أو قاعات المحاضرات مع أبنائنا عبر قاعات الدرس والمدرجات.
    اتمنى أن تشرق شمس الديمقراطية قريبا على المنطقة العربية.
    دكتور/ السيد عبد المنعم حجازى.

  4. اشكر الاستاذ محمد منار على مداخلته القيمة، فقد كنت في الملتقى وكان فعلا في المستوى.

شارك برأيك