أسلحة العصر الجديدة وسؤال الدولة الوطنية الجديدة

  يوم الجمعة 11 يناير 2013، احتفل المغرب بذكرى تقديم وثيقة 11 يناير للمطالبة بالإستقلال. كان يوم عطلة، وكنت على متن سيارتي رفقة أسرتي متجها صوب مدينة سبتة المحتلة . كانت الساعة تشير إلى حوالي 10 صباحا، حينما أطلت علي مدينة الفنيدق التي كانت تحت رحمة حصار لم أعهده أو أسمع عنه قط. على الأقل في السنوات الأخيرة.

    كان الأمر أشبه بقافلة من السيارات الخاصة التي حجت من كل بقاع المملكة. الهدف، ولوج سبتة المحتلة قصد التبضع. لقد استغل المغاربة عطلة الاحتفال بحدث تاريخي ذي دلالات عميقة في النفوس، ليقلبوا أفئدتهم إلى أسواق سبتة التي تئن تحت وطأة الاستعمار.

     في حوالي 10.45 كنت على مقربة من المدخل المؤدي إلى مركز العبور. وهناك وقعت عيناي على شرطيين في سجال مع شخص كان يمتطي سيارته. أحد الشرطيين كان يردد في وجه المعني بأن عليه أن يختار بين أمرين اثنين. إما العودة إلى مدخل مدينة الفنيدق، والالتحاق بمؤخرة القافلة، أو سحب أوراق سيارته. لم يستسغ المعني موقف الشرطي فراح يقدم نفسه على أنه مسؤول كبير بديوان أحد الوزراء. وهو الأمر الذي جعل الشرطي يتشبت بموقفه فردد في وجه : ولأنك مسؤول بالديوان عليك أن تحترم هؤلاء المصطفين بسياراتهم منذ الساعات الأولى لهذا الصباح. أنصحك بالعودة إلى الفنيدق.

    في هذه اللحظة تحديدا، مرت من أمامي في الاتجاه المعاكس سيارة كانت على متنها شخصية سياسية مغربية راديكالية مرموقة ومعروفة.

   باختصار. كل مكونات الأمة المغربية، فضلت في يوم المطالبة بالاستقلال زيارة سبتة المحتلة، ليس لتحريرها أو المطالبة بذلك. وإنما للاستفادة من التخفيضات و التبضع. أو لقضاء مآرب أخرى كما كان الأمر معي .

    علينا أن نعترف، أن المناسبات الوطنية بالنسبة لبعضنا، ما عادت تسترعي الاهتمام الواجب. لقد خرج المغاربة من بيوتهم وهرولوا إلى أسواق المدينتين المحتلتين، ومنهم من طار إلى أسواق مالقة والجزيرة الخضراء..تاركا وراءه مناسبة وطنية.

   هل نعيش زمن موت الوطنية فينا وفي دمائنا و عروقنا؟، أم إنها تحولات جذرية تعرفها مكونات المجتمع المغربي؟. وإذا كان مسؤول الديوان الوزاري تخطي تراتبية قافلة السيارات في مثل هذه المناسبة الوطنية، فما عسى أن نقول عن بعض ضعاف الأنفس من أبناء جلدتنا؟ وما عسانا أن نقول عن أنفسنا جميعا؟.. هل أنستنا تخفيضات أسواق الإسبان مغاربة يعانون في صمت ويلات الاحتلال؟ أم أن الأخير تمكن منا في عقر دارنا؟..

     تعيش الإنسانية اليوم، تحولات جذرية تجعل أوجه المواجهة و الصراع، تعتمد آليات وأسلحة تقاس درجة خطورتها بأكثر من تلك التي تقاس بها أسلحة الدمار الشامل. وإذا كانت السيادة الوطنية تعني، عدم السماح لأي جهة خارجية التدخل في الشؤون الداخلية للدولة الوطنية ، فبماذا يمكن وصف الاكتساح الذي شهدته الأسواق الإسبانية من قبل المتبضعين المغاربة؟ أو ليس الأمر يتعلق بضخ ملايير من الدراهيم المغربية في الخزينة الإسبانية.. أوليس هذا شكل من أشكال تهريب العملة الوطنية؟ أوليس يعني المس المباشر بسيادة الدولة المغربية؟.

    لا جرم ، أن الأمر لن يختلف حوله اثنان. ولكنه أمر مشروع تكفله القوانين والأعراف لفائدة المعنيين بالتبضع وللدولة الإسبانية. ومن ثم لا يمكن لأي كان أن يشتكي إسبانيا لأي منظمة او هيأة دولية بهذا الخصوص، أو يشكك في وطنية المغاربة. ولكن الأمر يتعلق، بسلاح الجودة، وبحق المواطن في التنقل وحرية التبضع.

   وإذا كانت الجودة سلاح العصر في مجال التبضع والاستهلاك، ومن شانها أن تكسب أصحابها والدول التي تعتمدها في استراتيجيات المواجهة مع الخارج، فمن يحرك الثورات ويقودها اليوم في الوطن العربي؟ ومن يقود الصراع العربي الإسرائيلي؟، وقبل ذلك من قاد حرب الخليج الأولى؟وهل المواجهة في هذه الصراعات والحروب الدائرة، وقودها الناس  والحجارة والأحقاد والمصالح والرغبة في التغيير والإصلاح والتداول على السلطة؟، أم أن الأخيرة لا تعدو أن تكون شعارات غالبا ما ينتهي بها المطاف فتتحول إلى ممرات تعبرها الأطماع والقوى المعاكسة للوصول إلى الضفة المبتغاة؟ هل نمتلك آليات وأسلحة التمكن من  إحكام القبضة على السيادة الوطنية؟، وأمام الإرتباط الوثيق واليومي للمغاربة بمختلف وسائط الاعلام والاتصال، وبالقنوات الفضائية..  هل يمكن الحديث عن سيادة الدولة على إقليم من أقاليمها، سيما إذا كان سكانه مرتبطون بفضائيات تابعة لدول أخرى؟ وبغض النظر، عن المؤاخذات العديد والمتعددة المسجلة ضد قناة الجزيرة، هل يستطيع أحد منا أن ينكر بأنها تخدم أجندة الحكومة القطرية التي تمولها؟ ألا يمكن اعتبار المتابعة الاعلامية لقناة الجزيرة لما يحدث في بعض البلدان العربية، هو تدخل لدولة قطر في الشؤون الداخلية لهذه البلدان. لكن، لا يمكن لأحد أن يشتكي قناة الجزيرة أو يطعن فيها أمام أي من المؤسسات الدولية، لأن الإخبار وظيفتها . تماما كما أن التجارة وظيفة الأسوقة الإسبانية.

     إن العالم العربي، ومن ضمنه المغرب، يدخل عصرا جديدا. و لذلك، فاحتلال المغرب المرتبة الأولى إفريقيا في سلم انتشار الإنترنت، إلى جانب إحرازه المرتبة 36 عالميا على مستوى استعمال الفيسبوك،  كما صرح بذلك وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، هو أمر يدعو إلى الانتباه وتوخي الحيطة و الحذر، بشان مجموعة من التحديات والإشكاليات الكبرى، أكثر مما يسترعي الابتهاج والتفاؤل. ومثلما أنستنا أسواق الإسبان مناسباتنا الوطنية، وجرت مسؤولينا بدواوين وزاراتنا إلى ارتكاب مخالفات في السير، فقط لأجل تفادي تراتبية قافلة السيارات المتجهة نحو المدينة المحتلة. وجب التساؤل: هل إحراز المغرب لهذه المكانة مرده إلى تطور منظومتنا الإعلامية، أم إلى رغبة جامحة لذى المتلقى المغربي في البحث عن الجودة المفقودة؟ ما هي قيمة الفاتورة التي يكبدها هذا السبق في مجال الإنترنت والتواصل عبر الفايسبوك ومواقع التواصل الإجتماعي، للهوية ومكونات الأمة المغربية ؟.

      وبغض النظر عن  الانتقادات العلمية للعلامة الجليل، الأستاذ مصطفى بن حمزة، للبحث الوطني حول القيم والممارسات الدينية، الذي أنجز سنة 2007، والتي همت الجانب المنهجي لهذه الدراسة، فإن الواقع يؤكد أن الشباب المغربي يلجأ في الظرف الحالي إلى القنوات الدينية الفضائية العربية لتحصيل معلوماته الدينية. زد على ذلك، أنه في ظل انعدام حس تواصلي لمؤسساتنا الدينية والوطنية، تبقى العديد من المؤسسات المنتمية لهذا القطاع وجودها كعدمها إن لم نقل إنها تعمق من هول الأخطار المحدقة بالهوية والثقافية والثوابت المغربية. فكم هو تعداد الشباب المغربي الذي لا يعرف اسم وزير الأوقاف المغربي، وكم هو تعداد من يحفظ منه أسماء شيوخ الفضائيات؟

     إن من بين أبرز سمات هذا العصر الجديد الذي استفقنا عليه، تميزه بميلاد آليات وأسلحة جديدة تقود المواجهة والصراعات بين الأمم والشعوب، وتفرز قوى تنظيمية جديدة مقابل الأحزاب والنقابات التي لم تستشعر بعد أهمية الثورة المعلوماتية في تجديد خطاباتها، والتي عودتنا على  تسلم مقاليد التدبير، فيما  ستساهم هذه القوى الجديدة التي ستفرزها الأسلحة الجديدة، في خلخلة الأحزاب والنقابات وكل التنظيمات المنغلقة. وهل صدفة، أن تنطلق الثورات العربية من تونس؟ أم أن قدر البوعزيزي هو الذي جر البلاد العربية إلى هذا الحراك؟.. علينا في هذا الإطار، أن نتذكر أن تونس هي نموذج للدولة العربية التي تأسست على يد الحبيب بورقيبة المتشبع بمبادئ الجمهورية الثالثة الفرنسية ( تعليم وتحرير المرأة والعلمانية والحداثة..)، وبذلك، فالبوعزيزي كان يضع الحجر الأساس لبناء تصور جديد يعيد النظر في المرجعية المشرقية التي اعتادت على أن تسود في تحليل تطور العالم العربي. هذا يعني، أن المغرب العربي، ومن ضمنه المغرب، مؤهل في الظرف الراهن لإفراز مجموعة من التحولات الكبرى. وبذلك فالخوف كل الخوف من أن نمسي على مجموعة من الجاليات لها ثقافات مختلفة تحددها أسلحة العصر الجديدة.

    وما بين فرض الديمقراطية من الخارج، كما حدث بالعراق، وشعوب تقرر مصريها بوسائلها من الداخل، تتموقع وسائط الاعلام والاتصال على رأس قائمة الأسلحة الاستراتيجية التي تفرز التحديات والإشكاليات الكبرى التي تؤثر في هوية الأمم والشعوب وكينونتها. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، تجاهلها إن نحن اقتنعنا بفكرة بداية مرحلة جديدة في وطننا العربي. بدليل، بروز إسمي المعلوماتيين سليم اعمامو  في تونس ووائل غنيم بميدان التحرير. على أن هذه المرحلة تتميز بضرورة الدعوة إلى إعادة النظر في المرجعية المشرقية التي سادت تحليل تطور العالم العربي، والتي ارتكزت دوما على المؤامرة الأجنبية والمواجهة مع الكيان الصهيوني.

      التخوف من التحول إلى جاليات لها ثقافات مختلفة، أمر منطقي، تجسده الحركات الشبابية الراهنة التي يحركها وازع إعادة تأسيس التعاقد وفق مبدأ المواطنة وإعطاء الانطلاق الفعلي لورش بناء الدولة الوطنية الجديدة قبل التفكير في بناء الكيانات الواسعة. وما حدث في ليبيا هو تجسيد لهذا الواقع. وإسقاط الدولة الطائفية بلبنان هو تأكيد على أن الأمور إذا لم تتغير في بعض البلاد العربية، فإن أسلحة العصر الجديدة ستتقوى شوكتها وسيصبح التخوف أمرا ملموسا.

(*): مدير المركز المغربي للدراسات والأبحاث في وسائل الاعلام والاتصال، باحث في اللسانيات والترجمة والتواصل .

تعليق واحد على “أسلحة العصر الجديدة وسؤال الدولة الوطنية الجديدة”

شارك برأيك