الفضائيات والطغيان اللذيذ

لم يعد الاستعمار اليوم فقط جنسا واحدا على ما تعارفته الأمم السابقة من تجييش الجيوش وغزو أراضي الغير ونهبها وسلب ممتلكات أهلها، وإنما صار الاستعمار الخفي يدخل على الناس من حيث يشرعون له أبوابهم ويفتحون له أفئدتهم وصدورهم، بل ويحرصون على تثبيته والتفتيش عنه لتوطينه لأنه قَدِم على الناس ،وهم في غفلة عن القيم الحافظة، في صورة استعمار أو طغيان لذيذUn délicieux despotisme   كما يقول إكناسيو رامونيIgnacio Ramonet.

استعمار وسيلته الفضائيات المفتوحة بموادها ومفرداتها الثقافية السالبة التي يتحلب بسببها ريق المشاهد المحروم لما تعرضه من مغريات و”لذائذ” عبر إعلاناتها التي تحرص على تغيير سلوكنا يوميا جزئيا أو كليا، شيئا فشيئا تجرنا إلى دروب الاستهلاك اللامتناهية ، والتي تشبه لعبة المتاهة ، لا يكاد يخرج منها دَاخِلُها إلا بمعجزة.

إنها تجعل منا في النهاية كائنات استهلاكية بامتياز، كائنات هشة لا تتحكم في مصيرها ولا في واقعها، فهي تصبح مع إدمان المتابعة لوصلات الإعلان التي تقدمها بعض هذه الفضائيات العربية أسيرة رهان الإعلان ذاته الذي يرسم لنا خطوط ودوائر حاجاتنا الجديدة التي لم تكن قبل حاجات حقيقية، ولكن بمجرد المشاهدة يقع المرء تحت تخدير الإعلان، فيبدأ التغيير في الخلفية القيمية شيئا فشيئا، ويعاد ترتيب الأولويات وهندسة الحاجيات والكماليات بالصورة التي يريدها القائمون على الإعلان.

إن للإعلان في بعض فضائياتنا العربية قدرات هائلة على التدخل في أخص خصوصياتنا ومن غير أن نواجه الرسالة المُزَيِّفَةَ للقيمة التي كنا نؤمن بها أول الأمر بأسئلة التفكيك الكاشفة من قبيل مثلا: هل صحيح أن أولادنا يشعرون بنقص في آدميتهم لأنهم لا يمتلكون أحدث موضات أحذية الجري؟ وهل لابد أن ترزح الأسر ذات الدخول المنخفضة تحت ضغط شراء موضات معينة من الملابس كي يلقى أولادها قبولا اجتماعيا؟ وهل من الضروري أن تشعر المرأة دوما بأن البدانة ولون الشعر أيضا أسباب مرادفة لنقص جاذبيتها؟ وهل يجب على الرجل أن يستشعر العجز لأنه قد كتب عليه أن يكون أصلع؟ وهكذا..

إن الطغيان اللذيذ يتجلى أكثر ما يتجلى في الاستغلال البشع والسخيف لصورة عدد من المغريات وعلى رأسها المرأة ، حيث تصبح صورتها لصيقة بكل شيء معروض للبيع،فإذا كان الإعلان عبر الفضائيات العربية قد بات من لوازم النمط الجديد في تسويق الاقتصاد بكل منتجاته، فإن منظومة القيم الأخلاقية العربية والإسلامية ينبغي أن يكون لها حضور رقابي في هذه الصناعة بما يجعل من إعلاناتنا متميزة بالصدق لا بالكذب والمغالطة؛ وهي العملة النافقة في سوق الإشهارات اليوم، كما ينبغي أن يتميز بقدر كبير من مراعاة الحياء والذوق العام لا أن يجري خلف الأنماط الإعلانية  الغربية التسليعية للإنسان ماديا ورمزيا، فيقلدها وهي التي تُسَوِّق المرأة كما تسوق أرخص بضاعة على الرفوف. إذ صار أقصر طريق إلى عين المستهلك وجيبه إقحام أنثى كاسية عارية في الصورة الإعلانية  .

ومما أدت إليه الدراسات والبحوث في هذا المجال وخاصة تلك التي أعدتها إدارة الإعلام في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أن أجهزة الإعلام العربية تقدم المرأة في صورة ألف ليلة وليلة ،أي المرأة الغارقة في العطور واللآلئ والحلل، ترقص للرجل وتتمسح به وتجثو عند قدميه، وتستغل شركات العطور ومستحضرات التجميل ودور الأزياء وشركات صنع المفروشات وغيرها هذا الوضع فتتفنن في صوغ الإعلانات الدعائية التي تكون محل تنافس وتسابق بين المؤسسات التلفزيونية، كما تعمل هذه المؤسسات في حالات أخرى متأثرة في ذلك بالإنتاج الأجنبي ، على إظهار المرأة في ثوب عصري على آخر طراز، تدخن وتحتسي المشروبات الروحية وتغلب الرجال في الرياضات العضلية وفي الجري وغيره، وذلك كله لإقناع المستهلك باقتناء جهاز للفيديو أو بركوب سيارة فاخرة ، ومثل هذا النموذج للمرأة لا وجود له في الواقع العربي.

إنه لا يمكن أن يتم الترقي بمستوى الإنسان العربي في الإعلام الفضائي العربي إلا إذا جرى تغيير النموذج التحليلي المتحكم في سياسات هذه القنوات ، وهو أمر بعيد الحصول، لتعمد بعض الفضائيات العربية اعتماد هذا النموذج الذي ينظر إلى الإنسان باعتباره آلة وطاحونة صماء، بما تعنيه الكلمة من معنى بارد ومبرمج ومادي استهلاكي، ومتى بقي هذا النموذج التحليلي متحكما بقي قطاع كبير من الإعلام الفضائي العربي رهينا لصورة طاحونة القيم أو على أقل تقدير حصان طروادة للأفكار والقيم الغربية Trojan horse and media valuesعلى حد تعبير أحد الباحثين، هذه الأفكار والقيم الغربية  بمنزلة السلاح الفتاك للروح القومية والأخلاقية للشعوب المُسْتَقْبِلَةِ لها تحتاج إلى وعي ومسؤولية أخلاقية ،إذ “كلما كان السلاح الإعلامي أكثر تأثيرا وفاعلية كانت المسؤولية المترتبة على حمله أخطر وأشد حاجة إلى الكلمة الأخلاقية التي يتقرر بها مصير الشعوب”.

شارك برأيك