من حقوق الإنسان إلى حقوق الأسرة

تنبيه ضروري:

لا بد في البداية أن ننوه بأمر غاية في الأهمية من جهة إشكالية المفهوم الذي نتناوله بالتحليل والعرض، ألا وهو مفهوم “حقوق الإنسان”، إذ ما يزال كثيرون يعتقدون أنه من المفاهيم الكونية التي تحظى بإجماع واتفاق حول طبيعة المفهوم وحدوده، في الوقت الذي يثبت النظر الفاحص أن العالم غير متفق بخصوصه لأن رسمه داخل فيما يسميه الدكتور المسيري بالنموذج الإدراكي المتحيز، وفي خلط عجيب مريب بين الحاجات والحقوق ينطلق إشكال المفهوم،فالشعوب والمجتمعات تختلف اختلافا كبيرا حول ما تعتبره من”حقوق الإنسان” وما لا تعتبره كذلك. والسبب راجع إلى النموذج المعرفي لكل مجتمع، وهي بنية تصورية يجردها العقل البشري من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والوقائع والأحداث، فيستبعد بعضها لعدم دلالتها عنده، ويستبقي الآخر، ثم يرتبها ترتيبا خاصا وينسقها تنسيقا خاصا بحيث تصبح مترابطة من وجهة نظره بشكل يماثل العلاقات الموجودة بالفعل بين عناصر الواقع، وعملية التجريد هذه يمكن أن تتم بشكل غير واع إلى أن تأخذ شكل خريطة إدراكية يستنبطها الإنسان تماما ويحملها في عقله ووجدانه فتحدد طريقة ومجال إدراكه للواقع الخام المحيط به، فيقوم بتهميش بعض التفاصيل وتأكيد البعض الآخر بحيث يراها هامة ومركزية، ومن هنا تبدأ التحيزات الكامنة.

فإذا كان من الممكن أن نتفق جميعا حول ما يمكن أن نعده حاجات إنسانية، فإننا لا نتوقع أن تعترف كل المجتمعات على مر العصور ومع اختلاف ظروفها الجغرافية والتاريخية والاقتصادية، ومع اختلاف درجة نموها الاقتصادي وتطورها الاجتماعي والخلقي، ومع اختلاف ما تدين به من أديان ومذاهب، بالحقوق نفسها لأفرادها، وأن تشترك في ما تعتبره من حقوق الإنسان وما لا تعتبره كذلك، فما هو من حقوق الإنسان عند المسلم لا يمكن أن يكون مطابقا تماما لما يعتبره المسيحي أو البوذي من حقوق الإنسان.

إننا إزاء حالة من حالات إمبريالية المقولات التي تسعى من خلالها الدول الغربية تحديدا _كما يقرر المفكر جلال أمين_ “أن تفرض مفهومها الخاص لحقوق الإنسان على بقية خلق الله، وكأن إفرازات ثقافتها الخاصة هي التعبير الأسمى عن حكمة الإنسان وتحضره وعقلانيته”.

ومقولة”حقوق الإنسان” من جملة مقولات متعددة كالديمقراطية والإصلاح والمساواة ، كلها مقولات استعملتها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بانتقائية كآليات للهيمنة على العالم، وعلى العالم العربي بوجه خاص.

وليس أدل على الطريقة الانتقائية التي كانت الولايات المتحدة تتعامل بها مع مسألة “حقوق الإنسان” في العالم. حيث كان تقديم المصالح الأمريكية الاستراتيجية الثابت الأساسي في تعاطيهم لـ”حقوق الإنسان” في العالم كله، أليست- على سبيل المثال لا الحصر- الإدارة الأمريكية هي التيأسقطت مصدق الديمقراطي الليبرالي وناصرت الشاه ممثل الاستبداد الشرقي، كما يقولون ومن الذي قتل سلفادور اليندي في تشيلي في 11 سبتمبر 1974. هم يتحدثون دائما عن 11/ 9/ 2000 ولا يذكرون قط 11/ 9 الأخرى أو الأولى التي اعتلى بها الدكتاتور والجزار بينوشيه سدة الحكمبمساعدة الولايات المتحدة، وظل معتليا عرش الإرهاب والذبح أكثر من عشر سنوات.ولننظر ماذا يفعلون الآن في العراق في أبو غريب والحديثة وغيرها من الأماكن التي تم اكتشافها والإعلان عنها. هل كانت كل هذه الحوادث الإجرامية يمكن أن تتم دون نور أخضر من القيادة السياسية الأمريكية الداعية للإصلاح الديموقراطي والمدافعة عن حقوق الإنسان؟(يتبع…)

شارك برأيك