الاستقرار الأسري بين المقاربة التكاملية والمقاربة الفردانية

ملخص دراسة

تعد الأسرة الوحدة الأساس في النسيج الاجتماعي والنواة التي يتأسس عليها المجتمع، وقد قررت هذه الحقيقةَ الشرائعُ السماوية بل نجد حتى الاتفاقيات الدولية لا تزال تقر بذلك. وعلى هذا الأساس ظل استقرار الأسرة مطلبا أساسا لتؤدي هذه المؤسسة النواة وظيفتها، بل أضحى معيارا لقياس تنمية مجتمع ما، لكن سبل تحقيق هذا الاستقرار تختلف حوله المقاربات، وسأحاول في هذا المقال أن أعرض مقاربتين لتحقيق هذا الاستقرار متبينا أصولها وأسسها، وتأثيراتها.

1.المقاربة الفردانية:

وهي مقاربة تراهن على تسييج حقوق كل فرد من أفراد الأسرة ( الزوج-الزوجة-الطفل…)، وتحفها بمساطر زجرية تردع من يجاوز الحدود.

تؤطر هذه المقاربة فلسفة مادية  تختصر الإنسان في بعد واحد هو البعد الجسدي وحاجاته بما يجعل الأولوية لقيمةالإنتاج المادي والمجد الشخصي، وهو ما دفع إلى استحداث قيم وأنماط مجتمعية تعظّمالمادة وتزيح من طريقها كل عقبة. فحلت قيمة الربح والأثرة والمصلحة الفردية محلالقيم الروحية والخلقية ومنها القيم العائلية: قيم التراحم والتضامن والإيثار التي أضحت في هذا الجو اللاهب سذاجة لا مكان لها.

ولتبين حجم التحول الذي طرأ على العلاقات الأسرية في ظل هذه المقاربة –خصوصا في الغرب- ننظر على سبيل المثال لواقع الفتاة التي أصبحت  تضطر بمجرد أن يشتد ساعدها، أن تخرج كل صباح، لتبحث كسائر أفراد الأسرة، أما المرأة التي لا تعمل فقد قلت حظوظها في الزواج، والتي تفقد عملها قد تفقد حياتها الزوجية

. كما تضاءلت فكرة التضحية من أجل الأبناء وسعادة أفراد الأسرة، بل أصبح يعتقد أغلبية الأمريكيين أن الأولاد لو عاشوا مع الأب أو الأم أفضل من العيش معهم جميعا مع الخلافات. كما صارت نسب الطلاق جد مهولة.

أما الآباء والأمهات فما إن يقاربوا سن الكبر حتى تتهيأ دار العجزة ببرودتها العاطفية لاستقبالهم.

2. المقاربة التكاملية:

تنطلق هذه المقاربة من خِلال الفطرة البشرية وما جُبلت عليه، وتنظر إلى العلاقات الأسرية في سياق متكامل من العلاقات التي تؤطر حياته معاشا في الدنيا، ومعادا عند لقاء الله عز وجل، مقاربة لا تغفل عن ضعف الإنسان وطغيانه فتضع القوانين التي تحفظ بها والحقوق وحدود الشرع.  تعتمد هذه المقاربة ثلاثة أسس هي:  الأساس الإيماني، وأساس المكارمة، والأساس التشريعي.

الأساس الإيماني:

الذي يخرج  المعاملات الأسرية من مجال عادات حياة الإنسانية إلى مرقاة يتعبد الله من خلالها، ويسمو بها في سلوكه الإيماني ابتغاء لمرضاة الله وتقربا منه.

أساس المكارمة:

لئن كانت العقود عموما تتأسس على المكايسة التي تجعل كلا من طرفي العقد حريصا على تحصين حقوقه بل الربح فيه ودفع الغرر عنه ، فإن العقد المؤسس للأسرة يتأسس على أصل أرقى وأسمى وهو المكارمة التي تجعل كل طرف يُسارع إلى بذل المحبة والإحسان للآخر.

الأساس التشريعي:

إن الإسلام وهو يؤسس للتكاملية كمعيار في بناء العلاقات لم يُهمل ضعف الإنسان وقصوره فحف مجال الأسرة بمنظومة مفصلة من الأحكام تسييجا للحقوق وحفظا للأسرة، بل عَدَّ مجاوزتها تعدٍّ لحدود الله  فقال تعالى في سياق الحديث عن أحكام الأسرة : {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }[1] .

خلاصة:

إن من أهم ما  يمكن أن أخلص إليه تنويرا للأسرة ونشدانا لاستقرارها:

·       أن قصور المقاربة الفردانية وعدم صلاحها لأن تكون مثالا يُقتدى ونموذجا يحتذى خصوصا في مجال الأسرة، كما أن التعويل على القانون والمحاكم وحدها في إقامة استقرار أسري رهان فاشل.

·       أهمية المقاربة التكاملية وضرورة اعتمادها في إقامة النظم التعليمية والاجتماعية ومشاريع التأهيل الأسري وإصلاح القوانين التشريعية.

[1]  سورة البقرة، الآية: .229.

شارك برأيك