الراوي في الرواية العجائبيّة العربيّة

ما من شكّ اليوم و لا اختلاف في أنّ الراوي كائن خطاب . فهو تلك القوّة المنشئة له ، و التي تنهض بفعل السرد . و هو الحلقة الواسطة بين المرويّ و المرويّ له1. له في كلّ نصّ حضوره المميّز . فما هي خصائص هذا الحضور في الرواية العجائبيّة العربيّة ؟ و هل له فيها وضع خاصّ مميّز ؟.

إنّنا نقصد بالرّواية العجائبّية تلك الرواية التي ينقطع التشخيص فيها عمّا هو حقائقيّ أو مشاكل ، و تضعف صلتها بالواقع ، لتصبح هي مرجع ذاتها2، وفق قوانين الفوق-طبيعيّ ، و شروط العجائبيّ أو العجيب3.

وقد اقتصرنا لبحث الرّاوي في الرّواية العجائبيّة العربيّة على أعمال روائيّة ثلاثة ينتمي جميعها إلى ما يمكن أن يطلق عليه الواقعيّة السحريّة ، أو الرواية الفانتازيّة . و هي رواية التبر لإبراهيم الكوني ، ورواية الدّراويش يعودن إلى المنفي لإبراهيم الدّرغوثي ، و رواية وقائع المدينة الغريبة لعبد الجبّار العش4.

وأمّا مأتى سمة العجائبيّ في هذه النّصوص فمختلفة أوجهه من نصّ إلى آخر. فرواية التبر تميل إلى تشخيص الغريب الذي لا يفارق الواقع إلاّ لكونه شاذّا عنه. و هو فيها بأوجه متمايزة تتجسّد انطلاقا من العلاقات غير العاديّة بين الشّخصيّات في هذه الرّواية إذ تلغى فيها الفوارق بين الشّخصيّات الإنسانيّة و غيرها الحيوانيّة ويعاد بها إلى المراحل البدائيّة أو إلى أزمنة البدايات. كما تتجسّد فيها –كذلك- من خلال الاعتماد على القوى الغيبيّة لقضاء الأمور من مثل السّحر، و الجنّ، و العرّافين، و الآلهة، و العفاريت، أو من خلال بعض النباتات الأسطوريّة كالكمإ أو نبتة الآسيار .

و تميل رواية الدراويش يعودون إلى المنفى لإبراهيم الدرغوثي إلى تشخيص العجيب ) Le merveilleux ( حيث يخترق فيها الواقع بفضل امتلاك الشخصيّات في هذه الرواية قوى خرافيّة خارقة تخوّل لهم الإتيان بما تعجز عنه القوى البشريّة العاديّة. كأن يقفز الراوي من مستوى الكينونة الورقيّة، ويخاطب القارئ مباشرة، و يجعل منه حكما على بعض الأحداث و شاهدا عليها مشاركا فيها. أو كأن تقتدر الشخصيّات على اختراق الطبقات الزمنيّة و تتفلّت من سلطة الفناء و تجيد السياحة فيما بين القرون: تعاصر خلفاء بني العبّاس، و تواكب قدوم السائح الفرنسي إلى صحراء الجنوب في القرن العشرين. أو كأن تقدر على اختراق الأمكنة، أو على النهوض بأفعال لا يتسنّى للواقعيّ أن يتحمّلها أو أن يقوم بها، مثل أن تقرأ جبلا من الكتب في دقائق أو أن تجعل من رجليها موقدا توضع عليه القدور و تطبخ عليه الأطعمة، أو أن تأكل أشرطة الفيديو و آلات التصوير .

وتنحو رواية وقائع المدينة الغريبة نحوا قريبا من الرواية السابقة، إذ كان اعتناؤها مركّزا على تشخيص الأحداث الخارقة لقوانين الواقع وليس على الشخصيّات. و قد انحصرت أو كادت في حدث التحام الشخصيّة صالح بأرضيّة المقهى التحاما لم تستطع هذه الشخصيّة منه فكاكا إلاّ بالموت.

إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ كلّ نصّ من نصوص هذه الروايات يعكف على هذا النوع من التشخيص المفارق للواقع أو ذاك لا يتجاوزه إلى غيره. فباستثناء رواية التبر، جمعت الروايتان الأخريان إلى الخارق بعضا من أوجه الفانتاستيكيّ و الغريب، وإن كان حضورهما في هذين النصّين مخفّفا إذا ما قورن بحضور العجيب.

فهل يمكن لنوع التشخيص المتوفّر في هذا النصّ أو ذاك أن يكون مدخلا لاختلاف الرواة وتمايزهم من نصّ إلى آخر ؟. و ما هي السمة المميّزة للرواة في هذه النصوص الروائيّة المنتمية إلى هذه الضروب من التشخيص ؟. و هل للتشخيص دور في تحديد نمط الإدراك الذي يحكم المرويّ في هذه الروايات ؟.

سنحاول مقاربة هذه الإشكاليّات انطلاقا ممّا يتّصل بالراوي و يختصّ به، و خاصّة أشكال حضوره في هذه النصوص، و التبئير، دون أن يفوتنا التطرّق إلى المقامات السرديّة و إلى علاقة الراوي بالمرويّ له.

1- أشكال حضور الراوي في الرواية العجائبيّة العربيّة:

يتنوّع حضور الراوي في هذه النصوص و يتعدّد، لكنّه لا يخرج عمّا يقرّه الإنشائيّون5. إذ أنّ من هذه الروايات ما يكون فيها الراوي راويا خارجيّا يروي حكاية ليس مشاركا فيها. و هذا النوع من الحضور تمثّله رواية التبر خير تمثيل. و من الرواة –كذلك- ما يكون راويا داخليّا يروي حكاية هو طرف فيها. إلاّ أنّ الملاحظ انطلاقا من هذه النصوص الروائيّة أنّها و إن لم يسقط منها الراوي الداخليّ هذا، فإنّها تغلّب النوع الأوّل من الحضور الذي يكون فيه الراوي خارج الحكاية التي يرويها. فرواية التبر يمكن القول عنها إنّها رواية ذات مستوى سرديّ واحد . يبدأ فيها الراوي سرده على الطريقة التقليديّة محافظا على مسافة زمانيّة و مكانيّة بينه و بين ما يروي. يحاول دائما أن يأخذ بيد المرويّ له، و يتوسّط بينه و بين عالمه الذي يروي المتمثّل في حكاية أوخيّد بطل هذه الراوية و الأبلق الشخصيّة الثانويّة الرئيسيّة فيها. و قلّما تنازل هذا الراوي الخارجيّ عن السرد لغيره من الشخصيّات. و إذا كان أن حدث مثل هذا التنازل فإنّما يكون –على ندرته- على وجهين: الأوّل أن يفسح للشخصيّة لتروي حكايتها على مسافة نصيّة ضيّقة و سرعان ما يستعيد منها زمام السرد. كأن يقول:” هذا الرجل يخطط للاستيلاء على رأسه. يبكي لأنه لم يفز برأسه. يا ربي! هل أصبح رأسه البائس بهذه الأهمية”6. فقد اختصر حضور صوت الشخصيّة في هذا المقتبس على ضمير المتكلّم المفرد “يا ربي”، و ما عداه استحوذ على سرده الراوي الخارجيّ.

و أمّا الوجه الآخر، فإنّ الراوي فيه يروي خطاب الشخصيّات بصوته و يتدخّل في صوغه، و يخرجه على صورة خطاب منقول نقلا غير مباشر:” أجمع الجميع أنه ولي شهد بداية الفتوحات . بل قالوا عنه إنّه أحد الصحابة مات عطشا في الصحراء و هو يجاهد في سبيل الله “7. فبدلا من أن يترك الراوي الخارجيّ المجال لرواة آخرين غيره، يستولي هو على زمام السرد و يسوقه بصوته هو، فيتجنّب –بذلك- الحكاية أن تتعدّد مستويات السرد فيها، ويظلّ السرد محكوما براو واحد هو الراوي الخارجيّ الذي افتتح السرد الأوّليّ للحكاية في هذه الرواية.

و أمّا رواية الدراويش يعودون إلى المنفى، فقد أخرجت إخراجا مختلفا عن الرواية السابقة. بدأ السرد فيها بضمير المتكلّم المفرد، لكنّه استحال بعد المقدّمة إلى سرد بضمير الغائب المفرد. فالراوي الأوّل -و إن كان راويا داخليّا- لم يكن مشاركا في الحكاية في هذه الرواية، لأنّ دوره قُصر على الصفحات الأولى منها في محاولة منه لتوضيح دواعي كتابتها و كيفيّاتها، و لتحديد مراجعها، أي أنّ دوره اقتصر على حكاية كتابة هذه الرواية أو ما سمّاه هو نفسه ” قبل البداية”8. و لم يتجاوزها إلى أن يكون شخصيّة بطلة فيها أو حتى شخصيّة ثانويّة. فقد تغيّر السرد بعد هذه الافتتاحيّة من ضمير المتكلّم إلى ضمير الغائب على مألوف الطرق التقليديّة، مباعدا فيما بينه و بين العالم الذي يرويه زمانيّا و مكانيّا:” كان جالسا أمام الموقد، مادا رجليه تحت القدر و نيران جهنم تلتهم الرجلين “9. و هكذا تتوالى وتيرة السرد.

غير أنّ طبقات السرد و مستوياته تتعدّد و تتكاثر في هذه الرواية بين الحين و الآخر. إذ نجد الراوي الخارجيّ يتنازل لشخصيّاته حتى تروي قصّتها بنفسها. و الملاحظ أنّ الشخصيّة التي تروي حكايتها بنفسها في هذه الرواية ليست شخصيّة واقعيّة أو مشاكلة للواقع، وإنّما هي شخصيّة خرافيّة أو خارقة ممثّلة بشخصيّة درويش بطل هذه الرواية. فإذا لم يكن يروي حكايته راو خارجيّ، فإنّه يتولّى هو ذاته روايتها دون غيره من الشخصيّات المتحرّكة في فضاء هذه الراوية. و كأنّ منطق الإيهام يقتضي مثل هذا الدور. ذلك أنّ الشخصيّة العاديّة لا تستطيع أن تنتهك قوانين الواقع و تتابع غيرها من الشخصيّات الخارقة المتجاوزة أصلا حدود هذا الواقع أو المشاكل لهذا الواقع.

و أمّا رواية وقائع المدينة الغريبة لعبد الجبار العش فقد كانت على صورة مختلفة عمّا تقدّم عرضه في الروايتين السابقتين. فالسرد فيها سرد بضمير المتكلّم الجمع. أي أنّ الراوي فيها راو مشارك يروي من داخل الحكاية. لكنّ حضوره فيها حضور ضعيف و محتشم. فقد اكتفى هذا الراوي في هذه الرواية بدور الشاهد الناقل لما يجري أمامه و لما يعاينه :” فقد لاح لي أنه[صالح]يحاول تغيير موضع قدميه “10. فالحكاية في هذه الراوية لم تكن حكاية الراوي ينقلها إلينا، و إنّما كانت حكاية صالح الذي علق بإسمنت المقهى و التحم عضويّا بأرضيّته. و ما وجود الراوي إلاّ ليكون شاهدا يروي ما يحدث لهذه الشخصيّة و غيرها. لذلك غلب في هذه الراوية السرد بضمير الغائب. و كان الراوي في أغلب الأحيان منشغلا بنقل حكاية غيره و اكتفى فيها بأن يكون فاعل قول و قلّما اهتمّ فيها برواية ما يفعله هو نفسه.

و مثل هذه الرواية مثل الراوية السابقة. فقد يتنازل الراوي عن السرد لأحدى شخصيّاته، إلاّ أنّ هذه الشخصيّة هي الأخرى تكون في أغلب أحيان شخصيّة من عالم العجائبيّ. و قد تجسّد هذا من خلال شخصيّة صالح بطل هذه الرواية 11.

ما يمكن قوله في كيفيّة حضور الراوي في الرواية العجائبيّة العربيّة ممثّلة بهذه الروايات الثلاث على الأقلّ، هو أنّه غالبا ما يكون فيها الراوي راويا خارجيّا. وهذا لا ينفي أن يكون راويها راويا داخليّا، لكنّ حضوره في هذه الرواية و في مثل هذه الوضعيّة يكون حضورا مخفّفا، يكتفي فيها الراوي بأن يكون مؤطّرا للحكاية الأساس، ويكتفي بسرد حكاية الرواية و يقصر وظيفته عليها . و يكون سرد الحكاية الأساس من مشمولات راو خارجيّ آخر يرويها من خارجها. و قد يكون الراوي في مثل هذه الروايات راويا داخليّا لكنّه لا ينشغل برواية حكايته هو وإنّما يكتفي في الغالب بأن يكون مشاهدا ينقل ما يحدث أمامه. و قد يكون مشاركا أي راويا داخليّا . إلاّ أنّ هذا يتحقّق إذا كانت الشخصيّة التي تروي أو تضطلع بوظيفة السرد خارقة لقوانين الواقع وتنتمي إلى ما فوق الطبيعيّ.

2- المقامات السرديّة في الرواية العجائبيّة العربيّة:

يتكوّن المقام السرديّ من راو و حكاية بما تشتمل عليه من أحداث و شخصيّات و أطر زمانيّة و مكانيّة، ومن مرويّ له 12. و يمكن للرواية أو للنصّ السرديّ بصفة عامّة أن تكون مشكّلة من مقام سرديّ واحد. كما يمكن لها أن تتشكّل من مقامات سرديّة أساسيّة، كما يمكن لها أن تتأسّس على مقام سرديّ أساسيّ يحتوي على مقامات سرديّة فرعيّة.

تقوم الحكاية في رواية التبر على مقام سرديّ أساسيّ واحد. و بما أنّ الراوي فيها راو خارجيّ فقد اتّخذ المقام السرديّ فيها الشكل التّالي: [ راو خارجيّ [ مروي ] مرويّ له خارجيّ ] . و الحكاية في هذه الرواية لا تتعدّد فيها المستويات السرديّة و لا تحتوي مقامات فرعيّة، و إن وجد مثل هذا فيكون في شكل مقامات سرديّة مجهضة إمّا لتدخّل الراوي و إيراد حكاية الشخصيّة بصوته هو دون الصوت الأوّل الذي رواها 13، وإمّا لأنّها تُضمّن في مقول قول إحدى الشخصيّات في مقام حواريّ فينتفي أن تكون مشكّلة لمستوى سرديّ ثان، و إمّا أن يشار إليها إشارة عابرة تُختزل في مجرّد كلمة تنبئ عن أن هناك قصّة كانت قد رويت: “فقال الفقيه بعد أن سمع قصته” 14. أو تورد في شكل سؤال دون أن يردف بالإجابة:”قال رجل بدين: تعرفون كيف انتقمت تانس من ضرتها الشريرة “15.

و تميل رواية الدراويش يعودون إلى المنفى إلى اعتماد أكثر من مقام سرديّ واحد. وهذه المقامات هي في أغلبها مقامات سرديّة أساسيّة. وبما أنّ السرد يبدأ في هذه الرواية بضمير المتكلّم، فإنّ المقام الأوّل أخذ الخطاطة التالية: [ راو داخليّ [ مرويّ ] مرويّ له داخليّ ] . ثمّ تحوّلت بعد أن أصبح السرد بضمير الغائب إلى : [ راو داخليّ [ مرويّ ] مرويّ له داخليّ ] . و أمّا لماذا احتوت هذه الرواية على أكثر من مقام سرديّ أساسيّ ، فلأنّ الحلقة الرابطة بين المقامات السرديّة الأساسيّة فيها مفقودة . إذ لا نعلم كيف انتقل السرد من ضمير المتكلّم إلى ضمير الغائب. فهذا الانتقال هو الذي جعل من المقامات السرديّة في هذه الرواية مقامات سرديّة أساسيّة كلّ منها يمثّل سردا أوليّا.

إلاّ أنّنا داخل هذه المقامات السرديّة الأساسيّة نظفر بمقامات فرعيّة، سواء أ كانت الرواية بضمير المتكلّم و عندئذ تأخذ الخطاطة التالية:

[ راو داخليّ1 [ راو خارجيّ2 [ مرويّ ] مرويّ له خارجيّ2 ] مرويّ له داخليّ1 ]

أم كانت بضمير الغائب فتكون خطاطة المقام السرديّ كما يلي:

[ راو خارجيّ1 [ راو خارجيّ2 [ مرويّ ] مرويّ له خارجيّ2 ] مرويّ له خارجيّ1 ]

هكذا تتوسّع دائرة المقامات وتتضاعف، و مع ذلك فإنّها لا تبلغ درجة التعقيد. فحضورها يظلّ حضورا بسيطا لا تصل معه الحكاية إلى أن تكون مناورة بين الراوي و المرويّ له.

و إن كانت رواية وقائع المدينة الغريبة تختلف عن رواية التبر في اعتمادها راويا داخليّا، فإنّها تلتقي معها في قيام الحكاية فيها على مقام سرديّ أساسيّ واحد:[راو داخليّ [مرويّ]مرويّ له داخليّ]، كما تلتقي معها –كذلك- في هيمنة الراوي فيها على خطاب شخصيّاتها ومنعه إمكانيّة تعدّد المستويات السرديّة للحكاية في هذه الرواية، باستثناء المواضع القليلة التي فسح فيها المجال لبعض من الشخصيّات لتروي حكايتها. و تراجع فيها هو ليصبح مرويّا له مستمعا لما يقصّ عليه أو قارئا إيّاه 16.

و ما يمكن قوله عن المقامات السرديّة في هذا النوع من هذه الروايات هو أنّها و إن تعدّدت فهي لا تبلغ درجة تعقيد الحكاية، و تشابكها أو تداخلها. فليس لكتّابها أن يكترثوا باللّعب على هذا الضرب من الكتابة الروائيّة الحداثيّة. فهمّهم هو خلق عوالم غرائبيّة سواء اتصلت بالخوارق و بالعجيب أم بالشاذّ الغريب. فمأتى الحداثة في هذه النصوص هو كيفيّة التشخيص و طبيعته و طرقه.

3- التبئير في الرواية العجائبيّة العربيّة :

التبئير هو اختيار الراوي مركزا محدّدا موقعه، يدرك من خلاله ذاته، أو العالم الذي تتضمّنه الحكاية، و هذا الإدراك يتمّ عبر قناة ناقلة ممّا تشمله حواسّ هذا الراوي17. و التبئير على ثلاثة فروع أو أنواع: تبئير داخليّ، و آخر خارجيّ، و ثالث صفر 18. و المعوّل عليه في التمييز بين هذه الأنواع هو مقدار معرفة الراوي بالحكاية مقارنة بمعرفة الشخصيّة بها.

و الجدير بالذكر أنّ التبئير في الرواية العجائبيّة العربيّة من خلال هذه النماذج من النصوص الروائيّة الثلاثة، هو في أغلبه تبئير صفر. إمّا لأنّ الرواية بطبيعتها الحكايةُ فيها محكومة بهذا النمط من الإدراك الشموليّ، وإمّا لعدول الأنواع الأخرى من التبئير و خاصّة الداخليّ منها إلى هذا التبئير الصفر.

فالنوع الأوّل تمثّله رواية التبر. و يمكن الإمساك بالتبئير الصفر فيها على أشكال مختلفة و أوجه متعدّدة. فالراوي في هذه الرواية يمتلك قدرة إدراكيّة خارقة. يعرف ما يجول في نفوس شخصيّاته من مشاعر و أحاسيس، ما تضمره و ما تحلم به 19. و لذلك نجد هذه الرواية تحفل بالأفعال الاستبطانيّة أو الذهنيّة من قبيل (اعتقد، أحس، شعر، لم يعرف، ازداد يقينا، لاحظ، يحترق شوقا، فهم، لم يفهم ، لم يدرك، تعاطف، يعاني، فك ، خاطب نفسه، لا يحس، لم يع، ينوي، خاف، هاب، أخفى السر، بكى في قلبه، تذكر، فرح، عقد العزم …)20.

كما أنّ الراوي في هذه الرواية يعرف –كذلك- ما ينبغي فعله، و ما ينبغي تركه، كما أنّه على دراية بنتائج أفعال شخصيّاته قبل بلوغها إيّاها. يحيط بمصادر الأشياء و تاريخها. يسمع ما لا يُسمع21، و يرى ما لا يُرى، يفهم جيّدا حركات الشخصيّات و يبرّر أفعالها. مطّلع ممتاز على أسرار الحيوان، و له القدرة على ترجمة أصواته و إشاراته إلى لغة مفهومة ممّا يتكلّم بنو البشر:”يشتكي الأبلق في بؤس”22.

و باختصار فإنّ معرفة الراوي في رواية التبر تفوق معرفة الشخصيّات فيها. فهو الذي يقول: “أوخيد كان يجهل ما الذي يعنيه لفظ “رهن” في لغة التجار” 23. أو: “لكنه أخطأ في شيء واحد […]”24.

إضافة إلى القدرة الإدراكيّة التي زُوّد بها راوي هذه الرواية، فقد داخل خطابه هو ذاته نفس حكميّ قويّ 25. و طبع بسمة الخطابات التعليقيّة ذات المواقف الجاهزة و الأحكام العامّة 26. و الراوي مع هذا لا يستطيع أن يكتم نفوره من هذه الشخصيّة أو تلك من شخصياّت حكايته: “جمل رمادي كريه”، “الجمل البشع”، “فتاة بليدة” 27، و لا يستطيع في المقابل أن يخفي تعاطفه معها و إعجابه بها أو بما تفعله28، أو استغرابه منها و من أقوالها 29.

و من جانب آخر يبرز نمط الإدراك الشموليّ الذي يتمتّع به الراوي من خلال سلطته المطلقة، و نفوذه غير المحدود، المتمظهرين في خطاب شخصيّاته . فهو في هذه الرواية قلّما يترك خطاب هذه الشخصيّات دون تحوير يخلّ بالصورة التي من المفترض أنّه أُخرج عليها أوّل مرّة. فيورده على شكل الخطاب غير المباشر: “قال إنّه استحضره من الأعشاب”30، أو يورده على شكل خطاب مرويّ : “سألها عن آير و الجفاف وآلام الهجرة من تمبكتو ثم تناظر معها بالأشعار”31. أو على الطريقة التقليديّة في استبطان دواخل الشخصيّات و نقل ما يدور في نفسها من حوارات: ” قال في نفسه إنه سيكفل رزقا للعيال”32.

و يتبدّى التبئير الصفر في رواية التبر ليس من خلال تدخّل الراوي في صوغ خطاب شخصيّاته و عدم تنازله عنه لترويه هي بصوتها، فحسب، و لكنّه يتبدّى –كذلك- من خلال خطابه هو ذاته. فاللّغة التي يستعملها هي في الغالب لغة غنائيّة فيها من ذاته القدر الكثير: “الألم أكل الألم” ، “يتابع انسياب الملائكة في سراب الأفق”33.

كما أنّ التقنيّات المعتمدة في تشكيل الزمن و بنائه في هذا النصّ سواء من خلال الاسترجاعات فيها أم الاستباقات، و خاصّة الإعلانات التي يلخّص فيها الراوي ما سيحدث لاحقا و يبشّر به قبل وقوعه، و تلخيص الأحداث و اختزالها بالحذف و الاختصار و الإسقاط … . كلّ هذا ينمّ عن حضور طاغ للراوي فيما يروي، و تمكّنه منه تمكّن العارف الملمّ بما حدث و بما سيحدث34 على نحو لا يتوافر لغيره ممّن تشمل الحكاية في هذه الرواية.

ثمّ إنّ هذا الحضور أو هذه القوّة التوجيهيّة التي للراوي في نصّه هذا، يبرزان –كذلك- في علاقة هذا الأخير بمن يروي له، بدءا بالنصوص العتبات التي اصطفاها ليفتتح بها الرواية، أو ليفتتح بها أجزاءها الداخليّة35 و يستهلّها بها. فهي بمثابة حامل للأفكار العامّة التي يمكن أن تؤول إليها الحكاية في هذه الرواية، و تلخيص لها. و هذا ما يدخل في إطار محاولة التأثير على المرويّ له و توجيه فهمه هذا الأثر على النحو الذي يرتئيه الراوي.

و قريبا من النصوص العتبات و المصاحبات النصيّة المتمثّلة في الهوامش التي تذيّل بها صفحات الرواية. و هي فيها كثير ورودها. فيها يفسّر الراوي ما ورد في المتن من ألفاظ بغير اللّغة العربيّة، أو يوضّح بعض العادات و التقاليد و الأعراف الاجتماعيّة، أو يقدّم شرحا لبعض المعتقدات و الأساطير و مكانتها في المجتمع المعالج في هذا النصّ، و غير ذلك ممّا يراه هذا الراوي عسيرا على فهم المرويّ له غريبا عن ثقافته36 .

و الحقيقة أنّ التبئير في رواية التبر لم يقتصر فيها على التبئير الصفر، و إنّما عدل به فيها إلى أنواع أخرى من التبئير غيره. فقد عدل بالتبئير الصفر في هذه الراوية إلى تبئير خارجيّ، و تمثّل هذا العدول في المشاهد الحواريّة فيما بين الشخصيّات في هذه الرواية. فهي و إن كانت قليلة فيها، فقد أُجريت بخطاب الشخصيّات.

كما عُدل بالتبئير الصفر إلى تبئير داخليّ و ذلك عن طريق الخطابات الحرّة غير المباشرة، و هي كثيرة في هذه الراوية. و هذه الخطابات وإن كانت قد وردت بصوت الراوي، فإنّ مصدر الإدراك فيها يشعّ انطلاقا من الشخصيّة. فهي التي تدرك و ليس الراوي، أو هي التي ينبثق منها الإدراك. و يمكن أن نمثّل لهذا بقول الراوي: “لم يتوقف عن الابتهال و التوسل و الصلوات. ضريح الولي القديم لن يخدعه. لن يفقد الأمل. و لكن أين سحرك يا آسيار ؟ أين لوثتك ؟ أين فعلك ؟ هل البريق إشارة ؟ آه الإشارات. يجب الانتباه للإشارة كما في الحلم. كما في الرؤية الخفية. الإشارات لغة”37. فاللّغة المتقطّعة و الأساليب الإنشائيّة ممثّلة بالاستفهام و التعجّب، و صيغ المضارع،و دلالة الزمن على الاستقبال، و تكرار بعض الألفاظ… ، تؤكّد جميعها على أنّ مركز الإدراك هو الشخصيّة و ليس الراوي، إذ ليس لهذا الأخير في هذا المقتبس سوى صوته. و الأدلّ على أنّ هذه الخطابات الحرّة غير المباشرة هي تبئير داخليّ أنّها قد تفضي في كثير من الأحيان إلى بروز ضمير المتكلّم و حضوره فيها حضورا صريحا، و خاصّة عندما يتحوّل السرد من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلّم، على شاكلة: ” إذن بالإمكان قهر الضعف الرهيب بالصبر. الصبر تعويذة القدر. الصبر هو الحياة. هذا ليس وهما. تأكد من ذلك قبل قليل. يا ربي هبني مزيدا من الصبر فيما تبقى من الرحلة”38.

غير أنّ هذا العدول بالتبئير الصفر إلى تبئير خارجيّ أو داخليّ لا يعني أنّ الإدراك الشموليّ للراوي قد تخفّفت حدّته. أوّلا لأنّ التبئير الخارجيّ يظلّ في هذه الرواية محكوما برؤية كليّة يترجمها الراوي عن طريق معلنات القول التي يمهّد بها للمشاهد الحواريّة. من مثل قوله في هذا المشهد الحواريّ:

“يقسو عليه أحيانا فيوبخه قائلا:

[“………………………”].

يسبل الحيوان جفنيه و يجيبه في ندم:

[“……………………..”].

يبتسم أوخيد بمرارة و يواصل:

[“………………………”]”39.

و ثانيا لأنّ البئير الداخليّ هو الآخر –إضافة إلى أنّه لم يخل أبدا من صوت الراوي- مؤطّر دائما بالتبئير الصفر [تبئير صفر [تبئير داخليّ] تبئير صفر] و لا يستقلّ عنه مطلقا. و أحيانا يكون هو ذاته –مع كونه تبئيرا داخليّا- تبئيرا صفرا، لأنّه مسند إلى ما لا يدرك أو يَعقل كما هو الأمر في المثال الآتي: “ربما لأنه لم يعرف الجنون. ربما لاعتقاده أن الإنسان انفرد بهبة العقل. و ليس من حقه أن يفقد النعمة كالحيوان. أوخيد فقد العقل الآن. فمن هو بهذه الحال؟ ماذا سيفعل بنفسه إلى أين سيمضي بهذه الضربات الوحشية على الرأس؟”40. فالخطاب هو خطاب الراوي. و الإدراك هو إدراك الجمل. و هذا ما لا يمكن أن يحدث إلاّ على سبيل التجوّز، و على ضرب من التصوّر، ممّا يفضح حضور الراوي و يكشف عن استبداده بخطاب شخصيّاته، و يقصي إمكانيّة أن يكون هذا الخطاب نابعا من ذات الشخصيّة، و يبقيه في إطار الرؤية الشموليّة التي اتّسم بها إدراك الراوي في هذه الراوية.

و أمّا رواية الدراويش يعودون إلى المنفى، فالتبئير فيها –و إن كان في ظاهره تبئيرا داخليّا، أو بالأحرى بدأ فيها تبئيرا داخليّا- فإنّه يؤول لا محالة، إلى تبئير صفر لأسباب عديدة يمكن إيجازها في: حضور المؤلّف في نصّه، و في النصوص المصاحبة أو ما يسمّيه جيرار جينات العتبات، و في تحوّل الرواية من سرد بضمير المتكلّم إلى سرد بضمير الغائب المفرد.

فإن كان مفتتح هذه الرواية روي بضمير المتكلم المفرد، فإنّ حضور المؤلّف في هذه المقدّمة حضورا صريحا بيّنا، قد آل بالتبئير الداخليّ فيه إلى أن يكون تبئيرا صفرا. و قد اتّخذ هذا الحضور فيها أشكالا متعدّدة، منها مخاطبة القارئ مباشرة: “لكم أن تتصوروا”، “تخيلوا معي خزانة في حائط”، “أريد أن أهمس في آذانكم”، “قد يقول بعضكم ما هذه برواية”، “و لكني أقول لكم يا أحبابي[…]”41. فهذا النوع من الخطاب موجّه إلى القارئ مباشرة، و يقصد به المؤلّف إلى التأثير فيه أو إقناعه أو استعطافه لتحقيق غايات يرمي إليها هو نفسه بما يخدم استراتيجيّاته في كتابته الروائيّة.

و يحضر المؤلّف في روايته هذه –كذلك- من خلال خطابه على خطابه هو ذاته بإفصاحه عن دواعي كتابته هذا النصّ الروائيّ و التصريح بها، و تعليقاته، و ترجمته بعض الكلمات و شرحه إيّاها: “ثلاث مائة و تسع و تسعين (كأصحاب الكهف)”42، و تمييزه شخصيّاته تراتبيّا، و تحديده اتجاه هذه الرواية العامّ وعلاقتها بالواقع، و تبريره اقتباساته و “سرقاته” الأدبيّة43.

و إضافة إلى تقسيم الرواية إلى أبواب، وإلى كيفيّات التوزيع الطباعيّ للأسطر داخل متون هذه الأبواب، حفلت الرواية بالعناوين الفرعيّة الداخليّة و بالنصوص المصاحبة افتتاحيّات لهذه الأبواب لتمنح الرواية بعدا توثيقيّا أو تضفي عليها نوعا من المشروعيّة و تخفّف من الطابع اللاعقلانيّ لبعض من شخصيّاتها، و لأحداثها. إنّ هذا التوخّي في الإخراج الطباعيّ يؤكّد سمة الإدراك الكلّيّ الذي للراوي في هذه الرواية و يمنع عنه صفة الحياد، كما يمنع عنه أن تكون معرفته مساوية معرفة الشخصيّات. بل إنّه يؤكّد تورّط هذا المؤلّف في نصّه و استيلائه على الحكاية فيه ممّا يجعل من التبئير فيه تبئيرا صفرا أو يؤول به إلى تبئير صفر.

و ممّا يدعم هذا الاستنتاج تحّول السرد في هذه الراوية من ضمير المتكلّم المفرد إلى ضمير الغائب المفرد. فقد اقتصر التبئير الداخليّ على الجزء الأوّل من هذه الرواية الذي عدّه المؤلّف ما قبل البداية، و على قليل من الأبواب الأخيرة منها. و ما تبقّى منها هيمن عليه التبئير الصفر. حيث نلفي فيه المواصفات نفسها التي رأينا أغلبها في التبئير في رواية التبر كالمقدرة الإدراكيّة الخارقة التي يمتلكها الراوي، و اعتماده الهوامش التفسيريّة، و تدخّله في خطاب شخصيّته، و توخّيه تقنيّات الاختزال و التلخيص و الاستباق و الاسترجاع و تكرار الحكاية وفق ما يسمّى بالتواتر في أكثر من موضع في هذه الراوية، و مجاهرته بمواقفه الأخلاقيّة: “مشيته المخنثة”44، و إجلاله و تعظيمه بعض الشخصيّات و إبداء إعجابه بها أو التعاطف معها أو السخرية منها، أو تدخّله المباشر في متن الرواية لتفسير بعض من الكلمات من مثل النفط و النفاطة45.

و إذا كان قد عُدل بالتبئير الصفر في هذه الرواية في بعض المواضع منها إلى تبئير خارجيّ يعرض فيه الراوي مشهدا حواريّا دار بين الشخصيّات، أو يقدم فيه وقائع شريط سينمائيّ كان قد شاهده، فإنّ التبئير الخارجيّ يظلّ محكوما بمنظور الراوي و رؤيته، و مؤطّرا بهما سواء من خلال الأقوال المعلنة الممهّدة للمشاهد الحواريّة، أم من خلال التصرّف في المشاهد الفلميّة. ثمّ إنّ مجرّد نقل المشاهد السمعيّة البصريّة إلى لغة، لا بدّ أن تنجرّ عنه أوّلا تحويرات بما يلائم بلاغة المكتوب لأنّ بلاغة المرئيّ المسموع تختلف عن بلاغة المكتوب ، و ثانيا لا بدّ أن يستتبع تغييرات بما يلائم ذات الناقل فيترك في هذه المشاهد بصمته أو بصماته، و يطبعها بذاته، و يحمّلها من سماتها الكثير46.

و لم يكن التبئير في رواية وقائع المدينة الغريبة بمختلف كثيرا عمّا هو عليه في رواية الدراويش يعودون إلى المنفى. إذ إنّ السرد فيها و إن كان بضمير المتكلّم فإنّ التبئير فيها آل إلى تبئير صفر لأسباب رأينا أغلبها في الرواية السابقة. فالمؤلّف كائن في نصّه و حاضر فيه حضورا معلنا: “و لولا أنّني مدفوع بواجب غامض لرواية كل ما حدث لحجبت كل الوقائع التي حصلت منذ تلك اللحظة لأنها من الغرابة إلى درجة أنني لو سردتها لبدوت في نظر الكثيرين دعيا و كاذبا”47.

و لا يكتفي حضور الراوي بهذا المستوى من التدخّل، بل يتعدّاه إلى مستويات أخرى تنفي عنه أن يكون حياديّا فيما يروي. فلا يقف عند النفور من بعض الشخصيّات أو التعاطف معها، و إنّما يبلغ درجة تفصح عن مواقفه الإديولوجيّة، فيستخفّ بشخصيّات روايته، و بفعلها. و واضح أنّ هذا الراوي كان دائما يناصر من كان من شخصيّاته هذه من ذوي التوجّهات اليساريّة مثل شخصيّة البطل (صالح)، و الشخصيّة الثانويّة(شتل): “يسرح خيالي في مروج أزمنة مضت، حين كان يغني للعمال وللطلبة”48. و لا نذهب بعيدا في استحضار الشواهد، فأسماء العلم التي أطلقها الراوي على هاتين الشخصيّتين دليل كاف يؤكّد هذا المنحى التعاطفيّ الذي انتهجه هذا الراوي معها. في حين كان بالمقابل يرفض الشخصيّات ذات التوجّه السلفيّ ، ويشهّر بها: “كانوا يكبرون و يهللون و رائحة التيسة تنزّ منهم”49.

ورغم أنّ هذا الراوي كان يروي حكاية هو خارج عنها، أو لم يكن فيها سوى شخصيّة مراقبة ما يحدث لغيرها في أغلب الأحيان، فإنّه كان كثير الشكوى و الاستياء من الأوضاع التي آلت إليها الشخصيّات و المدينة دون مبرّر سوى أنّ انقلابا قد حدث أو واقعة قد تمّت، أو أنّ الخمور قد مُنعت من المدينة. و لم يكن الراوي ليرضيه هذا أو ذاك، فأبدى سخطه عليه: “كان الوضع مأساويّا بأتم معنى الكلمة “، “تعبت تعبت و ما عدت أستطيع التمييز بين الحقيقة و الخيال “، “كنت في حاجة لمكان أو خمر فقط خمر كثير لأحتمل و لأنام كرضيع “، “الوضع في المدينة كان يسير من سيّئ إلى أسوإ “50.

و ما يؤول بالتبئير في هذه الرواية إلى التبئير صفر ورأيناه في الرواية السابقة –كذلك- التقنيّات الزمنيّة التي انبنت عليها الحكاية كالإعلانات الاستباقيّة. إذ إنّها تنبئ على أنّ الراوي على معرفة بالحكاية قبل أن تُروى أو قبل أن تبدأ: ” إثر ذلك حدث تطوّر مدهش “، ” هل هناك علاقة بين تلك الأحداث العادية و البسيطة وما حصل فيما بعد من تطورات ؟”51.

و من المظاهر التي رأيناها -كذلك- في الرواية السابقة تؤول بالتبئير إلى تبئير صفر القوّة الإدراكيّة للراوي. و هي في هذه الرواية وقائع المدينة الغريبة تأخذ أبعادا كثيرة. فإضافة إلى استبطان الراوي أعماق الشخصيّات و معرفة ما تحسّ به أو تفكّر فيه و ما ألفته من فعل و اعتادت عليه، نلفي إدراكه للأحداث و الوقائع يفوق بكثير إدراك الشخصيّات: “كنت أعرف في قرارة نفسي و فيما يشبه اليقين […] خلافا لما تدعيه الصحيفة […] كنت أعرف الحقيقة “، “إنّني أعلم ببطلان هذه الإمكانيّة “52. و تبلغ قوته الإدراكيّة مستوى يعلم فيه ما تجهله الشخصيّات عن نفسها. فهو لا يفتأ يزوّد المرويّ له بإسرار شخصيّاته و غوامض حياتها. مثل ما كان مع شخصيّتي شتل و نويويرة. فقد ارتبطتا فيما بينهما بعلاقة غراميّة. وكانتا تجهلان أنّهما تتّصلان ببعضيهما بعض بقرابة دمويّة متينة. حيث إنّ نويويرة هي ابنة شتل، خلافا للراوي الذي كان على علم بذلك مثلما ورد في خاتمة هذه الرواية.

وحتّى لو كانت الشخصيّة هي نفسها الراوي، بمعنى أن تكون راويا مشاركا يروي حكايته هو نفسه، فإنّ إدراكه يكون منفصلا عن إدراك الشخصيّة التي كانها، متعاليا عليه. إمّا لأنّه يجعل من نفسه مراقبا على ذاته، كما في مثل قوله: “جعلتها تتسرب قطرة قطرة.. في حلقي.. تبعتها إلى ظلمات جوفي.. و قد صارت الكأس الثانية في يدي “، أو “استفاق الطفل في أعماقي ونطّ و ركض وصفّق وغنّى و تدحرج و لبس و سرواله مقلوبا. ثمّ تفطّن فضحك وأعاد ارتداءه على الوجه الصحيح كرجل محترم “53. يتكشّف الراوي في المقتبس الأوّل عونا خارقا يستطيع فعل ما لا تفعله الشخصيّة العاديّة، و في المثال الثاني يتحوّل السرد من ضمير المتكلّم إلى ضمير الغائب فتحصل المباعدة بين الراوي و الشخصيّة و يحدث انفصال بينهما لتصبح هذه الشخصيّة التي كانها موضوع تبئير بينما يتحوّل الراوي إلى فاعل تبئير يراقب ذاته ما تشعر به وما تفعله.

و أمّا الوجه الآخر لانفصال إدراك الراوي عن إدراك الشخصيّة، فنظفر به من خلال تأخّر زمن الخطاب عن زمن الحكاية، أو ما يمكن أنّ نسمّيه بالسرد الاستعاديّ أو الاسترجاعيّ حيث يبدو وعي الراوي متقدّما على وعي الشخصيّة التي كانها مغايرا له: “و لكن ما أتذكّره هو أنّنا انتهينا إلى ذلك”، “الآن، لا أقدر على وصف وقائع تلك الليلة”54.

ولم تكن لغة الراوي في هذه الرواية ذات منزع موضوعيّ حياديّ، تكتفي بنقل الواقع أو برصده، ولم تكن لتكثر فيها المعدّلات الصيغيّة التي تضفي على الخطاب طابع الاحتمال والترجيح، بل كانت لغة وثوقيّة انفعاليّة 55. وكانت إضافة إلى ما تقدّم لغة مشحونة بالمجاز: “كان بوسع [الصمت] أن يتسلّق [النوافذ العلويّة] و أن يمضي إلى حيث يمكن الإنصات إليه”، “صار يقطّر من الصمت نبيذا”56. فهذا من شأنه أن يجعل من هذا الراوي راويا عليما وأن يقلب التبئير في هذه الرواية من تبئير داخليّ إلى تبئير صفر يصدر عن إدراك شموليّ و ينبع من رؤية كلّية.

4- الراوي و المرويّ له في الرواية العجائبيّة العربيّة:

لعلّ السمة الغالبة في الرواية العجائبيّة العربيّة فيما يخصّ العلاقة بين الراوي و المرويّ له على الأقل في حدود هذه الآثار موضوع هذا المقال، هو الوضوح و الشفافيّة. و قد توضّح هذا من خلال نوعين من أنواع المواثيق فيما بين هذين العونين السرديّين و التي حكمت الحكايات في هذه الروايات. و من هذه المواثيق ما هو صريح شأن ما نجد عليه رواية الدراويش يعودون إلى المنفى، و منها ما هو مضمر و هذا ما نجده في الروايات جميعها.

فقد ضرب الراوي في بداية رواية الدراويش يعودون إلى المنفى ميثاقا صريحا مع المرويّ له أطلق عليه: “قبل البداية ” مثلما ذكرنا سابقا، حدّد فيه جملة من الظروف و العوامل التي أسهمت في كتابة هذه الرواية. كما حدّد فيه بطل الحكاية، و مصادرها. و حاول فيه أن يشرك المرويّ له فيما يرويه و أن يعتذر منه على ما رآه في نصّه تقصيرا أو إغفالا: “سامحوني! لم أقل لكم منذ البداية إنّ “درويشا” هو بطل هذه الرواية العجيبة و الغريبة “، “شيء واحد أريد أن تعذروني وأنتم تقرؤون هذه القصة. و لا أريد أن تتهموني بالسطو على بعض الكتب”57. و هكذا فإنّ الراوي يأخذ بيد المرويّ له شيئا فشيئا و يستدرجه ليدخل به عالم حكايته في هذه الرواية.

و ممّا يؤكّد سمة الوضوح ويسهّل مقروئيّة هذه النصوص الروائيّة، الإخراج الطباعيّ المتوخّى فيها. منه اعتماد التنقيط و الفواصل، و العلامات الشارحة كالقوسين: “وصلنا المدينة (أنا و درويش)” ، “و تجمع الخلق ( كما في يوم الحشر ) في ساحة واسعة”، ” كان المؤّذن يصيح (لست أدري هل هو صوته الحقيقي ّ أم هو تسجيل على “كاسات” ) الصلاة خير من النوم”58، “وعامل الورشة (يقصد الكهربائيّ ) لابدّ أنّه مورط معهم”، “لكنّ صاحب المقهى (وأشار بإصبعه نحو “دحدوح”) لم يوافق”59. و منه اعتماد مؤشّرات الحوار كالنقطتين، و الهلالين، و فصل خطاب الراوي عن خطاب الشخصيّات و عدم المداخلة بينهما. و منه –كذلك- تبويب هذه النصوص الروائيّة و تقسيمها إلى أجزاء معنونة أو غير معنونة. و التمهيد لها بنصوص مقتبسة من مصادر متنوّعة ، و تحديد هذه المصادر. و غير هذا و ذاك ممّا يشمله الإخراج الطباعيّ و هيّئ لخدمة القارئ، و إراحته.

وممّا يدخل في هذا الإطار، المرويّ في هذه النصوص الروائيّة بما يشتمل عليه من حبكة، و شخصيّات. ففي هذه الروايات – على الأقلّ في رواية التبر و وقائع المدينة الغريبة- حرص على احترام مبدأ الحبكة. فالأحداث في أغلب الأحيان ترتبط فيما بينها ترابطا منطقيّا سببيّا وفق مبدإ صارم. تبدأ بداية عاديّة ثمّ تتأزّم فيما بعد إلى أن تصل إلى الذروة و تتدرّج بعدها إلى الوضعيّة النهائيّة. فقد كان لرغبة أوخيّد (في رواية التبر) في أن يذيع صيت مهريّة في الصحراء أن تترتّب عليها الأحداث جميعها في هذه الرواية بدءا بغزوات أوخيّد مع مهريّة هذا، وصولا إلى وقوع الأبلق في غرام بعض النوق و القبض عليه و صاحبه ثمّ تزويج الأبلق نوق قبيلة مجاورة وإصابته بالجرح و بحث أوخيّد عن دواء له، و إلى موت أوخيّد، و الأحداث تترابط فيما بينها ترابط السبب بالنتيجة. و قريبا منها كانت رواية وقائع المدينة الغريبة. فحدث التصاق صالح بإسمنت المقهى انبنى عليه أغلب أحداث هذه الرواية وصولا إلى موت هذه الشخصيّة و انتهاء شتل و نويويرة.

ثمّ إنّ التزام هذه الروايات بمبدأ البطولة يرسّخ سمة الوضوح و يدعّمها. يضاف إلى هذا أنّ الشخصيّات في هذه الروايات شخصيّات واضحة المعالم و الهويّة بدءا من الأسماء التي أسندت إليها. فهي أسماء واضحة، لا تتغيّر و لا يصيبها اللّبس، و لا تتداخل مع غيرها من الأسماء أو تتقارب معها من حيث المعنى أو الاشتقاق اللّفظيّ. ظاهرها يتطابق مع باطنها، فهي أسماء تحمل في حدّ ذاتها برامج سرديّة واضحة. فصالح في رواية وقائع المدينة الغريبة شخصيّة صالحة. يمتهن الغناء الدينيّ، ويجيد الابتهالات و الذكر، كان يغنّي للطلبة و العمّال. ثمّ إنّه يأبى الفواحش و ما تأباه الأخلاق (رفض أن يأتي زوجته من الخلف على عادة ما تفعله البغايا). و درويش في رواية الدراويش يعودون إلى المنفى أسندت إليه أعمال خارقة فهو الذي يأكل الأشرطة، و يجعل من رجليه حطبا أو موقدا توضع عليها القدور ويطبخ عليها الطعام. أو أوخيّد في رواية التبر. فإن كان مرجع لفظه إلى غير اللّغة العربيّة، فإنّ له من الاشتقاق ما يقرّبه من معنى الأخ أو الأخيْ. و هو ما كانه في علاقته بالمهريّ إذ حرص حرصا لا مثيل له على إنقاذه من المرض، وفعل من أجله المستحيل حتّى أنّه قدّم حياته دفاعا عنه و مات في سبيله ميتة شقيّة.

كما أنّ أفعال هذه الشخصيّات في هذه الرواية أفعال واضحة مميّزة من بعضها بعض و كذا صفاتها إن وجدت. يضاف إلى ما تقدّم أنّ أغلب هذه الشخصيّات له عمقه النفسيّ و الاجتماعيّ. فالراوي في رواية وقائع المدينة الغريبة اسمه نذير الحالمي أستاذ تاريخ قدّم استقالته، يكتب القصة، يؤلف الرواية و كتب التاريخ، عاش صباه دون أمّ، و مات أبوه وقد صار يافعا، لم تحتمل حماقاته سوى جدّته لكنّها سرعان ما رحلت. بعدها تسلّم نصيبه من الإرث أنقذه من رحمة أقاربه و شجّعه على الاستقالة من العمل60. و صالح في الرواية نفسها فنّان يقتات بفنّه. لم يصب في صغره قبل حادثة المقهى. لا يؤمن بالخوارق. تعوّد زيارة المقهى فهو أحد حرفائه المحترمين. استطاع أن يجمع ثروته من مهنته61. و أوخيّد في رواية التبر ينحدر من سلالة عائلة عريقة في الصحراء. لها تاريخها في مقاومة المستعمر ولها نفوذها وسط النجوع الأخرى. و حتي الجمل في هذه الرواية لم يكن شخصيّة مسطّحة. إذ إنّه هو الآخر ينتمي إلى سلالة نوق عزيز وجودها في الصحراء. أهداه زعيم قبيلة تامغانسن لأوخيد و هو مهريّ صغير. فكبر معه و علّمه الرقص و اتّخذه رفيقا في غزواته العاطفيّة.

و في الإجمال فإنّ الشخصيّة في هذه النصوص الروائيّة عامل يسهّل مقروئيّتها و ييسّرها. و لم تكن لتمثّل فيها عائقا يسهم في تأخّر القراءة عن أن تجاري الحكاية و نسقها في هذه الروايات شأن ما هو معتمد في الرواية الجديدة حيث تسطح الشخصيّات فيها و تتشابه مع غيرها في الفعل و الصفات، و تفرغ من عمقها الاجتماعيّ و تتساوى مع غيرها في الحضور في الحكاية فينتفي بذلك اعتماد مبدإ البطولة منها .

ونظفر بالوضوح –كذلك- في العلاقة بين الراوي و المرويّ له في هذه الروايات انطلاقا من البناء الزمنيّ فيها. فهو زمن خطيّ، يخلو من البعثرة و تغيب عنه التشظيّة و التقطيع. يبدأ من نقطة ما و تتواتر الأحداث بعدها حتى تبلغ النهاية، و لاسيما في روايتي التبر و وقائع المدينة الغريبة، فقلّما أن انكسر خطّ سير الزمن في هذه الروايات. و إذا ما وجد فيها بعض من الاستباقات أو الاسترجاعات، فهو موظّف لتوضيح ماهية الشخصيّات و بناء خلفيّات تمكّن القارئ من فهم أعمق و أشمل62. أو لشدّه إلى متابعة الحكاية، و تشويقه لقراءتها.

و باستثناء رواية الدراويش يعودون إلى المنفى التي سطّحت بعضا من شخصيّاتها مثل شخصيّة درويش و بالغت في تقسيم الحكاية و تجزئتها و داخلت فيما بينها و بين النصوص المصاحبة، فإنّ الرواة في هذه الروايات يروون حكاياتهم و في أذهانهم مرويّون لهم في الدرجة الصفر. لذلك نجدهم دائما حريصين على التوضيح و التفسير، و تمكين المرويّ له من الإمساك بخيوط الحكاية و متابعتها ما أمكن. و إذ كان في هذه الروايات غموض فمأتاه ليس من انعدام الحبكة أو عدم الاهتمام بالحكايات و تسطيح الشخصيّات و تشظية الزمن و المبالغة في اللعب به، و إنّما مأتاه من طبيعة التشخيص ذاتها. إذ إنّ الاهتمام بالشاذّ، و الغريب، و العجيب، من شأنه أن يصدم القارئ، ويغيّب عنه ظلال الواقع و الحقيقة المطلقة، و يعدمه اليقين.

الخاتمة:

نخلص من دراسة الراوي في الرواية العجائبيّة العربيّة إلى نقاط نجملها فيما يلي:

– يمكن للراوي في الرواية العجائبيّة العربيّة أن يكون راويا خارجيّا، كما يمكن له أن يكون راويا داخليّا وفق ما تقرّه النظريّة السرديّة. إلاّ أنّ هذا النوع من الروايات يميل إلى تغليب الراوي الخارجيّ غير المشارك في الحكاية التي يرويها. و إذا ما تمّ للراوي أن يكون شخصيّة تروي حكايتها أو تروي حكاية هي طرف فيها، فغالبا ما تكون شخصيّة منتمية إلى عالم ما فوق الطبيعة.

– يكون التبئير في هذه الرواية تبئيرا صفرا أو تبئيرا داخليّا يؤول إلى تبئير صفر. فنمط الإدراك الذي يحكم عوالم الحكاية في هذه الرواية إدراك كلّي شموليّ يجانبه الحياد. وأمّا التبئير الخارجيّ في هذه الرواية فيكاد ينعدم منها. ذلك أنّ هذه الرواية تستند في بناء عوالمها المرويّة إلى تشخيص الشاذّ و الغريب ذلك الذي حفل به الموروث السرديّ العربيّ المكتوب منه و الشفوي، أمّا اهتمامها بالفانتازيّ (Le fantastique) كما يُعرّفه تودوروف63، و الذي يمكن القول عنه إنّه وليد المجتمعات الصناعيّة الحديثة، فنادر جدّا وجوده في هذه الروايات، لذلك غاب عنها التبئير الخارجيّ الذي يكتفي فيه الرّاوي برصد الموضوع المبأّر من الخارج مكتفيا فيه بما يدركه عبر حواسّه الخارجيّة.

– غالبا ما يحكم العلاقة بين الراوي و المرويّ له في هذه الروايات الوضوح و الشفافيّة. و إذا كان ثمّة غموض فيها، فإنّما مردّه في أكثر الأحيان إلى طبيعة التشخيص المعتمد في هذه الرواية و الذي يكون بالضرورة مفارقا للواقع و قائما على ما هو شاذّ أو غريب أو خارق من شأنه أن يصدم أفق انتظار القارئ أو المرويّ له .

الهوامش:

1- انظر:- Bal, Maike : Narration et focalisation.in .Poétique.n :29.1977.P.115.

-Wlfgang,Kayser : Qui raconte le roman .in.Poétique du récit.Seuil.Paris.1977.P71.

-Wayne , Booth :Distance et point de vue.Essai de classification.in.Poétique du récit.Seuil.Paris.1977.P93-94.

2- وفق ما يسمّى بالتشخيص الذاتيّ. Auto-représentation

انظر:- Jouvet,Vincent :L’effet personnage dans le roman .P U F.Paris.1992.P.60.

3- للتوسع انظر:-Todorov , T :Introduction à la littérature fantastique .Seuil.Paris.1970.

4- و الطبعات المعتمدة هي:

– التبر:الدار الجماهيرية للنشر و التوزيع و الإعلان. دار الآفاق الجديدة. المغرب. ط2-1992.

– الدراويش يعودون إلى المنفى. دار سحر للنشر. تونس. ط2. 1998.

– وقائع المدينة الغريبة. صفاقس. تونس. 2000.

5 – تحدّد وضعيّة الراوي في النصّ السرديّ بموقعه في المستوى السرديّ و في الآن ذاته بموقعه في علاقته بالحكاية التي يرويها. انظر:Genette,Gérard :figures 111 . Seuil. Paris.1972.P255 6- التبر:154.

7- مص.ن. 32.

8- الدراويش يعودون إلى المنفى:7.

9- مص.ن.19.

10- وقائع المدينة الغريبة:5.

11- انظر: مص.ن.54.و مابعدها.

12- Genette,Gérard : Op.Cit.P.227.

13 – انظر مثلا الرواية :86.

14 – التبر : 99.

15 – مص.ن.158.

16 – انظر الرواية :156، 163 ،166 ،197 .

17 – انظر Op.Cit.P.87. Wayne , Booth :

Todorov , T :Les catégories du récit littéraire.in.L’analyse structurale du récit.Seuil.Paris.1981.P.147.

18 – Genette,Gérard : Op.Cit.P.20.

Bal, Maike : Op.Cit.P.116,117.

19 – انظر الرواية: 11، 37، 44.

20 – انظر: مص.ن.14، 15، 16، 17، 18، 20، 29، 30، 34، 37، 46، 53، 57، 70، 76، 78، 124، 126، ….

21 – انظر:مص.ن.13، 14، 17، 18، 30، 47، 68، 75، 122.

22- مص.ن.30. و انظر منه :30، 93.

23- مص.ن.89.

24- مص.ن.ص.ن.

25- انظر مص.ن.30، 33، 45، 77، 127، …

26- انظر مص.ن.95.

27- انظر مص.ن.17، 60، 73، 105، 121.

28- انظر مص.ن.62، 69، 132.

29- انظر مص.ن.104.

30- الرواية:29 و انظر منها: 32، 124.

31- مص.ن.70.

32- مص.ن.89.

33- مص.ن.30، 42.

34- انظر مص.ن.13، 16، 17، 21، 32، 38، 67، 104، 120.

35- انظر مثلا مص.ن.91.

36- انظر مص.ن.11، 12، 23، 29، 52، 57، 66، 80، 120.

37- مص.ن.38. وانظر منه:48، 50، 94، 97، 112، 117، 121، 137،

38- مص.ن.43. و انظر منه :44، 46، 78، 87، 113، 117، 118، 136.

39- مص.ن.24.

40- مص.ن.123.

41- انظر الدراويش يعودون إلى المنفى على التوالي: 7، 12، 14.

42- مص.ن.14.

43- انظر من الرواية القسم المعنون ب”قبل البداية” .

44- مص.ن.25.

45- انظر مص.ن.75.

46- انظر مص.ن.52.

47- وقائع المدينة الغريبة:12.

48- مص.ن.88. و الذي يدلّ على تعاطفه معها –كذلك- أنّ المؤلّف أهدى روايته هذه إلى هاتين الشخصيّتين : شتل و زمبيطة. و هذا ما صدّر به هذه الرواية.

49- مص.ن.142.

50- انظر من الرواية المواضع التالية على التوالي :152، 42، 47.

51- مص.ن. 5، 10.

52- مص.ن.24،104.

53- مص.ن.20، 198.

54- مص.ن.9، 138.

55- من مثل قوله :”لا بد”، “لا شك”، “في الحقيقة”، و من قبيل بعض من الصيغ الدالّة على التأكيد , أبرزها: (قد + الفعل الماضي) إذ لا تكاد صفحة تخلو منها هذا إذا لم تكرّر فيها مرّتين. انظر الرواية:46، 48، 51، 61، 86، 87، 92، 93.

56- مص.ن.5، 88.

57- الرواية:8، 15.

58- الدراويش يعودون إلى المنفى :8، 9.

59- وقائع المدينة الغريبة:14، 44.

60- انظر الرواية: 22، 23، 189، 190.

61- انظر مص.ن.21، 22، 23.

62- انظر مثلا: التبر:12، 16. وقائع المدينة الغريبة: 24.

63- يضع تودوروف جملة من الشروط لهذا النوع من التشخيص الفانتاستيكيّ الخالص. منها :-الانتماء إلى الواقع اليوميّ – و تردّد القارئ وأو الشخصيّة – و انعدام الحكم اليقينيّ على انتماء هذه الشخصيّة. – و رفض التأويل الشعريّ أو المجازيّ – وإثارة الخوف. انظر:

Todorov ,T :Introduction à la littérature fantastique .P.37,38.

تعليق واحد على “الراوي في الرواية العجائبيّة العربيّة”

شارك برأيك