الضياع والنجاة في رواية عطش الليل لعبد القادر الدحمني

dhimniضمن منشورات ” منار الهدى ” سنة 2009 م ، و عن مطبعة دار النشر المغربية  بالدار البيضاء ، صدرت رواية ” عطش الليل ” للكاتب الروائي عبد القادر الدحمني ، سنعمد إلى قراءة هذه الرواية على ضوء الثنائية الضديةالضياع / النجاة لاعتبارات كثيرة أهمها أن هذه الثنائية تعتبر محور أحداث هذه الرواية ، كما تشكل بؤرتها ومحرق تركيزها بامتياز . فما هي مظاهر ومعالم وصور الضياع في الرواية ؟ وما هي أبعاد وأسباب هذا الضياع الذي يعتبر سمة مشتركة بين أغلب إن لم نقل كل شخصياتها ؟ وماذا عن النجاة ؟ هل التمست هذه الشخصيات لنفسها خلاصا مما كانت تعانيه ؟ أم أنها عثرت عن الخلاص عن طريق الصدفة ، وبدون بحث سابق ولا رغبة أكيدة ؟ ثم هل كان خلاصها خلاصا فرديا أو كان خلاصا جماعيا ؟   

 i

1 _ بين يدي العنوان :

أولت الدراسات النقدية الحديثة مسألة العناوين أهمية بالغة ، لأن العنوان يعتبر تكثيفا وتلخيصا للنص ، كما يعتبر دليلا عليه وسبيلا إلى ولوج عوالمه ، واستنطاق المسكوت عنه فيه .         

_ تركيبيا : يتكون عنوان الرواية من خبر لمبتدإ محذوف تقديره هذا ” عطش ” ، وهو مضاف ” الليل ” مضاف إليه مجرور.  

_ دلاليا : العطش :  عَطَشَ ، يَعْطَشُ عَطَشأً : ضد روي . وعَطَّشَهُ : أظمأه .

            الليل : من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر أو إلى طلوع الشمس . ج الليالي بزيادة الياء على غير قياس .

_ إيحاءات العنوان : يعتبر العنوان بمثابة الوجه الذي نتعرف به على النص . ويتخذ العنوان أهميته عندما نربطه بالنص ، فتصبح له دلالات وإيحاءات تفسيرية وتعليلية لوجود العلاقة الجدلية بينه وبين هذا النص ، بل هو نص واصف للنص ( نص مواز paratexte ) ما دام يحكي عنه بطريقة إيحائية ودلالية . إن العلاقة الوثيقة الرابطة بين العنوان والرواية تتمثل في أنه لا يمكن فهم هذا العنوان إلا بعد قراءتها ، حيث يتضح لنا جليا أن الأمر يتعلق بعطش من نوع خاص ، يتجاوز حدود العطش المعهود والمعروف ، إنه العطش لإشباع رغبات النفس الأمارة وشهواتها التي تكاد لا تنتهي ( الزنى وشرب الخمر ) ، أما الفضاء الزمني الذي يؤطر هذا ” العطش ” المتميز فهو ” الليل ” بكل ما يوحي به من تخف واستتار وتوار عن الأنظار ، وبكل ما يوحي به أيضا من هدوء وسكينة وصمت ، الليل : للعابدين المتبتلين فضاء لإخلاص العبادة لله بعيدا عن الرياء والسمعة ، إنه فضاء لمناجاة الخالق البارئ المصور من له الأسماء الحسنى ، فضاء لسكب دموع الندم والألم من أجل توبة صادقة نصوح ، فضاء لتفجير آهات الشوق والعشق ولاستمطار شآبيب الرحمات ” إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا ” المزمل / 6 ، ” ومن الليل فتهجد به نافلة لك ” الإسراء / 79 ، وللعاشقين فضاء لتبادل الهمسات والنظرات واللمسات ولسكب العبرات ، وللزناة والسكارى فضاء لاشباع الرغبات بعيدا عن أنظار ومسامع الرقباء و الوشاة والعذال …

            أسئلة كثيرة تطرح نفسها انطلاقا من هذا العنوان المثير : ما نوع العطش الذي تشعر به شخصيات الرواية ؟ وما حجم هذا العطش ؟ وما دلالات اقتران هذا العطش بالليل ؟ وما المآلات التي آلت إليها أحوال المصابين بهذا العطش ؟

2 _ صورة الغلاف :

سيادة اللون الأسود القاتم على الغلاف ، وتنبعث من الأعلى إشراقات ضوء لامعة ، وفيما كُتب عنوان الرواية بلون أحمر محاط بلون أبيض ” عطش الليل ” كُتبَتْ مجموع المؤشرات الخاصة بالرواية بلون أبيض ( منشورات / رواية / عبد القادر الدحمني ) ، وهي مؤشرات تهم جهة النشر ” منار الهدى ” ، والتعيين الجنسي للإبداع “رواية ” ، واسم المؤلف ” عبد القادر الدحمني ” .

إن سيادة اللون الأسود توحي بعالم الرواية الغارق في الظلام ، فأغلب شخصيات الرواية تعيش في عالم الضلال والغواية والانحراف والغفلة عن الله عز وجل ، إنها مستسلمة تماما لوساوس الشيطان الرجيم ، ولإغراءات النفس الأمارة بالسوء ، ولذلك وجدت نفسها غارقة في دنيا الانحراف والفسق والفجور : الخيانة الزوجية ، الخمر ، ترويج المخدرات … ولكن إشراقة الأمل تبقى متألقة رغم كل شيء ، الأمل يتجسد من خلال الإشراقات الضوئية التي تخترق السواد القاتم ، الأمل تجسده في الرواية شخصية فاطمة المرأة المؤمنة الورعة التقية المحتسبة ، التي شكلت المنارة التي أضاءت عتمات هذا العالم الذي تتقاذفه أمواج العبث والضياع واللامعنى …

3 _ بين البداية والنهاية :

بين البداية والنهاية دلالتان : الحياة والموت ، نقرأ في بداية الرواية : ” توقفت السيارة أمام الباب ، هبت مسرعة لتطل من النافذة ، رمقت الساعة بنصف استدارة ، ومالت قليلا بجسدها على حافة النافذة ، وبقلب يرفرف أشارت إليه ، وعادت مسرعة ، أطفأت الفرن ، ثم فتحت الباب … أخذته بالأحضان ، كان بإمكانها أن ترى فرحا عارما يطل من عينيه … ” ص 7 ، حيث يكفي أن نتأمل عبارات مثل : هبت ، مالت ، يرفرف ، عادت مسرعة ، أخذته بالأحضان … للوقوف على معاني القوة والنشاط والسعادة والإقبال على الحياة التي كانت أهم السمات المميزة لشخصية فاطمة .

وفي النهاية نقرأ : ” أغمضت عينيها ، وابتسمت ، ورفعت سبابتها ، ونطقت بكل ثقة وثبات : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله . ” وهي نهاية تدل على ” الموت ” ، وإذا علمنا أن ضمير المؤنث الغائب المفرد يعود على فاطمة ، أدركنا أنها تعتبر الشخصية المحورية في الرواية ، مما يعني أن أحداث الرواية تنتهي بانتهاء حياة هذه البطلة . وعبر رحلة حياتها تتشعب أحداث الرواية ، وتبرز على ساحة السرد مجموعة من الشخصيات التي ترتبط بها بشكل أو بآخر ، ولعل بطولة فاطمة نابعة أساسا من السمات المميزة التي وسمت حياتها من جهة ، وموتها من جهة أخرى ، إنها بطولة روحية تمتح مقوماتها من مدرسة ربانية قوامها صحبة صالحة علمتها الارتباط المتواصل بالله عز وجل عبر رسائل الصلاة والدعاء والذكر والصدق والصبر على البلاء والاحتساب     

4 _ الضياع والنجاة من خلال محكيات الرواية :

            أ _ شخصيات الرواية وتيمة الضياع :

يتضح من خلال تأمل البناء العام لرواية ” عطش الليل ” أن نسيجها الحكائي يتشكل من مجموعة من المحكيات ، ذلك أن لكل شخصية حكايتها الخاصة التي تصب أحداثها في المجرى العام الذي تتحرك فيه أحداث الحكاية الأصل ، وبديهي جدا أن تكون ثمة خيوط رابطة بين الحكايات الفرعية والحكاية الأصل ، وهي خيوط لا تتضح معالمها وحدودها إلا باكتشاف الحبكة التي تعتبر رصدا للمبادئ والعوامل المتحكمة في تنامي الأحداث ( دينامية النص ) أو تغير الوضعيات ( وضعية الشخصيات ) أو تطور مسار السرد .

لعل القاسم المشترك بين شخصيات الرواية هو شعورها بالضياع والعبث واللاجدوى ، والمقصود بالضياع هو الغفلة عن الله عز وجل ، والانحراف عن جادة الهدى ، والابتعاد عن طريق الاستقامة التي تعني امتثال أوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه ، إن الضياع في الرواية يعني الاستجابة لوساوس الشيطان ، والخضوع لنوازع النفس الأمارة بالسوء ، بكل ما يعنيه ذلك من انغماس في مستنقع اللذات والشهوات ، ومن إطلاق تام لعنان الهوى الذي أصبح إله يتبتل عباده في محرابه آناء الليل وأطراف النهار .

إن لكل شخصية حكايتها الخاصة التي تصب أحداثها في مجرى الحكاية الأصل ، هكذا يجد القارئ نفسه أمام حكايات ضياع تختلف وتتعدد باختلاف وتعدد الشخصيات ، بدءا بحكاية رشيد وفاطمة التي تعتبر الحكاية المحورية التي تدور في فلكها حكايات باقي الشخصيات : حكاية مسعود وعزيزة ، حكاية الأستاذ سليم وزوجته وابنته عواطف ، وحكاية سناء ، وحكاية أحمد السليكي والد سناء ، وحكاية البرلماني … وهكذا يمكن تتبع ملامح ومظاهر الضياع من خلال تتبع أحداث كل حكاية من هذه الحكايات :

_ حكاية رشيد وفاطمة :

تعتبر هذه الحكاية محور الرواية بامتياز ، ليس فقط بحكم حضور شخصيتي فاطمة ورشيد على امتداد صفحات الرواية بدءا بالصفحة الأولى ( ص 7 ) وانتهاء بالصفحة الأخيرة منها ( ص 134 ) ، وإنما لأن كل أحداث الحكايات الأخرى ترتبط بهذه الحكاية بشكل أو بآخر ، هكذا يتضح جليا من خلال تتبع أحداث هذه الحكايات أنها تصب في مجرى الحكاية الأصلية بحكم العلاقات التي تربط رشيد وفاطمة بباقي الشخصيات .

ولعل ما يميز هذه الحكاية المحور أنها تجسد ثنائية ” الضياع/الخلاص التي اعتبرناها بوصلة يمكن قراءة الرواية على ضوئها ، ذلك أن أحد طرفيها يجسد حد الضياع ، في حين يمثل الطرف الآخر حد الخلاص ، والمثير للانتباه أن الطرفين معا على اختلافهما الذي يصل حد التناقض ، وعلى تنافر طباعهما ، وتباعد نظرتيهما للحياة ، وعلى الغياب شبه التام الذي لأي نقطة من نقط التقاطع بين دائرتي   اهتماميهما ، فإنهما يرتبطان بميثاق الزوجية الذي سماه الله عز وجل ” ميثاقا غليظا ” ، ومعنى ذلك أنهما ملزمان بأن يعيشا في فضاء واحد    ( فضاء الأسرة ) ، بل ملزمان بأن يوثقا علاقتهما الزوجية أكثر وأكثر خاصة وأن زواجهما أثمر فتاة يمكن اعتبارها نقطة التقاطع الوحيدة التي تجمع بينهما ( الطفلة آمال ) .

ولعل ما يثير الانتباه أكثر أن تناقض وتنافر طباع الزوجين وتباعد نظرتيهما للحياة لم يؤد إلى زعزعة أركان هذه الأسرة ، ولا إلى انقطاع عرى العلاقة الزوجية ، رغم التوتر الذي يطبعها، وذلك لأن ” فاطمة ” كانت تستقبل كل رعونات زوجها رشيد ، وكل حماقاته وكل سلوكاته المنحرفة بإيمان وثبات وصبر جميل ، كانت تستقبل كل إساءاته بإحسان وتكتم وكظم للغيظ ، بل إنها كانت تدعو له بالهداية والتوبة ، وكانت تصر على تربية طفلتها آمال تربية ربانية صحيحة دون أن تشعرها بتقصير والدها الذي جرفته لجة الشهوات ، وضاع في مستنقع الحياة الدنيا وزينتها وغواياتها ، فأنساه الله نفسه إذ نسي ربه.

إن ضياع رشيد يأخذ أبعادا خطيرة ومتشعبة ومتعددة :

_ معاقرته وإدمانه على الخمر ، وفي فضاء حانة الجوزاء تعرف على ثلة من الرواد المدمنين الذين ربطتهم به علاقات حميمية عمقت من مأساة ضياعه .

 _ وقوعه في شرك الخيانة الزوجية تارة مع سناء الساقية ، التي ساقتها ظروف القهر والضياع إلى العمل في مستنقع الضياع  هذا ، وتارة أخرى مع عزيزة زوجة مسعود الذي يعبر من أقدم رواد هذه الحانة .

_ انخراطه في شبكة/عصابة تتاجر في المخدرات ، مما جعل أمر تجارته والأموال الطائلة التي يجنيها مشبوهة ومشكوكا في أمرها ، حتى من طرف زوجته فاطمة التي كانت تفضل من فرط طيبوبتها وايمانها واستقامتها أن ” لا تحشر أنفها في كل شيء ، ولا يعجبها أن تكون الزوجة عينا راصدة على الدوام لكل حركات الزوج وسكناته . ” ص 8

ورغم لحظات الضعف التي كانت تنتاب فاطمة خاصة بعدما اكتشفت أمر وقوعه في مستنقع الخيانة ، ورغم الهواجس والوساوس التي كانت تسيطر عليها ، فإنها سرعان ما كانت تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، وسرعان ما كانت تردع نفسها الأمارة بالسوء ، وتلتجئ إلى باب الله عز وجل تستمطر مغفرته ورحمته ، وتسأله الهداية والتوبة النصوح ، وهذا ما يجعلنا نتردد كثيرا في اعتبار هذه اللحظات التي كانت تجتاحها بين الفينة والأخرى دليلا على شعورها هي أيضا ب ” الضياع ” ، ذلك أن هذه اللحظات الحرجة تعبر على أن فاطمة المؤمنة الصابرة المحتسبة ليست ملاكا مجردا من الرغبات والحاجات ، بل هي إنسان تحتاج لكل ما تحتاجه النساء المتزوجات من حب ووفاء وتقدير واحترام ، ولعل هذا ما يشكل نقطة قوة شخصيتها ، هذه القوة تتمثل أساسا في تغلبها المستمر حتى على الميولات الفطرية التي فطرها الله عليها كسائر النساء ، كانت بقوة إيمانها تكبح زمام الغيرة التي كانت تنهشها نهشا ، وكانت تطارد وساوس وهواجس نفسها ، وهذا دأب الصالحين والمؤمنين والأولياء العارفين بالله الذين أجمعوا على أن ” أعدى عدو للإنسان نفسه التي بين جنبيه” ، ولعل ما يزيد فاطمة تألقا وقوة كونها تعايش ” الضياع ” وتتعايش معه يوميا ، دون أن ينال ذلك من  ايمانها ، ودون أن يتسرب شك إلى يقينها ، فقد كانت موقنة بأن دعاءها وصلاتها وتضرعها والتجاءها المستمر الصادق إلى باب المولى عز وجل لن يضيع  سدا ، والأكيد أنها كانت تستمد هذه القوة وهذا اليقين من صحبة شيخ صالح ( سيدي فاتح ) من خلال ” جمعية الهدى ” التي شكلت الإطار التربوي الرباني الصادق الذي يحتضنها ، ويمدها بالزاد المناسب لمواجهة كل الشدائد والأهوال والعقبات …   

_ حكاية مسعود وعزيزة :

في فضاء حانة ” الجوزاء ” تعرف رشيد على مسعود الذي شكلت الخمر والحانة بالنسبة إليه متنفسا ومهربا في الوقت نفسه ، وقد ” اختلف الناس حوله اختلافا كبيرا حتى كادت تكون فتنة ، فبعضهم يجزم بأنه سياسي مفلس ، كفر بالسياسة وأهلها ، وتنحى ليعيش بعيدا عن الضوضاء ، وبعضهم يقول بأنه كان مناضلا قد تعرض للسجن والتعذيب ، ثم بعد مدة أعطوه بعض التعويضات ثمنا لسكوته ، وكانت الحانة ثمنا بخسا للهروب ..ويذهب ثلة منهم إلى أنه مجرد نديم مخلص للاستعمار ، أهداه هذه الحانة عندما أزمع الرحيل … ”  ص 42  ، لقد أمضى مسعود حياة جامعية غارقة في النزوات والشهوات البويهيمية ، ووجد نفسه بعد موت صديقه الإسباني بيدور في هذه الحانة غارقا في دنيا الخمر وسط ثلة من الندماء الذين ألفوا أن يتحلقوا حوله ينشدهم ما حضره من محفوظه الشعري ، ذلك أنه كان مولعا بالشعر التقليدي يحفظ منه الكثير  .

أول مظهر إذا من مظاهر ضياع مسعود يتمثل في إدمانه شرب الخمر مما جعله يشعر بأنه فقد كل شيء : مروءته ، نخوته ، كرامته ، اعتزازه بنفسه ، قوة شخصيته … ومما يعمق مأساته ، ويزيد جرحه نزيفا استهتار عزيزة زوجته بميثاق الزوجية ، وسقوطها في بركة الخيانة ضاربة عُرض الحائط كل القيم النبيلة ” يا لمسعود المسكين ! لم يعد سوى خشبة مسندة ، ربما عقله الذكي الموسوعي قرر أن يهجر ذلك الجسم العاجز ، ربما قرر أن ينتقم من الضعف الجسدي المهين … وربما علم بخيانة عزيزة له … ” ص 76 ، وبلغ من استهتارها وتهتكها أن تخلت عليه بعدما ألم به المرض ” ولم تتوان زوجته المتعجرفة عن إظهار قرفها واشمئزازاها من حاله ، بل إنها لم تسمح له منذ أن عرفت حاله أن يقاسمها الفراش ، وتركت له غرفة صغيرة يظل فيها طوال النهار وحيدا ، ثم تشغل التلفاز كي يغطي على همهماته واعتذاراته وبكائه … ” ص 73 _ 74 ولعل ما يعمق هذه الأحاسيس تلك المقارنات التي كان يعقدها أحيانا بينه وبين أبيه بوشتة: 

” أبوك ؟ لا ينبغي أن تذكره بشيء ، ما للوحل اللزج والذهب الخالص ! كان مقاوما شهما ، لا تتحدث عنه أرجوك ، فإنك تزعج الأرواح الطاهرة وتؤذي التاريخ ، ما ينبغي للجرذان أن تتحدث عن النظافة ، بوشتة كان قمة ، كان علما ، كان في الثريا ، وأنت …  صه … ” ص  68 ، إنه اختلاف جوهري بين جيل الرجولة الكاملة ممثلا في الأب بوشتة ، وجيل الضياع والخراب ممثلا في الابن مسعود ، تلك الرجولة لم تنبع من فراغ بل كانت ثمرة التربية الإيمانية القوية التي كانت تشرف عليها الزوايا ، فقد كان بوشتة ” مريدا في الزاوية ، ذكر الله مع الذاكرين ، لكنه هب للجهاد وترك القعود والتقوى العاجزة ، انخرط في كتائب المقاومة وعمره لا يزيد عن السابعة   والعشرين ، أتذكر كيف كان يعود ؟! أتذكر حرصه على الوضوء والصلاة وأكل اللقمة الحلال ، تلك كانت القضية يا مسعود ، عينه كانت على الآخرة ولم تثره الدنيا الحقيرة في شيء ، همة سامقة ، وإرادة فولاذية … أما أنت ، رفات موات ، خسارة وعجز فاضح … ” ص : 68 _ 69 ، وفي مقابل فضاء الزاوية العبق بروائح الذكر والوضوء والصلاة والقرب من الله تعالى ، ينتصب فضاء الجامعة المفعم بمختلف التيارات الفكرية الهدامة ، وبشتى ألوان الفوضى والعبث واللهو والهوى والبعد عن الله عز وجل … إنه الفضاء الذي احتضن مسعود الذي وجد نفسه أخيرا غارقا في مستنقع الضياع … إن المقابلة بين بوشتة وبين أبيه مقابلة بين جيل قاوم الاستعمار بكل غال ونفيس ، جيل استشهد وهو يجاهد الكفار الظالمين … وجيل باع كل القيم ، وداس كل المقدسات ، وخان دينه ووطنه ومبادئه ، لينخرط في مسلسل الرذيلة والفجور والفاحشة ، ” الرجال حرروا البلاد ، وأمثالك يعيثون فيها فسادا ، أرادوها طاهرة يملأها العدل ، فملأتموها فجورا وظلما … ” ص 72 ، إن مأساة مسعود ” مأساة جيل سحقته طاحونة العنف الرهيب ، جيل أدى ثمن رفعه الرأس أمام دكتاتورية متمرسة بالتاريخ والدين والحديد والنار .. انتكاسة مبكرة ، وهروب أقبح في اتجاه خاطئ .. ” ص 70

ومن مظاهر الضياع في هذه الأسرة افتقادها إلى الأبناء ، فعزيزة امرأة عاقر ، ورغم ذلك فإن مسعود لا يستطيع فراقها لشدة حبه لها ، وتعلقه بها ، ولأنها زوجة خائنة غارقة في دنيا الخيانة والضياع ، فإنها استجابت لنداء نفسها الأمارة بالسوء ، فتنكرت لكل العهود والمواثيق الزوجية ، لتقبل على قتله أخيرا … حاولت عبثا التنصل من المسؤولية ، ولكنها اعترفت أخيرا بجريمتها الشنيعة … ليزج بها في السجن عقابا دنيويا معجلا … 

_ حكاية ضياع سناء :

ستاء ساقية الحانة ، شابة جميلة فاتنة وضائعة تماما ، ولعل حضورها في فضاء الحانة يشكل تجسيدا حيا لهذا الضياع ، تحكي لمسعود قصة ضياعها بمررة لا تعادلها مرارة ، كانت البداية بحدث الطلاق الذي كان نهاية لعلاقة زوجية بطعم الشك والتهديد والضرب ، وبعد أشهر قليلة ماتت الأم ، تزوج الأب من امرأة أخرى … وفي شرك علاقة غرامية غير محسوبة العواقب مع أحد الشبان ، وقعت سناء ضحية لحظة ضعف جارفة سمحت لنفسها بكل شيء معه … باءت كل محاولات إصلاح الخطأ القاتل بالفشل الذريع … وجدت نفسها أخيرا في شارع الضياع والعبث ” فتناولتها كلاب الليل ، وأفضى بها ليل إلى ليل بين أنياب الذئاب الجائعة ”  ص 23 _ 24 حتى عثر عليها مسعود على قارعة المقبرة بين الحياة والموت …  حملها في سيارته وأخذها إلى بيته ، وعملت بعد ذلك ساقية في هذه الحانة حيث ستصبح موضع إعجاب ، ومبعث لذة ، ومهوى أفئدة الرواد المدمنين … ورغم انخراطها المطلق في عالم النشوة واللذة والمتعة المدنسة العفنة … فإن الشعور بالضياع كان لا يكاد يفارقها قيد شعرة ، وهذا ما يتجسد في رغبتها الملحة في الخلاص بالموت ” اللي مات تهنا ، الميت هو اللي مقطوع الجذور وخا واقف ” ص  47

_ أسرة السيد سليم والضياع :

يتخذ الضياع مع أفراد هذه الأسرة أبعادا متعددة و مختلفة ومتداخلة في الوقت نفسه ، فربها الأستاذ سليم المحامي يرى أن الحياة ” لا تعني شيئا سوى اللهاث المتواصل لجمع المال والتبجح بربح القضايا الشائكة في المحاكم ” ص 59 ، ومن أجل المال ينخرط في شبكة لترويج المخدرات ، ” ما الذي جعل الشاحنة تسقط في يد البوليس هذه المرة بالضبط ؟ ” ص 63 ، أما عواطف فهي وحيدة أبويها ، فتاة جعلها دلالها تتيه في دروب الضياع بلا حسيب ولا رقيب ، فأبوها ” لا هم له سوى كيف تسعد هذه الفتاة وتتألق وتنجح … هي الأمل ، ومشروع العمر ، هي الهدف والحقيقة واللوعة … هي لب الحياة وعقدها الفريد … هي عقل السيد سليم وجوهر حياته … ” ص 82 لذلك فإنها تطلق العنان لأهوائها ورغباتها الجامحة ، تعيش حياتها بكامل الحرية والطلاقة ، بشكل يثير حسرة الأم وحنقها وغيظها ، لذلك فإنها لا تملك إلا أن ” تتحسر على زمن الحياء ” ص  83  بعدما تأكد لها بأن هذه الفتاة ” لا تشبهها في شيء ، وبأن هذه الدنيا غزاها المسخ حقا ، وأن السيد سليم هو المسؤول عن هذا العبث المشرع على الهباء والخيبة .. ” ص 82 .

إن دلالات الضياع مع عواطف ابنة السيد سليم تتخذ أبعادا خطيرة ، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على انحراف في السلوك ، أو استرسال مع هوى النفس ، بل تجاوز ذلك إلى الخروج التام عن الملة وتغيير العقيدة ، فبعدما سافرت إلى ألمانيا لاستكمال دراستها ، ” جاءه أحد معارفه على مكتبه ، , وأخبره بأن ابنته عواطف قد تنصرت وخرجت عن ملتها ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل تزوجت شابا يهوديا … ” ص 131  ، وهذا ما شكل صدمة نفسية خطيرة بالنسبة للسيد سليم وزوجته ، فقد أصيبت هذه الأخيرة بأزمة قلبية حادة فارقت الحياة على إثرها ، أما السيد سليم فقد ضاع تماما إذ ” فقد عقله ، وتاه في الدروب والأزقة ، لا يتحدث إلى أحد ، يتضور جوعا ، فيطعمه من يعرفه … ” ص 132  

 _ ضياع البرلماني :

في فضاء الحانة يجد البرلماني كل ما تهفو إليه نفسه الأمارة بالسوء ، يرتمي في أحضان اللذة والشهوات بلا هوادة : المرأة   والخمرة ،  يقبل على شرب الخمر إلى حد الثمالة ، حيث يفقد السيطرة على نفسه ” لكن القرد الهرم أصبح يتمايل كأنه مصنوع من العجين  ، مجرد حيوان لا فقري رخو ، يمشي حاملا بطنا تتقدمه كجسم وقائي … ” ص 26 ” القرد أمامك لازال يعب كؤوسه وعيناه لا تكادان تفارقان سناء وهي تنتقل بين السكارى كفراشة زاهية … ” ص 25  

_ ضياع أحمد السليكي :

أحمد السليكي هو والد سناء ، كان ضياعه سببا في ضياع كل أفراد أسرته ، رغم طلاقه أم سناء فقد أحس بصدمة قوية بعد وفاتها ، طرد من عمله ، زاد إقباله على شرب الخمر ، أخذ يذيق ابنه زهير وزوجته الجديدة شتى ألوان العذاب ، أخذ يبيع أثاث البيت من أجل إشباع نهمه إلى الخمر ، لم يجد زهير من حل إلا الهجرة عبر شاحنة إلى إسبانيا ، أما الزوجة فقد غادرت البيت وتركته وحيدا يتجرع مرارة الندامة والوحدة والألم … انتهى به الأمر إلى بيع البيت ، فوجد نفسه أخيرا شريدا ضائعا ، لم يجد من حل إلا الرحيل مشيا إلى مدينة أخرى ، وهناك وجد في المقبرة ملاذا وملجأ استأنس برجل عجوز طيب يعمل حفارا للقبور ، مات ذات يوم فلم يملك إلا أن يبكيه معترفا له بضياعه التام ، وبمسؤوليته عن ضياع كل أفراد أسرته : ” أعترف لك يا صديقي أنني حثالة طارئة ، نعم أنا المسؤول عن كل شيء ، هروب سناء ، وموت الزوجة ، وضياع الابن ، وضياع المنزل ، كل شيء ، لا شك أنني سأحفر عنك ذات يوم وأرقد بجنبك ، هذا هو الحل ، هل تقبلني معك هناك ؟ ” 107        

ب _ الشيخ ” سيدي فاتح ” وتيمة النجاة :

وسط هذا العالم المصبوغ بشتى ألوان الضياع ، والمحاصر بكل أمواج الشهوات والرعونات ، والمكبل بكل الأهواء   والانحرافات ، ينتصب ” سيدي فاتح ” طوقا للنجاة ، والحقيقة أننا لا نتعرف على هذه الشخصية إلا من خلال بعض شخصيات الرواية التي شكلت استثناء في خضم هذا الضياع الهائل الجارف ، فسيدي فاتح هذا هو شيخ فاطمة في التربية الإيمانية ، فاطمة التي وقفت بصبر وثبات ويقين لا يعادله يقين في وجه كل رياح الفساد والضياع .

فاطمة الزوجة المؤمنة التي ظلت تقابل كل رعونات زوجها رشيد بصبر واحتساب ، كانت تستمد يقينها هذا من دوام اتصالها بربها عز وجل ” يجب أن أتوضأ ، الصلاة ملجأ الحائرين ، سأخرج حقائبي وأرحل إلى بابه ، أطرق وأنتظر ، باب الكرم لابد يفتح ” وكل الولاء بالبلاء ” يا من يدعي الإيمان!  ها هو الصيرفي !64  ، الصلاة والدعاء والذكر أسلحة لم تتخل عنهما إطلاقا وهي تواجه أصعب الأزمات ، إنها تواجه استهتار زوجها وفجوره وتهتكه وخيانته وغدره بإحسان وكرم نفس ، إنها تحارب بقوة الحب والخير مجسدة أعلى مقامات الإحسان ، دون أن تفقد الأمل قد شعرة في رحمة الله تعالى ” سوف تعمل جاهدة كي تزهر الأيام في هذا البيت من جديد ، هي لا تستسهل الأمر ، ولكم من يملك قوة يقين لا يتزعزع تهون أمامه كل الصعاب ” اليقين الحقيقي يصمد في وجه العقبات والأهوال . ” .   ص 76  ، ورغم أن هواجس الانتقام / والضياع كانت تنتابها أحيانا إلا أنها سرعان ما كانت تطردها طردا ” هل تأخذ الفتاة وترحل إلى المجهول ؟ هل تبدأ لعبة الخيانة بدورها وتسير هي أيضا على حافة السكين فتمزق روحه كما مزق روحها ؟ هل تصمد إلى ما لا نهاية وتتسلح بصبر أسطوري ؟ … ” تستفيق قليلا من هواجسها ، وتطرد الأفكار الشوهاء ، تلعن الشيطان وتستغفر الله قليلا ، ثم تتوضأ لصلاة العشاء …  ” ص 80 _ 81 ، تفر إلى الله ، معرضة عن كل هذه الهواجس الهدامة ، والوساوس المدمرة ، تناجي ربها بحب صوفي عميق وعبق ” الجئي إلى الباب ، ما أوحشك من خلقه إلا لتعرفي الطريق إليه ، وما ألجأك إلى بابه إلا لأنه يحبك ، ما قيمة الحياة بدون معرفته ؟ ما معناها بعيدا عن عبادته وتوحيده والخضوع له والتدلل بين يديه ؟ … ينادي عليك كي تقبلي ، كي تفوزي به ، ” ومن مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته . ” ص 81 ، وما عمق من مأساة فاطمة أنها ابتليت بمرض سرطان الثدي الذي لم تزدها المعاناة منه إلا إيمانا ويقينا وقربا من حضرة المولى العظيم الذي ” يختبر كل من ادعى الإيمان ، ليميز الصادق من الكاذب ، فمن وجد في دينه صلابة زاد   بلاؤه ، وإن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل والأمثل … ” ص 111 كما جاء على لسان فاطمة متحدثة إلى سناء .       

أما سناء فقد بدأت يقظتها القلبية بعد زيارتها قبر مسعود ، – الذي أوصى لها بالبيت قبل موته-  اهتز كيانها أيما  اهتزاز ، تذكرت بأنها ستموت يوما ما هي كذلك ، وتذكرت بأن حياتها ضاعت في لجة الحياة الفانية ، وأنها نسيت ربها تماما ، وأنها سترحل إليه خاوية الوفاض ، لذلك فقد قررت أن تودع ” حياة العبث والتفاهة واللامعنى ” ص 98  وأن تتوب إلى الله عز وجل ، كانت فاطمة الصدر الدافئ الحنون الذي احتضنها بكل حب وبكل يقين ” التقى القلبان : قلب فاطمة المفعم بالإيمان والحب ، وقلب سناء المتعطش إلى ربه ، المستفيق لتوه من سبات عميق ، خفق اللقاء بقوة ، والتقت الأرواح جنودا مجندة ، تعارفت فائتلفت وتحابت بروح الروح … ” ص 102 ، أحست سناء بندم شديد لمشاركتها في خيانة هذه المرأة الطاهرة وأعجبت أيما إعجاب بصبرها وثباتها على المرض العويص ، بكلامها  العذب ، بنورانيتها الخاصة ، بإشعاعها الروحي الآسر … ” علمتها الوضوء والصلاة ، وضربت لها موعدا آخر ، سيتكرر مرات     ومرات … ” ص 103 … توطدت العلاقة بين التائبة ، الوافدة الجديدة على الله وفاطمة التي كانت تحدثها دائما عن ” سيدي فاتح ، شيخها في التربية الإيمانية ، تسهب في تعداد مناقبه وإظهار فضله عليها ، ” صحبته بلسم ، صحبته نور ، صحبته حياة … ” ” ص 112 بل إنها لا تفتأ ” توجه اهتمام سناء إلى هذا الشيخ المجاهد , ” رجل آية في الصدق والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، رجل كله رحمة ورفق وعمق ، رجل آية في بساطته وقوته ، في يقينه وبعد نظره . ” ص 113 ، وعندما تحاول سناء التعبير عن إعجابها بأخلاق ونورانية فاطمة ، تعترف هذه بالفضل لأصحاب الفضل ” بفضل سيدي فاتح ، هو صاحب الفضل ، فمن يده نأخذ اللقمة ، ومن قلبه الكبير نروي    عطشنا . ” ص 113 ، وبعدما اشتدت وطأة المرض الخبيث على فاطمة ” كانت سناء لا تكف عن زيارتها وخدمتها ، صارت كممرضة    لها ” ص 115 ، وحتى في أحلك اللحظات وأشدها حرجا لم تنس أمر الدعوة إلى الله عز وجل ، لذلك فقد اقترحت على سناء أن تجعل من الحانة مسجدا يحفظ فيه كتاب الله تعالى ، وطلبت من رشيد زوجها أن يساعدها في هذا الأمر . وقد أثار بناء هذا المسجد معركة ضارية بين أصحاب المشروع وبين العلمانيين الذين رأوا في بناء المسجد تعديا صارخا على رمز من رموز التراث المعماري للمدينة ، وبعد سنة من الصراع والمواجهة استطاع الأستاذ سليم أن ينتزع حكم حرية التصرف في ملك خصوصي من المحكمة ، ولأنها قد أصبحت عضوا في جمعية الهدى ، فقد اختارت لهذا المسجد اسم ” سيدي فاتح ” ، وصارت تكرس كل وقتها لحفظ القرآن الكريم ولأمور الدعوة إلى الله تعالى . أما رشيد الذي مكث إلى جوار فاطمة خلال مدة مرضها ، فقد أدرك أخيرا أنه كان زوجا لامرأة من معدن نفيس ” رأى صفاءها وطهارتها ، رأى قلبها الكبير وهمتها السامقة ، رأى سمو روحها وتجردها ، رأى زهدها في المتاع الفاني وتعلقها بالجناب العالي ، رأى صبرها وثباتها ، رأى يقينها ورضاها عن ربها ، وعرف درجة الغبن التي كان غارقا فيها … ”  ص 114 ، طاف بها على الأطباء في محاولة يائسة لاستدراك ما فاته ، ولكن دون جدوى … وكانت أجمل هدية قدمها لها هي إخبارها بأنه بدأ يصلي ، وأنه قرر الامتناع عن الخمر والتدخين ، وأنه قرر التوبة إلى الله عز وجل ، فرحت أشد الفرح ، وأيقنت أن الله تعالى استجاب دعاءها الصادق  أخيرا ، وعندما أيقنت باقتراب أجلها طلبت من رشيد أن يتزوج من سناء ، وحثت سناء على ذلك ” لا تخجلي ليس عيبا ، لقد تبت إلى الله ، والتوبة تجب ما قبلها … ” ص 128  ، لذلك فإنها لم تملك إلا أن توصيها خيرا بابنتها آمال وبرشيد ” أوصيك بآمال ، لا تعانديها ، أبوها دللها ، ولكنها طيبة القلب ، أما رشيد ، فكونا لبعضكما سندا وعونا ، الدنيا إلى زوال ، موعدنا هناك ، عند الله ، في الجنة إن شاء الله . ” ص 133 … وتوجه آخر كلماتها لسناء ” … لا تفكري في ترك جمعية الهدى ، هي رفقتك وسندك ، هي رهطك الذي تتمنعين به على الأعداء والخصوم ، وحب سيدي فاتح هو السر ، هو الدواء ، هو حادي السير ، صحبته هي الكنز العظيم ، به تعرفين الله تعالى ، ” الرحمن فاسأل به خبيرا ” ، صدق الله العظيم . ” ص 134 .

كما نجد حضورا للرؤيا كقارب للنجاة من حياة العبث والضياع ، فأحمد السليكي الذي امتلأت بالضياع أشكالا وألوانا يعيش تجربة توبته عبر رؤيا رآها ذات ليلة ، إذ بينما كان  ” ينام في عشه القصديري ، مسجى بأغطيته البالية ، وقف عليه في منامه سيدي فاتح ، … جاءه بسطل ماء ، ونهره قائلا : ” نوض ها الما ، إيوا سير مع هاذ الخط ” ، وأشار بيده إلى خط ضوء أخضر صاعد في السماء ، فأخذ يبكي بكاء شديدا حتى استفاق وهو على تلك الحال ، يحس بقلبه كأنه مبلل ، أخذه خوف شديد وفهم أن عليه أن يتبع وصية سيدي  فاتح ، حتى تمر الأمور على خير … ” 108 ومنذئذ ذاق حلاوة التوبة وعظمة الإيمان فزاد إقباله على الله تعالى … ولم تكن الرؤيا الوحيدة التي رأى فيها هذا الولي فقد رآه ” مرات أخرى في منامه ، جاءه مبتسما وأخذ يرقبه في صمت … ”  ص 108

خلاصة القول إن رهان ” عطش الليل ” هو أن واقع الضياع والعبث الذي ينخر مجتمعنا نخرا ، لم يأت من فراغ بل هو واقع صنعه الغرب الحاقد الذي خلف بعد رحيله عن أقطارنا وكلاءه الذين عاثوا في الأرض فسادا ، والذين لم يدخروا جهدا في تخريب عقول وأخلاق شباب الأمة … فحانة ” الجوزاء ” التي شكلت فضاء الضياع في الرواية ليست إلا واحدا من مخلفات الاستعمار ، الذي            ” عمل بشكل منهجي على نشر أوكار الدعارة والخمر والقمار … ” ص 85  وازدادت البلايا بعد جلائه ، ” … حيث تم اللجوء إلى تجارة المخدرات والتهريب كعمل يدر الكثير على أصحابه ” ص 85 … غير أن هذا الضياع وإن ملأ البر والبحر كما يقال لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستسلام  ، والركون ، والانسياق مع التيار الجارف ، والهروب من المواجهة … إن شعلة الأمل لابد أن تبقى متقدة أبدا ، وإن آخر الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها ، لابد أن تتصالح الأمة مع ماضيها ، مع تاريخها ، مع جذورها … لا بد من عودة إلى الأصول ، والثوابت … كيف يجب أن يتم ذلك ؟ عبر أي فهم ؟ وفق أي منظار ؟ وفق أي طريق ؟ … هذا ما تجيب عنه البطلة الصابرة المحتسبة فاطمة ، التي لا تعبر في نهاية المطاف إلا عن وجهة نظر شيخها العالم الولي المربي سيدي فاتح …

إن سيدي فاتح الذي أنار سبيل فاطمة ، ما هو إلا اسم فني مستعار لشيخ مجدد مرب وفق لتقديم مقترح واضح للعمل ، مضبوط الخطة ، واضح العالم ، يخاطب شعور الأمة ويوقظ وعيها ، مقترح عماده : لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،    واستطاع _ عبر هذا المقترح _ أن يبني مدرسة ربانية أساسها الصحبة والجماعة والذكر والصدق ، وبرنامجها التربية ، والتربية ، والتربية ، وصواها منهاج نبوي راشد ، وأهدافها خلاص فردي وخلاص جماعي معا … خلاص فردي يهتم بمصير الفرد : ما اسمه في الملكوت  الأعلى ؟ ما مصيره بعد الموت ؟ ما حظه من الله ؟ … وخلاص جماعي يهتم بمصير الأمة جمعاء : كيف تتحرر من الاستبداد السياسي المتحكم في أعناق وأرزاق البلاد والعباد ؟ كيف تستعيد حرماتها التي مزقت وانتهكت تباعا من طرف حكام الجبر الظالمين المتجبرين   الطغاة ؟ كيف تسترجع كينونتها ومكانتها وقوتها بين الأمم ؟ … ولعل ما عرفته بعض الدول العربية إبان موسم الربيع العربي يشكل بداية الإجابة عن بعض هذه الأسئلة …                                      

نُشرت بواسطة

د. خالد ناصر الدين

باحث في الأدب المغربي، جامعة محمد بن عبد الله فاس - المغرب.

شارك برأيك