معهود العرب اللغوي زمن الرسالة وأثره في الخلاف الأصولي والفقهي

في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس ـ ظهر المهراز، جامعة محمد بن عبد الله، يوم الإثنين 2 دجنبر 2013 ناقش الباحث رشيد السمغولي رسالة الدكتوراه في موضوع: معهود العرب اللغوي زمن الرسالة وأثره في الخلاف الأصولي والفقهي، ضمن وحدة التكوين والبحث الدراسات الفقهية المقارنة. وقد تألفت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة :

   الدكتور حسن الحمدوشي رئيسا

   الدكتور عبد الرزاق وورقية مشرفا ومقررا

   الدكتور عبد الحميد العلمي عضوا

   الدكتور إدريس الفاسي عضوا 

   الدكتور خالد السقاط عضوا

وفي ختام المناقشة، حصل الباحث على درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا.

                                        

تقرير:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

·       التعريف بالموضوع وبيان أهميته

 الحمد لله حمد الشاكرين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل ” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”[1]، صلى الله عليه صلاة يخرجنا نورها من ظلمات الجهل إلى أنوار الحق المبين، وعلى الله عز وجل اعتمادي فيما أرومه وبه أستعين.

        وبعد فقد اقتضت حكمة الباري سبحانه وتعالى أن يكون اللسان العربي الأصيل وعاء للوحي الخالد المنزل، وقد  جاء في كتاب الله تعالى، في عشر سور منه، التأكيد على عربية الشريعة واختيارها من بين الألسن لتعبر عن مراد الخالق من الخلق، ولتفصح عما جاءهم من الحق ، من ذلك قول الله عز وجل {,إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لعلكم تعقلون}[2] وقوله سبحانه {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}[3]. وقوله عز من قائل { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ  بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ }.

        ولذلك سعيت في هذا البحث الموسوم بمعهود العرب اللغوي زمن الرسالة وأثره في الخلاف الأصولي والفقهي إلى تبيان العلاقة المتينة التي ربطت، في كتب الأصوليين والفقهاء بين معهود العرب في لسانها وأساليب تعبيرها في خطابها وبين طرائق الاستباط والاستدلال من النصوص الشرعية، وأثر ذلك كله في تأطير الخلاف الأصولي والفقهي بمنهج علمي رصين.

         وأعني بمعهود العرب اللغوي ما تقرر عند العرب من أساليب ومفاهيم في الكلام والتخاطب، وبهذا يكون المعهود اللغوي شاملا للألفاظ التي كانت متداولة عندهم بدلالتها ومعانيها، كما يشمل الطرق والأساليب التي تدل بها تلك الألفاظ على تلك المعاني.

         ومن شأن إدراك أساليب كلامهم ومعانيه أن يساعد على بقاء مقومات اللغة العربية محفوظة، يلقنها السابق لللاحق، باعتبارها أمانة ينبغي الوفاء بتأديتها، ليس من باب الواجب الحضاري والإنساني فحسب، بل من باب الواجب الشرعي والفرض الكفائي، ذلك أن الامتثال للشريعة واجب شرعي، ولا سبيل لذلك بدون فهم لنصوصها، وآلته العلم باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

         ونظرا لكون المعهود اللغوي العربي يتغير بدوران حركة الزمن، جريا على قانون التطور الذي تعرفه اللغات البشرية، وما ينتج على ذلك من تغير في دلالات الألفاظ أو ظهور ألفاظ جديدة أو هجر أخرى لم تعد تتداول فقد كان لزاما على من يروم البيان من لغة القرآن أن يفهم ألفاظها على مقتضى الدلالات التي كانت لها زمن نزولها.

         قال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله مقررا هذا المعنى: “لابد فى فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب فى لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه فى فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجرى فى فهمها على ما لا تعرفه”[4]

         ولذلك جاء قيد ” زمن الرسالة ” في العنوان حتى نتجنب الأخطاء التي وقع فيها الكثير ممن رجع في فهمه لنصوص الوحي قرآنا وسنة إلى مطلق لغة العرب ولم يراع أن كثيرا من ألفاظها، رغم كونها متداولة زمن التشريع وقبله وبعده، ليست من حيث الدلالة على وزان واحد.

         فليس من المنطق مثلا أن نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم من حديث جابر بن سمرة: ” لن يبرح هذا الدين قائما ، يقاتل عليه عصابة من المسلمين ، حتى تقوم الساعة “[5] بنفس الدلالة المتداولة في لساننا اليوم  للفظ ” عصابة “.

         وحتى فيما يتعلق ببعض المفاهيم المتداولة عند الفقهاء، نجد أن بعضها حدث فيه تطور دلالي مباين أحيانا للدلالة الأصلية التي كانت لها زمن التشريع، فإذا أخذنا مثلا لفظ “القضاء” عند الفقهاء في مجال العبادات، نجده يدل على فعل العبادة بعد خروج وقتها. بينما نجده في نصوص الشريعة لا يحمل هذا المعنى، كما في قوله تعالى، في سياق الحديث عن بعض أحكام الحج، {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا }[6] وقوله عز وجل { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ }[7] فقضاء المناسك وقضاء الصلاة في الآيتين بمعنى الفراغ منهما وأداؤهما في وقتهما.

         ومن هنا  وجب التنبيه على ضرورة فهم نصوص الوحي على ضوء دلالة ألفاظها زمن الرسالة. قال ابن تيمية رحمه الله ” ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح”[8].

         ولذلك لم يكن القصد من هذه الدراسة جمع المسائل الأصولية والفقهية التي لها تعلق باللغة فحسب كما هو الحال في بعض الدراسات السابقة من مثل ما فعله الأستاذ سعيد الخن في كتابه “أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء”، والأستاذ عبد السلام طويلة في كتابه “أثر اللغة في اختلاف المجتهدين”، بل كان القصد هو تعميق النظر في الاستشهادات اللغوية الأصولية والفقهية، والتحقق من كونها تنتسب وتتأصل فيما كان معهودا في اللسان العربي زمن الرسالة.

·       أهم النتائج العلمية:

         ويمكن تلخيص أهم النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة فيما يلي:

أولا: إن ما جاء في لغة القرآن وكلام النبوة من ألفاظ  وأساليب وطرق للتعبير عن المعنى لهو خير كاشف ومجل لمعهود العرب في خطابها، ولذلك وجب التمرس بلغة الوحي قرآنا وسنة  لفهم الوحي نفسه.

ثانيا: إن القواعد اللغوية والتقريرات والتدقيقات الأصولية التي أثلها لنا علماؤنا الأولون جزاهم الله خيرا لها فضل عظيم في المحافظة على معهود العرب اللغوي وأصالته، ولابد من مراعاتها لضمان أصالة وسلامة الفهم للشريعة.

ثالثا: إن عدم مراعاة معهود العرب في خطابها دفع بعض المنتسبين لعلم الشريعة إلى القول ببعض الآراء الفقهية الغريبة التي خالفوا فيها جمهور الأمة. من ذلك مثلا قول الظاهرية[9] إن البكر إذا صرحت برضاها ـ حال الزواج ـ  بطل العقد وانفسخ بناء على قول النبي صلى الله عليه وسلم ” الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها “[10]. فهذا الرأي هنا لم يراع عرف العرب في التخاطب، إذ إن البنت عندهم في حال خطبتها كانت تستحي فتعبر عن رضاها بالصمت. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها  أنها قالت: يا رسول الله، إن البكر تستحي، قال: ” رضاها صمتها “[11].

رابعا: إننا إذا تأملنا المسائل الخلافية في الدرسين الأصولي والفقهي، ذات الصلة بالجانب اللغوي، وعملنا على عرضها على معهود العرب اللغوي زمن النزول، باعتباره ضابطا للفهم ومقوما للنظر ومعينا على حسن الاستنباط والإدراك، فإننا نلفي معظم الآراء التي تتسم بمخالفة ما عليه الجمهور لا يسندها ـ في الغالب ـ الشاهد اللغوي الأصيل. ومن ثم فإننا إذا رمنا مقاربة الإجماع، والتقليل من مواطن الخلاف، سواء في أصول الفقه أو فروعه، فلا مناص من تحكيم قواعد اللسان العربي الأصيل باعتباره وعاء للشريعة، ومعربا ومعبرا عن أحكامها ومقاصدها.

خامسا: تميز البحث الأصولي في المسائل اللغوية باستقلاليته وأصالته منهجا وموضوعا، حيث إن الأصوليين، رغم استفادتهم من الدرس اللغوي والنحوي وبنائهم أحيانا على ما تقرر فيه عند أهله، قد دققوا النظر في كلام العرب، باعتباره وعاء لنصوص الشريعة، بعناية ناسبت حرمة ألفاظ الشريعة وقدسيتها. وبناء عليه نفهم مدلول القول باستمداد علم أصول الفقه من اللغة العربية بأنه ليس إعادة وتكرارا للموضوعات التي تناولها النحاة والبلاغيون، بل هو نظر أصولي ذاتي ومستقل تناول الخطاب العربي بقصد يروم البيان في نصوص السنة والقرآن بما يعرب عن مقصود الشارع من كلامه. وقد بسط القول في تلكم التدقيقات اللغوية الأصولية أستاذنا المفضال الدكتور عبد الحميد في كتابه المفيد “مسالك الدلالة بين اللغويين والأصوليين “.

خطة الإنجاز

         بدأت، مستعينا بالله تعالى، في تحريري لمادة هذا البحث بمقدمة حاولت فيها التعريف بالموضوع، وبيان أهميته وموقعه من الدراسات الشرعية عامة، وتعلقه الوثيق بالدرس الأصولي الفقهي واللغوي خاصة.

         وقد ارتأيت أن تُنظم حلقات هذا الموضوع من خلال ثلاثة أبواب يشد بعضها بعضا، ويكمل اللاحق منها السابق.

         أفردت الباب الأول للحديث عن مفهوم المعهود وأنواعه وقيمته الفكرية والتشريعية، وهكذا تضمن هذا الباب ثلاثة فصول:

الفصل الأول تناول معنى المعهود لغة واصطلاحا، ومن الناحية الاصطلاحية فقد وقفت على مدلول استعماله عند النحاة، والفقهاء كذلك، وعند الإمام الشاطبي باعتباره تناول هذا المفهوم في عدة مواطن من الموافقات. وأشير هنا أنني لم أظفر بتعريف اصطلاحي منصوص عليه عند الفقهاء وإنما حاولت إدراك مقوماته من خلال تتبع مواطن إيراده عندهم.

ولما كان مفهوم “المعهود” يشمل ما تعارف عليه الناس في خطابهم، وعاداتهم، بالإضافة إلى ما أصبح ثابتا شرعا مما يعرف عند الفقهاء “بمعهود الشرع” فقد اهتم الفصل الثاني ببسط القول في هذه الأنواع الثلاثة من “المعهود”.

وبعد أن أدركت أن دراسة المعهود زمن التشريع لا تنحصر فائدتها في جانب توظيفها الأصولي والفقهي فقط؛ فقد خصصت الفصل الثالث للحديث عن قيمته الفكرية والتشريعية، وقد اشتمل هذا الفصل على ثمانية مباحث أبرزت كلها مختلف الثمرات المعرفية التي تجنى من خلال دراستنا “للمعهود”.

وأما الباب الثاني فقد بسطت فيه القول عما أشرت إليه في المقدمة من الترابط العضوي والموضوعي الحاصل بين أصول الفقه ومعهود العرب اللغوي. وهكذا تناول الفصل الأول من هذا الباب الحديث عن  دور الدرس الأصولي في تجلية وتقرير معهود العرب اللغوي. وهو ما تم تأكيده من خلال باقي فصول الباب الأخرى التي كان مدارها عن أهم القضايا اللغوية التي بحثها علماء الأصول وما فيها من مسائل خلافية، وخاصة ما يتعلق منها بمباحث الألفاظ.

 وقد وجدت ما تم بسطه في هذا الباب ممهدا مناسبا للمتوخى الذي هو تسليط الضوء على علاقة المعهود اللغوي العربي زمن الرسالة بالخلاف الفقهي، وهو ما تناوله الباب الثالث من خلال عرض جملة من المسائل الفقهية التي استثمر فيها الفقهاء معهود العرب اللغوي زمن التشريع في الاستدلال والترجيح الفقهيين.

وقد حرصت في تناولي لهذه المسائل الفقهية على التطرق للقضايا الخلافية التي لها تعلق بالجانب اللغوي، مركزا في الأساس أثناء عرض أدلة الفقهاء على ما يسند أقوالهم من معهود العرب في خطابها زمن النزول، دون إغفال لما يؤازر ذلك من آثار وأخبار.

ولما كان التقيد باللغة الشاهدة الحية زمن الرسالة ضابطا للفهم والاستنباط من نصوص الوحي، فقد حرصت ـ ما أمكنني ذلك ـ  في مجال الاستشهاد اللغوي على إيراد الشاهد من لغة النزول وكلام النبوة في المقام الأول، ثم بعده يأتي الشاهد من أشعار العرب وكلامهم، وخاصة ما ينتسب منه لزمن الرسالة أو ما يقرب منه.

كما يجدر التنبيه إلى أنني لم أقصد إلى استيعاب المسائل الخلافية الفقهية ذات التعلق اللغوي، وإنما كان الذي سقته منها في معرض التمثيل والتطبيق وتقديم النموذج.

وفي الختام أشكر أستاذي المشرف الفاضل الدكتور عبد الرزاق وورقية على توجيهاته ونصائحه التي واكبت هذا البحث، كما أشكر الدكاترة الكرام أعضاء لجنة الفحص الذين نظروا فيه نظرة تقويم وتصويب. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



[1]أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وأخرجه مسلم والترمذي وغيرهما.

[2]جزء الآية 2 من سورة يوسف

[3]جزء الآية 5 من سورة الشورى

[4]الموافقات2/62

[5]صحيح مسلم  – كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا تزال طائفة”

[6]جزء الآية 199 من سورة البقرة

[7]جزء الآية 10 من سورة الجمعة

[8]مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية 3/95

[9]ينظر المحلى لابن حزم 9/123دار الآفاق الجديدة بيروت.

[10]صحيح مسلم 2/1037 – كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق. ح 1421.

[11] صحيح البخاري 7/17 – كتاب النكاح،  باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها. ح 5137.

 

3 تعليقات على “معهود العرب اللغوي زمن الرسالة وأثره في الخلاف الأصولي والفقهي”

شارك برأيك