مصر 25 يناير عام 2011 م : من منظور الاستشراق الصهيوني

في سبيل تأسيس علم الاستغراب

مصر 25 يناير عام 2011 م : من منظور الاستشراق الصهيوني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي خير الورى وسيد ولد آدم محمد بن عبد الله النبي الأمي الذي أرسله ربه رحمة للعالمين صلي الله عليه وسلم ،،،

علي سبيل التقديم :

التبشير ، والاستعمار ، والاستشراق ، مثلث الرعب أو الطواغيت الثلاثة القديمة الجديدة الأكثر تهديدا للمسلمين والعرب سواء في العالم العربي أو في العالم أجمع . وفيما يتعلق بالاستشراق فهو عملية أيديولوجية قام بها نفر من الأيديولوجيين الغربيين منذ نحو قرنيين من الزمان ولن تزال مستمرة إلي أن يشاء الله سبحانه وتعالي . والمدارس الاستشراقية : الفرنسية ، والإنجليزية ، والألمانية ،،، و أخيرا المدرسة الاستشراقية الأمريكية كلها تهف للنيل من الإسلام والمسلمين والعرب ويبدو ذلك واضحا وضوح الشمس منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1987 م عندما أعلنت الصهيوأمريكية العالمية عن البحث عن عدو جديد ، فمنذ ذلك التاريخ استبدلت الصهيوأمريكية العالمية العدو الأحمر -الاتحاد السوفيتي – بالعدو الأخضر وهو الإسلام والمسلمين والعرب . ومن هذا المنطلق كان غزو الصهيوأمريكية العالمية لأفغانستان عام 2001 م ثم احتلال العراق عام 2003م . ومازالت الصهيوأمريكية العالمية تستخدم نفس الأدوات التي فككت بها الاتحاد السوفيتي تستخدمها في تقسم المقسم وتجزيء المجزأ في العالمين الإسلامي والعربي . وهذه الأدوات تتمحور حول علم الأيديولوجي ، فالأيديولوجيون الصهيوأمركيون لا يستخدمون فكرهم في خير بلدانهم وخير الإنسانية بل يستخدمون أفكارهم في إفساد وتدمير الآخر أيا كان هذا الآخر . وكما صرح الرئيس جورج بوش الابن عام 2001 م بعد انفجار برجي التجارة العالمية “…من ليس معنا فهو ضدنا…” بعبارة أخري من لن يكن عبدا للصهيوأمريكية العالمية فهو الذي سيعرض نفسه للاستعمار والغزو والتدمير والهلاك . ولما وجدت الإدارة الصهيوأمريكية الفشل العسكري المريع الذي حدث لها في أفغانستان والعراق استبدلوا إستراتيجيتهم بالنسبة للعالمين الإسلامي والعربي من الاحتلال العسكري إلي الاحتلال المدني ، واخترعوا معركة شيطانية قديمة جديدة وهي ما أطلقوا عليه “حرب الجيل الرابع” أقصد حرب الأفكار أو حرب العقول . ففي هذه الحرب ينزل الأيديولوجيون الصهيوأمريكيون إلي أرض المعركة بدلا من جنود المارينز ، ويخوضون الحرب من خلال وكلاء لهم أو قل عملاء أو ذيول ، وهو ما نطلق عليه “ذيول الاستشراق” . وحدث ذلك ولن يزال يحدث تحت مسمي ” منظمات المجتمع المدني” التي تنادي بالحرية ، والديمقراطية ، وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات الزائفة التي تهدف في حقيقة الأمر إلي هدم الدول المارقة – من وجهة نظر الصهيوأمريكية العالمية – من الداخل وتحويلها إلي دول فاشلة .

ويوجد في أمريكا والكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية أكثر من 1000 مركز علمي تحت العديد من المسميات أبرزها “مركز … لدراسات الشرق الأوسط …” ، وتعمل هذه المراكز ليل نهار علي اختراع الوسائل والأدوات اللازمة والملائمة لهدم الدول المارقة أي الدول التي تأبي أن تدور في فلك الصهيوأمريكية العالمية ، ومن أبرز هذه المراكز العلمية “معهد ألبرت أينشتاين” في واشنطن الذي يشرف عليه اليهودي الصهيوني الأمريكي الجنسية “جين شارب”.

ولقد ظهرت مدرسة استشراقية جديدة إلي حيز الوجود تسمي ” المدرسة الصهيونية للإستشراق ” وهي تنسق مع المراكز المماثلة لها في أمريكا حتى أنك للوهلة الأولي تلاحظ التكامل الذي يوجد بينها فتقول أنها وإن كانت متباعدة جغرافيا إلا أنها لها نفس الهدف ، حتى أنك تعتقد أنها وحدة واحدة من المراكز أو أنها تنتمي إلي كيان واحد هو الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية .ويطلق البعض من الباحثين العرب والمسلمين علي هذا الاستشراق الجديد مسمي “الاستشراق الإسرائيلي ” وبعضهم يسميه ” الاستشراق اليهودي ” ، وبعضهم يطلق علي الباحثين الذين يمارسونه ” المستشرقون الجدد” . ولكنني – من وجهة نطري المتواضعة – أري أن نطلق عليه “الاستشراق الصهيوني أو الصهيوأمريكي” . وكما اختلف الباحثون حول التسمية فإنهم اختلفوا أيضا حول البدايات الأولي لهذا الاستشراق الصهيوني ، والذي يمكن رده إلي البدايات الأولي لظهور الإسلام . (2)

ولقد عدد الباحثون الأسباب التي تكمن وراء تأسيس هذه المدرسة الاستشراقية الصهيونية : من إضعاف الشخصية واللغة العربية ، وتشويه الإسلام ، ودراسة الموقف العربي من الكيان الصهيوني ،،، الخ . (3) ولكن من بين هذه الأسباب المتعددة والمتنوعة أن الشخصية الصهيونية بطبيعتها شخصية عدوانية ، وتعد الحرب بالنسبة لها جزء لا يتجزأ من عقيدتها . وإذا نظرنا إلي مدرسة الاستشراق التي دشنتها الصهيونية في فلسطين المحتلة – من هذا المنطلق – سنلاحظ أن الاستشراق الصهيوني يدخل في إطار الحرب العدوانية علي كل ما هو إسلامي وعربي . يقول د. الشامي : ” إن من يدرس الأيديولوجية الصهيونية ، وتاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين ، ومراحل الصراع العربي الإسرائيلي حتى اليوم ، يمكنه أن يدرك للوهلة الأولي أن الحروب ، هي بمثابة أسطورة مغلقة تدخل في إطار البنية العامة للعقيدة الصهيونية ، شأنها شأن سائر الأساطير المغلقة التي يتعامل معها الفكر الصهيوني العيني ، مثل أسطورة أرض الميعاد ، والحق التاريخي في فلسطين ، والشعب المختار ، التي هي بمثابة أكاذيب مثل أسطورة شعب بلا أرض ، لأرض بلا شعب … وهكذا أصبحت الحروب بمثابة تجسيد ومتنفس حتمي وضروري للروح العدوانية لدي الشخصية اليهودية الإسرائيلية ، مهما حاولت العقيدة الصهيونية أو الإمبريالية الإسرائيلية أن تلبسها من أردية الشرعية المختلفة .” (4) ويعد د. الشامي – من هذا المنطلق – الحرب مسألة وجود بالنسبة للشخصية الصهيونية والعدو الأول فيها هو الإنسان العربي . (5) ويعتبر الاستشراق الصهيوني أحد الآليات المستخدمة في هذه الحرب ، وهنا الحرب لم تعد عسكرية بل “حرب عقول” أو كما يقال “حرب الأدمغة” التي تهدف إلي القضاء المبرم على العرب خاصة المصريين .

وفي هذا البحث سيحاول الباحث أن يقوم بعملية استغراب أي قراءة أيديولوجية مضادة لبحث من بحوث الاستشراق الصهيوني ، لمعرفة موقف المستشرق الصهيوني تجاه العرب عامة والمصريين خاصة .

إن العثور علي بحوث ودراسات ومعلومات وإحصاءات عن الاستشراق الصهيوني مسألة عسيرة جدا جدا لأسباب عديدة لداعي للخوض فيها هنا ، في حين أنه من السهولة واليسر- علي نحو ما أعتقد- على المستشرق الصهيوني الحصول على نفس الشيء .

علي كل حال رزق المولي عز وجل الباحث ببحث “إسرائيل والعالم العربي : قوة الشعب : أنات كورتز ، وشلومو بروم ” ولقد نشر الباحثان هذا البحث في عام 2011م بعد ظهور الاحتجاجات والمظاهرات في الميادين والشوارع العربية سيما المصرية ، وهو بحث يتعمق في ما يجري في العالم العربي من تغيرات بسبب ما جري في نهاية عام 2010 م وبداية عام 2011م ، ويركز البحث علي مسألة بعينها ، وهي “قوة الشعب” أعني بروز الشعب كرقم صعب في معادلة الصراع الفلسطيني الصهيوني .

مصر 25 يناير عام 2011 م : من منظور الاستشراق الصهيوني

عرض وتحليل لبحث : إسرائيل والعالم العربي : قوة الشعب : أنات كورتز ، وشلومو بروم

أما جري ولن يزال يجري في بعض الدول العربية : سوريا ، وليبيا ، وتونس ، واليمن والبحرين ، ومصر خصوصا يؤثر على “الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية” ؟ . بلي ، وليس السبب الهبات الشعبية التي لن تزال مشتعلة في هذه البلدان العربية فحسب بل يرجع ذلك أيضا إلي أن شعوب هذه البلدان العربية أصبحت قوة هائلة في معادلة الصراع الفلسطيني الصهيوني . فهذه الشعوب بحركتها وسلطتها الطبيعية والجديدة التي انتزعتها من الأنظمة المستبدة والدكتاتورية لن تزال تؤثر تأثيرا بالغا على المستوي الآني والاستراتيجي على العدو الصهيوني المحتل لفلسطين العربية . يقول “كورتز” : ” من شأن العاصفة التي هبت علي العالم العربي في مطلع سنة 2011 أن تحدث تغييرات كبيرة في مكانة إسرائيل الإستراتيجية في الشرق الأوسط ، وفي علاقاتها مع العالم العربي . ” (6) ذلك أمر لا شك فيه فالكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية يعيش في هذه المنطقة الحيوية من العالم ومن المنطقي أن يتأثر بما يجري حوله من أحداث وخاصة أن أغلبها تحدث في دول الطوق أو الجوار الصهيوني . نعم ، إن سقوط بعض الأنظمة العربية ” سيؤدي إلى خلق علاقات جديدة ستلقي بظلالها على العلاقات الدولية لهذه البلدان مع دول أخرى في المجال الإقليمي أو الدول الغربية . فدول الربيع العربي كانت لها علاقات خاصة مع الغرب خاصة الولايات المتحدة ، إضافة إلى علاقة كل من مصر وتونس بإسرائيل ، فمصر كانت لها علاقات دبلوماسية ودية مع تل أبيب بسبب اتفاقية كامب ديفيد الموقعة عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة في مارس 1979م ، كما أن تونس أيضاً قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية على مستوى فتح مكاتب اتصال بين البلدين . ووفقاً لهذه التغيرات التي أحدثتها ثورات الربيع العربي على المستوى الداخلي ، سوف يكون هنالك تغيير للعلاقات الدولية التي تربط دول الربيع العربي ، وبالتالي يكون هنالك سياسات خارجية جديدة تتماشي وتتوافق مع المصلحة الوطنية . ” (7)

وإذا أرد الأيديولوجيون والمستشرقون الصهاينة أن يعرفوا الآثار الإستراتيجية التي تقع على عاتق الكيان الصهيوني جراء ما يجري في العالم العربي ، فعليهم من وجهة نظر “كورتز” – أن يقفوا على حال العالم العربي قبل وبعد ما جري ويجري فيه الآن . فيشير “كورتز” إلي أن العالم العربي كان قبل ما جري، يسوده محوران سياسيان إستراتيجيان : المحور الأول : محور إيران ، ومن يدور في فلكها : سوريه ، وحزب الله ، وحركة حماس . ويطلق على هذا المحور : محور المقاومة أو الممانعة . ويقف في الجهة المقابلة محور آخر بقيادة مصر والمملكة العربية السعودية ، ويطلق على هذا المحور : محور الاعتدال . (8) هكذا يصنف التفكير السياسي والاستراتيجي الصهيوني العالم العربي سياسيا وإستراتيجيا ، وهذا يعني أن المحور الأول هو من يقاوم وحده الصهيوأمريكية العالمية ، وأن المحور الثاني لا يقاوم وهذا ليس له نصيب من الصحة والواقع . فمصر خاضت حروب مع الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية . كذلك هذا التصنيف تصنيف طائفي ومذهبي يعمل علي نشر روح الطائفية والمذهبية والفتن بين العرب والمسلمين ، والرابح الأكبر – بالطبع – في ذلك هو الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية . والأيديولوجيون والمستشرقون الصهاينة بارعين في إذكاء وترسيخ هذه المحن والكوارث بين العرب ، الذين لم يتحركوا حتى الآن لمواجهة هذا التخطيط الشيطاني ، فلم نسمع حتى الآن عن مصنع للأدمغة – ظهر إلي حيز الوجود في احدي البلدان العربية خاصة مصر – اشتبك في معركة صراع الأدمغة مع مصانع الأدمغة التي تدير هذا الصراع من أراضي أمريكا ومن الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية .

ويزعم “كورتز” أن مصر والمملكة العربية السعودية سيعتريهم التمزق والتحلل والفساد وستنهار هذه الدول جراء الأحداث الراهنة التي تمر بها المنطقة العربية . يقول : ” أما المحور الثاني فهو الذي يشمل الدول المسماة “معتدلة” ، بزعامة مصر والسعودية ، والذي هناك شك ، بعد الربيع العربي ، في قدرته علي البقاء في صورته الحالية . ” (9) هذا المخطط له بفعل الصهيوأمريكية العالمية من خلال نشر الفوضى الخلاقة التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كونديلزا رايس في العام 2005 م ، والتي تهدف إلي استحداث شرق أوسط جديد أو كبير . وهو نفس ما روج له شمعون بيريز رئيس الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية في كتابه المعنون بـ ” الشرق الأوسط الجديد ” الذي نشر عام 1998 م وغيرهم من السياسيين والاستراتيجيين الصهيوأمريكيين .

ويشير “كورتز” إلي الهدف الإستراتيجي للصهيوأمريكية العالمية في المنطقة ، والذي أصبح مهددا بعد ما جري ويجري في المنطقة بقوله : ” لقد قامت سياسة إسرائيل على المحافظة علي اتفاقيات السلام الموقعة مع بعض دول المحور المعتدل وتعزيزها ، وعلي إقامة علاقات وتعاون استراتيجي مع دول أخرى من هذا المحور . وكان من المفترض أن يركز هذا التعاون على إضعاف محور الممانعة وتحييده ، وخصوصا إيران ، باعتبارها تشكل التهديد الأكبر لإسرائيل بسبب برنامجها النووي . لكن ظهر بوضوح في سنة 2010 ، وعلى نحو ما في الأعوام السابقة ، أن هذه الصورة تبسيطية للغاية . ” (10) ليس من المعقول أن الإستراتيجية الصهيونية قصيرة الأمد كما يزعم “كورتز” بل هي بالطبع إستراتيجية متعددة المراحل . وليس من المقبول أن الصهيوأمريكية العالمية لا تعلم بما جري ويجري ، ولذلك سيجرون تغيرات آنية ومستقبلية علي إستراتيجيتهم في المنطقة . إن بعض الباحثين والمحللين يؤكدون – بما لا يدع مجالا للشك – أن ما جري ولن يزال يجري في هذه البلدان العربية معد له في واشنطن والكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية من بضع سنين . (11)

يشير “كورتز” إلي ما اعتري المنطقة من تغيرات في التحالفات وانخراط لاعبين جدد في المنطقة كتركيا ، وما اعتري الموقف السوري من تغيرات علي الأرض . وينوه كذلك إلي الدور الذي تريد أن تلعبه دويلة صغيرة تسمي “قطر” في المنطقة مقابل دولة كبيرة مثل تركيا . يقول عن هذه الدويلة : ” وهناك أيضا لاعب ، أصغر بكثير ، انتهج سياسة مماثلة- يقصد مماثلة لسياسة تركيا – ، وهو إمارة قطر التي حاولت أداء دور أكبر من حجمها ، أي دور الوسيط بين المحورين ، علي اعتبار أنها لا تنتمي إلي أي منهما . وفي هذا الإطار ، استخدمت بفاعلية قناة “الجزيرة” التابعة لها ، فدعمت لاعبين من معسكر المقاومة ، مع المحافظة على علاقاتها الطبيعية مع دول معسكر الاعتدال . ووجدت قطر في الأعوام الأخيرة صعوبة في مواصلة هذه السياسة بنجاح ، لأنها أدت إلي مواجهات حادة مع دول رئيسية في معسكر الاعتدال ، كمصر والسعودية ، غير المستعدتين لقبول ادعاءات السياسة القطرية ، أو ما اعتبرتاه وقاحة في هذه السياسة . ” (12) لكن “كورتز” تناسي ذكر أن هذه الدويلة “قطر” يوجد فيها أكبر قاعدة صهيوأمريكية في المنطقة ، وتناسي أيضا أن يؤشر علي العلاقات الحميمة بين الأسرة الحاكمة في قطر والكيان الصهيوني المحتل لأرضنا العربية ، أقصد أن دويلة “قطر” ليست إلا دمية صغيرة في أيدي الصهيوأمريكية العالمية وأنها تأتمر بأوامرها .

يهتم الباحث هنا بعلاقة الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية بالعالم العربي بعد ما جري ولن يزال يجري ، ويطرح أسباب هذه الهبات العربية ، تلك الهبات التي أدت إلي بروز دور الشعب في هذه البلدان ، وأنه أصبح المحرك الرئيس للحكومات في هذه البلدان . يقول : ” أعاد “الربيع العربي” طرح إشكالية العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي لأنه قلص الثغرة التي كانت تفصل بين مواقف الأنظمة العربية وبين مواقف الشارع العربي . وبرزت في إسرائيل أصوات تقول إن يقظة الشارع العربي تشكل خطرا علي الأنظمة الموجودة في الدول العربية ، ولا علاقة لها بالصراع الإسرائيلي – العربي ، وهي تعود إلي مشكلات داخلية للأنظمة والمجتمعات العربية . وعلي الرغم من صحة هذا الإدعاء من حيث المبدأ ، فإنه يتجاهل الطابع الذي ميز الاحتجاجات في العالم العربي ، إذ كانت هذه التحركات موجهة في الأساس ضد الطابع الإستبدادي للأنظمة العربية التي أهملت مصلحة الشعب لمصلحة خدمة مصالح نخبة صغيرة فاسدة . وبهذه الطريقة لم تكن هناك صلة بين الشعب وبين حكوماته ، كما لم تكن لدي الشعب القدرة علي التأثير في قرارات هذه الحكومات في الموضوعات المهمة ، مثل موضوع انتقال السلطة (توريث السلطة في مصر لجمال مبارك) ، ولا في الموضوعات الاجتماعية – الاقتصادية ، وتوزيع موارد الدولة ، والسياسة الخارجية ، والعلاقة مع إسرائيل . ” (13) هذه الأسباب وغيرها بالفعل كان لها دورا في خروج الجماهير إلي الميادين والشوارع ، لكن قولنا أن قوة الشعب هي المحرك الأساسي للحكومات ليس له علاقة بالصراع الفلسطيني الصهيوني فهذا لغو باطل وتمويه ممجوج لأن الشعوب العربية خاصة المصري منها مازالوا يدركون أن السبب الرئيس لحالة التردي الحضاري التي يعيشون فيها هذا الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية ، فهذا الكيان يسخر كثيرا من امكانياته الشيطانية ليس لإضعاف الدول العربية خاصة مصر فحسب بل للقضاء عليها جميعا لتحقيق حلم الدولة الصهيونية الكبري من النيل إلي الفرات . إن الشعب المصري – مثلا – أصبح – فعلا – المعلم والموجه ليساسات إدارة الدولة المصرية علي كافة المستويات داخليا وخارجيا . وأصبح من الضروري أن تأخذ الدولة المصرية في تحركاتها كافة نبض الشارع المصري في بؤرة اهتماماتها . وهذا ما يؤكد عليه “كورتز” مخالفا في ذلك وجهة النظر الأخرى من قبل بعض الايديولوجيين والاستراتيجيين الصهاينة التي تزعم غير ذلك . يقول : ” وفي ضوء صور التظاهرات المضادة لإسرائيل التي شهدتها الدول العربية في ذكري يوم النكبة في 15 أيار / مايو 2011 ، من الصعب الاستمرار في ادعاء عدم وجود صلة بين الاحتجاجات في الدول العربية وبين النزاع العربي – الإسرائيلي . فالجمهور الذي تظاهر ضد إسرائيل هو نفسه الجمهور الذي يطالب بالتغيير . ” (14) إن تغيب الأنظمة العربية المستبدة والدكتاتورية للشعوب العربية وتهميشها وإغراقها في الجهل والجوع والمرض كان مدبرا ومخططا له من قبل الصهيوأمريكية العالمية ، والأنظمة العربية لم تكن سوي أدوات في يدها تنفذ املائتها . أما منذ نهاية 2010 م وبداية 2011 م يمكننا الجزم أن الجماهير العربية أضحت تمثل خطرا كبيرا جدا على الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية ، و من الآن فصاعدا لن تجرؤ الصهيوأمريكية العالمية على فعل أي شيء تجاه مصر – مثلا – لأنها أجبن وأضعف من أن تدخل في مواجهة مع الشعب المصري . ويبدو ذلك بوضوح وجلاء في الحالة المصرية – علي نحو ما يذكر الكاتب – ففي مسألة تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية نشاهد تصريحات معادية في مصر تجاه هذا الكيان بل تحركات شعبية مناهضة لهذه الصفقة المشبوهة .

إن الشغل الشاغل للكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية هو اتفاقية السلام الموقعة مع مصر ، و مازال الجدل مستمرا علي أشده داخل دوائر صنع القرار الصهيوني المحتل لفلسطين العربية وفي مراكز الأبحاث المختلفة ذات الصلة بهذا الموضوع . والسؤال المطروح : هل اتفاقية السلام مع مصر مستمرة أم لا ؟ . كل ذلك الجدل في الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية علي الرغم من أن أغلبية الأطراف في مصر أظهرت أنها لن تمس اتفاقية السلام – بحسب الكاتب – ولكن الكاتب يغض الطرف عن أن هذا هو رأي النخبة المقبلة على استحقاقات انتخابية . وتناسي الكاتب أن الشعب المصري لا يقبل باتفاقية العار هذه ، على الرغم من أن الكاتب أقر بأن الشعب المصري أصبح صاحب السلطة الشرعية وأنه هو متخذ القرار في كل القضايا الآن وأن الحكومات لا تملك سوي تنفيذ قرارته فحسب .

ويجيب الكاتب علي السؤال المطروح : لماذا هذا الجدل الكبير داخل الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية عن اتفاقية السلام المبرمة مع مصر ؟ . يقول : ” أدرجت التغييرات في مصر هذه القضية – يقصد اتفاقية السلام مع مصر – في جدول الأعمال ، وباتت موضع جدل داخلي في إسرائيل ، لأن في حال المساس باتفاق السلام مع مصر فإن ذلك سينعكس علي اتفاق السلام مع الأردن ، الأمر الذي ستكون له انعكاسات إستراتيجية بعيدة المدي علي إسرائيل ، فقد أخرج توقيع اتفاقية كامب دافيد سنة 1979 مصر من دائرة الدول العربية التي قد تدخل في حرب مشتركة ضد إسرائيل ، وأبعد احتمال خوض إسرائيل لحرب علي جبهتين في آن معا ، وعلي هذا الأساس بنت إسرائيل توقعاتها الإستراتيجية وحجم قواتها وخططها الحربية ، الأمر الذي سمح لها بتركيز استعداداتها العسكرية علي جبهات أخرى ومكنها من نهاية التوفير في الموارد المالية . وفي حال توصلت إسرائيل إلي الاستنتاج بأن سيناريو الحرب العربية الشاملة قد أصبح ممكنا فإنها ستضطر إلي إجراء تغيير جذري في تقويماتها الإستراتيجية …” (15) إن التغييرات التي تحدث في مصر نذير شؤم علي هذا الكيان الصهيوني ، فقد طل سناريو الحرب الشاملة علي هذا الكيان بعد أن انقشع منذ توقيع اتفاقية السلام مع مصر ، ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلي عودة دور الشعب المصري في معادلة الصراع الفلسطيني الصهيوني ، ذلك الشعب المستعد في كل لحظة لخوض غمار الحرب مع الصهيوأمريكية العالمية والمستعد للتضحية بالغالي والثمين في سبيل عودة فلسطين العربية والمسجد الأقصي السليب . ولذلك تلاحظ أن العجرفة الصهيوأمريكية تجاه مصر انخفضت وتيرتها إلي حد ما في تلك الآونة.

ويصرح “كورتز” بأن هذا الكيان الصهيوني يمر بلحظة اختبار قاسية جدا بسبب ما يجري في العالم العربي خاصة مصر ، ويصف الحالة بأنها ضبابية ، وأن الرؤية الصهيونية للموقف باتت مشكك فيها . وبالطبع فهذا أمر غاية في السوء لأنه يصعب معه اتخاذ القرارات والسياسات والاستراتيجيات الملائمة للوقت الراهن والمستقبلي . لذلك يمكننا القول بدون أدني شك أن هذا الكيان الصهيوني يعيش لحظة ارتباك وخوف حقيقية لم يمر بها منذ نشأته والسبب وراء ذلك هو أن “قوة الشعب” هي الفاعلة وحدها على أرض الواقع في مصر . وأضحي سؤالا ملحا الآن في هذا الكيان : هل نحن – أقصد الصهاينة – مقدمون علي حافة الانهيار والموت وانهيار الدولة وضياع حلم دولة الصهيونية الكبري من النيل إلي الفرات ؟ . يقول “كورتز” : إن الفوضي الحالية في العالم العربي تضع إسرائيل في مواجهة مشكلة كبيرة ، وهي كيفية التصرف في ظل الشروط الحالية من عدم اليقين . ففي حال بدأت إسرائيل في وقت مبكر بالإعداد لاحتمالات انهيار اتفاق السلام مع مصر فإنها ستعرض نفسها للخطر لأن الطرف الثاني سيعتبر ذلك موجها ضده ، وفي حال تأخرت في القيام بذلك وانهار الاتفاق ، فهي لن تكون مستعدة لمثل هذا التغيير في الوقت الملائم . كذلك سيكون لانهيار اتفاق السلام مع الأردن نتائج إستراتيجية قاسية بسبب وجود الأردن في مواجهة إسرائيل ، وعدم وجود حيز جغرافي يفصل بينهما يمكنه أن يلعب الدور الذي تلعبه صحراء سيناء التي تفصل بينهما يمكنه أن يلعب الدور الذي تلعبه صحراء سيناء التي تفصل بين إسرائيل ومصر . لكن يجب الإشارة إلي أن النظام الأردني حافظ حتي الآن علي استقراره ، ومن شأن انضمامه إلي اتحاد دول الخليج أن يساهم في تدعيم استقراره وعبور “الربيع العربي” بسلام . ” (16) ولذلك أخذ الجيش المصري العظيم منذ 25 يناير 2011 م على عاتقه مسؤولية تعمير سيناء بالكثافة البشرية المناسبة بما يتفق مع منظومة الأمن القومي المصري . فإذا كان نظام الرئيس المخلوع أهمل سيناء طوال ثلاثة عقود فإن الجيش المصري العظيم من منطلق مسؤوليته الوطنية تجاه الوطن والشعب يضع الخطط التي يتم من خلالها تعمير سيناء وتنمية قناة السويس من أجل الحفاظ على الأمن القومي المصري وكذلك بهدف التنمية الشاملة لهذه المنطقة والدولة المصرية عامة .

وبالنسبة لتأثير الأحداث الجارية في العالم العربي على العملية السياسية السلمية بين الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية مع بقية الأنظمة العربية قديمها وجديدها : خاصة سورية يري الباحث أن الوضع الحالي في هذه الدولة لا يبشر بخير يذكر ، فبعد ما جري ومازال يجري تغير الأمر كثيرا جدا . يقول : ” تشير الصورة الحالية للمشهد السياسي في الدول العربية إلي أن الأنظمة الجديدة ستواصل دعمها للعملية السياسية وذلك من خلال التعبير عن تأييدها لمبادرة السلام العربية ، لكنها ستكون أكثر تشددا تجاه كل ما تعتبره رفضا إسرائيليا . في ظل هذه التطورات بات من الصعب علي إسرائيل حشد أطراف في العالم العربي يمكنها المساعدة في لجم العناصر الفلسطينية التي تعتبرها إسرائيل معرقلة للعملية السياسية ، كما سيكون من الصعب عليها ممارسة الضغط علي الزعامة الفلسطينية الرسمية للقيام بخطوات تعتبرها إسرائيل تدعم المفاوضات ، وقد كانت هذه الأهداف سهلة التحقق بالنسبة إلي إسرائيل قبل “الربيع العربي” … ويصعب على المراقبين عن بعد معرفة موقف الرأي العام من موضوع المفاوضات مع إسرائيل في مجتمع مغلق مثل المجتمع السوري . ، فإن هذا الأمر لا يبدو ممكنا في الوقت الراهن قبل استتباب الأوضاع في سورية … أما بالنسبة إلي لبنان ، فلا جديد علي صعيد العلاقة مع إسرائيل . ” (17) نعم ، قبل ما جري من أحداث في العالم العربي ومازال يجري كان الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية يعربد في المنطقة العربية بحماية أمريكية ولكن بعد الأحداث الأخيرة التي بدأت في 2011 م تغير الوضع تماما فالقوة أصبحت بيد الشعب وليس بيد الأنظمة الحاكمة ، تلك الأنظمة التي أضحت تتلقي أوامرها من الشعب ، وبدا ذلك بوضح وجلاء ظاهرين في عام 2013 م عندما طلب القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الدفاع ونائب مجلس الوزراء تفويضا بل أمرا من الشعب في مجابهة العنف المحتمل . إن القوة أصبحت بيد الشعب ومخطيء من يظن أن الإدارة التي تدير الدولة المصرية تجرأ على مخالفة إرادة الشعب المحرك الوحيد دون غيره لكل ما يجري في مصر على المستويين الداخلي والخارجي .

ويختتم الباحث بحثة بخلاصة عجيبة لا صلة لها بالواقع والأحداث الجارية علي الإطلاق ، فبعد أن يضع لنا مقدمتين واقعيتين في استعراضه للحالة العربية الراهنة إلا أنه يستنتج منها نتيجة مغايرة تماما لهما ، نتيجة تتناقض تماما مع كل ما أشار إليه في ثنايا بحثه أو نتيجة تعبرعن حالة الهلع التي أصيب بها الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية أو أمانية المزعومة فيما يرجو أن يحدث وهو لن يحدث إن شاء الله . فهو يخلص إلي مقدمة أولي فحواها : أن الوضع الراهن في المنطقة يشهد إعادة توزيع جديدة للأدور والتحالفات. ومقدمة ثانية مؤداها أن كثيرا من الدول العربية ستضع في حساباتها عند اتخذ أي قرار فيما يتعلق بالكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية أوامر شعوبها لها وليس حسابات الصهيوأمريكية العالمية . وأخير ينتهي الباحث من هاتين المقدمتين إلي نتيجة هي : إن الوضع الراهن يبشر بخير بالنسة للكيان الصهيوني وخاصة في ظل جمود العملية السياسية خاصة علي المسار الفلسطيني . ولا يكتفي الباحث بهذه الاستنتاج الزائف والمضلل بل يتمدي في تزيفه وضلاله و يقول : ” وعلي الرغم من أن الوضع الجديد يطرح مشكلات كثيرة أمام إسرائيل لكنه أيضا يخلق فرصا جديدة . إذ يمكن أن تساعد إسرائيل الأنظمة العربية المشغولة بمشكلاتها الداخلية من خلال إزالة مشكلة النزاع الإسرائيلي والمشكلة الفلسطينية من جدول الأعمال ، والعمل بجدية علي إحياء العملية السياسية ، وبالتالي ، يمكنها بذلك المناورة بين مختلف اللاعبين ، واستغلال ضياع الحدود بين معسكر دول الممانعة والدول المعتدلة وفتح الطريق أمام تحسين العلاقات بينها وبين دول المنطقة المعنية بذلك . كما تفرض الأوضاع الجديدة علي إسرائيل وضع سياسة أكثر تطورا تأخذ في الاعتبار تعقيد الوضع الجديد في الشرق الأوسط وتشابكه . ” (18) إن الباحث يتوهم أن خوض الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية لعملية السلام المزعومة مع بقية الأطراف العربية مرة أخرى انما سيساهم في اعادة الاستقرار إلي المنطقة ، هذا وهم باطل يعيش فيه الباحث . إن خروج هذا الكيان من هذا المأزق الوجودي لن يكون بهذا الحل السحري الزائف الذي يطرحه الباحث وخاصة بعد أن أصبح الشعب هو صاحب القرار كما قرر الباحث في بحثه .

ولقد إستخدم الباحث أثناء عرضه لبحثه للتعبير عن ما جري ولن يزال يجري في العالم العربي كثيرا من الكلمات والمصطلحات للتعبير عن هذه الحالة وهي : العاصفة ، و التغير ، الربيع العربي ، والتظاهرات ، والفوضي ، والتطورات ، وتغير النظام ، والنظام الجديد ، والوضع الجديد . والملاحظ أن الباحث لم يستخدم كلمة أو مصطلح “الثورة” . فهل يعني ذلك – علي الأقل من وجهة نظر الباحث – أن ما جري في بعض البلدان العربية خاصة مصر ليس “ثورة” بل هي مجرد احتجاجات أو تظاهرات فحسب أدت إلي سقوط بعض الأنظمة العربية الاستبدادية والدكتاتورية بعبارة أخري هل يعني ذلك أن ما حدث لا يرقي لمستوي “ثورة” متكاملة الأركان وبكل ما تعنيه كلمة “ثورة” من معني . إن الباحث يري أن ما حدث هو تطورات أو تغيرات كبيرة أدت إلي بزوغ أنظمة جديدة محل أنظمة قديمة سلبت ونهبت ثروات شعوبها ونشرت بينها الجهل والجوع والمرض . وإذا كان الأمر كذلك ، فما حدث وما يزال يحدث : هل كانت فيه الشعوب مجرد وقود لهذه الاحتجاجات والتظاهرات ؟! . وهل يعني ذلك أن ما حدث حدث بفعل فاعل وهو بعض الشباب المقهور الذين خرجوا للميادين والشوارع للتعبير عن غضبهم مما جري من قبل هؤلاء الحكام أم أن هذا الخروج الغير مسبوق من الجماهير إنما دفعت إليه دفعا بدون إرادة منها أم أن هذا الخروج العظيم إلي الميادين والشوارع كان بتدبير مسبق من قبل قوي داخلية اتفقت في ذلك مع قوي خارجية مستغلين حالة الجوع والجهل والمرض التي حلت بالشعوب العربية المقهورة . على كل حال فإن الجماهير العربية خرجت للميادين والشوارع وما زالت تخرج وخاصة الجماهير المصرية . وأنه بسبب هذا الخروج الكبير أصبحت للجماهير قوة حقيقية على الأرض وأنها أصبحت صاحبة القرار في تسير شؤون دولها داخليا وخارجيا ، وأن الحكومات لن تعد بعد هذا الخروج – خاصة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الصهيوني – قادرة علي الرضوخ لإملاءات الصهيوأمريكية العالمية ، وأنها لن تركن إلا لأوامر شعوبها ، وهذا ما يخيف الصهيوأمريكية العالمية خاصة الشعب المصري نظرا لخصوصية الحالة المصرية علي كافة المستويات : جغرافيا ، وتاريخيا ، وسياسيا ، وإستراتيجيا ، فهكذا جبهة مصرية ترعب الصهيوأمريكية العالمية من “قوة الشعب” الذي أصبح صاحب القرار في كل ما يجري على أرض مصر .

كلمة أخيرة :

إن الجماهير الهادرة التي خرجت للميادين والشوارع 25 يناير 2011 م ، والتي ضحت ولن تزال تضحي بالغالي والثمين وتدفع فاتورة الاحتجاجات والتظاهرات دماء وشهداء في سبيل تحرير الإرادة المصرية علي المستوي المحلي والخارجي ، لا يمكن إهمالها من كل الأحداث التي لن تزال مستمرة . فـ “قوة الشعب” هي وقود كل ما يجري ولا يعني ذلك أن الشعب دمية يلعب بها من يشاء بل إن الشعب خرج وسيستمر في الخروج إلي الميادين والشوارع باحثا عن الخبز ، والحرية ، والمساواة ، والعدالة وكل القيم الإنسانية الكريمة التي تعلي من شأن الوطن والمواطن . “فالشعب هو الحالة الوجودية والواقعية الأهم ، والأفعل – أو الأكثر فعالية – والأقوى للإنسان الفرد…لأنها قوة إضافية – اجتماعيا- للفرد . فيهتفون هتافات متوافقة مع هوى الجميع – أو قناعاتهم ومعتقداتهم – ، يتبنون المشاعر الموحدة ، والتوجهات المشتركة – والموحدة ، يزداد تعاطفهم مع بعضهم بعضا ؛ متجاوزين الفروق الخاصة ، والاختلافات التي كانت تفرق بينهم – مهما كانت…! تزول من أذهانهم ، ومشاعرهم ، كل ما يعيق الطوفان الشعبي” قوة الشعب” في اتجاه الحدث المشترك – الثورة ضد الطغاة – .. والمستبدين ، والمنحرفين ، والمرتزقة ، والمتسلقين ، والمنافقين…الخ . ” (19)

ولقد أكد أحد الزعماء الصينيين علي أهمية “قوة الشعب” في مواجهة كل المتاعب والمشاكل التي تمر بها بلاده . يقول : “ون جيا باو” رئيس مجلس الدولة الصيني عن قوة الشعب ” الشعب هو المصدر الأهم للقوة في التصدي للأزمة المالية… يجب علينا أن نعزز دوما من الثقة ، ويجب علينا أن نعتمد على الشعب طول الوقت”. (20)

إن “قوة الشعب” أصبحت هي العلة المادية والفاعلة في الشارع العربي عامة ومصر خاصة علي الرغم مما يروج له بعض الصهيانية في الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العربية من أن التغيير الذي حدث في مصر كان نتيجة تراخي نظام مبارك في مجابهة هذه الجماهير وليس بسبب “قوة الشعب” . (21)

نتائج وتوصيات :

• “قوة الشعب” أصبحت هي المحرك الرئيس للدول العربية فيما يتعلق بقضية الصراع الفلسطيني الصهيوني خاصة على مسار السلام المزعوم .

• بات واضحا أن الكيان الصهيوني يعيش لحظة خوف كبيرة من كون “قوة الشعب” أضحت رقما صعبا في معادلة الصراع الفلسطيني الصهيوني .

• كان المخطط له والمأمول أن تنهار مصر والمملكة العربية السعودية بعد ما جري ومازال يجري من احتجاجات في الميادين والشوارع العربية خاصة المصرية .

• لن تزال حرب العقول أو الأفكار أو ما يسمي بـ “حرب الجيل الرابع” مستمرة بين الصهيوأمريكية العالمية والعرب خاصة مصر التي يمثل انهيارها الجائزة الكبري بالنسبة لهم .

• تدشين مراكز دماغية في الدول العربية سيما مصر لتتحمل مسؤولية الدفاع عن الدولة المصرية في هذه الحرب التي تستخدم فيها العقول بدلا من الأسلحة العسكرية .

• يجب على الدولة المصرية أن تبادر فورا بتأسيس مصانع للأدمغة لتفرخ للشعب المصري عقول يمكنها الانخراط في “حرب الجيل الرابع” .

• آن الآون لتأسيس “علم الاستغراب” كحركة أيديولوجية مضادة لعلم الاستشراق ، لكي تتمكن كوادر مصرية مخلصة للشعب المصري من الزود عن مصر وشعبها .

قائمة المراجع والحواشي :

(1) إسرائيل والعالم العربي : قوة الشعب : أنات كورتز وشلومو بروم ، التقويم الإستراتيجي لإسرائيل ، 2011 م ، ص 37 – 48 ، معهد الأمن القومي ، جامعة تل أبيب : الموقع الإلكتروني : WWW.inss.org.il . مختارات من الصحف العبرية ، المحررة رندة حيدر ، ملخص خاص (2 – 13 ) ، 2/11/2011 م ، الناشر مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت – لبنان ، الموقع الإلكتروني : www.palestine-studies.org.

– شلومو بروم : باحث مشارك كبير ومدير برنامج العلاقات الإسرائيلية – الفلسطينية في معهد دراسات المن القومي ، ومدير سابق لبرنامج التخطيط في هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي ، كذلك شارك في المفاوضات مع كل من الفلسطينيين ، والأردن ، وسورية ، وعمل أيضا مساعدا لمستشار الأمن القومي في إسرائيل .

ولقد أهدي وائل غنيم – أحد الشباب المصريين الذين تم استجلابهم واستغلالهم من قبل الصهيوأمريكية العالمية – كتابه الذي عنونه بـ ” الثورة : الثانية : قوة الشعب أكبر من رجال السلطة ” إلي كل المصريين والتونسيين الوطنيين ، وبقية العرب الذين احتلوا الشوارع وصنعوا التاريخ ، إلي كل رجل شجاع وامرأة شجاعة الذين ضحوا بأرواحهم لأجيال المستقبل علي أمل أنهم سيعيشون في عالم حر وديمقراطي ” . وهذا الإهداء يؤشر على أن الجماهير والشعوب خاصة المصرية كانت وقودا لحركة الاحتجاجات والتظاهرات فحسب . وهذا العنوان يبين أن “الربيع العربي المزعوم” ليس سوي الجيل الثاني من الاحتجاجات والتظاهرات ، فقد كان الجيل الأول منها في أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق . كذلك يلاحظ أن هذا العنوان إن لم يكن هو نفس عنوان كتاب “جين شارب” ” من الدكتاتورية إلي الديمقراطية إطار تصوري للتحرر” إلا أنه وثيق الصلة به . ومما استرعي انتباه الباحث أيضا أن الأستاذ غنيم وضع الكتاب باللغة العربية تحت عنوان : ” الثورة : 2 : إذا الشعب يوما أرد الحياة ” ، وهذا العنوان في دلالته يختلف تماما عن العنوان الذي وضعه باللغة الإنجليزية ، ويبدو واضحا في العنوان الأول أنه يغازل عقول الصهيوأمريكية العالمية وفي العنوان الثاني يخاطب وجدان الجماهير العربية سيما المصرية منها . ومن وجهة نظري هذه عملية تزييف لوعي الجماهير العربية خاصة المصرية منها ، فالأستاذ غنيم في حين أنه ينفذ أوامر الصهيوأمريكية العالمية فإنه يدغدغ مشاعر الجماهير العربية بشطرة من بيت شعر لأبي القاسم الشابي ، حتى يمكنه أن يستميلهم تجاهه وهو في حقيقة الأمر يزييف وعيهم عن قصد وإصرار .

Revolution:2.0: the power of the people is greater than the people in the power : A memoir : Wael Ghonim,2012 ,Houghton Mifflin Harcourt . Boston. New York . p : 5 .

الثورة : 2 : إذا الشعب يوما أراد الحياة : وائل غنيم ، ط 1 ، 2012 م ، دار الشروق ، مصر . ص : الإهداء . (2) تاريخ الترجمات العبرية الحديثة لمعاني القرآن الكريم : دراسة نقدية : أ.د. محمد خليفة بن حسن أحمد ، ندوات مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم . الموقع الإلكتروني : nadawat.qurancomplex.gov.sa/…/c80464dbdfada4b1a99228befcb7fc4e…. . ص 4 .

(3) الموقع الإلكتروني : الاستشراق الإسرائيلي….الإشكالية والسمات والأهداف :

vb.tafsir.net/tafsir35662/‏ .

(4) الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية : د. رشاد عبد الله الشامي ، سلسلة عالم المعرفة ، يونيه 1996 م ، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت . ص 206.

(5) المرجع السابق : ص 211 .

(6) إسرائيل والعالم العربي : قوة الشعب : أنات كورتز وشلومو بروم ، ص 2 .

(7) الثـورات العـربية ومسـتقبل التغـيير السـياسي : ورقة بحثية : د. ريـم محمـد مـوسى ، قسم العلوم السياسية – جامعة بحري ، الخرطوم – السودان ، كلية الآداب والفنون – جامعة فلادلفيا ، مؤتمر فلادلفيا السابع عشر – ثقافة التغيير ، ص 10 – 11. الموقع الإلكتروني : الثورات العربية ومستقبل التغيير السياسي :

www.philadelphia.edu.jo/arts/17th/day_three/session_seven/reem.doc

(8) إسرائيل والعالم العربي : قوة الشعب شلومو بروم : ص 2.

(9) المرجع السابق : ص 2 .

(10) المرجع السابق : ص 3 .

(11) الموقع الإلكتروني : arab-librarians.blogspot.com/2012/02/20_10.html

(12) المرجع السابق : ص 4 .

(13) المرجع السابق : ص 8 .

(14) المرجع السابق : ص 9 .

(15) المرجع السابق : ص 11 – 12 .

(16) المرجع السابق : ص 12 .

(17) المرجع السابق : ص 12 – 14.

(18) المرجع السابق : ص 13.

(19)قوة الشعب : محمد قاسم ، الموقع الإلكتروني : www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=15597‏ .

(20) الموقع الإلكتروني : arabic.people.com.cn .

(21) أسئلة الثورة : د. سلمان العودة ، ط 1 ، 2012 م ، مركز نماء للبحوث والدراسات ، المملكة العربية السعودية – الرياض . ص 105 .

تعليقان (2) على “مصر 25 يناير عام 2011 م : من منظور الاستشراق الصهيوني”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    السادة المسؤولين عن الشبكة الموقرة ومن خلالكم الى فضيلة الدكتور حسن حسن كامل إبراهيم ، بالنظر لحيوية الموضوع وأهميته هل يحق لي إعادة نشره من خلال مجلة ( دراسات إستشراقية ) التي تصدر عن ( المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ) / جمهورية العراق – النجف الأشرف ، كوني مدير تحرير هذه المجلة مع فائق إحترامي وتقديري لما تبذله شبكتكم الموقرة من جهود مميزة في البحث العلمي .
    أ.م.د هادي التميمي

    1. وعليكم السﻻم ورحمة الله وبركاته
      مرحبا فضيلة الدكتور هادي التميمي
      ﻻ نرى مانعا من إعادة نشره بشرط ذكر مصدر المعلومة ( شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات ) وتلقي موافقة الباحث.
      مع التقدير

شارك برأيك