توهين استلاب المعنى في الرمزية الكلاسيكية عند "عياش يحياوي"

في قصيدة  (يخضر من فزع.. والنجم يجري إلى مستقر له)           

 

بقلم: د. حمام محمد زهير

ياهمها …”بلون اللوز”..أو” زنبقة الأريج اليخضوري(والنجم يجري إلى مستقر لها ) ..النائم على فضائل المنفلوطي” جداول.”،يفتح لنا الشاعر “عياش يحياوي” نافذة للصحو،داخل ليل مدلهم ، لا اعرف كيف تماوج اليا ذكره؟؟..ربما لأني كنت اعرفه، عندما كان على ” رأس الشعب”..اقصد اليومية الرائعة..ذكرتني تيماتها وسنواتها بصورة للرجل، الإداري، قبل أن اكتشف “عمقه الشاعري” بعد سنوات سماعا..فقرأت له منذ عامين..بعضا من” الشذرات الجميلة”..واشكر زميلي الشاعر “احمد عبدا لكريم” على نخوة التطلع..في تقديمي هذا المنتوج..

01- النافذة..والصحو..وديباجة الشعراء..

شرع الشاعر(عياش يحياوي )  في تسويم مشهد دلالي ، يعتمد على “البلاغة التصويرية” و”الخيال المفرط”، فكيف ظهر ذلك؟؟ ربما  قد يتعجب القاري، كيف يستطيع الشاعر “إنطاق الجامد”وتحريك “الثابت”وهوفي الحقيقة ملم، بأنه “شاعر بحر”من العجائب التي تعلك “الدوار”قبل اللوبان …استطعنا تسويم المشهد من خلال مايلي:

أ‌-        الانحناء والتدلي: جرى في عرفنا أن يكون “التدلي” لعرف أو “غصن الزيتون”..فكيف يكون على الشرفة ؟؟، يقتبس الشاعر وبعادته “ملفوظ الشرفة” وفعل “التدلي” وبينهما «إنسان” قد يكون الشاعر نفسه أو” الرائي”

ب‌-      تكسير اللوز أو خربشة الواقع: يبحر” الشاعر” غير آبه بمستوى “الحدود العقلية”، عندما يكسر”اللوز عاديا”، بالقضم وبالكسر، لكن ان يشمل المكان نفسه “مرة واحدة” فذلك شأن الإبداع خارج حدوده.

ت‌-      تصوير المشهد، وفتوى العناق: يفتح في عمقه المعنوي بذراعيه وهذا ” شيء” نراه عادي، خارج الإبداع،مشهد العناق ، لكن عندما تدخل “الأرجوحة”، يتحول الهواء…إلى” كذبة  صفراء”، فعلها البحر، فذانك قمة” العجائبية”عند العادي، وعند القارئ السامغ (قمة  التعبيرية)، وانظر ماذا ترى؟؟ عندما يتنفس، من فمه ( شجرة ) بطول أعرافه إلى مستوى “التدلي”بدأ به من على” الشرفة”..ثم يتغامز في بلور الولادة البلاغية ،ينتج لنا سمات نذكرها تترى :”عواء الكهوف”ليس الا “رجع الصدى”في قرية “ماكلوهان” والخيل الطائرة ماهي الا مشهد من مشاهد علي بابا ،و”العجوز المزملة”بالوصايا..هي “امنا في الصحراء والبادية “..أما الإبل اليابسة فتلك صنعة الخالق في وهدةالرمال ومنحنياتها ..وعندما يسحبها “النمل” ثمة قرن من الإبداع والتورية، وخيمات النمل السود برهان جديد لبهرجة رواية من حديد..ونشيد الحدأ  يختم الديباجة وتتطاير أفكارنا إلى وكره السديد .

   هكذا تكلم الشاعر  ليصف “مكانا” لم يعطيه حقه من “الواقعية” بل زمله  ب”الرومانسية العالية”، أشرفت نهايتها إلى ملامسة الإثراء بالسبب بمعنى “الغنا” وليس العجب في الجمع  كما  يرى حمو رابي  ..

02- صعوبة تراكيب القفل..خبأت تيسير المعنى

حين بدأت  بحفر كلمات الشاعر يحياوي، لم أجد “صعوبة” رغم ما يجهد به نفسه في تركيب” العلائق “بين مستوياتها، لأنها تبحر الي  قبل ان يدركها  “الكلم” في أي” مشد وقفل أخر” والسبب طريف جدا، يتعلق ب”الوحدة البيتية” أي “العضوية الجزئية”، لان ما تقوله هو وصف  بعد “المشاهدة” خاصة وانه  يتدلى من على” شرفة”..طوطمية، تشبه شرفات الملكات الواقعات في “خبل  جلا كامش،”يعيد وصف ما تقدم من “منظر” حكايته الوصفية وهو يخرج رأسه كغيلم يصطاد مناظر العجب في خلافة الإبداع الرباني ، وتدليه” إيقونة.”.سنعود إليها ..

     يبحث في “جوف ذاكرته”عن أسماء ليست كتلك” الأسماء”التي علمها الله للذين امنوا يوم خلق ادم..يبحث عنها “الشاعر”وهو يدلف بحركات  تصاعدية لصدغيه ” ضابطة”  بحرورية على كفه العلوي ماضغا لقدرية الأسماء، فارا منها جزؤه أو بعضه ، حتى صار  يقظم ، (منظر رائع) يسقط مصور السينما في “خرم الإبداع “من خارج  باب، لايرون منها الا “السديم” ، ماذا يرى؟؟ ” الخفافيش ” اسمها  أصبح  جاهزا  للوصف الا  الاصطياد، وقد أدرك وجودها  وأكدا لها مكان “الظلمة الجوفاء”التي تلد “الخفافيش “هي الذاكرة التي  ندعوها “للأعمار”عندما تجف أمامنا  الأسماء ، ولهذا فقد علقت أسماءها  سواء ” قبل إن  تظهر او  بعدما  ظهرت “لان هزهزتها معروفة لذوي البرهان  ومشاهدتها مثل دليل  “جهينة ..من قطعت قول كل خطيب”،(باسما، يتدلى على شرفة الليل، يقضم أسماءه ..تتدلى الخفافيش تلعق أسماءها..)..

     هنا يحدث “التقاطع في الوصف “وتبدأ الملحمة من جديد، وهذا  يذكرنا  بقول” سرا فنتيس” أحرص على أن تعرف نفسـك فتلك مهمة شــاقه لا تعدلها مشـقة في أي مهمة أخرى في الحياة …ويحتفظ الشاعر لنفسه بملكية التدلي ..وهذه المرة  للدموع، التي في العادة ، “لاتتدلى” بل “تنهمر” لان ثقلها  لاتحس به الخدود، عكس فعل “التدلي”..ثم لان “التدلي” يخلق ظلالا  كالدموع ، تخلف لنا كمدا وحمرة وولوثا..(تتدلى الدموع خيوطا تنوس على قلق يابس لا يَرى) ، ويغضب “الشاعر” لها في التنوس..على  قلق..متحشرج..من ثنايا  الدنيا السالبة..ومعه..يصير القلق ظلاما ، وتتعالى  غوايته ، لأنه  نبذ  بالعراء عندما  افقد الكائن صوابه ،هو” القلق الزنيم”…يتدلى ..من جديد وحق له ان يتدلى سيخلف وراءه الحروق الحارقة..لكنه في  هيمونة الإبداع  يتحول إلى شكل” جمجمة” رآها  الشاعر فقط  في داخله المتنور.

      إما “خارجيا” فثمة ظلام ولا وجود للقمر، ومن عجبنا انه رأى ” جمجمة” في  جوف الظلام  ويا حبذا  لو ذكر” كبيسة نورانية” تنبعث من عين خفاش لجاء المنظر واحدا دالا (يتدلى الظلام على شكل جمجمة حفر الفأر في غيها..واستوي ملكا للجماجم ) هذا الشكل..الذي حفر فيه فأر ربما رآه  ذات  يوم، لم تكن  الا مكانا مقدسا  كما حدث للأسد..والكلب ابن الكلب..والفيل ابن الفيل ..في حكاية  الفاء وجمجمة المقدسي، وهنا الشاعر الأسطوري صور الأسطورة  بتقمص متاهات  “بافلوف” بالرجوع إلى ظلمة الجمجمة،(تخضر من فزع ذئبه السبسبة، الجن يفزعها..) لان ما في “جوف الجمجة” الا  تقاطيع من حكايات السحر العامرة في عقولنا عند ذكر الجماجم (تغرس في السهو صرخاتها مخلبا) ،..يكدس لنا الشاعر “ملفوظات  أسطورية “، وكأنه  يريد إن  يقصها (تتعالى من الريح غيلانه البيض والسود..تنطح كبش الفراغ وتستل قرنيه…..تشمل عينيه، تبعده، تدنيه …ترفعه راية، وتعفره بقتار الشواء وتستضاف نقع طلاسمها ..تتراقص، تلهج بالغامض المستبد بها ..تتراعش أطرافها، تتدلى إلى جُب أيقونها..تبلع الأرض أعراسها..وتفيق الكهوف من النوم، تخرج من كُنسٍ أنجمٌ خائفاتٌ..تطل على بعضها، تتدافع نحو مروج السديم ).

03- الهجرة..والسنوات  تصنع حرقة المعنى..

     هي حكاية” ارطوفونية” لقارئ مرة  يتجلد مددا لتفسيرها ، عندما يتعالى” بوح الريح” وتصفيره بحكم تعدد المنافذ بالجمجمة، التي هي متاهة مجتمع متكامل في الطول والعرض “متيم بالظلمة” والفراغات  مهوسا  بآثار  الغيلان البيض والسود من كل حدب ” خير وشر”ـ  ترتطم  بلفح  النطح عل  كائنات جهورية مستلة من الفراغ  الموحش،  تبتر منه (القرنين) فلا يجد كيف يحكم، تأخذه  ذات  اليمين و اليسار ” تعانقه” تؤذه  ازا ، تطرحه  أرضا  ، ترفعها  سدى  تذروه حيث كان .

    وفي الاخير قد تشمته بأريج الشواء ،يفقد جنونه على السنة الجمر الخافت ، حيث تلد الريح “رويحا “صغيرا ، يشبه” النسيم” ولكن  ليس كالنسيم، كل ذلك  يبرزه  الشاعر كمشهد تراءى إليه وهو ينظر في لحظة “غيهب” شاثق يمارس التصوف والفلسفة في ان واحد من عبقرية الشاعر  ..والسبسب (المفازة)

       وكأنه  يرمش عينيه من جديد ليرى من بعيد المسافات “طارئة وطويلة”لا نهايات لها  ـ نخالها أسماء صغيرة وكبيرة الإحجام  كالذي  ينظرالى أمريكا وهو قابع في  “قرية الشلال”أو” طاقين” في عتمة الليل والريح السقيم  تضرب اطر المكان ، من هنا  تقصر المسافات  وتتباعد  وتمتلك  الأسماء والكنايات عندما نغوص في البعد إلى اعلي  المسافات (المسافات تُرضع أصغر أسمائها) والشاعر  كان  واهما عندما جعل  بينهما علاقة أمومة ختمها  برضاعة إنسانية ، وهى خطى التناقض في مدرسة البنيوية  يؤول الشاعر إلى النقيض باستدراج “ظلمة القمر”الهالك (وتمهد قبر النهار لأبنائها) بوضوح النهار ( يحدث التمدد والتقلص، مابين القبر والنهار، وهذا التمدد الحالم في نظرالشاعرماهو الا (تتطاول حتى كأن الجبال كوابيس تل غرير)، يستدرج “عياش يحياوي”رموز جغرافية متقطعة تشكل أشتات من حرقة البوح للوطن أولها  (أواسط إفريقيا  وثانيها ..المسافات المتباعدة …) يمخض مايجري في إفريقيا، وما يليها من مسافات الجيرة حيث يتكلم القمح  وراء المسافات  ، وقد غزاه المطر  من على البعد كأنه  الحلم  (يا مطر.. يا مطر.. يا مطر…ها هنا خلف ظهرك أطفالنا الجائعون) يشد من المه الشاعر على مايجري في إفريقيا  وما  جرى في سنة 2008 من تغرب نحو الغذاء  “وأزمة الكفر”بالجوع في “دارفور” والصومال وكل الدول الواقعة خلف المسافات (ويتامى الحروب تفاصيل في خبر عابر..وحبة القمح تتعلم في مدارس اللاجئين..

04- خميائية اللوز وإشكالية السيل الموسيقي..

     ولنرجع إلى معاملة الشاعر مع الواقع المضمر في ” إفريقيا” لنجد انه اعلم  بظروفها اكثر من غيره  حين  يأكلها الصراع  وتتنابز من اجل فومها وعدسها  أتراب  التجارة ،  وأحيانا  يحركها “الرصاص الماجن” في حمرتها  ،(وتسمع زغردة ومناديل حمرا من الخجل)

   يركن الشاعر في الاخير الى “الإقرار” ببعد  المسافات وهي التي فصلته عن الوطن (المسافات أجنحة لا تطير)،  تأوي مايسميه العامة “بالخبز،”(قضى التيه أن يتسلق أحفادُها الأرضَ) والخبز هو التيه،وعندما يأتي الفرج ماذا يحدث للشمس (والشمس تنزل للنهر،تشربه كله.. كله.. كله)، وما هي الا كلمح البصر، يعيد الشاعر لم ماتبقى من  “حلكة المسافة”يجد نفسه  قد  تغطاها  راجعا، يحس أن في الأمر” جعبة” من  لحن حزين على  إطراف(بعد سبع ليال تقيء وتثقل خطواتها،يا لها من مغامرة،).

     وكما أشرت  في  بداية ” خميائية عياش  يحياوي “تظل  تشكل متربة لكل الناس ، يوقع  بها  في “أخمص الجزل” من  اللفظ فلا يروي من  ظمأ النفوس الا التي  تعي  صلب المكان، اما البعيدة عنه في المسافات فهي دون شك  لن تفهم طرقه الثانوية حتى تصل إلى طرقه المزدوجة،  حتى ولو تكسر “اللوز”في عرسها، وشرب الشاي احمر،  والنجم  سيجري…واللوز  ينهض من  تكسيرها  إلى النعاس والمخالب توقظ  فيه لذة   السكرية  ، والمخالب  الدافعة  إلى  بلهنية  اللذة  تسيله  لعابا  قبل  الموسيقى وفي ذلك  لجنة، (ـ يا ولد.. الشاي، أسرع بشيء من الشاي… الضيوف شفاه وعين على الكأس…واللوز نعسان في صحنه..المخالب توقظه..وتعريه…تهتك حرمته…ويسيل الليل موسيقى…) .

    هكذا هو “يحياوي”، عبر عن  “مكامن نفسه” كما عبر” ميلارميه الفرنسي” و”شارل بودلير” صاحب ديوان أزهار الشر، عن  صور مختلفة  ذات ” أبعاد رمزية ” قوية  اسماها علماء التفاعلية  ب”الرمزية الايجابية”إذ  يعتبرالشاعرعياش  يحياوي واحدا من منظريها،  لأنه  يأتي  بالمعنى ومعه  يردفه  بالرمز  فينقلب  الرمز لديه إلى معنى  ..

شارك برأيك