التقرير العام عن ندوة اللغة العربية في غرب أفريقيا بين الواقع والأمل

إعداد: محمد تفسير بالدي – حنان منصور

في إطار البرنامج السنوي للمكتب التنفيذي لرابطة الغينيين الدارسين بالعربية في المغرب، نظّمت الرابطة بشراكة مع معهد الدراسات الإفريقية بالرباط التابع لجامعة محمد الخامس السويسي يوما دراسيا في موضوع: «اللغة العربية في غرب أفريقيا بين الواقع والأمل»، وذلك يومه السبت 3 رجب 1435ﻫ، الموافق 3 ماي 2014م في قاعة المحاضرات والندوات بمعهد الدراسات الأفريقية بمدينة العرفان/الرباط.

وقد شارك في إنجاح هذا اليوم الدراسي مجموعة من الباحثين الأفارقة والمغاربة المتخصصين في الدراسات الإفريقية، وتجددت مداخلاتهم حول مواضيع هامّة، كلها تمت صلة بلغة الضاد في غرب إفريقيا والمملكة المغربية.

انطلقت أشغالُ اليوم الدراسي على الساعة العاشرة صباحا بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، بصوت الطالب: عبد الله باه، وتلتها مجموعة من الكلمات الافتتاحية وفق الترتيب التالي:

الكلمة الأولى: ألقاها محمد تفسير بالدي، رئيس رابطة الغينيين الدارسين بالعربية في المغرب، بيّن من خلالها بأن اللغة العربية في غرب أفريقيا قد تمتعت بمكانة متميزة على الخريطة اللغوية لأفريقيا؛ حيث استقرت العربية في غالبية أنحاء القارة منذ وقت طويل يسبق دخول أي لغة من اللغات الأوربية إلى القارة السمراء، وتحدّث بها عدد كبير من الأفارقة وانتشرت بينهم انتشاراً كبيرا.
وأشار إلى أن اللغة العربية قد شهدت تراجعاً ملحوظاً على الصعيد الأفريقي وخاصة في أعقاب قدوم الاستعمار الأوربي للأراضي الأفريقية وما صاحبه من فرض ونشر للغات المستعمر، ومحاربة لنفوذ وتفوق وانتشار اللغة العربية على الساحة الأفريقية.
واختتم كلمته إلى أن الهدف من تنظيم هذا اليوم الدراسي هو الحاجة الماسة إلى رصد وضع اللغة العربية في منطقة غرب أفريقيا قصد تبيان مكانتها، ومحاولة إيجاد حلول منهجية علمية للنهوض باللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء.
والكلمة الثانية: من إلقاء موسى كمارى، والتي أطلق عنانها باسم اللجنة العلمية للرابطة، وقد أعرب فيها عن ثناء رابطة الغينيين الدارسين بالعربية في المغرب، لـمعهد الدراسات الأفريقية على حسن شراكتها مع الرابطة في تنظيم هذا اليوم الدراسي تحت رعايته.
ثم بيّن أن تنظيم هذا اليوم الدراسي إنما هو وفاء من الرابطة لخدمة لغة الضاد الأصيلة من أفريقيا بصفة عامة، لذا يسعى هذا اللقاء إلى التعرّف على بعض المشاكل التي تعترض لها اللغة العربية في غرب أفريقيا، ثم لتقديم المقترحات المناسبة لمعالجة هذه المشاكل.


وكانت الكلمة الثالثة من مداد الدكتور محمد أديوان، ممثّل معهد الدراسات الإفريقية، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، جامعة محمد الخامس السويسي، افتتحها بالشكر والترحيب بالأساتذة والضيوف والباحثين والسلك الدبلوماسي، كما أعرب فيها عن فرحه العميق؛ لتناوله الكلمة باسم المعهد في هذه المناسبة الفريدة، ولاشك أن هذه النيابة أكسبته ثوب العز والشرف – حسب تعبيره- .
وقد تخللت اليوم الدراسي مجموعة من المداخلات العلمية الرصينة توزعت بين جلستين مركزيتين، وجلسة افتتاحية وأخرى ختامية.

المداخلة الأولى: معالم من تاريخ اللغة العربية وانتشار الإسلام في أفريقيا
تأطير: الأستاذ الدكتور/ محمد أديوان.
افتتح الأستاذ الدكتور مداخلته بمقدمة أكد فيها أن انتشار اللغة العربية في أفريقيا مرتبط بانتشار الإسلام فيها. وعند الحديث عن تاريخ القارة لا بد فيه من التمييز بين المصادر العربية والغربية، إذ كل مصدر له وجهة نظر في الموضوع، فالمصادر الكبرى هي
العربية. فتوالى الكلام عن انتشار الإسلام والعربية انطلاقا من طوالع الفتح الأول من
مملكة غانا التي دخلت إلى الإسلام عن طريق تجار العرب الوافدين إليها، ثم إن الجانب الصوفي أدى إلى انتشار اللغة العربية في القارة السمراء، لكن استقرار الاستعمار في المنطقة أدى الى انحسار اللغة العربية واللغات المحلية بشكل كبير.

الجلسة العلمية الثانية: برئاسة إبراهيم منساري
عنوان المداخلة: “واقع التعليم العربي في ظل الازدواجية بكوت ديفوار”
تأطير: آداما فاديغا (ساحل العاج).
من أهم ما تعرّض له الباحث الإيفواري إبراهيم فاديغا في مداخلته التي وسمها بـ” واقع التعليم العربي في ظل الازدواجية بكوت ديفوار”، أن استهلها بتمهيد، ثم قسّمها إلى مبحثين.
جاء في التمهيد لمحة تاريخية عن الكوت ديفوار، ودخول المستعمر الفرنسي إليها، ثم نشره للغة الفرنسية فيها، وذكر الباحث عن وجود كتاتيب ومدارس قرآنية في ساحل العاج قدمت الكثير زمن الاستقلال، وقد كان الاهتمام باللغة العربية فيها باكرا يعود تاريخها في الأربعينيات إضافة إلى إنشاء (مدرسة) دار الحديث في الستينيان، و مدرسة الثقافة الإسلامية…
بعد مجيء المستعمر الفرنسي، ركز اهتمامه على استقطاب أبناء بعض الأهالي وتعليمهم ثم بعثهم إلى الدول الأروبية، وبعد عودتهم هم من حملوا فكرة الإستقلال وأسسوا بعد ذلك جمعيات…
ومع الجيل الجديد، نشأت فكرة تدعو إلى دمج العربية في المدارس الحكومية ومازال الأمر بين أخد ورد، ولعل السبب الرئيسي من وراء ذلك ـ كما يقول المشارك ـ هو الاسلام.
بعد استعراض المراحل التي قطعتها العربية بعد الاستقلال، انتقل الباحث إلى الحديث عن اعتراف الحكومة الإيفوارية في السنتين الأخيرتين بمئات المدارس العربية الإسلامية، ومنذ الستينات إلى اليوم، أنتجت هذه الجهود جامعات ومعاهد تمكّن الدارسين بالعربية من أبناء الدولة متابعة دراساتهم العليا ببلدهم، إلا أنه يبقى التحدي الكبير هو الثنائية اللغوية بين العربية والفرنسية في المدارس الحكومية، إذ أن المراحل التي قبلت من طرف الحكومة هي المراحل الابتدائية. ودعا الباحث إلى التنبّه لهذا التحدي وضرورة تقديم الكثير من أجل رفعه.
وختم آداما فاديغا ورقته بالحديث عن تمسك الشيوخ باللغة العربية وعنايتهم بحفظها الشيء الذي يعني حفظ الاسلام في المنطقة. ولم ينس شكر جهود بعض الدول العربية التي كانت لها إسهام كبير في استقطاب الطلبة الدارسين بالعربية.
وفي الأخير، شدد الاخوة الدارسين بالعربية من كوت ديفوار بوجوب المشاركة في المجتمع بعد العودة إلى الوطن، وذلك بتخطيط وتدبير مع الإكثار من الكتابة وتصحيح المفاهيم التي سجلها التاريخ.


وبعد المداخلة، قدّم الرئيس تلخيصا لما ورد في الورقة، ونوّه ببلد الكوت ديفوار الذي يعد أكبر بلد لحملة الدكتوراه مقارنة مع مثيلاتها من دول غرب أفريقيا.
المداخلة الثانية بعنوان:
“المستعرب الغيني وآفاق المستقبل”
تأطير: محمد صالح جالو
من أهم ماجاء في مداخلته ـــ والتي صدرها بقصيدة عن الفصحى ــ تقديم تعريف لمفهوم المستعرب والذي يعني “الذي دخل في العربية وليس بعربي خالص، أي لم يكن في الأصل عربيا”. وتحدث عن المستعرب الغيني قبل الاستعمار وبعد الاستعمار.
قبل مجيء الاستعمار كان هو العالم، وبعد مجيئه بحث عن الوسائل التي تبعدهم إن بعزلهم من مناصب القرارات، أو ببث أفكار في المجتمع من قبيل فصل الدين عن السلطة ـــ عزلهم عن المجتمع وقصرهم في المسجد والمناسبات ـ .
انتقل بعد ذلك للحديث عن المشاكل التي تواجهها المستعرب الغيني في آفاقه، على أن المشكلة الأولى تتجلى في بعده عن مراكز القرار، وحصر دوره في الامامة والتدريس، ونعته بالرجعية والتخلف. والمشكلة الثانية هي المشكلة الاقتصادية، إذ المستعرب ليس له مصدر مالي غير يده من التدريس، فهو كالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع. ثم المشاكل الاجتماعية، والأمنية المتمثلة في الارهاب.
وفي الأخير، اقترح الباحث الغيني بعض الحلول لمواجهة تلكم المشاكل التي تتصدى للمستعرب الغيني، مأكدا ضرورة تنوع أجواء التخصصات، والخوض في جميع النشاطات المعاصرة، وأسلاك الحياة العامة، وتأسيس جمعية عملية لمواجهة الفرنكفونية.
المداخلة الثالثة بعنوان: ” واقع اللغة العربية في نيجيريا والعوائق في تطورها ”
تأطير: يوسف الزبير من نيجيريا
استهلت المداخلة بالحديث عن تاريخ دخول العربية إلى نيجيريا، وتحدث عن اللغة العربية والإسلام في نيجيريا بواسطة التجارة، وقد كان ذلك بمراحل:
– عصر الاستهلال : بعد 1000 إلى 1300 : كانت العربية لم ترق إلى مستوى التأريخ في نيجيريا.
– عصر الدعاة الوافدين : اللغة العربية ارتقت نسبيا، حتى أن المناظرة كانت في المنطق.
– عصر الفودي (عثمان الفولاني) : بلغت فيه إزدهارا ملحوظا، وكانت تعتمد في الكتابات الرسمية، وقد كوّن عثمان الفودي دولة إسلامية في هذا العصر ـ ثم كثرت التآليف بالعربية.
– عصر الاحتلال البريطاني: كرّس فيه المستعمر جهوده لطمس العربية.
– عصر الاستقلال: انقسم المجتمع فيه إلى اتجاهات، وكان كل فريق يسعى إلى تطوير اتجاهه، ولحل هذه المشكلة سعى العلماء إلى تأسيس المدارس والسعي إلى تعريب الألسنة.
– عصر الازدهار: عصر نمو تمثل في وجود وسائط وأدوات تطويرية جعلت العربية ترتقي، باعتماد آليات متنوعة.
ثم أورد الباحث بعض المشاكل التي تعانيها العربية في نيجيريا، وختم بمقارنة اللغة العربية قبل وبعد الإستقلال، على العربية لا زالت تعاني من إقصاء على حساب اللغات الأخرى.
المداخلة الرابعة بعنوان: ” اللغة العربية في السينيغال بين رهانات الواقع وآفاق المستقبل”
تأطير: باي سام توري من السينغال

في مداخلته، قسم الباحث السينغالي محاضرته إلى تمهيد وفصلين.

أما التمهيد، تعلّق الأمر بوصول العربية إلى السينيغال، وقسّمه إلى مطالب ـ تاريخية ـ بدء من عصر الاستعمار إلى الآن، والمبحث الثاني خصّصه لواقع اللغة العربية ورهانات المستقبل . ـــ يُرجع إلى الورقة للتفصيل ــ
وعند حديثه عن مستقبل اللغة العربية في السنيغال، أشار إلى أن المستقبل لن يتحقق إلا بتظافر جهود المتخصصين بها، وحصرها في ثلاث: 1. دور المثقفين باللغة العربية. 2. دور المدارس العربية. 3. دور الدول العربية -ومنها المغرب الشقيق-
ثم أشار في الختام، إلى بعض التوصيات أهمها: إنشاء منظّمة ومراكز ثقافية تمكّن الباحث الإفريقي باللسان العربي من الحصول على المراجع المعينة في العربية.

المداخلة الخامسة بعنوان:
” اللغة العربية في موريتانيا بين مقتضيات الهوية وتحديات الواقع”
تـأطير: محمد المحجوب ولد أسلم
في مداخلة، استهل حديثه عن موريتانيا، وتشبّث أهلها بالعربية واعتزازهم بها، وأورد أبيات شعرية في ذلك، ثم انتقل إلى الحديث عن المسار التاريخي للتعريب الموريتاني ـ والذي اعتبره ليس واضحا ـ وأرجعه إلى عامل الإسلام، والانتماء المذهبي إلى المالكية ـ بحكم نشأتها في بيئة حجازية احتفلت ببعض الاجتهادات التي يطبعها ميل عروبي، والعامل الثاني إيديولوجي يتعلق بالحكم الأموي، والثالث الهجرة المعقلية، والتي أسهمت في تعريب المجتمع الصنهاجي وتكوين المجتمع الحساني، أما في المجتمع العربي، فقد شهد تعربا نخبويا.
وقع الترسيم في وقت عسير، سنوات الأربعينيات بعدما فتحت فرنسا حق الإسهام في القرار، دافع الممثل عن ترسيم اللغة العربية، والمطلوب هو أن ينأوا عن التوظيف الإيديولوجي الذي يعتبر تحديا، و التحدي الآخر هو بقاء الإدارة الفرنسية رغم ترسيم اللغة العربية،ثم وطأة العولمة ومسار التنميط الكوني في غياب أي سياسة تنافس وتدعم العربية ، وآخر التحديات هو انسداد الأفق التنموي الذي أفشل التعرب في غرب إفريقيا.

استئناف الجلسة ومناقشة المداخلات

ـ محمد بنت كيتا : أثنى على أفكار باي سام وأكد على ضرورة التعاون والمأسسة.
ـ جمال الرحوم : يعاتب على اللجنة المنظّمة عن عدم إدراجها معاناة اللغة العربية في المغرب، ووجه دعوة لضيف الله بضرورة المحافظة على الموجود، وفي تعقيب على الأخ المحجوب عند حديثه عن ضعف اللغة العربية واعتبر الأمر ضعف أهلها، فالعيب في أبناء اللغة وليس في اللغة.
ـ محمد سانوغو: شكر لجميع من أسهم في إنجاح هذا اليوم الدراسي، نرجوا أن يكون فاتحة خير لما يستقدم، ثم أورد أهم المشاكل التي تواجهها اللغة العربية أفريقيا جنوب الصحراء أنها مشكلة المناهج ( كتاب إقرأ ) وجميع المقرارات مستوردة من البلدان العربية، وينبغي توحيد المناهج في هذه المرحلة و التخلي عن الكتب المستوردة في جميع المواد.
ـ أحلام عباسي : أبدت فرحها بالحضور في هذه الأمسية، و توجهت ملاحظتها إلى أن اللغة هي توطئة، ثم مسألة حضور الفرنسية في الادارات، ولمحت إلى ضرورة التسويق للغة، ووجهت في ذلك نداء إلى الطلبة الأجانب باعتبارهم سفراء عن بلدانهم لنقل ثقافاتهم إلى اللغة العربية.
ــ هارون باه : لا بد من السعي إلى استمرار الحوار العربي الافريقي، وأشاد بتكامل المداخلات فيما بينها.
وأجاب المشاركون عن هذه المداخلات التي وجهت إليهم بما يلي:
ــ محمد صالح جالو : دعا إلى ضرورة التحلي بآداب الحوار والاختلاف ، واحترام رأي المخالف .
ـ باي سام : رد على تعقيب جمال رحوم بخصوص كون اللغة الفرنسية لغة القارة، وصحّح ذلك بكون القارة متعددة الروافد. وعن دور الطريقة التيجانية، أكد إسهامها في تنمية اللغة العربية بالسينيغال.
ـ محمد المحجوب : رد على تعقيب جمال رحوم بكون الأمر كما قال، وأن مستقبل اللغة العربية يصنعه أبناؤها، وتحدث عن مستقبل المستعربين، ونوّه بشخص لم يكن مسلما، هو إدوارد بيتن والذي أسهم في إدخال العربية الذي يعتبر رمزا في غرب إفريقيا.

هذا وقد خرج اليوم الدراسي بمجموعة من المقترحات والتوصيات نذكر منها ما يلي:
– ضرورة تأسيس حركة “استعرابية” في مقابل المدّ الفرنكوفوني لمواجهة التحدّيات التي تواجهها اللغة العربية في منطقة غرب إفريقيا.
– إيجاد هيئة علمية محلية تسهر على الشؤون الدينية واللغة العربية في غرب إفريقيا…
– تأسيس منظّمة عربية في غرب إفريقية تعنى بقضايا العربية تعليما وبحثا وإشعاعا ثقافيا وحضاريا، لتكون همزة وصل لتكثيف التعاون العربي الإفريقي في مجالات التنمية البشرية، والسياسة الشرعية، والإقتصاد الاسلامي…
– تقديم برامج إذاعية وتلفزية لتعليم العربية غير الناطقين بها في منطقة غرب أفريقيا.
ــ إنشاء جمعيات محلية لحماية اللغة العربية في البلدان الإفريقية والتواصل مع المهتمين بها في المنطقة.
ــ تعميق التواصل وربط شراكات مع المعاهد المتخصصة في الدول العربية.
ــ الاهتمام بترجمة الأعمال والمؤلفات الإفريقية إلى اللغة العربية لتحقيق التواصل الفعال.
-كما خلصت المداخلات إلى ضرورة فتح كليات ومعاهد محلية في غرب إفريقيا تابعة للجامعات العربية الكبرى، بغرض توفير التخصصات العلمية باللغة العربية…

شارك برأيك