اليقين في حكم التدخين

ظاهرة التدخين.
من اللازم دائما، التكلم عن الظواهر السيئة المنتشرة في المجتمعات عموما وفي المجتمع الإسلامي خصوصا، وبالأخص منها تلك الانحرافات التي تستوجب إصلاحات فورية. ومن أقبحها، ظاهرة التدخين بسائر أنواعه التي انتشرت بيننا كثيرا، في كل زمان ومكان، وبين كل الأعمار، عند الكبار وكذلك الصغار، وعند الرجال وكذلك النساء.
ومن حُسن المناسبات، الحملة الدولية لمحاربة هذه الظاهرة المستقبَحة جدا. فكانت حملة سنوية، للاحتفال في 31 ماي، باليوم العالمي للانقطاع عن التدخين. لكنه ليس احتفالا شكليا، بل تحسيسيا، نحن مطالبون جميعا للإسهام فيه، مادام عملا خيريا لكل الناس في كل مكان.
إن مما يدفع أكثر لاختيار التكلم في هذا الموضوع، ألا أحد منا يُفلت من أضرار التدخين، ولو لم يكن يُدخن. فإما نتضرر بأنفسنا أو بغيرنا، رغم صدور قوانين منْع التدخين في الأماكن العامة.
ورغم هذا، قد يقول قائل، إن حُكم التدخين، مثلَ حكم الخمر والمخدرات، صار معروفا جدا، فلا يحتاج أبدا لبيان مفصّل. لكن المشكل، هو المعرفة نفسُها، لأن العبرة بالتطبيق، لا بادعاء معرفة الحُكم، بل على الأقل، الجاهل يُعذر بجهْله، بخلاف العارف بالحُكم، يكون آثما أكثر بتجاهُله.
ثم الموضوع يهم الجميع، مُدخنين خاصة أن بعضهم يدخل المساجد، وغيرَ المدخنين أيضا لأن المفروض أن ينصحوا غيرهم. فالدين النصيحة، باللسان مسؤوليتنا جميعا، خلافا بقوة السلطان مسؤوليةُ الدولة أساسا. لذا، لا يجوز لنا أبدا، التخلي عن مسؤولياتنا، وتحميلها لغيرنا، أو للدولة التي لا تكون إلا بنا أجمعين.
إننا في سفينة واحدة، مسؤولون عنها جميعا. فنحرص على أن ننجو جميعا، حتى لا نغرق جميعا، كما جاء في صحيح البخاري على لِسان نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها: كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على مَن فَوقَهم، فقالوا: لو أَنَّا خرقْنَا في نصيبنا خرْقا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هَلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا ونجوا جميعا».
فإمّا نتناصح جميعا، لنمْنع الضالّين مِنا من إغراقنا معهم، أو نغرِق حتى لو كنا صالحين، خاصة أن التدخين محرّم في القرآن والسنة بأدلة كثيرة، متعددة ومتنوعة، كافية لاستيعاب حُكمِها وتبليغه لبعضنا البعض.

أدلة تحريم التدخين وآثاره.
فالتدخين مُحرم قطعا بأدلة من الكتاب والسنة ومن أصول الشريعة، لِما يُنتج دائما من مضارمُهلكة وعواقب وخيمة.
1- قال تعالى عن الصحابة رضي الله عنهم، في سورة المائدة: (يسألونك ماذا أُحل لهم. قل أُحل لكم الطيبات).
كما وصفَ نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، في سورة الأعراف أنه: (يُحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).
فيتَحقق نصا، تحريم السجائر وكل ما ماثلها، بناء على قاعدة “الأصل في الطيبات الحلية وفي الخبائث التحريم”، لأنها خبيثة شكلا ورائحة و ذوقا.
2 – الضرر: ينقسم إلى نوعين:
أ- ضررٌ بدني: لأن التدخين يُضعف الأبدان ويُسبب الأمراض حتما.
فقال تعالى في سورة النساء: (ولا تقتلوا أنفسكم).
كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مالك في مُوطئه صحيحا: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ».
وإن الحفاظ على النفس، من الضروريات الخمس (الدين – العقل – النفس – المال – النسل). فكانت أنفُسنا أمانة عندنا، مِلكا لله، لا لَنا كما يقول بعضُنا نفعل فيها ما نشاء. والضروريات الأربع الباقية كلها، أيضا تتأثر سلبيا عند كل شخص يدخن.
ثم أغلب المُدخنين، لا ينتبهون إلى أن الإضرار بالغير، أعظمُ إثما من إضرار أنفسهم. فينبغي الحِرص أكثر على اجتناب التدخين في كل حال، خاصة أنه يؤدي للتلوث الدائم ويَحرِم من نعمة الهواء النقي والفضاء السليم.
ب- ضررٌ مالي: لأن في التدخين تبذيراً للمال، إذ لا يفيد لا الجسم ولا الروح، ولا الدنيا ولا الآخرة. فكان منهيا عنه:
° بقوله تعالى في سورة الإسراء: (لا تبذر تبذيرا).
° بنَهيه صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، في قوله: “إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأْد البنات، ومَنْعٍ وهاتِ، وكرِه لكم، قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال”(متفق عليه). فيكون تبذير الأموال، حتى في المباح مكروها، في حين أن الحرام حرام، سواء في كثيره أو في قليله.
° بسؤال العبد عن مالِه يوم القيامة، من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذيحسناوصحيحا: (لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أفنَاهُ؟ وَعَنْ عِلمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفيمَ أنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسمِهِ فِيمَ أبلاهُ؟). لكن التدخين، لا يهمه السؤال عن المال وحده، بل كل الأسئلة.
3- الإسكار: بمعنى تغيير العقل والتفكير كما يتأكد في رمضان، لا سُكر اللذة والهُيام. فتَحقق التحريم كالخمر، لأن “كل مسكر خمر، وكل خمر حرام” (حديث نبوي في صحيح مسلم).
4- التخدير والتفتير: فهو يُخدّر ويفتّر، والرسول صلى الله عليه وسلم «نهى عن كل مُسكر ومُفتّر» (صحيح رواه أحمد وأبو داود). والمفتر: ما يورث الفتور والتخدر في الذات.

أحكام حول التدخين.
فالتدخين ثبت أنه مُحرم بأدلة كثيرة، لِما يُنتج دائما من مضارمُهلكة وعواقب وخيمة. لكنْ لا بد من تنبيهات، حول أحكام إضافية تتعلق به:
1) قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: «مَن أكل ثوماً أو بصلاً، فلْيعتزلنا وليعتزل مسجدنا ولْيقعد في بيته» (متفق عليه).
قال هذا صلى الله عليه وسلم ، لكراهة رائحة هاتين الثمرتين. فكيف برائحة التدخين، التي تُؤْذي من يتعاطاه وتؤذي غيره، بل هي ضارة جدا لأن أصلها خبيث، بخلاف الرائحة الطبيعية للبصل والثوم.
2) ما سبق عام في التدخين، سواء كان عن طريق السجائر، أو عن طريق غيرها كالشيشة، بل ثبت أنها أخطر. فصار ضررُها أشد، خصوصا مع انتشار مقاهي الشيشة العامِرة بالشباب أيضا، سواء من الذكور أو من الإناث، فأين نحن من الحساب؟.
3) لا يُعذر أحد بحجة أنه لا يستطيع التوقف عن التدخين، لأن الانقطاع عنه ممكن عادة، مثلما تركه كثيرون. لكنه فقط يحتاج إلى عزيمة قوية، تتقوى بالإيمان بأنه ذنب تجب منه التوبة النّصوح، حسب شروطٍها الأربع: الإقلاع حالاً، والندم دائما، والإحسان كثيرا، وعدم العودة إطلاقا.
4) المال المُكتسب من بيع السجائر، يأخذ حُكمَها في التحريم. لأن الحرام لا يجوز التبايع والاتجار فيه. فلا يحل أبدا لمسلم، أن يتملك السجائر، ولا أن يتبايع أو يتعامل فيها، بأي مبرر من المبررات كالفقر أو غيره. لكن واقعنا مغاير تماما، بانتشار الاسترزاق من المحرمات، في كل مكان.عصَمنا الله جميعا، من الوقوع في هذه المحَرمات.

تنبيه لوجوب النصيحة والإصلاح.
نحن مطالَبون جميعا، بالإسهام في إصلاح الفساد المنتشر بيننا، كل واحد منا على قدْر مسؤوليته وطاقته. لكن معظمَنا يتقاعس عن الإصلاح، مستدِلا صريحا أو ضمنيا بحُجج واهية، كبعض المُثَبطين منا للناصحين، الذين يعتمدون على أدلة مثل قوله تعالى في سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم).
فوجب التحقيق أيضا، في المراد من هذه الآية، من أجل تبيين خطئهم التام في الاستدلال.
لقد كان هذا مثالا واضحا لسوء فهْم النصوص الشرعية، ووضعِها في غير محلِّها عن جهْل تام بمضمونها. أما علماؤنا جزاهم الله عنا خيرا، فقد تصدّى مُعظمهم لتحميل نصوص ما لا تحتمل.
فجاء مثَلا، في تفسير ابن جزي المالكي للآية، في كتابه التسهيل لعلوم التنزيل:
“قيل: إنها منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقيل: … لا يضركم ضلال أسلافكم إذا اهتديتم.
والقول الصحيح فيها ما ورد عن أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه أنه قال: «سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: (مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شُحا مطاعاً وهوى مُتَّبَعاً، ودنيا مؤثِّرة، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بخُويصة نفسك وذَرْ عَوامّهم).
ومثل ذلك قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (قولوا الحق ما قُبل منكم، فإذا رُدّ عليكم فعليكم أنفسكم).”
وفي مسند الإمام أحمد صحيحا، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية … وتضعونها على غير ما وضعهاالله. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكِروه، يوشك أن يَعمهم الله بعقابه)”.
فلا نُعذر أبدا بالتوقف عن النُّصح، إلا بعدما نتحقق من رفض المنصوحين له.
إنها حقا تنبيهات من أجلنا جميعا، لمحاربة الفواحش السيئة والْتزام الأخلاق الحسنة.
فاللهم علِّمنا أحكام ديننا، ووفِّقنا للعمل بما علمنا.
واصلحنا واصلِح بنا، واهدنا واهدِ بنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

7 thoughts on “اليقين في حكم التدخين”

  1. حيى الله الكاتب المحترم الدكتور سعيد أسعده الله، والتحية والتقدير لشبكة ضياء التي فتحت باب التواصل بيننا.
    يبدو أن الكاتب الموقر مصر على الإطلاقات واليقينيات، نبهته إلى ذلك في المقال، لكنه عاود الكرة، ولنتامل عباراته الواردة في التعليق مثل : “تحديد الحكم قطعا” “يثبت التحريم باليقين” “لم يبق مجال لأحد كيفما كان أن يتساهل فيما منع باليقين” “بعد تبين الصواب باليقين” “من الخطأ المحقق” “تحقق الضرر” “ما دام الاختلاف صار محسوما” “لكنه خلاف صار محسوما وغير مقبول”
    هذه عبارات الكاتب الموقر، استعمل فيها عبارات القطع واليقين وغيرهما، بل صرح بأن القضية محسومة والخلاف غير مقبول، وهذه العبارة الأخيرة تصادر حق الغير في الاختلاف معه، وتفرض علينا أن نتساءل : من حسم القضية ؟
    قال الكاتب الموقر : “وكيف يمكن إنكار ضرر ثابت وسيئات مؤكدة” لست أدري من أكد له السيئات ؟
    ثم قال عقب العبارة أعلاه : “ومع السيئات فلا شك أنه التحريم”، وعليه، نتساءل : هل السيئات سبب في التحريم ؟ أم التحريم مسبب لها ؟
    أما كلمة “مبرر”، فقد اعتبرها الكاتب الموقر “صحيحة لغة، سواء من حيث اللفظ أو المعنى أو التركيب”، وحسب اطلاعي فإن مثل هذه العبارات لا يمكن أن يقولها باطمئنان إلا الزمخشري والجاحظ والمبرد وغيرهم من أئمة اللغة، وإذا كانت صحيحة كما قال، فألتمس منه أن يبين لي ولغيري أصلها وجذرها اللغوي، والفعل الذي اشتقت منه، وسأكون له من الشاكرين، وبالمناسبة أهدي للكاتب الموقر ولعامة القراء نصا لأستاذي سيدي احمد الريسوني في نظرية التقريب والتغليب، قاله تعليقا على عبارة “الغاية تبرر الوسيلة” ص : 429 “وهو لفظ [أي : تبرر] لا وجود له بهذا المعنى في اللسان العربي، وهذا الإنكار يختص به الحريصون على سلامة اللغة العربية، وعلى إبعاد الاستعمالات الصحفية والعامية والدخيلة عنها، أو على الأقل إبعاد هذه الاستعمالات عن الكتابات العلمية” واسترسل في الكلام ووصف “تبرر” بالعبارة الرديئة.، والرجاء في الأخير من الأخ سعيد ألا يحسم النقاش، وألا يصادر حقنا في الاختلاف.

    1. تعقيب الكاتب:
      شكرا على هذا التعليق، الذي يُسهم حقا في إثراء الحوار وإيضاح الصواب، حول موضوع مثير جدا للجدل والنقاش. فلا يجوز لي فيه أبدا، مصادرة حق أحد في عدم الاقتناع، إلا أنه لابد من الانضباط بضوابط الاختلاف.
      وحول مضمون التعليق، فقد ركز على مسألتين، أبين فيهما ما يلي:
      1) المقصود في التعقيب على عبارة “مبرر من المبررات”، أنها مستعملة حتى في بعض معاجم اللغة المعاصرة. ولغتنا العربية، تقبل العديد من الإضافات، التي تبقى في الأصل غير فصيحة. ويبقى الأفصح هو الأفضل دائما، بل الأولى في العلوم الشرعية حتما. لكن موضوع الفصاحة، الذي لا نختلف فيه أبدا، ليس موضوعنا الأساس هنا، فلا نطيل فيه كثيرا.
      2) الأخ المحترم صاحب التعليق، يرفض الاحتجاج باليقين، كأن قضايانا الفقهية كلها اختلافات لا أحكام قارة فيها. فكان منطلقه لفسح مجال الاختلاف دائما، يبدو حقا معقولا، إلا أنه سيؤدي حتما لانقراض الأحكام القطعية وعدم استقرار المُسَلَّمات الشرعية المتفق عليها. ونصير بهذا المنطق المختل، بلا مجال للاتفاق نرتكز عليه ولا مانع للانحراف نحتكم إليه.
      إن من غير المرفوض إطلاقا ادعاء اليقين، إذا كان في محله، لا في محل اختلاف مقبول. فالاختلاف الفقهي كما هو معهود عند المختصين، منه المقبول الذي يحتمل تعارض الأقوال، ومنه غير المقبول بعدما يقع فيه الحسم بالدليل.
      وفي موضوعنا الذي نتناقش فيه، هناك حقيقة يقين معلوم، أبى صاحب التعليق إلا يرفضه. إنه يقين ضرر التدخين، على النفس وعلى الغير. أكد ضرره المسلمون وغير المسلمين، إلا من أراد تخطئة الجميع وهو أولى بالتأكيد.
      ومع ثبوت الضرر، بأدلة كثيرة، تتحقق سيئات الآثمين. فلا ينبغي أن نتستر عليها، مراعاة للمدخنين. وذِكرها يدل على تحريم، لا أنها سبب التحريم. فيكون الحكم هنا، لا يحتمل النقض بعد ثبوته عند المكلفين.
      إن القضية هنا، ليست قضية فسح مجال للنقاش، لأن الضرر فيها لا يقف عند فرد، بل يعم الجميع. فلا ينبغي فيها إنكار درجات الحكم، إلا أنه دائما في التحريم. ولا يجوز التساهل أبدا في أذى النفس، وبالأحرى أذى الآخرين.
      فأرجو ألا نجادل فيما لا يحتمل الجدال، إلا بدليل مقبول، حتى لا نشجع المبتلَون بالتدخين على البقاء في الآثمين. وليس وصفُهم بالضالين، إلا في هذه القضية بالذات. وقد يكونون في غيرها من الصالحين، إلا أن صلاحهم لا يعفيهم من أن يكونوا مسؤولين.

    1. تعقيب الكاتب:
      أشكر بصدق، أصحاب الردود على ملاحظاتهم، لأنها السبب في هذه التوضيحات الإضافية الهامة:
      1) المقال كما جاء في فئة قلم حر من هذا الموقع العلمي العام، مقال موجه للعموم لا للمختصين فقط، لأن التدخين مما عمت به البلوى. فكان مقالا مركزا بأدلة محددة، لا بحثا أكاديميا بدلائل موسعة وإحالات على مصادر ومراجع كثيرة. لكن الأدلة المختارة فيه، هي أدلة كافية في تحديد الحكم قطعا على التدخين وكل ما يلحق به، بمجرد تأمل موضوعي وانضباط بضوابط التشريع الإسلامي الحكيم.
      2) صحيح أن حكم التدخين خلافي، لكنه خلاف مقبول في السابق لا الآن. فلم يصدر منذ ظهور التدخين في حوالي القرن العاشر الهجري، فقط حكم التحريم، بل أيضا الإباحة إباحة أصلية، والتوقف عند من لم يتبين الحكم، والتفصيل حسب الحالات. لكن مع الزمن، ثبت عند أهل الاختصاص من الأطباء وغيرهم، ضرر التدخين لا فقط للنفس بل أيضا للغير. ومع ثبوت الضرر، يثبت التحريم باليقين.
      3) صحيح أن الإنكار، لا يجوز في مسائل الخلاف. لكنه خلاف هنا، صار محسوما وغير مقبول، بسبب قواعد الضرر الكبرى في الدين. فلم يبق مجال لأحد كيفما كان، أن يتساهل فيما مُنع باليقين. وكيف يمكن إنكار ضرر ثابت وسيئات مؤكدة، ومع السيئات فلا شك أنه التحريم، بل هو تحريم بكل درجاته حسب مستويات الضرر والإضرار بالنفس أو بالغير. فكانت الردود على المقال، وهي مقبولة بصدر رحب، مستغربة تحتاج لتبيين.
      4) إن من الخطأ المحقق هنا وفي مثله أينما كان، الاحتجاج باختلاف الفقهاء في الحكم، لتدعيم الإباحة أو على الأقل الكراهة، لأنه احتجاج في غير محله ما دام الاختلاف صار محسوما. فلا يجوز أبدا، الاستناد على بعض أقوال أو أفعال بعض العلماء، لإباحة ما ثبت تحريمه. وهم يكونون معذورين لعدم ثبوت الحكم الصحيح عندهم، بل قد يكونون مخطئين باجتهادهم، ولا نكون نحن مثلهم بعد تبين الصواب باليقين.
      5) صحيح أن نسْب الإسكار إلى التدخين، ليس محققا بإطلاق، إلا أن المقال يقصد التدخين بكل أنواعه، التي منها تدخين المخدرات والمسكرات الحقيقية. ثم إن التدخين عموما، فيه نسبة من الإسكار، مثلما يتحقق عند الإقلاع عنه في صيام نهار رمضان، حيث يصبح المدخن غير عادي بالتمام. وعلى الأقل دائما، يتحقق بالتدخين الإفتار. فكان إلحاقه بالمسكرات، صوابا باستمرار.
      6) هكذا جاء عنوان المقال “اليقين في حكم التدخين”، بناء على تحقق الضرر فيه بلا شك أو تردد في غير التحريم. فكان حقا، مقالا شديدا على المدخنين. لكنه ما وصفهم بالضالين، إلا لتنبيههم لواقعهم وعدم تركهم عن الحق منحرفين وفي الأذى دائمين. فكان القصد، خوفا عليهم وعلينا أجمعين، من عواقب ضلال مُبين.
      وفي الختام، لابد من الشكر التام لهذا الموقع الهام، على ما يوفره من نقاش علمي له فضل عام.

  2. في البداية الشكر والامتنان لشبكة ضياء على هذا العمل المتميز في النشر والتعريف. والشكر موصول أيضا لصاحب المقال الذي افتتحه باليقين، واختتمه باستهجان المدخنين واستحسان غيرهم. ومما هو ثابت أن الموضوع خلافي وفيه آراء واجتهادات لدى الأطراف المتخالفة. لذا حتى يكتسب المقال قيمته العلمية الرصينة لا بد من إيراد الدلائل كلها.
    ومرة أخرى الشكر لشبكة ضياء والقائمين عليه الذين كانوا هم السبب في هذا السجال الفكري والعلمي بين الباحثين.

  3. بسم الله الرحمن الرحيم
    بعد الاطلاع على المقال أعلاه، بدت لي عدة ملاحظات.
    أولا : كثرة الإطلاقات واليقينيات، في حين أن المقال يناقش قضية خلافية لا مجال للقطع واليقين فيها، وقد ألف علماء كبار في إباحة التدخين، وألف آخرون في حرمته، لذلك صدمت حين رأيت مفتتح العنوان بكلمة “اليقين”.
    ثانيا : كثرة اليقينيات والقطعيات أوهمت الكاتب أنه على صواب مطلق، فعدّ نفسه ومن معه من الصالحين، وأن المدخنين على خطأ، وأنهم من الضالين، لذلك قال ” فإما نتناصح جميعا لنمنع الضالين (كذا) منا من إغراقنا معهم، أو نغرق حتى لو كنا صالحين (كذا)”.
    ثالثا : لم تكن أدلة الكاتب الموقر مقنعة، لذلك استعاض عنها بكثرة الإطلاقات لتوهم القارئ بالحرمة المطلقة، لذلك قال : “فالتدخين محرم قطعا بأدلة من الكتاب والسنة ومن أصول الشريعة” ثم قال : فيتحقق نصا تحريم السجائر وكل ما ماثلها” ثم قال : “فالتدخين ثبت أنه محرم بأدلة كثيرة”. هذه التهويلات كانت أكثر من الأدلة.
    رابعا : اعتمد الكاتب أدلة ذوقية، مثل اعتبار التدخين خبيثا – وهذا أقوى أدلته – في حين أن الخبث والطيب يحتاج إلى نص، مثل القول بخبث الخنزير والخمر …
    خامسا : اعتبر الكاتب الموقر السجائر خبيثة شكلا ورائحة وذوقا، وللقارئ الحصيف أن ينتبه إلى خبث “الشكل” وهو ما عجز عقلي عن إدراكه، وإذا كان كلام الكاتب صويبا، فإن كل شيء اتخذ شكل السجائر فهو حرام خبيث.
    سادسا : ألصق الكاتب بالتدخين ما هو منه بريء، وحمله ما لا طاقة له به، فجعله مسكرا ومخدرا، وأنى له ذلك.
    سابعا : على مستوى الشكل، يلاحظ افتقار البحث إلى الإحالات والمراجع، وهذه منقصة في مجال البحث والدراسة.
    أخيرا : استعمل الكاتب عبارة “مبرر من المبررات”، وهي عبارة دخيلة على اللغة العربية، أنصح القراء باجتنابها واعتماد الأصيل في اللغة، وهو قولنا “مسوغ من المسوغات”.
    وفي الختام، نتوجه بالشكر الجزيل لشبكة ضياء على النشر والإفادة، ونشكر الكاتب على رحابة الصدر. والحمد لله رب العالمين.

    1. كيف يمكن اعتبار عبارة “مبرر من المبررات” الواردة في المقال، عبارة دخيلة على اللغة العربية، وهي صحيحة لغة، سواء من حيث اللفظ أو المعنى أو التركيب.

اترك ردا