المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات يصدر تقريره السنوي "المغرب في سنة 2013"

أصدر المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات*، ضمن سلسلة منشوراته، تقريرا أكاديميا مفصلا بعنوان: المغرب في سنة 2013، وهو نتيجة عمل جماعي شارك فيه ثلة من الباحثين المتخصصين في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، القانونية والسياسية والاقتصادية والسوسيولوجية، وتحت إشراف الأستاذ الدكتور إدريس شكربة.

الملخص التنفيذي:
لم تختلف سنة 2013 عن سابقاتها، سوى أنها أكدت المسار التراجعي عن الوعود التي تقدمت بها السلطة الحاكمة إبان الحراك الشعبي لسنة 2011 والتي أسفرت عن مراجعة للدستور في فاتح يوليوز وانتخابات مبكرة في نونبر من السنة نفسها.
رصد فريق العمل المكون من أكثر من أربعين باحثا وخبيرا ومهتما، والتابع “للمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات” مجمل أحداث هذه السنة ووقائعها في مختلف المجالات، وحركة مختلف الفاعلين في المشهد المغربي ورهاناتهم بحثا عن الخيط الناظم والعناوين الرئيسية لهذه السنة، وسيلمس القارئ تفاصيل ذلك بين صفحات هذا التقرير الذي يصدر للسنة الخامسة على التوالي.
في المجال السياسي
على مستوى الفاعلين، ظلت الملكية متحكمة في الفعل السياسي. ولعل السمة الغالبة على السلوك السياسي للملك استمراره في تأكيد وجوده ومحوريته من خلال استعمال الآليات التي ألف تعبئتها وأهمها الرسائل الملكية والتعليمات وكذا الخطب الملكية، واستثمار المجالات التي تنسحب منها الحكومة؛ خاصة وأن هذه الأخيرة استبطنت العمل في ظل الملك، وفي أحيان كثيرة تدخل القصر بشكل مباشر لسحب ملف ما من الحكومة كما حدث في قضية الصحراء عند أزمة القرار 2099 الأممي، كما أن التدخل الاجتماعي شكل إحدى الواجهات المفضلة إعلاميا لظهور الملك.
في المقابل استمر غياب الملك عن الملتقيات الدولية والإقليمية والعربية، واستمر غيابه عن إجراء أي مقابلة صحفية أو تليفزيونية، كما تعرض الملك للإحراج بمناسبة العفو بشكل فردي عن المجرم الإسباني “دنيال” بعد تأكيد الحكومة أنها نفذت التعليمات الملكية فقط في هذا الملف.
أما بالنسبة للحكومة، فإذا كانت سنة 2012 التي أفرزها دستور 2011 سنة الاطلاع على الملفات والاستئناس بالعمل الحكومي خاصة وأن قيادتها حديثة العهد بالعمل الحكومي (حزب العدالة والتنمية)، فإن 2013 كانت سنة عقد الآمال. إلا أنها شهدت انشغال الجهاز التنفيذي بالأزمة التي عاشتها الأغلبية بسبب الصراع بين حزبي العدالة والتنمية وحزب الاستقلال والتي عمرت ثلاث أرباع السنة وأضاعت الكثير من الوقت في نقاشات سياسية فارغة كان من المفروض تجاوزها واستغلال ذلك في أمور جوهرية بالنسبة للمغرب. والنتيجة أن هذه السنة كانت كارثية بالنسبة للحكومة على مختلف الأوجه.
فيما يرتبط بالعمل البرلماني، تميزت هذه السنة التشريعية بتخليد البرلمان المغربي لعقده الخامس بعقد ندوة دولية حول موضوع “50 سنة من العمل البرلماني بالمغرب وتطور الممارسة البرلمانية في العالم”حضرها برلمانيون وخبراء دوليون ومغاربة تناولت حصيلة البرلمان المغربي وسبل تطوير أدائه، غير أن هذه الندوة الدولية انعقدت بمقاعد فارغة من نواب الأمة، كما أن مستوى التنظيم لم يرق إلى حجم المناسبة.
ورغم وضع الحكومة بتاريخ 25 دجنبر 2012 ما سمته بخارطة الطريق لتأهيل وتطوير عمل مجلس النواب ولتجاوز ما سبق تبيانه في التقارير الماضية من خلل في بنية وأدوار البرلمان المغربي، إلا أن هذه السنة أبت إلا أن تكون شاهدة على استمرار ضعف هذه المؤسسة إن على مستوى الأداء التشريعي، أو على مستوى الأداء الرقابي، أو على مستوى الدبلوماسية البرلمانية.
على مستوى الحركة الإسلامية، عبر الفعل الدعوي والسياسي للإسلاميين المغاربة خاصة جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح في سنة 2013 عن رغبة أكيدة في إثبات الذات في النسق السياسي المغربي، خاصة بعد التحولات الإقليمية والعربية الذي اتسمت بتراجع مد الربيع العربي بعد الانقلاب العسكري الدموي في مصر في 03 يوليوز 2013، بينما استمر انحسار الفكر الشيعي في المغرب وهامشية وجوده خصوصا بعد موقف الشيعة المتحفظ من ربيع الشعوب العربية ودعمهم للنظام السوري.
وهكذا استمرت جماعة العدل والإحسان في خطها الدعوي والتربوي بعد وفاة مرشدها رحمه الله، وعملت على تطوير بنيتها التنظيمية، وتثبيت قواعد عمل قطاعاتها ومؤسساتها، وسط دينامية وحركية واسعة في الوسط المغربي وبالخارج وعلى صعيد مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والتواصلية.
أما حركة التوحيد والإصلاح، فقد اتجهت حركة التوحيد والإصلاح خلال سنة 2013 في منحى العمل التربوي والسياسي معتمدة تربويا على حملة “العفة” التي انطلقت في عدد من المدن المغربية، وربطتها بالعمل السياسي، بحيث ظل الارتباط الحزبي وبأعضائه ونوابه وطيدا بل وتطور إلى ربط علاقات شراكة على عدة مستويات.
فيما يتعلق بالتيار السلفي، وبعد الإفراج عن قيادات سلفية، عرفت بداية عام 2013 حدث تنظيم لقاء تشاوري شبه رسمي من طرف ثلاث جمعيات حقوقية بالرباط تحت عنوان: “من أجل فهم مشترك للحالة السلفية وسؤال المشاركة في الحياة العامة” بمشاركة جمعيات وفعاليات حقوقية وممثلين عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان ومحامين وأكاديميين، وحضور أقطاب سلفية جهادية في المغرب، ومعتقلين سلفيين سابقين. وعرفت هذه السنة أيضا إعلان مجموعة من السلفيين عن تأسيس جمعية دعوية بمدينة البيضاء تحمل اسم “جمعية البصيرة للدعوة والتربية”، كما خاض جزء من التيار السلفي تجربة سياسية بانتمائه لحزب النهضة والفضيلة. بينما واصلت وسائل إعلامية عرض أخبار مغاربة سلفيين معظمهم من الشمال ومن أبناء المهجر، توجهوا إلى ســـوريا للمشاركة في القتال الدائر بين نظام بشار الأسد والمجموعات المسلحة.
في الشأن الحزبي، انقضت سنة 2013 بأحداث حزبية متعددة؛ فجميع الأحزاب السياسية قامت خلال الفترة الممتدة من 24 أكتوبر 2011 إلى 23 أكتوبر 2013 (الأجل القانوني المخصص لملائمة وضعية الأحزاب السياسية الوطنية مع أحكام القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية) بعقد مؤتمراتها الوطنية العادية أو الاستثنائية. على مستوى آخر اندمج كل من الحزب الاشتراكي والحزب العمالي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. كما أعلنت أحزاب تنتمي للعائلة الحركية عن نيتها الدخول في مشروع اندماجي، وشرعت أحزاب جديدة في مسطرة التأسيس. في المقابل اكتوت بعض الأحزاب بنار الخلافات الداخلية، كحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال.
وشهدت هذه السنة صراعا جديدا بين الأغلبية والمعارضة عقب خروج حزب الاستقلال من الحكومة والتحاقه بالمعارضة وتحالف العدالة والتنمية مع حزب التجمع الوطني للأحرار برئاسة صلاح الدين مزوار والذي تلقى انتقادات شديدة من طرف عبد الإله بنكيران حينما كان حزبه في المعارضة.
على مستوى الدبلوماسية الحزبية، برز حزب الأصالة والمعاصرة، وبدرجة أقل حزب العدالة والتنمية ثم حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
أما من حيث مالية الأحزاب، اتضح أن جل الأحزاب السياسية لا تحترم الإجراءات والمساطر المعمول بها على مستوى الضبط المالي والمحاسبي لشؤونها المالية، وذلك حسب تقرير صادر في الموضوع عن المجلس الأعلى للحسابات في أكتوبر 2013.
أما على مستوى السياسات العمومية، نجد في ميدان السياسة الأمنية أنه ما زال لم يتم تفعيل الفصل 54 من الدستور، حيث لم يتم سنة 2013 إحداث المجلس الأعلى للأمن وبذلك تمت المحافظة على سكون السياسة الأمنية في يد الإدارة التقليدية للأمن الوطني التي لا تزال تقاوم للحفاظ على نفس السلوك العام نفسه الذي دأبت على الاستمرار في نهجه من استعمال مفرط للعنف ضد المتظاهرين، إلى انفلات أمني غير مسبوق، فتزايد تدهور العلاقة المتوترة مع الساكنة.
وكانت سنة 2013 مؤلمة للجهاز الأمني ولسلوكيات المنتسبين إليه، حيث سجلت العديد من حالات الانتحار لرجال الشرطة في عدد من المدن المغربية كما شهدت إقدام شرطي على إطلاق الرصاص على ثلاثة من زملاءه داخل مركز للشرطة في أول سابقة من نوعها، ناهيك عن استمرار سوء تدبير الموارد البشرية التابعة للجهاز الأمني.
أما في مجال السياسة الدينية، فقد عرفت سنة 2013 من جهة أولى، حيوية تشريعية في الضبط التنظيمي للحقل الديني الرسمي، ومن جهة ثانية استمرار نهجها التحكمي ضد حق العلماء وخطباء الجمعة في أداء وظيفتهم الإسلامية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبر توقيف الخطيب محمد الخمليشي بفاس يوم 13 يونيو 2013 بسبب انتقاده مهرجاني موازين بالرباط والموسيقى الروحية بفاس، ومن جهة ثالثة تم البدء في تسويق الدبلوماسية الدينية في إفريقيا وتصدير النموذج المغربي في تكوين الأئمة والمرشدات إلى مالي. ومن جهة رابعة استمر تحويل الرابطة المحمدية للعلماء من تجمع للعلماء إلى مؤسسة ثقافية نخبوية تسير على خطى الخطاب الديني الرسمي، كما استمر دعم الزوايا والدفع بها وإنعاشها وفق مقاربة سياسية براغماتية تجعل منها سندا لسياسات الدولة ومكرسا لشرعيتها الدينية.
بالنسبة للقضاء، استمرت أشغال ندوات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، حيث تم تنصيب الهيئة العليا لإدارة الحوار من طرف الملك بتاريخ 8 مايو 2013. وقد خلصت أشغال هذا الحوار إلى رصد أهم مكامن الخلل في منظومة العدالة بالمغرب، كما وضعت الهيئة رؤية عامة لإصلاح منظومة العدالة. وشهدت هذه السنة بروز خلافات بين وزارة العدل والحريات وجمعية هيآت المحامين بالمغرب حول مشروع وحيثيات إصلاح منظومة العدالة واندلاع إضرابات لهيئة كتابة الضبط، نجم عنها اتخاذ قرار باقتطاع أجور الموظفين المضربين. كما شهدت هذه السنة فضيحة العفو الملكي عن المجرم الإسباني “دانيال كالفان” المغتصب لأحد عشر طفلا مغربيا والمحكوم بـ 30 سنة سجنا نافذة، وهو ما شكل صدمة للرأي العام الوطني والدولي، أدت إلى اندلاع موجة احتجاجات عارمة بالمغرب منددة بالعفو ومطالبة بمحاسبة المتورطين.
وحافظت السياسة الخارجية المغربية على الأولويات نفسها، حيث تأخذ قضية الصحراء حيزا كبيرا يهيمن على مختلف الملفات وهذا ما أدى إلى تحجيم فعالية ومردودية هذه السياسة. وبفعل أولوية ملف الصحراء في سياسته الخارجية، عانى المغرب في تطوير علاقاته الإقليمية والبينية. حيث، لم يستطع تجاوز تبعات خطأ انسحابه من منظمة الاتحاد الإفريقي، مما فتح الباب أمام خصومه للتمتع بالعمل من خلال تكتل قاري حرم منه، رغم البدائل الإقليمية التي حاول من خلالها تعويض هذا الغياب وتعزيز العلاقات الثنائية مع بعض الدول الإفريقية والتي لا يمكن أن تجيب في كل الأحوال عن سياسة الكرسي الفارغ الذي تبناه في الاتحاد الإفريقي.
وحافظ المغرب على علاقاته التقليدية مع العالم العربي، في المسار نفسه الذي انتهجه سنة 2012، مع استمرار تراجع الدور المغربي في دعم القضية الفلسطينية، كما حافظ على علاقاته التقليدية مع دول الفضاء الأوروبي وأمريكا. بيد أن العلاقات المغربية الإسلامية يبدو أنها لا تحظى بالأولوية، حيث لم نلاحظ أي تغيير في وتيرة العلاقات الثنائية مع الدول الإسلامية.
أما قطاع الدفاع، فما يزال بعيدا عن الهامش الحكومي، كما استقر عرف عدم خضوعه للمراقبة والمسائلة من طرف البرلمان حيث استنكف النواب عن أي إحراج للمؤسسة العسكرية وظهر ذلك من خلال ندرة الأسئلة الكتابية والشفوية التي تمس قطاع الدفاع، كما أن مناقشة ميزانية هذا القطاع لا تبدأ حتى يتم التسابق لمدح المؤسسة العسكرية والإعلان عن تمريرها. هكذا ورغم ظروف الأزمة الاقتصادية، سجلت سنة 2013 ارتفاع ميزانية قطاع الدفاع بحوالي 7% وكذا ارتفاع مشتريات المغرب من السلاح.
وقد كان نشاط الجيش المغربي مكثفا سنة 2013 من خلال العديد من المناورات العسكرية التي نفذت بمشاركة قوات أجنبية داخل المغرب أو خارجه، كما استمر حفاظ المغرب على وجود قوات عسكرية مغربية خارج الحدود من خلال المساهمة في السلم بإفريقيا.
وعلى مستوى آخر، شكلت الحكامة والاحتجاجات الاجتماعية والحقوق والحريات أبرز الرهانات.
وبالتعرض لقضية الحكامة، نجد أنه مع صدور مجموعة من التقارير الموضوعاتية والسنوية لهيئات الحكامة، ورغم توسيع صلاحياتها وخصوصا تلك التي تمت دسترتها، يبقى السؤال مطروحا حول دورها في القضاء على الفوضى ونهب المال العام. فالتنصيص الدستوري على كون هذه المؤسسات “مستقلة”، وتفسير المجلس الدستوري لهذه الاستقلالية، بكونها مؤسسات غير خاضعة لا للسلطة الرئاسية لوزير معين ولا لوصايته ومن تم تغييب مبدأ المراقبة والمحاسبة، لا يلغي أحقية الحكومة دستوريا وسياسيا في إعداد مشاريع القوانين المتعلقة بهذه المؤسسات. لذلك فإسناد إعدادها للديوان الملكي، لا يندرج سوى في إطار التحكم السلطوي للمؤسسة الملكية في صناعة القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، واستمرارية مسلسل التنازل الإرادي عن الصلاحيات الحكومية وعن هيمنة المؤسسة الملكية على الوثيقة الدستورية.
في ميدان الاحتجاجات الاجتماعية، عرف المغرب سنة 2013 احتجاجات مستمرة، اتسع مجالها وتنوعت مطالبها، فالتحقت مجموعات جديدة لتعزز جبهة المطالبين الاجتماعيين، كما استقرت الخريطة الاحتجاجية في التنوع نفسه الذي ساد سنة 2012.
واستطاعت الطبقة الوسطى أن تنتظم بشكل ما في اتحادات موازية وتنسيقيات أضحت الأداة التنظيمية لتجاوز تعقيدات العمل النقابي وبيروقراطياته. كما أن المعطلين المنتظمين داخل مجموعات صغيرة نسبيا استطاعوا التجمع والتكتل فيما سمي بالتنسيق الميداني للأطر العليا المعطلة 2011 والذين لازالوا يحتلون الشارع العام في مظاهرات حاشدة أمام البرلمان.
ولم تتغير سياسة الحكومة في التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية، فقد ظلت المقاربة الأمنية إحدى الأولويات في هذه السياسة، وكان ملفتا حضور الأمن الكثيف في معالجة هذه الاحتجاجات.
وفيما يرتبط بمجال الحقوق والحريات، شكل الدستور المغربي المصادق عليه في 2011 مجالا للتناقض بامتياز في الحقوق والحريات. فباعتباره أسمى قانون في البلاد، واعتراف مهندسيه بكافة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا بكل آليات حمايتها وضمان ممارستها، إلا أن واقع الحال يشهد خلاف ذلك.
فرغم إشادة الخطاب الرسمي باحترام حقوق الإنسان، وحصول المغرب على عضوية المجلس الدولي لحقوق الإنسان لمدة أربع سنوات، فإن المنتظم الدولي قد وشح الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي بجائزة حقوق الإنسان التي تمنحها الأمم المتحدة، وهو توشيح يحمل أكثر من رسالة.
وفي المجمل، فإن استمرار مظاهر انتهاك جميع الحقوق والحريات المدنية والسياسية واستمرار الاعتقال والتعذيب وفساد السجون وتعنيف الاحتجاجات السلمية والإفلات من العقاب وتوظيف القضاء واستمرار تردي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية واستفحال الفقر والهشاشة والعوز الاجتماعي، يضع الخطاب المكثف حول الحقوق والحريات موضع مسائلة.
في المجال الاقتصادي والمالي
في الوقت الذي كانت تعقد فيه الآمال على أن تكون سنة 2013 بداية المسار الحقيقي للاقتصاد المغربي، جاءت السنة حبلى بالتعثرات الاقتصادية وبالقرارات الفجائية للحكومة لكبح نزيف المالية العمومية وبالتناقضات وتضارب المعطيات الاقتصادية بين بعض مؤسسات الدولة.
ويمكن اعتبار تحسن بعض المؤشرات الكلية متم 2013 مقارنة ب 2012 راجعا لقرارات وإجراءات أثارت جدلا كبيرا نجد منها اللجوء للمقايسة الجزئية والاستدانة والهبات وكذا إلغاء 15 مليار درهم من الاستثمارات العمومية في أبريل 2013 ووقف التزامات الاستثمار متم أكتوبر 2013. هذا إلى جانب توقيف الترقيات وصرف المستحقات لمن تمت ترقيتهم والاعتماد على التضريب والرسوم والمساهمات التضامنية المقتطعة أساسا من المنبع.
إن استمرار اعتبار الشأن الاقتصادي شأنا خاصا لبعض الدوائر المتنفذة التي تعتمد منطق التحالفات والعائلة لا يمكن من تغيير المسار الاقتصادي للبلد ولو في سياق ما تم إقراره في دستور 2011 من مقتضيات لتحسين الحكامة الاقتصادية. وما يزيد الأمر تعقيدا هو التغيير الحكومي على مشارف وضع قانون المالية لسنة 2014 وتوتر الأجواء بين الحكومة والفرقاء السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين.
وبالنظر إلى تقارير المنظمات الدولية، نجد الحكومة لا تبرز إلا التقارير الايجابية من قبيل تحسن تصنيف مناخ الأعمال، وتغفل تقارير أخرى تنحو عكس هذا الاتجاه. حيث احتل المغرب المرتبة 130 في سلم التنمية البشرية وتراجع ب 7 مراتب في مجال التنافسية وبأربع درجات في المؤشر العالمي للابتكار. كما سجل العجز التجاري للمغرب تفاقما مع كل الدول التي وقع معها اتفاقيات للتبادل الحر.
قطاعيا، يعتبر القطاع الفلاحي موردا أساسيا للاقتصاد الوطني إذ يساهم ب 16% من الدخل القومي الخام ويشغل حوالي 45% من اليد العاملة النشيطة. لكنه على الرغم من مرور خمس سنوات على انطلاق مخطط “المغرب الأخضر”، بقي القطاع عاجزا عن تلبية حاجيات الاستهلاك الوطني وعن الرفع من الطاقة التصديرية ومرتهنا بالتساقطات المطرية. وشكل تضريب القطاع أبرز قرار سجل سنة 2013 في إطار قانون المالية لسنة 2014.
وفي مجال الصيد البحري، تميزت سنة 2013 بإبرام اتفاقية جديدة بين المغرب والاتحاد الأوروبي بعد جمود امتد من دجنبر 2011 حين رفض البرلمان الأوروبي آنذاك تجديد الاتفاقية السابقة المعمول بها منذ سنة 2007. هذا الاتفاق الجديد يسمح للأسطول الأوربي (126 باخرة أغلبها من إسبانيا) للصيد في المياه الأطلسية المغربية في مجموعة من المصايد مقابل مبلغ مالي يقدر ب 40 مليون أورو سنويا.
في المجال الصناعي، يتوقع أن تسجل قطاعات الطاقة والمعادن والصناعات التحويلية والبنيات التحتية والأشغال العمومية نموا بمعدل 0,6% سنة 2013 وهي حصيلة أقل بكثير من النسبة التي توقعها قانون المالية لنفس السنة والتي حددت في 4,1%. هذا علما أن النتائج العامة لتطبيق “الميثاق الوطني للانبثاق الصناعي” المقدمة في مناظرة الصناعة لعام 2013 أظهرت أن الناتج المحلي الإجمالي الصناعي والصادرات الصناعية ازدادا على التوالي ب 28,4 مليار درهم و24,3 مليار درهم. وهذا يظهر اختلالات من قبيل تحريك قطاعي السيارات والطيران بمشغل واحد لكل منهما وضعف دعم وإدماج المقاولات الصغيرة والمتوسطة الصناعية.
أما في قطاع الاتصالات، فقد شهدت المؤشرات الرئيسية نموا إيجابيا خلال عام 2013، مما أصبح يتيح الولوج بشكل كبير ومتزايد وبأثمنة أرخص لمختلف خدمات الاتصالات. وكانت النتيجة المباشرة لهذه التخفيضات، أن أخذت قاعدة المشتركين تتوسع باستمرار. فهناك أزيد من 42,4 مليون مشترك في الهاتف المحمول، وأكثر من 5,77 مليون مشترك في الإنترنت، مع ارتفاع واضح في الربط 3G الذي أصبحت قاعدته تغطي 85,5% من القاعدة الإجمالية أي حوالي 4,93 مليون مشترك.
وقد أظهرت مبيعات الإسمنت، التي تعد البارومتر الرئيسي لنشاط البناء والأشغال العمومية، انخفاضا قدر بنسبة 6,3% سنة 2013. في المقابل ارتفع مقدار القروض العقارية -على أساس سنوي-بنسبة 4,8% في نهاية أكتوبر 2013 إلى ما يقرب 230,2 مليار درهم.
في مجال اللوجستيك والنقل، سجلت الاستراتيجية اللوجستية تأخرا كبيرا، إذ لن يتم تحقيق أهدافها قبل متم سنة 2018 بدلا من 2015 كما كان مقررا في الأصل. كما عرفت سنة 2013 إطلاق “مرسى المغرب” عملية فتح رأسمالها للخواص، وافتتاح أشغال بناء الميناء الجديد بآسفي في أبريل 2013 وبداية أشغال الهندسة المدنية لمشروع “الخط فائق السرعة” وتعثر أشغال بناء بعض الطرق السيارة بسبب صراع نزع الملكية.
وعلى مستوى تمويل الاقتصاد، سجلت سنة 2013 مقارنة بسنة 2012 زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة ب 25,2% وانخفاض مداخيل السياحة بنسبة 0,5% وتحويلات المغاربة القاطنين بالخارج بحوالي 0,7%. كما أن مديونية الخزينة لوحدها تجاوزت 62% من الناتج الداخلي الخام. وفي الوقت الذي تشكو بعض القطاعات من تأثير الأزمة الاقتصادية، حقق القطاع البنكي هامش ربح معتبر حيث يتوقع أن يتجاوز ناتجه الصافي 40 مليار درهم خلال سنة 2013. كما تعتبر شركات التأمين من أول المستثمرين في سندات الدولة وأول ممول للخزينة المغربية ويحتل قطاع التأمين المغربي المرتبة الثانية على الصعيد الإفريقي والثالثة عربيا. في المقابل، يشكو قطاع التقاعد من وضعية مالية توجب إصلاحا تدريجيا تتباين حوله الآراء مابين الإصلاح المقياسي والإصلاح الهيكلي.
في المجال الاجتماعي
مرت سنة 2013 دون أن يتزحزح المغرب عن مرتبته المتدنية في سلم التنمية البشرية، حيث بقي عالقا في المرتبة 130 التي حصل عليها سنة 2012، ليوجد في المجموعة الثالثة التي تضم الدول ذات التنمية البشرية المتوسطة.
وبهذا نجد أن المغرب قد تخلف بخطوات كبيرة عن دول تستوي معه أو يفوقها في المؤهلات المطلوبة لأي تنمية بشرية والضرورية لأي إقلاع اقتصادي. وقد شمل هذا التخلف تراجع جميع مؤشرات التنمية، بما فيها وضعية المرأة والأسرة والطفل، وكذا معدل الجريمة، والهشاشة، والفقر.
في الميدان الصحي، عرفت وفيات الأمهات الحوامل ارتفاعا مهولا سنة 2013، حيث سجلت 227 حالة وفاة لكل 100 ألف مولود، في الوقت الذي تقدر فيه هذه النسبة ب 70 حالة فقط في تونس، و12 حالة في فرنسا. مثل هذه الوضعية -وغيرها-دفعت وزارة الصحة إلى التفكير في وضع استراتيجية صحية تكون كفيلة بعلاج المشاكل التي يتخبط فيها القطاع الصحي.
وكان تنظيم المناظرة الوطنية الثانية للصحة حول موضوع “من أجل حكامة جديدة لقطاع الصحة”، يهدف إلى التوصل إلى ميثاق وطني حول الصحة بالمغرب. عرفت هذه المناظرة مقاطعة سبع نقابات صحية لأشغالها، واختتمت بتوصيات عامة ومعدة سلفا، لم تترجم عمليا على أرض الواقع؛ ولم تحقق أي نجاح يذكر في التأثير على أصحاب القرار من أجل الرفع من ميزانية الصحة وتخصيص مناصب مالية أكبر للصحة. حيث ما زال القطاع الصحي يعرف مشاكل كبيرة، تتمثل في الخصاص المهول في الموارد البشرية والأدوية والأجهزة، واستياء المواطنين أمام عجز الوزارة عن التقليص من بعض الأمراض التي تعكس مظهرا من مظاهر التخلف والفقر، (مرض السل مثلا).
ورغم كل هذا، تبرز مظاهر قوية لتنصل الدولة من مسؤوليتها في هذا المجال بسعي الحكومة إلى تحرير القطاع بفتح الباب على مصراعيه لفائدة الشركات التجارية لإنشاء مصحات خاصة استثمارية والترخيص للأطباء الأجانب بممارسة المهنة بالمغرب.
ولم يكن وضع الطفولة بأحسن حالا من الوضع الصحي إذ بدت في وضعية كارثية خاصة مع هجمة الأجانب واعتدائهم جنسيا على الأطفال حيث وصل عدد الضحايا 26.000 حالة اغتصاب للقاصرين سنويا، بمعدل 71 حالة يوميا، أضف إلى ذلك بيع الرضع لاستعمالات متنوعة. فقد رصدت تقارير غربية آلافاً من القاصرين المغاربة ممّن سقطوا في أيدي العصابات الإجرامية، أو ممّن يتم استخدامهم في صفقات لبتر أعضاءهم البشرية وبيعها. أما الأطفال المتسولون، فقد سجلت الإحصائيات ربع مليون متسول تجوب شوارع المغرب منهم 25 ألف طفل. أما ذوو الاحتياجات الخاصة فواقعهم جد مؤلم؛ حيث بلغ عدد الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب أكثر من مليون ونصف، أي بنسبة تفوق 5٪ من إجمالي السكان، حوالي 67,6٪ منهم محرومون من التمدرس.
ولا يمكن استثناء الشباب من هذا الوضع، ف 5,8% من الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة هم بدون أي مستوى دراسي، ونحو 70% منهم في مستوى الإعدادي فما دونه، أما مستوى التعليم العالي فلا يمثل سوى 6,1 %. كما سجل عجز كبير على مستوى دور الشباب، حيث لا يتجاوز عددها حاليا دار شباب واحدة لكل 38.400 شاب. أما المشاركة السياسية فقد تم تسجيل 1% فقط من المنخرطين في الأحزاب السياسية، و4% تشارك في اللقاءات التي تنظمها الأحزاب السياسية أو النقابات.
فيما يرتبط بمجال التشغيل، يمكن الحديث عن نشأة عطالة جديدة. يظهر ذلك في بلوغ الإحصاءات عتبة 43.000 عاطل من الفئة العمرية 15-24 سنة والحاصلة على شواهد. وقد بلغ معدل العاطلين من ذوي الشهادات المتوسطة 35%، وهي مفارقة أخرى تجعل الفئات المتوفرة على الشهادات المتوسطة، أكثر عرضة للتهميش مقارنة مع حاملي الشهادات العليا.
أما قطاع الرياضة، فيتخبط هو الآخر في تعاقب فشله البنيوي. المشاركة المخزية في “الكان”، والفشل الذريع في الوصول للمونديال، والصراع على المناصب، كلها عناوين رئيسة لمشهد لم تنته تفاصيله بعد.
وفي مجال الإسكان والتعمير، ومن خلال الأرقام الرسمية لا زال العجز في السكن يناهز المليون وحدة سكنية. وأمام هذا العجز المهول، التزمت الحكومة الحالية بتقليصه إلى النصف فقط طيلة السنوات الخمس لولايتها 2012-2016 وهو ما يؤشر على فشلها في هذا المجال. فالسكن الاجتماعي، والسكن المنخفض التكلفة الموجه للطبقات الوسطى، كلها مشاريع شبه فاشلة. ذلك أن المغرب يحتاج إلى مقتضيات قانونية في ميدان التعمير، وتطوير تقنيات جديدة في ميدان الإسكان تمكن من الاستجابة للحاجيات المتجددة للمواطنين، مع الحفاظ على التراث المعماري سواء في أبعاده الوطنية أو خصوصياته الحضرية والجهوية والمحلية.
كما تبرز مظاهر الانحرافات الاجتماعية قوية تجملها عناوين كبرى تجعل المغرب يحتفظ على مركزه المتقدم في السوق الدولية للمخدرات، وتجعل الجريمة في ارتفاع مستمر وتطور خطير في النوع والكيف. هذا إلى جانب فقدان الأمن والأمان حيث إنه وبعد مرور سنة على انتهاء “المخطط الخماسي لتقوية قدرات الإدارة الترابية والمصالح الأمنية 2008-2012″، ما تزال الوضعية الأمنية في ترد يضع هيبة الدولة موضع سؤال.
في مجال الهجرة، ظهرت أنواع يمكن تصنيفها إلى هجرة ظرفية وهجرة دائمة. أما الأولى فهي متعلقة بواقع محدد وهي نوعان: تمثلها الهجرة السورية المرتبطة بمجريات وسيرورة الثورة، والهجرة الأوربية إلى المغرب، وهي هجرة مؤقتة مرتبطة بالأزمة الاقتصادية عموما، وبأزمة الديون السيادية التي تعاني منها معظم الدول الأوروبية. أما الهجرة الدائمة أو المستمرة، فتتمثل في هجرة الأفارقة جنوب الصحراء نحو المغرب. وقد تحول المغرب تدريجيا من بلد مصدر للهجرة، إلى أرض لعبور الآلاف من هؤلاء المهاجرين، ثم إلى بلد للاستقبال، والتوطين، دون التوفر على أية دراسة أو استراتيجية لمواجهة هذه الإشكالية.
في مجال التعليم
بعد الإقرار بفشل البرنامج الاستعجالي سنة 2012، عاد خطاب الأزمة بقوة إلى الواجهة سنة 2013، تجسد ذلك على نحو واضح في الخطاب الملكي الذي ألقى باللائمة على الحكومة المنفذة.
ولعل التتبع الدقيق للخطاب الرسمي حول التعليم يكشف عن اضطراب مرجعيات القرار التربوي حيث لم يعد يعرف الدارس المرجعية المؤطرة للمجال التربوي؛ ذلك أن مجموع التدخلات الرسمية طبعها على مدى تاريخها الاضطراب في اتخاذ القرارات واعتماد منطق الترضيات والتوافقات في تركيبات اللجان الاستشارية على قاعدة الولاء للقصر والقرب من الدوائر العليا وفي إنجاز المهمات واتخاذ القرارات الكبرى التي همت تمفصلات الحياة التعليمية المغربية.
كما تميز التدخل الرسمي بالتراجع عن المبادئ الكبرى التي أطرت العمليات الإصلاحية الأولى والخضوع في الاختيارات المتبناة لضغوط المؤسسات المانحة وللتوازنات الاقتصادية من دون الاستجابة للحاجيات الحقيقية الذاتية الملائمة للاحتياجات الآنية والمستقبلية.
كانت الحصيلة السنوية لتدبير القطاع خلاصة متميزة لعمل يطبعه الارتجال أساسا ويحكمه تدبير الأزمات المتتالية. فعلى مستوى التمدرس، استمر الهدر المدرسي والخصاص الفظيع في الأطر مما يعني أن الدولة لم تحقق أي تقدم ملموس في احتضان الأعداد المؤهلة للتمدرس وحتى إن سجلت ارتفاعات في نسب التمدرس فإن ذلك يتم على حساب الجودة.
وظل التوجيه إلى شعب التعليم التقني يراوح مكانه، إن لم نقل إنه تراجع من حيث عدد التلاميذ المقبلين على هذا النوع من التعليم، وجمود الشعب والمسالك المكونة له. وكذا انسداد الآفاق ومحدوديتها بعد الباكالوربا خاصة مع عدم الملاءمة بين التكوين وعالم الشغل.
أما على مستوى البرامج والمناهج، فقد استمرت المدرسة المغربية تشتغل من دون بوصلة موجهة، خاصة في ظل غياب نموذج بيداغوجي واضح، وإيقاف إنتاج الكتب المدرسية، وعدم فتح ورش اللغات والمناهج.
على مستوى القيم ما عادت المدرسة المغربية منتجة للقيم ولا حاضنة ولا حارسة لها. بل لقد أصبحت مشتلا لإنتاج مختلف الظواهر المشينة من عنف بمختلف مظاهره اللفظية والجسدية، وتخريب للممتلكات وغش وتحرش جنسي، تحولت معها المدرسة إلى فضاء مفتقد للأمن والأمان.
على مستوى الحكامة، كشفت التقارير الرسمية نفسها عن قمة الاستهتار بالمال العام وبالمعايير المتعارف عليها في التخطيط الجيد. وعلى الرغم من كل هذا لم يتم إعمال منطق المحاسبة وربطها بالمسؤولية، ولا إعمال معايير الشفافية المختلفة ولا تقديم المتورطين في جرائم نهب المال العام للقضاء وحتى الإجراءات التي تمت فقد كانت في إطار نزاعات سياسيوية لم تثمر الغاية منها.
أما التعليم العالي، فقد أبان البرنامج الحكومي أنه لا يرتكز على معرفة بهذا القطاع الحيوي والمهم، وما يلازمه من أمراض مزمنة (ضعف المردودية الداخلية والتأطير والميزانية…)، ولم تكن وضعية البحث العلمي أفضل حال مما تقدم.
والخلاصة أنه طوال التاريخ الطويل من أزمات التعليم المتكررة لم يتم الوقوف خلال هذه المراحل كلها إلا عند تجليات الأعطاب التي تنخر جسم المنظومة دون القدرة على الولوج إلى عمق الكارثة المرتبطة أساسا بالسياسة المتبعة والمتمثلة في خضوع القطاع لتحكم القصر ولجانه الاستشارية هذا إلى جانب الحرص على عزل واقع المنظومة عن واقع التدبير العام لمختلف مجالات الشأن العام.
في المجال الثقافي
بالرجوع إلى البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2013، نجد أن أبرز التوجهات الثقافية للحكومة تحددت في تعزيز الهوية الوطنية الموحدة وصيانة تلاحم وتنوع مكوناتها والانفتاح على الثقافات والحضارات، ومواصلة جهود تغطية التراب الوطني بمؤسسات القرب الثقافية.
كما أكدت الحكومة على أهمية الحفاظ على التراث المعماري، والترويج للقراءة العامة والنشر، وتمويل الإجراءات الرامية إلى تشجيع نشر وتوزيع الكتاب على الصعيد الوطني، وتنظيم الفعاليات الثقافية والمهرجانات الفنية وتطوير التراث الوطني المادي وغير المادي، والترويج للصناعة السينمائية.
على مستوى التنشيط الثقافي، اتسمت الأنشطة الرسمية بالمحدودية التي تكرست بإحياء المناسبات الروتينية كالمعارض والندوات ومختلف المواسم الثقافية المكررة. الشيء الذي حدا بالوزارة الوصية إلى التفكير في ضرورة الاعتماد على سياسة القرب والقطع مع النخبوية والالتزام بالحكامة، من أجل تحسين صورتها لدى المجتمع. وبالتالي تم التفكير في استراتيجية للمغرب الثقافي في أفق 2020، تنبني على سياسة القرب والحق في الثقافة والتنوع الثقافي.
ولقد شهدت سنة 2013 تنظيم الدورة 12 من مهرجان “موازين إيقاعات العالم” وسط احتجاجات مكثفة لمناهضي المهرجان ولتبذير المال العام. وتمت مواجهتهم من طرف السلطات المغربية بالقمع والسحل والإهانة في شوارع العاصمة. وبسبب تزايد مظاهر الانحلال الأخلاقي في المهرجان، بدت الحكومة متحرجة في ظل الرفض الشعبي وقوة الجمعية المنظمة.
في الشأن الأمازيغي، فشلت الحكومة للسنة الثانية على التوالي في وضع القانون التنظيمي لدسترة الأمازيغية، فيما تواصلت مناداة الحركة الأمازيغية – مدعومة من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية – لتحقيق هذا المطلب. وإذا كان الضغط الاحتجاجي الأمازيغي قد خف، فقد تميز هذا العام بإيلاء أهمية كبيرة للاحتفالات بالسنة الأمازيغية الجديدة.
من جهة أخرى، واصل مفكرون وأدباء ونقاد مغاربة تفوقهم خارج البلاد، حيث نالوا عدة جوائز رفيعة في ظل غياب اهتمام الدولة المغربية بهم. وقد شهدت أواخر سنة 2013 سجالا كبيرا حول دعوة بعض المثقفين المحسوبين على الدوائر العليا إلى اعتماد ”الدارجة المغربية” لغة للتعليم بدلا عن اللغة العربية، وفي غياب رد حكومي حيال الموضوع، تحركت الخبرات الأكاديمية التي أكدت استحالة تطبيق المقترح، فيما ساد الاعتقاد أن ذلك النداء لم يكن بريئا وأن خلفياته لا تبتعد كثيرا عن الرغبة في النيل من اللغة العربية.
كما تميزت سنة 2013 بالاعتراف الرسمي على لسان وزير الثقافة نفسه بأن القراءة عند المغاربة شهدت تراجعا رهيبا بسبب الخلل في المنظومة التعليمية الحالية.
وعلى العموم، لم تخل سنة 2013 من أحداث ثقافية تميزت إجمالا باستمرار معاناة الثقافة بالمغرب في ظل إكراهات عديدة أبرزها ضعف الإمكانيات، وضعف تجاوب مسؤولي المدن الكبرى مع مخططات الوزارة، وضعف الاهتمام بالعاملين في الوزارة وكذا الفنانين والمثقفين، فضلا عن استمرار تعرض المآثر التاريخية والمواقع الأثرية والأركيولوجية للسرقة ولعملية استنزاف خطير يهدد هذا المخزون بالاندثار في ظل الصمت الرسمي الرهيب.
خلاصة
هذه بعض الخلاصات التي طبعت سنة 2013. وبالرجوع إلى التفاصيل في التقرير الرئيسي، بوسع القارئ أن يلمس بنفسه مجموع هذه الخلاصات، وهي تؤكد كلها فشل المبادرات والسياسات العمومية والقطاعية المتبعة، سواء تلك المرتبطة بالمناظرات أو الحوارات أو المخططات، وهو ما يقودنا إلى ضرورة مراجعة شاملة لمنهجية تدبير الشأن العام ببلادنا إن كنا نبحث عن تصحيح للمسار التنموي والديمقراطي لنضع المغرب في السكة الصحيحة ليكون في مصاف الدول الصاعدة.

* المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات:

”المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات” مؤسسة بحثية في مجال السياسات العامة تسعى إلى إثراء الثقافة وإشاعة المعرفة والنهوض بالبحث العلمي والمساهمة في صناعة القرارات وصياغة السياسات من خلال الدراسات والأبحاث الرصدية والتشخيصية والاستراتيجية والاستشرافية، وهو مؤسسة مستقلة وغير ربحية ومنفتحة على كل الرؤى وحريصة على تعزيز أواصر التعاون مع كل الفاعلين والباحثين.

يهدف المركز إلى:

  1. تشجيع البحث العلمي والدراسات حول قضايا المغرب والمغاربة من خلال رصد وتشخيص الحالة، وتحليل السياسات العامة، ودراسة السيناريوهات، وإعداد البدائل المنسجمة مع مصلحة المغرب؛
  2. دراسة التجارب المقارنة في مجال السياسات العامة؛
  3. تقديم الخبرة والاستشارة وإبداء الرأي، خاصة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛
  4. قياس اتجاهات الرأي العام؛
  5. تشجيع التواصل بين الباحثين والفاعلين والمواطنين.

كما يقوم بإصدار تقرير سنوي حول المغرب، وإعداد الدراسات والأبحاث والتقارير التشخيصية والاستراتيجية والاستشرافية، وإصدار نشرات ودوريات ومطبوعات متخصصة، وتنظيم الندوات والمؤتمرات والملتقيات وأوراش العمل والدورات التكوينية في مجالات اشتغاله تقدم فيها بحوث منجزة من طرف أعضاء المركز والمتعاونين معه، والتواصل والتعاون مع مراكز الدراسات والأبحاث الوطنية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وإصدار مجلة محكمة متخصصة لنشر بحوث أعضاء المركز والمتعاونين معه، وإنجاز كل عمل يدخل في مجالات اشتغال المركز ويتماشى مع أهدافه.

شارك برأيك