نص التقرير الذي تقدم به الباحث عبد العظيم صغيري أمام لجنة المناقشة

توصل موقع شبكة ضياء للأبحاث والدراسات بنص التقرير الذي تقدم به الباحث عبد العظيم صغيري أمام لجنة المناقشة بتاريخ 9 يوينيو 2010 بدار الحديث الحسنية بخصوص أطروحته التي كان موضوعها: الحكم بالعدل و الإنصاف الرافع للخلاف في ما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الخلاف في من أقر بوحدانية الله وجهل بعض ماله من الأوصاف لأبي سالـم العياشي . وفيما يلي نص التقرير:

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
فضيلة العلامة الدكتور سيدي “مـحمد الراوندي”.
فضيلة العلامة الدكتور سيدي “مـحمد يسف”.
فضيلة العلامة الدكتور سيدي “عبد الحميد عشاق”.
فضيلة العلامة الدكتور سيدي “عبد الـمجيد مـحب”.
أيها الحضور الكريـم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
سعيد بلقائكم في هذا اليوم الـمبارك، وأنا أسعد بأن أمثُل أمام هاته اللجنة العلمية الـمباركة، متتلمذا ومتعلما، وأقدم بين يديها تقريرا مركزا عن الأطروحة التي أعددتها لنيل درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية، ضمن وحدة “خدمة التراث الناشئ عن القرآن والحديث عامة، وفي الغرب الإسلامي خاصة” بـمؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط.
لكن قبل البدء، اسـمحوا لي أن أُشرككم في شهادة تطوق جِيد كياني منذ مدة، شهادةٌ في حق فضيلة العلامة الدكتور سيدي “مـحمد الراوندي” حفظه الله، إذ يرجع إليه الفضل بعد الله تعالى في إخراج هذا البحث من عتمة النسيان، فهو الذي أشَّر على قبوله يوم أن كان في مهد النظر والفكر صبـيا، و هو الذي انتشله من وهدة الضياع فصار به حفيا، وهو الذي احتضنني وإياه بالرعاية العلمية الـمغلفة بالرفق، وحدبٍ صادق صار للعيان جليا، فصار بحمد الله جنـىً دنِيا، وسفرا حلاه إشرافه بالنفاسة، فصار عنده مرضيا، واللهَ أرجو أن يجزل له العطاء، ويـجري الخير على يديه حتى يصير للرحمن وليا، وليشمله ووُلده بالرعاية التي خص بـها الـمقربين، ويبوئه من الجنة مكانا عليا.
وإنه لـمن منن الله على هذا البحث وصاحبه، أن يتفضل العالم الجليل، أستاذنا القدوة، سيدي “محمد يسف”، بقبول الـمشاركة في فحص هاته الرسالة، رغم التزاماته الكثيرة الضاغطة، وهو من موقع مسؤوليته العلمية والفكرية. وأحس بأن في استجابته وتفضله بالمشاركة في المناقشة، ما يدل على خطورة الموضوع وجدارته، فلذلك، أملي عظيم أن يكون في هذا العمل العلمي ما يرضي اهتمامه، وما يستجيب لا نتظاراته، فشكرا له أن يتولى احتضان أمثالي من مبتدئي الباحثين.

كما لا يفوتني التنويه، بـما وجدته لدى الأستاذين الجليلين، سيدي “عبد الحميد عشاق” وسيدي “عبد الـمجيد محب” من ثقة وتشجيع، فلهما مني الاعتبار التام، والتقدير العظيم، لتفضلهم بـمناقشة هاته الأطروحة، وتجشمهم عناء فحصها وتدقيق النظر في مضامينها وصياغتها، وسط كثرة انشغالاتهم وزحمة الـمهمات التي طوقهم الله بحملها.
وإنـي لـمتشوف لتوجيهات سادتي العلماء، وعاقد العزم على تنفيذ التصويبات والـمقترحات التي سيجود بـها نظرهم السديد، الذي عهدناه في أمثالهم، فهم منارات هدىً لهاته الرسالة، وأسـماؤهم نياشينُ زينةٍ علميةٍ، أفخر بالانتساب إليها ما حييت.
سادتي الأفاضل:
لقد من الله علي بفضله، إذ هدانـي بتوفيق منه لاكتشاف مخطوطٍ نفيس، يعالـج ظاهرة التكفير التي فتنت أهل سجلماسة في القرن الحادي عشر الهجري، ويـحللها وفق مقاربة علمية غير مسبوقة، من خلال “الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف في ما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الخلاف في من أقر بوحدانية الله وجهل بعض ماله من الأوصاف”،  للعلامة الـمغربي “أبي سالـم العياشي” رحمه الله، الذي ولد كما قيد بخطه، سنة ألف و سبعـة و ثلاثـين هجرية( 1037 هـ)، الـموافق للـرابع من ماي سنة ثمانية وعشرين وستمائة وألف ميلادية( 1628 م)، وتوفي سنة1090هـ/1679م بـ:”الزاوية العياشية” أو “زاوية سيدي حمزة “، التي تقع على ضفاف أحد روافد نـهر”زيز” بين مدينتي “ميدلت” و”الريش”، في الطريق إلى واحة “تافيلالت” بالجنوب الشرقي للمغرب .
كان والد أبي سالم العياشي رحمه الله، من كبار شيوخ العلم و التربية في عصره، و قد هيأ لابنه الأسباب لينشأ في بيئة علمية صالحة، صقلت موهبته و رعت مداركه، و زكت نفسه، و قوَّت شخصيته، ليـكون الرجل المسؤول عن العلم و التربية في الزاوية العياشية، و اللسان الناطق بها و بشؤونها، لدرجة أنه لا يـمكن الحديث عن الزاوية العياشية بـمعزل عن أبي سالـم العياشي رحمه الله، الذي اشتهر بشخصيته التواقة الطموحة، التي لا ترضى بالدون، و لا ترتاح إلا في طلب المعالي، فقد عُـرف عنه، تشوُّفه الدائم للتميز، و حرصُه الشديد على الاستفادة القصوى من كل من لاقاه من العلماء و الفقهاء، لدرجة أنه فرض شخصيته القوية عليهم،عبر صحبته اللصيقة بهم مغربا ومشرقا، واهتمامه بالتواصل معهم، و حرصه الشديد على ربط الصلات العلمية والأدبية معهم،و تصيدِه – بل اصطناعِه – لفرص اللقاء بهم، حتى لو اقتضى ذلك مكابدة الشدائد، و تطويل مدد الرحلات و تغيير مساراتها، لذلك فقد :”أخذ العلم عن علماء مصر ومكة والـمدينة الـمنورة و فلسطين، فضلا عن اتصالاته الوثيقة والـمباشرة مع علماء وصوفية من طرابلس و الإسكندرية والقدس، فلم يترك عالـما إلا قصده ولا متصوفا إلا زاره، حريصا على أسانيدهم ومستدعيا إجازاتهم، وآملا بركة دعائهم”.
لذلك كان طبيعيا، أن يترك خلفه إرثا علميا وافرا، يتربع على عرشه كتابه الـماتع “ماء الـموائد” أو “الرحلة العياشية”، وفهرسته الموسومة بـ”اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر”، إضافة إلى عمله الـمميز في “معونة المكتسب وبغية التاجر الـمحتسب” التي نظم فيها بيوع ابن جماعة الشهير، وشرحه العجيب لهذا النظم، الموسوم بــ”إرشاد الـمنتسب إلى فهم معونة الـمكتسب وبغية التاجر المحتسب”، إضافة إلى عشرات الرسائل والـمصنفات، وما جادت به قريحته من شعر، ضمنه في قصائد بلغ البعض منها ألف بيت، ويبقى كتاب “الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف في ما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بوحدانية الله وجهل  بعض ماله من الأوصاف”، عملا مـميزا، أبدع فيه أبو سالم وأجاد، على نحو يبين حرقته وانفعاله الصادق مع واقعه والقضايا التي تهم أمته.
وقد تـمكنت بحمد الله تعالى، من الحصول على نسخ ثلاثة لهذا الكتاب، واحدة بالخزانة الملكية، وأخرى بالخزانة العامة، وثالثة بخزانة الزاوية العياشية، وهي النسخة التي اعتبرتها أصلا في التحقيق، لأنها مكتوبةٌ بخط مؤلفها رحمه الله، تقع هاته النسخة في 130 صفحة، ضمن مجموع كبير فيه مجموعة من الرسائل، بمعدل 28 سطرا في الصفحة، مقياس 21/24، وهي مكتوبة بخطوط مختلفة، تظهر معالـمها بشكل جلي أحيانا، وتخفت أو تختفي أحيانا أخرى، وهي النسخة الوحيدة التي عثرت عليها لهذا الكتاب، في خزانة أبي سالـم التي تحتوي على 1200 مخطوط ونيف، كما أنها نسخة كاملة، ماخلا بعض السقط اليسير، ولا وجود فيها لفراغات كما هو الشأن بالنسبة للنسخ الأخرى، التي يصل السقط فيها أحيانا إلى صفحات متعددة.
تأسيسا على ذلك، فكتاب “الحكم بالعدل والإنصاف” يقدم نفسه في لبوس علميٍ آسر، فهو موسوعة متكاملة في الجدل والحوار والـمناظرة وعلم الكلام، فضلا عن كونه كتاب فقه وحديث وأصول، وكتاب أدب وبيان، ومصدرا مهما تجمعت فيه معارف كثيرة، قل أن تجتمع بين دفتي كتاب واحد. إنه مرجع لا غنى عنه للأساتذة وطلبة العلم، لقيمته العلمية التي تتجلى اختصارا في الآتي:
عرضه الشمولي وتصوره الكلي لظاهرة التكفير، وإحاطته العلمية والعملية بأبعادها الفقهية والأصولية والكلامية والواقعية.
لغته الشفافة وبيانه الرفيع، وسبكه لخفي الـمعاني ودقيقها، في أسلوب ماتع يجمع بين جمال العبارة وعمق الفكرة.
منهج التيسير والرفق اللذين سلكهما العياشي رحمه الله، في معالجته لقضية لا يزيدها تصلب الـمواقف إلا اشتعالا وتأزما، وهو الأمر الذي نلحظه بقوة على أرض الواقع المحلي، إذ لـم تفلح المعالجات الأمنية في استئصال الفكر التكفيري، وإن خففت من حدته، فالخشية باقية من معاودة ظهوره بأشكال و تلوينات أشدَّ وأخطر، كما نلحظه في الواقع العالـمي، إذ صار رواد هذا الفكر يسوغون  اعتقال الأبرياء، والسطوَ على ممتلكاتهم، واستباحةَ أعراضهم، وإزهاقَ أرواحهم، بالاعتماد على نصوص شرعية، يفصلونـها على قد أفهامهم، ويقرأونها بـمناظير مُقولبة بعيدة عن سياقها، مناقضة لـمقاصدها.
خصوصيته الـمغربية و تجذره في التاريخ، ومعالجته الواقعية لقضية التشدد في الدين، وتكفير الناس بعضهم لبعض، دون موجب شرعي تشهد له القرائن وتسنده الحجج، فقد أحدثت دعوة “محمد بن عمر بن أبي محلي” ضجة كبيرة في سجلماسة في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الـميلادي، إذ قام هذا الفقيه بتلقين مذهبه في العقيدة لـ”طائفة من أصحابه صغارا وكبارا، وأمرهم بإفشائه وتعليمه في الطرقات والأسواق والأندية، وأمرهم أن يسألوا الناس عن معتقداتهم، ويباحثوهم عما أضمرت قلوبهم وأكنته سرائرهم في حق الله وفي صفاته وأسمائه، وفي حق الرسول r وما يتعلق بذلك ، فمن أخبر بـما يوافق الذي عندهم تركوه، ومن قال خلاف ذلك كفروه، وقالوا بفسخ أنكحته وحرمة ذبيحته، وغير ذلك من الأعمال الـمترتبة على الكفر الصريح، ولـم يعذروهم بالجهل في شيء من ذلك، ولا بالخطإ في الجواب”.
يستمد هذا الـمخطوط قيمته من قيمة الـموضوع الذي يتناوله بالدرس والتحليل، فهو يهدف إلى بسط العقيدة الإسلامية في صفائها ونقائها، بعيدا عن كل مزايدة أو تـمحل، وبعيدا عن التقعر والتعقيد الـموجود في أغلب كتب علم الكلام ومصنفات العقيدة. وهذا هو منهج القرآن والسنة والـمأثور عن علماء السلف والخلف رحمهم الله، والناسُ اليوم – خاصة الشباب منهم – محتاجون إلى مؤلفات تخدم هذا القصد وتؤسس له، ونرى أن هذا الـمخطوط إسهام وازن في هذا السبيل .
تكمن أهمية هذا الـمخطوط وقيمته أخيرا، في كونه يخدم أهداف الوحدة التي أقدمه في إطارها، وهي “خدمةُ التراث الفقهي للغرب الإسلامي الناشئ عن القرآن والحديث”، وبسطُ رسالة الإسلام، إسلامِ التسامح والرحمة، إسلامِ الوسطية والاعتدال، وهي الرسالةُ نفسها التي يريد “أبو سالـم العياشي” إيصالَها إلينا، عبر مؤلفه هذا.
ولعله من نافلة القول، الإشارة إلى أن عرضا كالذي أنا بصدده، غير قادر على استعراض وبيان كل النتائج العلمية التي توصلَت إليها هاته الأطروحة، لذلك سأكتفي بالإشارة إلى بعضها، على أن الرجوع إلى متن التحقيق والدراسة، يبقى ضروريا لكل من يروم التعرف أكثر على قضية التكفير، والكيفيات العلمية والعملية لـمواجهتها.
أولا:موقف أبي سالم العياشي من التشدد في الدين وتتبع ِعقائد الناس
يفاجأ القارئ لكتاب “الحكم بالعدل والإنصاف” بالإصرار الغريب الذي يلفي فيه أبا سالـم العياشي رحمه الله بَحَّاثة عن النصوص، ملتمسا الـمخارج جميعها للقول بعدم التكفير، والبحثِ الـمستميت عن النصوص والأقوال التي تحارب التشدد، وتناصر اللين و الرفق، وهو يـمتثل في كل ذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، الذي يرويه عنه ابن عباس رضي الله عنهما، قال:”إياكم والغلو في الدين فإنـما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”.
إن أبا سالـم يصدر في كتابه هذا عن نفسيةِ من يود أن لو هدى الله العباد جميعا: “ويفرح كلما وجد نصا أو كلام إمام، يدل على عدم كفرهم، ويلتمس لهم أحسن الـمعاذر، ويعتمد قول من يقول من الأئمة بعدم التكفير لأنه أيسر وأبعد من الإثم، وما خير رسول الله r بين أمرين إلا اختار أيسرهما”. يقول أبو سالم موضحا موقفه: “وإني بحمد الله، لـم أدع طريقا تيسر لي سلوكه من الرفق إلا سلكـته، ولـم يتعرض لي فحش وإقذاع في الخطاب إلا ملت عنه، وتركته على قدر طاقتي ووسعي ومبلغ علمي في ذلك ومقتضى طبعي، وما يوجد في الكلام مـما يثقل على سمع الـمخاطب بلا قصد الـمواجعة لخلوه عن التأدب في الـمراجعة، فذلك شيء ساق إليه سَوْقُ الحجاج وإيراد البراهين على إبطال قول الخصم في ميادين الـمناظرة، على إظهار الحق لا على سبيل اللجاج”.
يفهم من كلام العياشي رحمه الله، أن عهده مع الرفق لـم يتغير، حتى في أشد اللحظات غضبا وثورة، بل إن إعلانه للحرب على الـمكفرين رفق في حد ذاته، أي رفق بالأمة وبالناس الذين يتلظون بنار التكفير وشرورها، و هو رفق أيضا بالـمكفرين، عساهم يؤوبون إلى الصواب، و يعودون إلى الرشد، والعود أحمدُ و أسلم.
ثانيا: قواعد التكفير عند أبي سالم العياشي
كان كل هم  أبي سالـم العياشي رحمه الله في الكتاب، أن يتوصل إلى تحديد مجموعة من القواعد الضابطة لقضية التكفير، لأنها وحدها الكافية في منع الانزلاقات المؤدية إلى التشدد، وهاته القواعد هي كالآتي:
التكفير حكم شرعي.
الاختلاف في العقائد واسع، فلا موجب للتضييق.
الاحتراز من التكفير واجب.
الأصل ترك الناس على ظاهر تعبدهم دون تفتيش عن السرائر.
ترك الحكم بالتكفير لأهله ولـمن لهم إذن خاص بذلك.
لا تكفير إلا بعدم التصديق.
لا تكفير لغير الـمكذب و إن جهل، أو توقف, أو تردد.
لا تكفير إلا بإنكار الـمعلوم من الدين بالضرورة .
لا حكم بالتكفير إلا على من أقر على نفسه بالكفر.
وخلاصة القول، فإن العلامة العياشي رحمه الله، كان يصدر في كتابه “الحكم بالعدل والإنصاف” ، عن فهـم متقدم لـمعاني الكفـر وقُصوده، وقد نجح في بيان مـخاطر هاته الظاهرة، ولفت الانتباه إلى مفاسدها الـمدمرة، بعد أن عرى نفسية الـمكفرين، وأنجز ما يشبه الخريطة الجينية لنفسيتهم وشخصيتهم الـمتميزة بالاضطراب والتشدد، ليخلص في نهاية المطاف إلى التأسيس لقواعد جامعة، وضوابط موجهة، من شأن اعتمادها في الحكم على الأشخاص وتقييمهم، أن يعصم من الزلل، ويقوم الاعوجاج، ويصوب الـمسير.
وحسبي في خاتـمة هذا العرض، أن أركز على الـمفاتيح المعرفية الكبرى لـمعالجة ظاهرة التكفير، والتي اهتدينا إليها بعد صحبة علمية طويلة لأبي سالـم العياشي رحمه الله، أسفرت عن ما يقارب الألف صفحة:
أولا: ضرورة الربط بين العقيدة والأخلاق، إذ لا معنى لسلامة عقيدةِ فردٍ بذيء الأخلاق، جافِّ العواطف، يابسِ الـمشاعر، يفقه جزئيات العقائد، لكنه عند الخصام يفجُر، وعند الغضب يفور، وفي الشدائد لا يلوي على شيء، إنـما هو كسائر الناس، يثور لأتفه الأسباب، ويقيم الدنيا لأبسط حدث.
إن ما نتلظى به اليوم من نار التكفير الـمتفشية بين ظهرانينا، وسيادة مظاهر الجفاء والفظاظة في سلوك شبابٍ، لايـعرف من العقيدة إلا الشكليات، ويـحاكم الناس على نواياهم، ويـمارس الرقابة والوصاية على تصرفاتهم ومواقفهم وأقوالهم؛ إن كل تلك السلوكات الـمنحرفة عن جادة السنة والـمخالفة لروح الشرع ومقاصده، راجعة في نظرنا إلى هذا الفصام النكد بين العقيدة والأخلاق، والفصل القسري بين مكونين أراد الله أن يكونا متلازمين، والتفرقة بين أصلين أراد الخالق أن يكونا متحدين؛ فتدخلت أفهام قاصرة، وتصورات فاسدة، فحورت الـمسار، ولوت النصوص، فَتَعَرْجَنَ التديُّن في النفوس، وضمرت جذوته في السلوك والـمعاملات، فكانت النتيجة ما نراه من جمود في الانفعالات، وتكلُّسٍ في الـمشاعر، وهي التي أراد الله أن تكون دائمة التوهج، دائمة النبض، وهذا لن يتحقق إلا بـالأوْبِة الحميدة إلى ربط العقيدة بالأخلاق، ربطاً يتماهيان فيه، ويكمل الواحد منهما الآخر؛ فحيثما وجدنا عقيدة سليمة، وجدنا سلوكا قويـما ومعاملات فاضلة، مع رقةٍ في الـمشاعر، ورهافةٍ في الحس، وحيثما وجدنا الـبذاءة والفظاظة، قلنا: اربطوا ثلم العقيدة وخرومها، فمن هاتيك الثلم، وهذه الخرومِ، أتى السَّيْل.
ثانيا: يحتاج الفكر الإسلامي الـمعاصر إلى اجتراح “علم كلام جديد”، يـبين كيف تشكلت في “علم الكلام القديـم” عناصر التشكيك والتفسيق والتبديع والتكفير، وكيف استحكمت قصود التعجيز والنبذ للغير في عقول التيارات الكلامية المتضاربة، إذ بـمعرفة ذلك يـمكننا تجاوز مـختلف الأطاريح التي تنشر فكر التفسيق والتبديع والتكفير بين الناس، وتعيق مسيرة الأمة التغييرية وتلهيها بالتفريعات العقدية التي لا يتأسس عليها عمل، وتنشغل بالتالي عن مهمات الإصلاح والبناء.
ونعتقد أن الكتاب الذي بين أيدينا، استطاع إلى حد بعيد أن يحقق ذلك، إذ كشف بالواضح والـمرموز عن عقلية الإقصاء الثاوية خلف الفكر التكفيري، وبين أن” التفسيق والتبديع و التكفير” صار شعارا عند الـمكفرين، لا يوجه حركتهم وفكرهم فقط، بل إنه صار مؤشرا يضبط انفعالاتهم وخلجات أنفسهم أيضا.
ثالثا: نعيش اليوم على إيقاعٍ فكريٍ متسارع، تتحكم فيه للأسف تياراتٌ تنشر الإلحاد والكفر في لبوس علمي خادع، مسنودٍ بالتكنولوجيا والطرق العنكبوتية للمعلومات، وملفوفٍ في عباءة “الحداثة” و”حوار الأديان”، ونعتقد أنه لا ينفع في رد صولات هاته التيارات التي نجحت في التغرير بكثير من الفئات المثقفة، فضلا عن الشباب الناشئ، إلا العلمُ الذي يجمع بين الاستدلال العقلي، والاستشهاد النقلي، ونية الدعوة والهداية والرفق، في وفاقٍ واتساقٍ، ننشد به لـم شـمل عقيدةٍ مزقتها الأهواء، ونرتق به الفتْقَ الـمتزايد في علاقة هاته العقيدة بالواقع الـمتفلت من رقابة الشرع والدين.
لقد استطاع أبو سالـم العياشي رحمه الله أن يجمع هاته الثلاثية، في محاولة نادرة نقترحها على العلماء والـمثقفين، وندعوهم لاكتشاف الكيفية التي استطاع بها هذا العالـم الجليل، أن يجمع في توازٍ وتناغم على طول صفحات “الحكم بالعدل والإنصاف”، بين الأدلة العقلية والنقلية التي تُسنِد رأيه، دون أن ينسى الخيط الناظم لكل ذلك، مستحضرا البعد الدعوي، بـما هو هدايةٌ للناس ورحمةٌ بهم، وحرص على تحبيب الخالق للخلق، و توجيه لهم لارتياد المعالي ونُشدان الفضائل.
وأستسمحكم في أن أشفع هاته الـمفاتيح المعرفية الثلاثة، بتوصيتين اثنتين أختم بها عرضيَ المتواضع هذا:
أولا: إن الثراء العلمي الوافر الذي يـمتاز به كتاب “الحكم بالعدل والإنصاف”، وما فيه من توجيه تربوي هادف، بالإضافة إلى معالجته الـمنهجية الـمتميزة لظاهرة التكفير، كل ذلك يدفعنا لاقتراح تدريسه في مؤسسات التعليم العالي، أو على الأقل اعتماده ضمن الـمراجع التي تجب دراستها على طلبة السلك الثالث والدكتوراه، تـمتينا لـمعارفهم العقدية، وتحصينا لهم من الـمزالق الكثيرة التي تتربص بـهم من بعض كتَبَة العصر ومؤلفيه، بل إنني لن أجاوز الحقيقة قيد أنـملة، إذا قلت بأن الـمادة العلمية الـموجودة في الكتاب، صالحة لتترجم على شكل برامج تعليمية هادفة في العقائد لـمختلف أسلاك التعليم في الـمغرب، إذا وفرت لها سبل الأجرأة والتنفيذ.
ثانيا: لقد صحبت أبا سالـم العياشي كثيرا في هذا البحث، وعرَفتُه عن قرب في كتاباته التي درستُها، وفي زاويته التي زُرتُـها، وفي منهجيته العلمية التي بعمقٍ خبَرْتُها، وكنت كلما تقدمت في بحثي، تراودني فكرة إنشاء “مركز العياشي للدراسات الفقهية والعقائدية”، للنهوض بفكر هذا الرجل وخدمته ونشره، ووضعه بين أيدي الدارسين والباحثين، وهي مهمة لا يقوم بها الأفراد، بل هي في مسيس الحاجة إلى مؤسسة قائمة الذات؛ لذلك أدعو إلى تأسيس هذا الـمركز، عرفانا بالجميل للعياشي رحمه الله، وإنصافا لعطاءاته وعلمه، وخدمةً للفكر المالكي في الـمغرب الأقصى، من خلال عَلمٍ من أعلامه، ورائدا من رواده.
وأختم عرضي هذا بتوصيةٍ تتساوق فيها مقاصد أبي سالـم ومقاصدي من تحقيق ودراسة “الحكم بالعدل والإنصاف”، وتعكس نـموذجا سلوكيا للعقيدة التي يدعو إليها رحمه الله؛ وهي دعوة الناس، كل الناس، العام منهم والخاص، للتأمل في قوله تعالى لنبيه u: } وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ { ، حتى يبقى الرجاء في الله مـمدودا، والوفاء لنبيه موصولا، فقد أمر الله نبيه r في هاته الآية: “بالتبري من أعمالهم إن عصوا ولـم يأمره بالتبري منهم، ولو تبرأ منهم  لهلكوا هلاك الأبد. وقد ذكر الأئمة رضي الله تعالى عنهم أقوالا كثيرة في أرجى آية في القرآن الكريم، ولـم أر منهم  من ذكر هذه الآية، وهي عندي أرجى آية؛ لأن الله تعالى لـم يأذن لنبيه عليه السلام، أن يتبرأ مـمن عصاه ولو بلغ في العصيان ما عسى أن يبلغ، وذلك دليل على أن الوُصلة بينه وبين الله باقية والنسبة صحيحة، وأي رجاء في الله وفي رسوله أقوى من هذا؟”.
لا رجاء أقوى، إلا رجاءَنا الصادق في أن يعصمنا الله وبلدنا من فتنة التكفير وشرورها، ويقبل منا هذا العمل الذي نقدمه عربونا لتوحيدنا لله، ودليل صدق على تنزيهنا له عن كل النقائص، جل الله  و”لا إله إلا الله، محمد رسول الله”.
وكتبه حامدا ومصليا، الفقير إلى عفو ربه:

الدكتور عبد العظيم صغيري، بني ملال


8 thoughts on “نص التقرير الذي تقدم به الباحث عبد العظيم صغيري أمام لجنة المناقشة”

  1. هنيئا للدكتور عبد العظيم صغيري – سليل بيت العلماء- بهذا الوسام العلمي الجديد ، استمر في رسالتك وعطائك العلمي
    بالتوفيق إن شاء الله .

  2. هنبيئا للدكتور عبد العظيم صغيري على هذه الدرجة العلمية الذي هو بها جدير، وبنيلها حقيق، نسأل الله أن يكلل مساعيه العلمية بالتوفيق .

  3. لا شك فب أن البحث من الأهمية بما كان في وقتنا المعاصر،و ما كانت التوصية بطبعه إلا لثرائه و غناه..نسأل الله ان ينفع به و أن يجعله في ميزان حسنات الوالدة و الوالد الفقيه العلامة،عليه رحمات الله…

  4. هنيئا للدكتور عبد العظيم الصغيري على هذا التتويج المعرفي، الذي لم يأتي من فراغ ، بل هو ثمرة جهد وسهر كبيرين. فألف مبروك لك على هذا المولود المبارك الذي سيغني الخزانة الإسلامية المغربية والعربية . فهنيئا لك مرة أخرى مع متمنياتنا لك بمزيد من العطاء

اترك ردا