الشاهد الشعري عند الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير، تصنيف ودراسة

برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز، جامعة سيدي محمد بن عبد الله- بفاس، تمت مناقشة أطروحة الباحث هشام بن احميدان لنيل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية، تحت عنوان :”الشاهد الشعري عند الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير، تصنيف ودراسة”، وذلك يوم 23 يونيو 2014.

وقد تكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة الآتية أسماؤهم:

د الرحموني عبد الرحيم: رئيسا
د الواسطي محمد
د القرشي الورياغلي
د عبد العالي مسؤول
د صالحي عبد الرزاق: مشرفا.

التقرير:
كان نزول القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يواكب الأحداث ويجيب عن أسئلة الصحابة، متدرجا في التشريع بما يهيئ النفوس لقبوله، والالتزام بأحكامه.
وكان أن استمر هذا النزول ثلاثا وعشرين سنة، ظل خلالها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يجيب عن استفساراتهم بحسب الأحداث الواقعة فيهم، والمستجدات الطارئة حولهم، وذلك ببيان معنى أو توضيح غموض؛ فكان هذا باعثا حقيقيا لهم لسبر أغوار النص القرآني، الذي كان ولا يزال مرجعا حقيقيا، إذ لا يمكن الإحاطة بهذا النص دون فهم كلام العرب نثرا وشعرا، وكل ما يحيط به من لغة، أوعلوم أومعرفة بظروف التنزيل.
ويظهر أثر هذا الاستيعاب واضحا في نبوغ بعض الصحابة في التفسير كعبد الله بن عباس
( ت 68 هـ ) الذي كان من أسباب نبوغه، » حفظه للغة العربية ومعرفته لغريبها، وآدابها، وخصائصها، وأساليبها، وكثيرا ما كان يستشهد للمعنى الذي يفهمه من لفظ القرآن بالبيت والأكثر من الشعر العربي« 1.
وهذه المعرفة الكاملة بلغة العرب، والإلمام بغريبها من خلال حفظ الشعر وروايته، هي التي جعلت ابن عباس يتبوأ الصدارة والإمامة في التفسير، وبذلك نسبت إليه هذه الطريقة، فصار إمامها. ولعل الحاجة إلى الشعر واللغة لفهم معاني القرآن كانت ماسة، بَيَّنَ طريقها ابن عباس حين قال: » الشعر ديوان العرب، فإن خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه « 2.
ومن ثم كانت الضرورة ملحة لفهم هذه اللغة، وفهم أسرارها ومكنوناتها؛ إذ لا يمكن السعي لذلك بعيدا عن الشعر حفظا ومدارسة ونقدا، هذا الأخير الذي اتخذته العرب منذ بداياتها أداة به تأنس وتحتج، وبه تخلد أمجادها وأيامها.
غير أن علم التفسير سيعرف مع توالي الزمن مسارات واتجاهات مختلفة، كل منها يسعى إلى فهم النص القرآني بحسب منهجها، وخلفياتها المعرفية والمذهبية، فظهر إثر ذلك اتجاهان في التفسير عرف الأول بـ: التفسير بالمأثور، وعرف الثاني بـ : التفسير بالرأي؛ وعنهما تفرعت اتجاهات أخرى ذهبت بالقرآن الكريم إلى أبعد حد، من التفسير الباطني والتفسير الإشاري، إلى الفقهي، فالفلسفي.
وكل هذه الاتجاهات على اختلاف توجهاتها لم تستغن عن الاستعانة بالشاهد الشعري في بيان مراد الله عز وجل من كلامه، والوقوف على أسراره البلاغية، إلا أنها تختلف من مفسر لأخر بين مقل ومكثر. ولم يكن حرص المفسرين على الشعر الجاهلي وما بعده من شعر الاحتجاج ليتفقهوا فيه لذاته، وإنما ليفقهوا به القرآن والسنة قبل ذلك، وكان بعض العلماء مشهورا بحفظ شواهد الشعر للاستشهاد بها على تفسير القرآن خاصة.
ولهذا يلح أهل التفسير على ضرورة معرفة المفسر بأوضاع اللغة وأسرارها، هذه الأخيرة التي تعينهم على فهم معاني الآيات، التي يتوقف استيعابها على تذوق لغة العرب المستوعبة في شعرهم ونثرهم، وفي هذا يقول ابن عاشور » إن القرآن كلام عربي، فكانت قواعده العربية طريقا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط، وسوء الفهم، لمن ليس بعربي السليقة، ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي وهي: متن اللغة، والتصريف، والنحو والمعاني والبيان، ومن وراء ذلك استعمال العرب المتبع من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم، وتراكيب بلغائهم، ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل، والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسهم لمعاني آيات غير واضحة الدلالة عند المولدين « 3.
ومن هذا المنطلق يظهر لنا مدى ارتباط التفسير بهذه المدونة الشعرية التي جعل منها المفسرون مستندا وحجة، يختارونها للاستشهاد على المعنى الذي يبغونه في تفاسيرهم.
وبهذا أضحت مطالعة الشعر، واتخاذه سندا، وأداة للاحتجاج لكلام الله عز وجل، طريقا دأب عليها قدماء المفسرين، وسار على نهجهم تاليهم من المحدثين، سعيا وراء فهم كلام الله على أحسن وجه وأمثل صورة، وذلك ليكون الشعر: »كلغة ووسيلة أو وثيقة لتفسير لغة القرآن وفهمها، وليكون شاهدا على إعجازها « .4
وهذه القيمة المضافة للشاهد الشعري في الثقافة العربية، هي التي جعلت علماء اللغة والأدب والبلاغة يعمدون إلى توظيفه خدمة لأغراضهم، حتى أضحت فكرة الاستشهاد ظاهرة أو خصوصية فكرية صاحبت الثقافة العربية الإسلامية منذ النشوء.
– البواعث الذاتية والموضوعية:
واعتبارا لخصوصية هذا المكون (مكون الشاهد الشعري) كان سؤال المعرفة يشغلني كلما صادفت شاهدا شعريا في مؤلفات اللغويين، أو النحاة، أو المفسرين على وجه الخصوص، فكان بالفعل السؤال الذي سيحرك فِيَّ الباعث الحقيقي لمقاربة هذا الإشكال المتعلق بتلقي الشاهد الشعري لدى المفسرين. كما أن فكرة البحث في هذا الموضوع سبق وأن راودتني وأنا أهيئ لتسجيل بحث دبلوم الدراسات العليا المعمقة، وكان أن حاولت خوض غمار البحث فيه، لكن لم أجد النبراس لأهتدي به إلى جادة الصواب، خاصة وأنه مرتبط بعلم التفسير؛ الذي يعد من أجل العلوم قدرا؛ لكن والحال هاته عاودت التفكير في موضوع تقت إلى البحث فيه من ذي قبل، فلاقى مني الحماس اللائق، والإقبال الجاد على المضي قدما في مضماره، وكأني ألفيت ضالتي التي كنت أبحث عنها منذ مدة.
كما أن رغبتي القوية في التعرف على هذا الجانب المغفل بمكتبة التفسير ، ودراسة الأدب فيها كان محفزا أساسا للخوض في هذا الموضوع الجامع بين علوم العربية، وعلوم القرآن، والتفسير.
وإلى جانب هاته البواعث الذاتية يمكن القول إن البحث في الشاهد الشعري لدى المفسرين يكتسي أهمية خاصة، وذلك لما تطرحه مثل هاته المقاربة من الغوص في ظلال تفسير كتاب الله عز وجل، وأيضا من خلال الرحلة صحبة الشاهد الشعري لدى المفسر، وكيفية مقاربته تارة بالشرح، وتارة أخرى بالتأويل، ناهيك عن ميل المفسر إلى الاستشهاد بشعر دون آخر، أو شعر فترة دون أخرى، وكذلك مدى اهتمامه بجمالية البيت الشعري، أو مجرد شكله، خاصة وأن المفسر كما يقول ابن عاشور » لا غنى له في بعض المواضع من الاستشهاد على المراد في الآية ببيت من الشعر، أو بشيء من كلام العرب لتكميل ما عنده من الذوق، عند خفاء المعنى، ولإقناع السامع والمتعلم اللذين لم يكمل لهما الذوق في المشكلات « 5.
هذا وقد جعل الطاهر بن عاشور هاته المعرفة بالشعر من قبيل المعارف، أو بالأحرى العلوم التي يتوقف الخوض في التفسير على العلم بها، وقد سماها في مقدمته الثانية بـ”استمداد علم التفسير”، وهذا يعكس بالأساس ضلاعته في علوم اللغة واهتمامه بالشعر في وقت ضعفت فيه المعرفة باللغة والشعر، وأصبحت هناك حواجز متينة تحول بين كثير من العلماء والباحثين في فهمه وتذوقه وتوظيفه، ولا أدل على ذلك من تصديه لشرح دواوين شعرية ومؤلفات في البلاغة واللغة خاصة، ولهذا وقع اختياري على هذا الموضوع الذي صغت له عنوان:
» الشاهد الشعري في “التحرير والتنوير” للطاهر بن عاشور (تـ1393هـ): تصنيف ودراسة «.
ويسعدني اليوم غاية السعادة أن أقدم بين أيديكم تقريرا موجزا عنه، وقد ضمنته العناصر التالية: 1- دواعي اختيار المتن 2- الدراسات السابقة 3- إشكال البحث 4- المنهج المعتمد 5- خطة البحث 6- أهم النتائج، وأخيرا الشكر والتقدير.
– دواعي اختيار المتن
ولم يكن هذا الاختيار لتفسير الطاهر بن عاشور “التحرير والتنوير” عبثا وارتجالا، وإنما كان بعد استقراء المكتبة التفسيرية واستعراض مضامينها، فوجدت أن تفسيره أولى وأحرى بالبحث لجملة أمور منها:
1- إن جل الدارسين دأبوا على البحث في الشاهد الشعري في المؤلفات القديمة، التي كانت تكتفي باستحضار الجانب الشكلي للشاهد؛ أي ما يخصها في شرح لفظ غريب، أو توضيح معنى بعيد، وتبعا لذلك تأتي مقاربة الشاهد الشعري في تفسير حديث يحمل في طياته -ولا شك- أفكارا جديدة، ونزوعا نحو تصور حديث في أسلوب لا يبعد عن روح تراثنا العربي الأصيل.
2- إن الاختيار وقع على “التحرير والتنوير” لكونه لا يبعد عن التفاسير الموسومة بالبحث اللغوي والبلاغي، فكان “التحرير والتنوير” للطاهر بن عاشور خير نموذج لهذا العصر، وذلك ليتسنى لنا البحث في كيفية توظيفه لهذا الشاهد الشعري، الذي ظل ينتقل بين كتب اللغة، والنقد، والتفسير.
ولا يختلف اثنان في أن هذا التفسير يعد أهم نتاج حديث بالغرب الإسلامي في الفترة المعاصرة، فقد خص المفسر تفسيره بعشر مقدمات، ناقش فيها معظم القضايا المتعلقة بالتفسير، إذ تناول مسألة التفسير وعلاقته بعلوم اللغة والفقه وعلم الكلام، لينتهي إلى موضوع إعجاز القرآن، وبلاغته ونظمه ومبتكراته في المقدمة العاشرة، ومن هذا كله تظهر لنا الثقافة الموسوعية التي يتمتع بها هذا المفسر، وتفسيره كما – قلت آنفا – يمثل خلاصة وزبدة ما ألف في التفسير، »فقد عمل على تصنيف أعمال المفسرين القدامى، مظهرا خصوصية ما سماه مدرسة الأثر: الطبري، ومدرسة النظر : الزجاج، ومدرسة القصص والإسرائيليات، ولا يتردد ابن عاشور في أن يقف حكما بين بعض المفسرين القدامى متخذا من بعضهم موقف الناقد المتحرر خاصة من الزمخشري « 6. وإذا كان تفسير الكشاف الذي ظل ردحا من الزمن مرجعا في الكشف عن الجانب اللغوي والبلاغي في القرآن الكريم، فإن ابن عاشور حل بديلا عنه في العصر الحديث بروح جديدة تلائم العصر دونما تخل عن جوهر التفسير.
3- وقد زكى هذا الاختيار وقواه لدي أني ألفيت متن “التحرير والتنوير” مناسبا للبحث في الشاهد الشعري، نظرا لضخامة هذا المتن من جهة، ووفرة شواهده من جهة أخرى، فالمطالع لتفسيره يلحظ أنه يقبل على الشعر بثقافة أدبية واسعة، يلمسها القارئ فيما يستدل به من أشعار تناولها بالتحليل والتوضيح لمدلولات ألفاظها، وتراكيب معانيها؛ معتمدا في كل ذلك على ذوقه الأدبي، وثقافته، ومعرفته بالشعر ممارسة: نظما ونقدا.

– الدراسات السابقة:
كان الشاهد الشعري موضوع مقاربات ودراسات مختلفة في تراث اللغويين والنقاد البلاغيين والمفسرين، وقد اهتدى الدارسون المحدثون إلى دراسة هذا المكون الأساس من مكونات الثقافة العربية الإسلامية اعتبارا لقيمته وأهميته. والباحث فيما تلاحق في هذا الباب من دراسات يمكن أن يقف على مقاربات متنوعة، آثرنا أن نوجز الكلام حولها حسب مجالات التخصص، وهي كالتالي:
الصنف الأول: الشاهد الشعري في الدراسات اللغوية والنحوية، وتمثلها مجموعة من الأبحاث والدراسات(وقد أشرت إلى نماذج منها في مقدمة البحث)
الصنف الثاني: الشاهد الشعري في المصنفات النقدية والبلاغية، وهو محور لعدة دراسات نذكر منها تمثيلا:
1- “مدونة الشواهد في التراث البلاغي العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر الجرجاني أسسها، مقاييسها، مناهجها وظائفها ” لمراد بنعياد، كلية الأداب والعلوم الانسانية، الرباط، 2006. –
2- الشاهد الشعري في النقد والبلاغة نماذج من القرن السابع والثامن الهجري، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في اللغة العربية وآدابها،لأستاذي الفاضل الدكتور عبد الرزاق صالحي، تحت إشراف: الدكتورمحمد بوحمدي، فاس، 2003-2004.
الصنف الثالث: مقاربة الشاهد في كتب المعاني وكتب التفسير:
1- من أهم الدراسات التي أنجزت في هذا الصنف أذكر دراسة الدكتور محمد المالكي في كتابه: “جهود الطبري في دارسة الشواهد الشعرية في جامع البيان عن تأويل آي القرآن”. كانت هذه الدراسة ومازالت، نبراسا يهتدي بها كل من جاء بعده للبحث في الشاهد الشعري، خاصة في كتب التفسير.
2- ومن بين الدراسات التي سارت على نهج عمل الأستاذ المالكي، دراسة الشاهد الشعري في كتاب ” معاني القرآن” للفراء، لصاحبها حسن الشارف، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها، إشراف: د.محمد المالكي: 1998/1999.
ومن بين الدراسات المتعلقة بالشاهد الشعري في كتب التفسير التي تسنى لي الإطلاع عليها والإفادة منها:
3- شواهد أبي حيان في تفسيره، لصبري إبراهيم، من منشورات جامعة عين شمس، مصر، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ط:1، 1409/1989.
4- الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي (671 هـ)؛ تحقيق ودراسة عبد العالي سالم مكرم، ط : 1، عالم الكتب، 1418/1998.
5- الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم، أهميته وآثره ومناهج المفسرين في الاستشهاد به، لعبد الرحمن بن معاضة الشهري، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، 1431.
وإن أهم ما يجمع بين هذه الدراسات بحث مكون الشاهد الشعري من حيث البنية والوظيفة. غير أن اختلاف الموضوع والمنهج، يجعل كل دراسة تتميز في بابها، ومن ثم دأبت بدوري على بحث الشاهد الشعري لدى ابن عاشور انطلاقا من إشكال ومنهج مختلفين، هذا الأخير الذي لم أجد من تناول شواهده بالدراسة والتمحيص، مما جعل المجال بكرا للبحث في الشاهد الشعري لدى علم من أعلام المغرب.
– إشكال البحث:
إذا كان مبحث الشاهد الشعري من المباحث التي يحاول الدارسون اليوم مقاربتها في تصانيف وعلوم مختلفة، فإن البحث فيها يحيلنا إلى إمكانية الإجابة عن السؤالين المركزيين موضوع الأطروحة وهما :
أولا: سؤال التصنيف : ما طبيعة المادة الشعرية التي وظفها الطاهر بن عاشور في تفسيره ؟
ثانيا : سؤال الدراسة: كيف تناول ابن عاشور المفسر هذه المادة الشعرية، وكيف وظفها لبيان مراد الله عز وجل من آي القرآن الكريم ؟
وتندرج تحت هذين الإشكالين المركزيين أسئلة فرعية، سيجيب عنها البحث،( وقد ضمنتها في المقدمة وضربت عنها صفحا هنا لضيق الوقت) .
– المنهج المعتمد :
لا مراء في أن طبيعة الموضوع هي التي تحدد المنهج، فالمعول عليه في كل دراسة هو وضوح التصور وقوة المنهج. وإحساسا مني بهذه الأهمية كان لزاما علي تحديد منهج هذه الدراسة، التي كان همها هو النظر في السؤالين المركزيين اللذين تنبني عليهما( وقد سبقت الإشارة إليهما).
وبذلك يلزمنا الوقوف عند الجوانب التي ركز عليها الطاهر بن عاشور في دراسته لعنصر الشاهد الشعري، وكذلك الآليات والعناصر التي استعان بها لتوظيفه بغية الوصول إلى معنى كلام الله عزوجل.
وللإجابة عن هذه التساؤلات الكبرى ارتأيت الاستعانة بالمنهج الوصفي التحليلي، حتى أبين مدى نجاح المفسر في جلب الشاهد، وتوظيفه في السياق المناسب، والوصف الذي نعتمده هنا ليس وصفا محايدا، بل إنه يعتمد على الفهم، والمقارنة، والاستنباط، والتحليل، لأن:» المنهج الوصفي كما يدل عليه الإسم هو المنهج الذي يقوم على تقرير ما هو واقع أو تفسيره تفسيرا لا يخرج به عن نطاق اللغة –إذن- إما تقريري أو تحليلي « 7.
كما عملت على الاستفادة من الإحصاء باعتباره تقنية، وآلية، تساعد على تصنيف المادة الشعرية، وضبط نسبتها للوصول إلى نتائج تتسم بالدقة والضبط.
– خطة الدراسة :
انطلاقا من طبيعة الموضوع ومنهجه، وتبعا للمادة الشعرية المتوفرة في “التحرير والتنوير” تبين لي أن خطة الدراسة التي تناسب محاور هذا العمل يمكن أن تقوم على بناء هيكلي متماسك، ينقسم بعد المقدمة والتمهيد إلى ثلاثة فصول وخاتمة.
أما التمهيد فقد نظرت فيه إلى ثقافة ابن عاشور الموسوعية التي تجاذبته بين الأدب والتفسير.
وبعد هذا التمهيد، دلفت إلى الفصل الأول الذي خصصته لرصد الشاهد في مجالات من المعرفة مختلفة، ابتداء من حضوره في المعاجم وكتب اللغة، حيث وقفت على الدلالات التي استعمل فيها لأتتبع مفهوم الشاهد في كتب النقد والبلاغة، والشروح الأدبية، وكيف عرف تطورا دلاليا واختلافا نوعيا في تصوره من حقل لآخر.
أما الفصل الثاني وهو يمثل الجانب الأول من العنوان المتعلق بالتصنيف، فقد خصصته للحديث عن سؤال الشواهد الشعرية وتواترها في تفسير “التحرير والتنوير”، وحاولت قبل الشروع في الدراسة الإحصائية أن أقدم لها بمفاهيم إجرائية توطئة للحديث عن الشاهد الشعري في التحرير والتنوير.
وعملت في المبحث الأول من هذا الفصل على قراءة المعطيات الإحصائية على ضوء علوم الأدب، وكيف ارتفعت نسبة الاستشهاد بإنتاج شاعر على آخر من خلال تجاربهم الشعرية.
ولقد اعتمدت في تحديد العصر الذي ينتمي إليه الشاعر على معاجم الشعراء وبعض الموسوعات( وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة البحث).
وحاولت في المبحث الثاني من هذا الفصل إبراز منهج ابن عاشور في الاستشهاد بالشعر في “التحرير والتنوير”،
وآثرت في مبحث ثالث الحديث عن مستويات تلقي الشاهد الشعري في التحرير، لأقسمها إلى ثلاثة مستويات، ناقشت فيها تموضع الشاهد الشعري وخدمته للتفسير من جانب معين وهي كالتالي:
1- مستوى شرح الشاهد المعجمي.
2- مستوى شرح الشاهد النحوي.
3- مستوى شرح الشاهد البلاغي.

وأما الفصل الثالث والأخير، فقد تناولت فيه الشاهد الشعري ومستويات التفسير في “التحرير والتنوير”، وأبرزت في المبحث الأول أثر الشاهد الشعري في تفسير الآيات وتأويلها، حتى أناقش مدى التأثير الذي يمارسه الشاهد الشعري على عملية التأويل لدى المفسر. و تناولت في المبحث الثاني الشاهد الشعري وتعدد السياق، لأبين من خلاله بعض السياقات التي يرد فيها الشاهد الشعري خدمة لعلم معين كالإعجاز، والقصة القرآنية، والقراءات القرآنية.
وقد خصصت المبحث الثالث والأخير للحديث عن الشاهد الشعري وتعدده واختلافه، ورصدت فيه أهم العلاقات التي تجمع بينها، خدمة لمقصود القرآن ومعانيه التي يتوخاها المفسر.
أهم نتائج البحث:
وقد توصلت من خلال البحث في هذا الموضوع إلى جملة من النتائج والخلاصات، وأهمها:
1- إن تصنيف المادة الشعرية المبثوثة في تضاعيف التحرير والتنوير، والقراءة في الجداول الإحصائية أسعفتنا في تسجيل النتائج التالية:
• اعتماد الطاهر بن عاشور مادة شعرية غزيرة منذ العصر الجاهلي إلى عصرنا الحالي، ما يدل على العناية الكبيرة بأشعار المرحلة الأولى من الإبداع الشعري.
• ارتفاع نسبة الأبيات المتواترة المنسوبة في التفسير، بينما تقل بكثير النماذج المنسوبة غير المتواترة، في مقابل تقلص النماذج مجهولة النسب.
• حرص ابن عاشور على الاستشهاد بالأشعار المنسوبة.
• اعتماد الطاهر بن عاشور على أشعار النابغة الذبياني، وأصحاب المعلقات بنسبة كبيرة.
• احتفاؤه بالتجارب الفردية لشعراء مرموقين، ذاعت أشعارهم في الآفاق عبر الأطوار كلها، ولعل في ذلك وفي غيره ما يؤكد أدبية الرجل، ويدل على منهجه التفسيري الذي يروم فيه التركيز على مقومات اللغة، حتى أضفى على تفسيره مسحة أدبية ولغوية، قل نظيرها في باقي التفاسير.
2- إن بنية الشاهد الشعري لدى ابن عاشور متناسقة، فهو يورد الشواهد الشعرية في اتساق تام مع الآيات القرآنية من غير تنافر، وذلك لشرح مفردات القرآن الكريم، وما ترشد إليه الآية الكريمة، وكذلك بيانا وتأييدا لأوجه الإعراب النحوي، أو السياق البلاغي، وبذلك تحقق الربط الوثيق بين الشاهد الشعري والنص القرآني، إذ اعتبر ذلك بمثابة ربط الأصل بالفرع، بمعنى أنه لا يفسر القرآن بالشعر تفسيرا مباشرا، وإنما يحتكم إلى الشعر للاستدلال على صحة ما ذهب إليه من تفسير.
3- أما عن مستويات تلقي الشاهد الشعري في التحرير والتنوير، فإننا خلصنا إلى النتائج التالية:
• إن الطاهر بن عاشور لا ينتقل إلى مرحلة تفسير المعاني القرآنية دون الحسم في شرح المفردات اللغوية، وفي ذلك لا يتوانى عن الاستشهاد بالشعر العربي الفصيح،كما سجلنا أيضا اهتمامه بالناحية الشكلية للألفاظ الشعرية، دون الخوض في جمالية الشاهد وصوره البلاغية وتلويناته اللغوية.
• إنه يعتبر أن تفسير الألفاظ القرآنية بمفردها ما هو إلا مرحلة أولية في التفسير، تليها مراحل التنقيب عن المعنى المقصود من قوله تعالى.
• إن مستوى الشرح اللغوي بالمترادف، والمشترك اللفظي، والتضاد، قد فتح باب التأويل لدى ابن عاشور، كباقي المفسرين ، مما أكسبه مجالا للتوسع في معاني الآي القرآنية.
• إن ابن عاشور لم يغفل السياق القرآني أثناء العملية التفسيرية، وكذلك تدرجه في تفسير المادة القرآنية من المعنى الذي تؤديه على المستوى المعجمي إلى المعنى السياقي الواردة فيه.
• إن ابن عاشور يعرض الأساليب القرآنية على الاستعمال العربي، لخلوصه أن لغة القرآن من جنس أساليب العرب في خطبهم، وأشعارهم، وتراكيب بلغائهم، ومن ثم جعل هذا الاستعمال حجة ومرجعا لغويا إلى جانب الروافد اللغوية الأخرى.
إلى غير ذلك مما أظنه جديرا بالاطلاع والمعرفة، ويفتح فيما أرى آفاقا جديدة لمواصلة البحث في هذا الجانب.
وفي الختام، هذه صورة موجزة عن موضوع البحث، وطبيعته، وحدوده، ومنهجه، وخطته، وأهم نتائجه، وهي تعكس بعض ما بذلته من جهد على امتداد سنوات إنجازه، وجمع مادته ومصادره، ودراستها، وتحليلها، رغم ما اعترضني في ذلك من صعوبات وعراقيل متعددة، منها خصوصية وقداسة النص القرآني، وكذلك تعدد وتنوع العلوم المرتبطة والموظفة في دراسة الشاهد الشعري، بالإضافة إل عقبات منهجية، ثم ضخامة المتن الشعري داخل هذا التفسير المعتمد في ثلاثين جزءا، ناهيك عن صعوبات ارتبطت بتغيير الموضوع أولا، ثم المشرف ثانيا، مما انعكس على تغيير التصور والإنجاز، لأستجمع قواي من جديد مهتديا بتوجيهات وتصويبات أستاذي المشرف الدكتور عبد الرزاق صالحي، وهذا ما يجعلني أجزم بأن هذا البحث لا يدعي لنفسه الكمال أو الحسم في الموضوع، فهو بمثابة اللبنة في البناء، وأعمال الإنسان تتسم بالنقص، فهو جهد المقل.
ومهما يكن فهو محاولة تستشعر أهمية الموضوع، وتلامس بعض إشكالاته دراسة وبحثا، وحسبي فيه مصاحبة هذا الطود العظيم من المفسرين، لمناقشة جانب من أدواته التفسيرية التي لها وزنها بين باقي الأدوات.
ومما يقتضيه العرفان لذوي الفضل بفضلهم والوفاء لإخلاصهم في العطاء، أتقدم بالشكر الجزيل إلى أستاذي المشرف الدكتور عبد الرزاق صالحي، الذي استكمل الإشراف على هذا البحث بكل تفان وإخلاص، فكانت ملاحظاته دقيقة وصارمة جعلتني أسير بالبحث في خطوات علمية نحو جادة الصواب، كما أكرر له الشكر ثانية على اهتمامه بالتصحيح والتصويب لهذا البحث، إذ ما أقدم له الجزء أو الفصل حتى تجده قد هداني إلى تقويم اعوجاجه والتنبيه إلى عثراته، فكان لتوجيهاته الأثر الجميل في تذليل صعاب البحث، فلم يبخل علي بتوجيهاته القيمة وإرشاداته النيرة، بل حتى بمدي ببعض الكتب التي يعز توفرها في مكتبات المغرب، ليتخذ هذا البحث الصورة التي هي عليه الآن، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأبقاه نبراسا للبحث العلمي، ونموذجا يقتدى.
كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى أعضاء اللجنة العلمية الموقرة أساتذتي الأفاضل: الدكتور محمد الواسطي، والدكتور عبد الرحيم الرحموني، والدكتور عبد الحي القرشي الورياغلي، والدكتور عبد العالي مسئول، هؤلاء الأفاضل الذين تجشموا عناء فحص هذا العمل آخذين من وقتهم الثمين لسد ما اعترى هذا البحث من الخلل والنقص، فلهم مني جزيل الشكر والتقدير على ما سيقدمونه من ملحوظات وتصويبات هي سلفا محل قبول واعتبار، ثم الشكر الجزيل إلى والدي الذي شد أزري، وشاركني أمري، فاللهم أمده بالصحة والعافية وأقر عينه بي، والشكر موصول إلى كل من ذلل صعاب هذا البحث، وكذلك لن أنسى طلب الرحمة والغفران والسكن في فسيح الجنان لأستاذي محمد الأمين، وأسأله عز وجل أن يثيبه بما علمنا إياه في دروب المعرفة والأخلاق، وأن يجعل تعليمه إيانا من صدقاته الجارية في الدنيا، إنه على ما يشاء قدير.

الهوامش:

1- التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، 1/68.
2- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي: 1/119.
3- التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، 1/ 18.
4- الثابت والمتحول، أدو نيس: 1/147.
5- التحرير والتنوير: 1/21.
6- الإنسان والقرآن وجها لوجه، احميدة النيفر، ص: 36.
7- الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث، محمد حسنين آل ياسين، ص: 374.

14 تعليقا على “الشاهد الشعري عند الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير، تصنيف ودراسة”

  1. السلام عليكم، نفع الله بكم جميعا، أنا بحاجة لنسخة إلكترونية من هذه الرسالة.
    عبد الحميد عيسى

    1. للإفادة في مجال المكتوب في الشاهد والاستشهاد، أنا أدلك على كتاب : جهود العلماء المسلمين في دراسة الشاهد في اللغة والأدب، لد. عبد الرزاق صالحي

  2. السلام عليكم
    مبارك للدكتور وسدد الله خطاه نرجوا أن تنشروا رسالتكم لتعم الفائدة أنا طالبة ماجستير من سوريا ورسالتي تدور في فلك الشاهد الشعري وجزاكم الله خيرا

  3. السلام عليكم أنا طالب من جامعة جزائرية ،و اشتغل على موضوع مشابه لهذا الموضوع ، رجاءً أستاذي الفاضل إذا كانت عندكم نسخة اليكترونية للبحث أرسلوها لي على هذا البريد:[email protected] qmvh gml sgth و شكرا لكم سلفا.

    1. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته هل يمكن أن نتواصل أخي فأنا كذلك أعمل على موضوع مشابه

  4. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    شكرا لجميع الأساتذة الأفاضل، لو أتيح لي أن أستفيد من مثل هذه الأعمال لفعلت، لكن لا يخفى على المطلع ما تعرفه الجامعات بالعالم العربي من عدم التنسيق فيما يخص البحوث المسجلة، فمرحبا بأهل العلم والعلماء للمدارسة والتعلم.

  5. نسأل الله لك السداد
    هناك عمل مميز في هذا الباب عنوانه : المعايير النقدية في رد شواهد النحو الشعريةتاليف الدكتور : بريكان بن سعد الشلوي
    جامعة أم القرى
    مكة المكرمة
    لو اطلعت عليه أفدت منه كثيرا

  6. أبارك لك هذا العمل، وأتمنى أن يكتب لك بكل حرف درجة، ولكن فاتك الاستعانة برسالتي للدكتوراه الموسومة بـ(التوظيف البلاغي للشواهد الشعرية في تفسير التحرير والتنوير) التي ناقشتها سنة: 2009م في جامعة طرابلس – ليبيا، وهي الآن تحت الطبع.

  7. بسم الله الرحمن الرحيم
    هنيئا للأستاذ والباحث المتألق هشام بن احميدان .. كانت مناقشة متميزة وماتعة ..
    نرجو له الاستمرار في العطاء والبحث العلمي الجاد كما عهدناه ، كي تستفيد منه الأمة والأجيال الصاعدة من طلبة العلم ..

شارك برأيك