الإسلام والحداثة قراءة جديدة لجدلية قديمة

عندما نطرح سؤالا عن علاقة الإسلام بالحداثة ، فلا يعني أننا نضعهما في وضع المقارنة ، فالإسلام دين سماوي ، له كتاب مقدس منزّل من الله وعقيدة ثابتة ، وتشريعات وفقه ونظم ، وحضارة عظيمة ناتجة عنه ، أما الحداثة فهي إحدى نواتج الفكر الغربي ، المؤسس على العلمانية التي تعدّ الدين عائقا عن التقدم العلمي والرقي المجتمعي . فشتان المقارنة بينهما، وإنما يكون النقاش حول قراءة الفكر الإسلامي للحداثة ، وكيف درس الحداثيون الإسلام .
أما قراءة الإسلام للحداثة ، فهي جزء من قراءته للحضارة الغربية كلها، فلاشك أن الحضارة الغربية نجحت نجاحا باهرا في إقامة صروح ضخمة علمية وثقافية وفنية وفلسفية ، ولها الفضل الكبير في التقدم المادي والتقني الهائل الذي نعيش ثمراته اليوم ، فلاشك أننا نثمن هذا الإبداع الحضاري ، فهو جزء من مسيرة التقدم الإنساني الذي ساهم المسلمون في صنعه ، وقد استندت الحضارة الغربية في نهضتها على منجزات الحضارة الإسلامية ومنهجها العلمي التجريبي ، وكيف أنها صهرت في بوتقتها علوم الهند والفرس واليونان وأضافت عليها وقدمتها للإنسانية ، ولنأخذ في الحسبان أن الحضارة المعاصرة ليست كلها من إنتاج الغرب وحده ، فهناك شعوب كثيرة في الشرق والجنوب ساهمت في هذه الحضارة ، ناهيك عن مئات الآلاف من العلماء والباحثين في جميع دول العالم الذين شاركوا بعلمهم وجهدهم في التقدم الإنساني .
وقد أبرزت كتابات المستشرقين المنصفين هذا الأمر ، فهذه المستشرقة الألمانية ” زيغريدهونكه ” تدين تجاهل التاريخ العالمي للمنجز الإسلامي العربي حضاريا ، وتتعجب من المركزية الغربية التي تجعل التاريخ يبدأ من اليونان والرومان ويمر بالهند والصين وينتهي بأوروبا في العصر الوسيط والحديث ، ولا يلتفت إلى البقعة المضيئة التي سطعت على العالم قرونا طويلة ، ألا وهي العالم الإسلامي ، وترجع ذلك لاعتبارات دينية وعدائية متوارثة ، وتتعجب من أن أوروبا في أفضل أحوالها ، تعدّ العرب مجرد ناقلين ( كأنهم سعاة بريد ) للحضارات الأخرى ( الهند، فارس، اليونان) ، وليسوا مطورين ولا مبدعين ولا متميزين، وتشدد على أن الحضارة الإسلامية متميزة مضيفة مبدعة وأن المسلمين أساتذة الغرب الأساسيين(1 )، وتشدد على أن الحضارة الإسلامية ضربت المثل في استرفادها علميا وفكريا بمختلف الطوائف والملل التي عاشت في ظلها ، مثل اليهود والنصارى ، وظلت شجرتها تظلل وتستوعب شعوبا وأعراقا عديدة ( فرس وهنود وسريان ومصريين وغيرهم )، وأنتجوا في فيئها ما أفاد البشرية جمعاء (2 ).
فمن الخطأ التعامل مع الحضارة المعاصرة على أنها غربية في الأساس، ومن الخطأ أن تكون أعيننا متجهة إلى الغرب بنظرة استهواء تبتغي الاتباع وليس الابتداع، وأن علينا أن نحذو حذو الغرب فيما فعلوا ، بإقصاء الإسلام عن حياتنا ، وتبني كل صيحة عندهم بوصفها واجبة النفاذ عندنا ، دون الاستفادة عند موروثنا وثقافتنا من خصائص ومزايا وخصوصية ، وما في ديننا من قيم نهضوية وحث على العلم والأخذ بأسباب التقدم .
وتلك هي الإشكالية الكبرى التي سقط فيها العلمانيون العرب ، حينما راحوا يعيدون قراءة الإسلام – دينا وشريعة – وفق التصورات الغربية العلمانية والحداثية وظهرت مشروعات علمانية عربية ، قرأت الإسلام وفق العقلية الغربية التنويرية والحداثية ، وكانت رؤاهم متعاملة مع الإسلام بوصف الرسالة المحمدية غير متميزة عن سابقاتها ( الموسوية والمسيحية ) ، وأنها تقع ضمن الإطار المعرفي للقرون الوسطى ؛ فينبغي إخضاعها للتاريخية ، وبالتالي ينهار الإسلام المثالي ، ويصبح الإسلام تراثا تاريخيا للذكرى والدراسة فقط كما حدث مع المسيحية ، فهو مثله مثل الظواهر والأطوار الاجتماعية والاقتصادية التي مرت على البشرية ، بجانب الخلط بين الإسلام كدين وعقيدة وشريعة ، وبين الممارسات والتطبيقات الخاصة به على مر التاريخ الإسلامي ، فعلى المسلم الآن أن يكون مثل المسيحي الأوروبي ، الذي تخلص من طقوس الدين بعد الثورة التنويرية والثورة الصناعية ، فيجب تحرير الناس من العقلية الشعائرية ، وما نراه الآن من إسلام إنما هو تفسيرات متعددة للإسلام ، فهناك إسلام سني أرثوذكسي ( متصلب ) ، وإسلام شيعي ، وإسلام صوفي ، وإسلام شعبي ( حسب فهم الشعب له ) وبقايا من إسلام تاريخي ، والإسلام الإثني وهو إسلام الشعوب المختلفة غير العربية الذي امتزج بعناصر من حضاراتها السابقة ، وقد تغيرت معالم الإسلام الأساسية وملامحه وأضحى مخالفا ومناقضا ومستبدَلا ، في الوقت الذي لا تجد مفهوما واضحا عن الإسلام الحقيقي الأصولي ( المثالي ) في المنظور العلماني ، ، وإنما نقد للمسلمين وسلوكياتهم الماثلة أمام أعينهم ، فالإسلام هو ما طُبّق في التاريخ ، والمطلوب أن يكون هناك إسلام تقدمي يستند إلى فكر المعتزلة ، ويعتنق الرؤية العلمانية في جعله شأنا فرديا خاصا بالمرء وحده، فيجب في رأيهم التخلص من الفهم الحرفي للدين ، وجعله دينا منفتحا، ولا بأس من تغيير مسمى الإسلام ذاته – كما يرى حسن حنفي – ليكون اسمه “التحرر”، لأنها لفظة أشمل من لفظة الإسلام ، لأنها تعني تحرر الناس من رواسب وقيود كثيرة(3 ) ولعل أكثر الاتجاهات صلة بالحداثة ما يسمى بــ ” التورخة الهدمية الاجتثاثية” ، ويعني التخلص التام من فكر العصور الوسطى لكي نودّع نهائيا المطلقات ، ونكف عن الاعتقاد أن النموذج الإنساني وراءنا وليس أمامنا ، فلابد من انزياح هذه الأنظمة الكبرى المتمثلة في الأديان من دائرة التقديس والغيب باتجاه الركائز والدعامات التي يقدمها العلم الحديث ، وهذا يعني : اختراق المحظورات ، وانتهاك الممنوعات والتمرد على الرقابة الاجتماعية ، واختراق أسوار اللامفكَّر فيه، والدخول إلى المناطق المحرمة ، وخلخلة الاعتقادات وزحزحة القناعات واليقينيات وإعادة النظر في جميع العقائد الدينية عن طريق إعادة القراءة لما قدمه الخطاب الديني عامة ومراجعة المسلمات التراثية فالوسيلة المجدية هنا : هي الهدم والقطيعة ، والتخلص من ثقافة : ماضوية لفظية عقيمة اجترارية انتهازية نفعية محافظة رجعية تقليدية (4 ) ، فلابد من رفض الإيمان التقليدي البسيط ، وتبني مفاهيم جديدة للإيمان منها : الإيمان الواعي التاريخي ، والإيمان الأسطوري العاطفي أو الإيمان الحق ، فالإيمان الحداثي ينادي بإيمان جديد ، يقبل إعادة النظر حتى في الأصول الأولى من أجل انتهاكها وإعادتها إلى المشروطيات المشتركة للجدلية الاجتماعية، أي الكشف عن تاريخيتها المحجوبة أو المغطاة بستار كثيف من التقديس العالي(5 )، فالإيمان الحداثي يعني ما استقر في القلب أيا كان ، سواء كان إيمانا بالله الواحد الأحد ، أو بالديانات السماوية ، أو بالديانات الأرضية ، المهم أن العقيدة هي ما استقر في الفؤاد ، بغض النظر عن ماهيتها ، فالكل سواء .
ولا فرق هنا بين الإسلام وغيره من الأديان ، فشعائر الإسلام هي خليط من طقوس الجاهلية وأديان الشرق الأوسط القديم جدا مثل : الحج والاعتقاد بالجن وتقديس الحجر الأسود وعذاب القبر وبعض التصورات الأسطورية الأخرى ، بغية بناء قصر إيديولوجي جديد (6 ).
وبعض الحداثيين يرون أن القرآن الكريم نزل من أجل إصلاح وضعية تاريخية اجتماعية خلال فترة ما ، وهي فترة ظهور الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما تلاه من تأسيس لمجتمع جديد وإصلاح المجتمع الجاهلي ، وينبغي في عصرنا الراهن أن ندرس الوضعية التاريخية الراهنة ، بكل ظروفها وأحوالها ، ومن ثم الاستفادة من دروس القرآن في ذلك ، وهي استفادة محصورة برؤى علماء الاجتماع في القضايا الاجتماعية ، وعلماء الأخلاق في التوجيه الفعال منهم فيما يسمى الهندسة الأخلاقية (7 )، ومن المهم الاستعانة في هذه التغييرات بنظريات الفلسفة الحديثة مثل الفلسفة الموضوعية وفلسفة التأويل وفلسفة التاريخ ، وفي ضوء هذا ، نبحث في التاريخ الإسلامي عن جهود العلماء المسلمين والفلاسفة الذين قدموا تفسيرات مختلفة للإسلام مثل المعتزلة والأشاعرة وابن تيمية(8 ) وهكذا تخلط القراءات العلمانية بين الاتجاهات الفلسفية مثل المعتزلة ، وتضعها جنبا إلى جنب مع جهود عالم مجدد مثل ابن تيمية ، فالمعيار عندهم هم التثوير ، وهو مصطلح غامض فضفاض ، لو تمعنّا فيه لوجدناه نابعا من رؤى علمانية حداثية ترى الثورة تغييرا شاملا ، بأبعاد اجتماعية .
ولا عجب أن نجد هؤلاء العلمانيين يشيدون بتجربة أتاتورك في تركيا الحديثة، وكيف أنه قاد مسيرة الإصلاح بعد إلغاء التربية الدينية في المدارس ، ليتسنى له إحداث التغيير اللازم ، فكانت المحصلة بعد ربع قرن من الحظر الشامل أن ارتفعت الأصوات الاجتماعية تندد بما حدث ، فهناك موتى يُدفَنَون بدون الصلاة عليهم ، بسبب الافتقار إلى الشيوخ الصالحين لإقامة تلك الصلوات ، فاضطرت الحكومات التركية المتعاقبة إلى إنشاء المدارس الدينية ” مدارس الأئمة والخطباء ” وكلية الإلهيات ، بغية تخريج علماء ودعاة جدد ، وذلك بعدما اعترف مستشار أتاتورك للشؤون الدينية أنه اكتشف بعد نصف قرن أن الإنسان مهما حصل على تربية ثقافية وجمالية وأدبية وأخلاقية لن تكتمل شخصيته إلا بالتربية الدينية (9 ).
تمثل التجربة التركية في عهد الذئب الأغبر ” مصطفى كمال أتاتورك ” نموذجا واقعيا للحداثة في تطبيقاتها في بلاد المسلمين ، فقد أراد الحداثيون العلمانيون أن يمحوا هوية الشعب ودينه ، بقرارات وإجراءات ، فكانت النتيجة أن اشتدت الهوية الإسلامية ، والغريب أن رجب طيب أردوغان تخرّج من معهد الأئمة والخطباء في عام 1973م ، وتعلم هناك الفقه والعقيدة والتجويد ، ثم التحق بكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية (10 )، ليجمع بين العلم الشرعي والعلوم الحديثة ، مؤكدا من خلال شخصيته وتجربته أن الإسلام لا يعرف الانفصال بين العلم والشريعة ، وأن هذه أوهام لا قيمة لها . وفي هذا الشأن ، فقد رفض شعارات الحداثة الأتاتوركية ، التي أرادت فصل تركيا عن محيطها وجذورها الإسلامية ، ومنها : ” لا يوجد صديق للتركي سوى التركي” ، ” سلام في الوطن .. سلام في العالم ” ، وافتخر بالماضي التليد الذي شيده العثمانيون على مدار قرون والمتجلي في القصور والمساجد والميادين (11 ).
ومن هنا ، ندرك أمورا عديدة تتصل بالحداثة والحداثيين والإسلام :
– إن الحداثيين العرب ، ومعهم بقية النخبة العلمانية ، أيا كانت مشاربهم وتوجهاتهم ، اشتراكية أو ليبرالية ، اتفقوا على إقصاء الدين عن الحياة، متبعين في ذلك النموذج الغربي ، سائرين على نفس الدرب .
– لقد جعلوا مرجعياتهم المنظومة الفلسفية الغربية ، التي أرادت أن يكون الدين خاضعا للتغيرات الاجتماعية والعلمية ، ويصبح مجرد تراثا ، يمكن الأخذ منه أو البعد عنه. . وبعبارة أخرى ، فإن الحداثيين العرب ” كانوا يصدرون في مواقفهم عن رؤية تستلهم النموذج الغربي الحديث في بناء الأنساق الفكرية بمناهجها ومضامينها، فكان تفكيرهم يحاكي المفهوم الغربي للعقلانية ” (12 ).
– لم يقدموا مفهوما واضحا عن الإسلام المثالي من وجهة نظرهم ، وإنما قدّموا قراءات للإسلام، دون أن يعي القارئ ماهية الإسلام الصحيح عندهم .
– الاحتفاء في القراءة التراثية بكل ما هو فلسفي مثل تراث المتكلمين والفلاسفة ومن تأثر بالفلسفة اليونانية ، وعدم التمعن في العطاء الفكري العميق لعلماء الأصول والفقه والأدب ، لأنهم جعلوا الفلسفة – مثل الغرب – معيارا للرقي ففي رأيهم ، أنه من المآخذ على العقل العربي جعله الطبيعة أداة لمعرفة الله سبحانه، في حين أن العقل اليوناني اختار أن يكون الله وسيطا لمعرفة الطبيعة ، فالعقل العربي مرتبط بالدين (13 ) ، وهو منطلق يتناسى خصوصيات الثقافة العربية وتكوين العقل العربي ، ويجعل العقل اليوناني – وهو أساس العلمانية الحديثة- نموذجا يحتذى ، أي السير في المركزية الغربية .
– فقد حصروا مفهوم العقلانية لدى المسلمين في مدى الاقتراب من الفلسفة اليونانية(14 )، وتناسوا ما قدمه علم أصول الفقه والمنظومة الإسلامية كلها. وأن علمنة المجتمع الإسلامي – قديما – بدأت منذ تأليف الكتب المؤتلفة من الحكمة الإيرانية والفكر الأخلاقي السياسي الإغريقي ، ليتم اختزال الدين في بعد أخلاقي وبراغماتي يتصل بالسيطرة على الناس. والأهم البعد الانتقائي لدى هؤلاء الحداثيين في اختياراتهم التراثية بما يخدم توجهاتهم ، وتجاهلهم نماذج كثيرة من إبداع مفكري الإسلام ضمن المنهجية المعرفية الإسلامية(15 ).
– إن الحداثيين العرب مارسوا ما يسمى ” التنميط الثقافي ” ، بتقديم المنظومة الغربية الحداثية كنموذج مطلق يحتذى ، مع فقدان القدرة على النقد والتمييز بين السياقات الثقافية وعدم إدراك تعدد الحداثيات الغربية مكانيا وزمانيا، فإسقاط أي وسيلة على أي موضوع وتنزيل أي منهج على أي نص ، يحتاج إلى التحقق من وجود المناسبة بين الوسيلة والموضوع والمنهج والنص المدروس ، وإذا لم يحصل هذا كنا إزاء عملية إسقاط ، أي تقديس النموذج الغربي بعد تنميطه ونمذجته ، في ضوء غياب منطق الاختلاف ، وافتقاد الحداثي العربي – وهو ينقل من الغرب – لفلسفة خاصة به عن الوجود والحياة والناس والذات والمعرفة ، ساعيا لتقديم نسخة عربية خاصة بما فهمه من المفاهيم الحداثية الغربية (16 ).
– إنهم لا يزالون في غيّهم ، أو ما يسمى ” دوجماطيقيين ” ، لا يتزحزحون عن موقفهم ، غير ناظرين إلى الانتقادات الشديدة الموجهة إلى الحداثة من مفكري ما بعد الحداثة في الغرب ، وهذا يعني أنهم متجمدو الفكر والرؤية ، ينادون بشعارات ورؤى انقلب فلاسفة الغرب عليها .
– إنهم لا يراجعون حصيلة التحديث والحداثة في الدول العربية والإسلامية، والتي تراوحت ما بين الإلغاء الكامل للدين كما في تركيا والإقصاء الجزئي عن الحياة والمجتمع كما في دول عربية وإسلامية أخرى ، فالمحصلة فشل خطط التحديث وغرس العلمانية اقتصاديا واجتماعيا.
– أن مفهوم القطيعة والهدم قد يناسب المجتمع الغربي ، والديانة المسيحية وباباواتها ، ولكنه غير منطبق على الإسلام : عقيدة وشريعة وتطبيقا وتاريخا، وتلك هي الأزمة في فكر الحداثة نحو الإسلام .
– شتان أن نقارن بين الإسلام الدين الرباني وبين الحداثة المذهب الفكري، فالإسلام هدي يصحح مسيرة الإنسانية كلما ضلت ، ولا يمكن إخضاعه للتطورات الاجتماعية المزعومة ، لأنها قد تأتي بما يضر البشر جميعا، مثل الجنسية المثلية ، والتفكك الأخلاقي والاجتماعي وتصاعد الفردية . وتلك الأزمة في الفكر الحداثي ، ومن خلفه الفكر العلماني كله ، أنه يضع الإسلام مساويا للمسيحية ، ويجعل سبب تأخر المسلمين يعود للإسلام نفسه ، ويتناسى أن سبب تقدم المسلمين قديما هو الإسلام ، الذي هدى الناس للخير، ووحّد العرب ، فاستطاعوا إقامة حضارة أصيلة زاهرة ، مخصوصة الطابع والتوجهات، استوعبت الحضارات السابقة ، وأضافت عليها .
– من المهم أن ندرك أن الحداثة ابتدعت مناهج بحثية ، على أصعدة مختلفة في العلوم الإنسانية ، وهي مناهج ذات صبغة علمية وإدوات بحثية جادة، مثل مناهج الألسنية ( الأسلوبية والبنيوية والتناص والسرد ) والتأويل والسيمياء وغيرها في الدراسات الأدبية ، وأيضا مناهج عديدة في النقد النفسي والاجتماعي والموضوعي .. ، وكلها مناهج يمكن الاستفادة منها ، لأنها ذات روح علمية أصيلة ، وإن اختلفت منطلقاتها ، فلا بأس من الاستعانة بطرائقها وأدواتها ، خصوصا أنها باتت مستقرة في البحوث الأكاديمية . ونفس الأمر مع التيارات الأدبية المختلفة التي واكبت فكر الحداثة وانبثقت منه ، فهي قد ابتدعت جماليات جديدة ، وغزت مجاهل في الفكر والنفس ، فلا بأس من الاستفادة منها ، دون النقل المباشر ، فالحفاظ على الخصوصية الثقافية أمر مهم للغاية .

الهوامش:

[1] ) شمس العرب تسطع على الغرب ، زيغريدهونكه ، ترجمة : فاروق بيضون ، كمال دسوقي، دار الجيل ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط8 ، 1413هـ ، 1993م ، ص11 ، 12

[2] ) انظر السابق ، الصفحات : 13 ، 37 .

[3] ) راجع تفصيلا : مآل الإسلام في القراءات العلمانية ، د. أحمد إدريس الطعان ، بحث بمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية ، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت ، العدد 65 ، السنة 21 ، 1427هـ ، 2006م ، ص22-37 . وقد أسمى الباحث القراءات العلمانية للإسلام بتسميات عديدة منها : تكريس تاريخية الإسلام القرآني ، التورخة من منظور حداثي ، التورخة من منظور ماركسي ، التورخةالتشطيرية ، التورخة النسبية . وانظر أيضا : القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ، محمد أركون ، ترجمة وتعليق : هاشم صالح ، دار الطليعة ، بيروت، ص12 .

[4] ) المرجع السابق ، وهذا ما نادى به كل من : حسن حنفي ، عبد الله العروي، خالد السعيداني، نصر حامد أبو زيد، علي حرب . انظر: ص 38 ، 39 .

[5]) القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ، محمد أركون ، دار الطليعة ، بيروت ، 2005 م ،ص83 ، 84 .

6] ) السابق ، ص108 .

[7] ) الإسلام وضرورة التحديث : نحو إحداث تغيير في التقاليد الثقافية ، فضل الرحمن ، ترجمة إبراهيم العريس ، دار الساقي ، بيروت، ط1 ، 1993م ، ص17 .

[8] ) السابق ، ص21 .

[9]) السابق ، ص138 ، 139 .

[10] ) الشيخ الرئيس رجب طيب أردوغان : مؤذن إسطنبول ومحطم الصنم الأتاتوركي ، شريف تغيان ، دار الكتاب العربي ، دمشق –القاهرة ، ط1 ، 2011م ، ص15 .

[11] ) السابق ، ص16 ، 17 .

[12] ) قراءة نقدية في محاولات تأصيل المشروع العقلاني العربي : الجابري وأركون نموذجا ، د.رضا حمدي ، مجلة عالم الفكر ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، إبريل – يونيو 2013م ، ص99 .

[13] ) السابق ، ص97 .

[14] ) السابق، ص92 . حيث يرى الباحث أن العقلانية لم تعمر في بلاد المسلمين إلا حوالي قرن ونيّف ، إبان حكم الدولة البويهية ، ويتم الاحتفاء بالمنجزات الفلسفية لأبي حيان التوحيدي على أنها العلامة العقلانية ، وأنها أزاحت علم الفقه عن مكانته .

[15]) السابق ، ص95 ، مثل كتاب ” مرايا الملوك ” الذي قدم نموذجا للحاكم المثالي فلسفيا. وأيضا ص102مثل شعر أبي العلاء المعري ، ومنجز عبد الرحمن بن خلدون .

[16] ) خطاب الحداثة : قراءة نقدية ، د. حميد سمير ، سلسة روافد ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، الكويت ، ط2 ، 2009م ،ص51-54 .

تعليقان (2) على “الإسلام والحداثة قراءة جديدة لجدلية قديمة”

  1. الحداثة اتجاه ومذهب له روح ومبادئ ، وما قام به الغرب هو تجربة لها ظروف نشأة ودواعي ظهور ، وهي تمثل أنموذجا معينا – له حسناته وسيئاته – لواقع الحداثة ، وهو محاولة لتطبيق روح الحداثة وهو ليس الحداثة ذاتها ، ومن ثم فإن محاولة استنساخ الأنموذج الحداثي الغربي وإسقاطه المباشر في العالم الإسلامي ، هو فعل يسيء للإسلام وللحداثة معا ، فالحداثة التي قامت في الغرب على خلفية التمرد على الدين عموما والكنيسة خصوصا ، كان ذلك حركة طبيعية في حياة البشرية التي استفاقت بعد زوال مخدر الدين – المحرف – ، وما قاموا به وما حققوه يعد بعض ما يمكن أن يتحقق لطلاب الحرية ، في لا يوجد في النصوص الإسلامية – قرآنا وسنة – ما يقمع العلم والعكس هو الصحيح ، بل إن الله تعالى أعد عقوبة أخروية لمن عطلوا عقولهم وحواسم ، وقد قال أحد الفلاسفة الألمان : ” إن الحداثة مشروع غير مكتمل ” ، ولئن كانت الحداثة في الغرب مشروعا غير مكتمل ، فإن الإسلام هو مشروع الحداثة المكتمل بحق ، لأنه هو الذي فتح مجال العلم والبحث عن الحقيقة واسعا ، وهو الذي حرر العقل من قيود التقليد والتبعية العمياء ، ودعا إلى تحرى الحق واعتماد الحجة والدليل .

  2. من خلال النبذة أعلاه ، ليس الحداثة منحصره على أنها نتاج عن الفكر الغربي ، فكل أمر به تطور وتحديث يشمله مني المصطلح ، إضافة الى أن الفكر الإسلامي يقبل ويأخذ بمبدأ التحديث والمواكبة .

شارك برأيك