التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي، قضايا ونماذج

تقرير أطروحة الدكتوراه التي تقدمت بها الباحثـــة وفــــاء توفيــــق يوم 21/06/2014 برحاب كلية الآداب فاس سايس (جـامعة سيدي محمد بن عبد الله)، وهي بعنوان: التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي “قضايا ونماذج”، وتكونت لجنة المناقشة من: د. عبد العلي المسئول مشرفا، د. عمر جدية رئيسا ومقررا، د.فريد شكري عضوا، د. إدريس الشرقي عضوا، د. الحسين العمريش عضوا.

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله منزل القرآن، خالق الإنسان، معلمه البيان، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خير المرسلين، وعلى صحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
لقد أتم الله تعالى نعمته على خلقه بإنزال القرآن، الذي ضمنه كليات الشريعة، ومقاصدها الرفيعة، وشرع فيه ما يحقق مصالح العباد، في المعاش والمعاد؛ فكان بذلك محيطا بكل حاجات الإنسان، مستوعبا كل ما تستجد في حياته من قضايا وأحداث. وقد قيض الله سبحانه لهذا الدين – كل دهر من الزمن – من يجدد النظر في آياته لفهم روح أحكامه ولإدراك كنه تشريعاته… وذاك هو موضوع علم المقاصد.
إن البحث في مقاصد الشريعة هو بحث في صميم الدين؛ فبه يحصل الفهم السديد لأحكام الشرع، وبه يتحقق الفقه الحي الذي يدخل القلوب ويقنع العقول، وباستيعابه تمتلك الحكمة لحسن تنزيل الخطاب الإلهي الصالح لكل زمان ومكان، العام لكل الناس، الشامل لكل القضايا، المستوعب لكل جديد… وبذلك تكون الشريعة الغراء محققة مصالح الناس؛ جلبا للمنافع لهم، ودفعا للمفاسد عنهم، كما تكون ضابطة لتصرفاتهم وعلاقاتهم.
لأهمية ما سبق، تكاثرت في الآونة الأخيرة العديد من البحوث والدراسات في مقاصد الشريعة، تأصيلا لها، أو إبرازا لأهميتها، أو تعميقا للبحث في جزئية من جزئياتها، أو كشفا عنها في الكتابات القديمة وتحليلا لها، أو نحو ذلك مما له ارتباط بالجانب النظري لهذا العلم. ورغبة في تعضيد الجهود المكثفة للخروج بالمقاصد من الدائرة التقليدية التي بقيت حبيسة في إطارها مدة من الزمن، والقفز بها إلى تحقيق الغاية المرجاة منها والمتمثلة -بعد تحديد مراد الله تعالى من أحكامه وخطابه- في ضبط الاجتهاد وتأطيره تجنبا لأي زلل أو انحراف… يأتي هذا البحث في التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة، ساعيا إلى الكشف عن مقاصد الشريعة في نظام العائلة من خلال أعلام من مفسري الغرب الإسلامي.
دوافـع اختيـار الموضـوع:
كثيرة هي العوامل التي دفعتني إلى اختيار موضوع التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي، وهي في مجملها مرتبطة بالأركان الأساسية التي يقوم عليها هذا البحث، ومن ذلك:
– إتمام المشروع العلمي الذي كنت قد خضت غمار البحث فيه سابقا عند إنجازي بحث نيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة1 ، والذي كان من توصياته أن تشمل الدراسة مفسرين آخرين.
– اعتقادي أهمية البحث في مجال مقاصد الشريعة الإسلامية، وتحديدا في بوابتها: التعليل، الذي يُمَكن من الكشف عن المراد الإلهي المرتبط بالحكم وبالخطاب الشرعيين، ويضمن تحقيق الإطار المنهجي الذي يضبط به المجدد فقه ما شرعه الله تعالى، وبه يتحرى حسن تنزيله وفق مستجدات واقع الأمة؛ وذلك بربط الحكم الشرعي بمستجدات الواقع وخصوصيات المخاطب، ووصل الفروع بأصولها، ومناقشة الأحكام الجزئية وتحديدها في إطار كلياتها، سعيا لملاءمة واقعنا الكلي لأمر الله الكلي.
– اعتقادي عظم أهمية موضوع الأسرة؛ فهي محضن الفطرة، ومستودع القيم، ومستقر الإنسان في جميع مراحل حياته، وموطن استقراره النفسي وتوازنه المادي، ولاشتباك شأنها بشأن المجتمع… مما يجعل أي خلل في بناء صرحها، أو تجاوز في العلاقات الناظمة لأفرادها، أو انحراف عن مقاصد تشريعها، يعرض هذا الحصن الحصين للسقوط، ومعه خطر اضطراب المجتمع وتقهقره… وهذا عين ما تتجرعه الأمة؛ باعتبار أن بنيان أسرنا قائم على أسس متآكلة قوامها فهم مجانب لجوهر الدين ومقاصد الشريعة، وعمادها أحكام فقهية هي اجتهادات إن ناسبت أحوال زمانها، وحققت المصالح والمنافع المتوخاة منها في وضع تاريخي وسياسي خاص، فإنها لم تبق كذلك في ظل تبدل الزمان وتغير أحواله… فأمست تلك الحُجُب السميكة من الأحكام الفقهية الواقية للأسرة والحامية لها –آنئذ- من أي اعتداء خارجي، قطعا خرقاء متآكلة بفعل طول عهد الزمان وتغير أحوال الدهر والناس، وصارت مؤسسة الأسرة في زماننا لقمة سائغة في فم المناهضين للإسلام وأهله؛ من واقعها البئيس ينفذون لإحكام سيطرتهم على المسلمين؛ مسوغين تدخلهم في الشؤون الداخلية للأمة بحرصهم على رفع الظلم، وتحقيق المساواة، وتقرير الحرية لكل أفراد الأسرة…
كل ما سبق وغيره يستلزم طرق موضوع الأسرة، ويستدعي اهتماما خاصا بشأنها، ويستوجب اجتهادا عميقا في أحكامها، يستوعب مختلف قضاياها ونوازلها، ويساير كل مستجداتها، ويضبط العلاقة بين قطبيها خاصة وبين باقي أفرادها عامة؛ ضمانا لمصالحهم، ورفعا للظلم عنهم، وتحقيقا لأمنهم ولاستقرارهم؛ وذلك من خلال فقه النصوص الشرعية الجزئية المرتبطة بالأسرة وبمحورها المرأة، في ضوء مقاصد الشريعة الكلية، سعيا لإغاثة الأسرة المسلمة مما لحق بها؛ سواء من قابع على لفظ الوحي غير متزحزح عنه إلى مقصده ومرماه، مجتر لأقوال السابقين يحكم بها على نوازل جديدة متجددة، ناظر بعين الموتى إلى واقع حي… أو من جراء متطاول على دين الله، متنصل من أي قيد أو ضابط، مؤول النص الشرعي بما يلائم هواه ومصالحه، ينتقي من الأحكام ما يروق له.
– رغبتي في البحث في موضوع يرتبط بالواقع في نفس الوقت الذي يتخذ مادته المدروسة من إنتاجات العلماء في وقت سابق، اقتناعا مني بنفاسة البحث في تراث الأولين وقيمته؛ حيث يصل الحاضر بالماضي، ويمكن من حسن الانتفاع بثمار جهودهم، ومن اختصار الوقت والجهد وعدم إضاعتهما فيما قتلوه بحثا ودراسة. إن القصد هو عدم نبذ جهود الأولين أو بخسهم حقهم. والبغية هي تطوير حصيلتهم العلمية وإنماؤها؛ باتخاذها أساسا للبناء على الصالح منها وعلى القوي فيها، ومراجعتهم فيما كان محكوما بظروفهم وخاصة أحوالهم وزمانهم، أو فيما بان مجانبتهم الصواب فيه… إسهاما من الخلف في إعمال النظر كما أعمله السلف، وقياما منهم بواجب الاجتهاد كما اجتهدوا.
إن الاعتقاد بما سبق يزداد رسوخا، والحاجة إليه تصبح ملحة، حينما يتعلق الأمر بالبحث في أسفار من جمع الله على أيديهم من العلوم أجلها: تفسير كتاب الله تعالى الحاوي لكليات الدين، الجامع لمصالح الدنيا والآخرة… ذلكم هم أعلام من جهابذة مفسري الغرب الإسلامي، الذين ضمنوا تفاسيرهم إشارات واجتهادات تدل على اعتبارهم للمقاصد، كيف لا وأغلب المعتمدين منهم في هذا البحث، هم من أئمة الفقه المالكي وقضاته ومجتهديه في عصرهم، المحتكين بقضايا الناس ونوازلهم، ناهيك عما اشتهر به إمام مذهب معظمهم من اعتداد بالمصالح المرسلة، وإعمال لسد الذرائع، ومراعاة للعرف، واعتبار للمآل…
تلكم كانت أهم الأسباب التي دفعتني إلى اختيار موضوع “التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي”، بعد استخارة الله تعالى واستشارة أهل العلم وموافقة الأستاذ المشرف.
إشكـالية البحـــث:
إن أهم ما جاءت هذه الدراسة للبحث فيه والجواب عنه، هو مدى استحضار مفسري الغرب الإسلامي لمقاصد الشريعة في تعليلهم أحكام الأسرة. لمقاربة ذلك، سأتتبع أقوالهم وإشاراتهم أثناء تفسيرهم أحكام هذا الباب، بغية جرد وتصنيف كل التعليلات المقاصدية التي عللوا بها قضايا هذا الموضوع، ومن ثم الوقوف على مقدار اعتبارهم المقاصد عند تعليلهم تلك الأحكام أو عدم ذلك، ثم قوة تقاربهم أو تفاوتهم في هذا الشأن.
ولتقييم أشمل وأعم للحصيلة المقاصدية لمفسري الغرب الإسلامي، سأقوم بمقارنتها مع نظيرتها عند مفسري العصر الحديث من ذوي الاهتمام الاجتماعي. وقد اخترت هذه المقابلة أولا لتطور ونضج علم المقاصد مع مرور الزمن، ثم ثانيا لاهتمام هذا الصنف من المفسرين بالجانب الاجتماعي، ومنه موضوع الأسرة.
القيمـة العلميـة للبحـث:
تعلو أصوات جادة –في العالم الإسلامي– تدعو إلى نخل الشريعة مما ليس من جوهرها، وغربلة الأحكام الفقهية مما لا يناسب زماننا وأحوالنا. وحرصا على أن تكون عملية التمحيص منضبطة بما يوافق الشرع، ويكون اجتهاد العلماء مصيبا الحق، يعم أوساط المجتهدين وعي متنام بمحورية فقه مقاصد الشريعة في أي عمل اجتهادي تجديدي؛ ومن ثم الإقبال المتزايد على البحث في هذا الموضوع، وتكاثر الدراسات في هذا الفن، إلا أنها اصطبغت في مجملها بصبغة دراسة وتنظير وتقعيد السابقين لهذا العلم، وهو عمل تأصيلي مهم، لكن الأمر الأهم والملح الآن هو التحول بوجهة البحث المقاصدي من الدراسة النظرية إلى المجال الفقهي التطبيقي في الأصول قبل الفروع، مما يستدعي رصد تلك المقاصد وضبطها، ثم العمل على تحكيمها في مختلف المباحث الفقهية، والاستنجاد بها للنظر في المشكلات المعاصرة. وهذا الهدف هو ما أروم وضع لبنة في صرحه، والإسهام في تحقيقه؛ باستقراء مختلف المقاصد التي علل بها مفسرو الغرب الإسلامي نصوص الوحي الخاصة بأحكام الأسرة، مع التحليل والمناقشة.
يستمد هذا البحث قيمته من شرف موضوعه وأهميته، ومن ضخامة المشروع الذي يشتغل في خضمه، كما تبرز مكانتته، في جدته من نواح عدة منها:
– طرق موضوع له أهمية عظيمة في النسيج الاجتماعي للأمة وفي نظامها: وهو الأسرة، من زاوية التعليل المقاصدي؛ هذا الموضوع الذي لم يحظ -عند تسجيلي لهذه الأطروحة- لدراسة أكاديمية مسبوقة2 … ولجت هذا الباب وأنا أروم الظفر بحصيلة مقاصدية، تكون لنا ضابطا من ضوابط الفهم عن الله تعالى بخصوص هذا المكون، وإطارا نسيج به أي اجتهاد بشأن قضاياه، ومرجعا لتقليل الاختلاف في أموره، وحجة لمراجعة ما تقرر في حقه من أحكام فقهية سابقة… بغية رفع كلتا السيئتين اللتين أصابت الأسرة المسلمة: التحجر على أقوال الأولين واستصحابه جملة وتفصيلا وما يخلفه من ظلم وجمود باسم الدين يكون نصيب المرأة من البؤس والجور فيه أوفى وأوفر، أو رفض ذلك واختيار الانعتاق من “ربقته” فالارتماء في أحضان المخططات التغريبية.
– اختيار أسفار مفسري الغرب الإسلامي3 موضوعا للدراسة التطبيقية لما سبق ذكره. تلك التفاسير التي لم تفرد -حسب علمي- ببحث أكاديمي سابق حول الموضوع4 . ولا يخفى أن المؤرخين والمترجمين يكادون يجمعون على الإمامة العظيمة والأستاذية الفذة لجمهور أولئك المفسرين، كما لا يجهل أي متخصص القيمة العلمية لتلك التفاسير بين مصنفات التفسير عامة؛ بل إن بعضها يعد مصدرا لتفاسير جمة ورائدة في العالم الإسلامي.
– تميز التفاسير المنتقاة بالتنوع في العديد من الجوانب، مما سيكون معينا على تقييم أفضل لما سيتم الحصول عليه من رصيد مقاصدي. ويبرز ذاك التنوع في:
• أصحاب التفاسير المنتقاة يمثلون كل أقطار الغرب الإسلامي؛ من تونس القيروان شرقا إلى المغرب الأقصى غربا، ومن منارات الأندلس شمالا إلى بلاد شنقيط جنوبا.
• مصنفوها يمثلون مذاهب فقهية متعددة مثل المذهب الشافعي، ومذهب أهل الظاهر، ومذهب الإباضية ونحو ذلك… ناهيك عن المذهب المالكي الذي ينتمي إليه جلهم. ولا يخفى ما في ذلك من إثراء لأحكام الأسرة وإغناء للرصيد المقاصدي الخاص بها.
• تضمن تلك التفاسير المتعدد من الأوجه التفسيرية؛ مثل النحوي البلاغي، والصوفي الإشاري، والاجتماعي المقاصدي، إضافة إلى التفسير الفقهي… ولا يخفى أثر إعمال تلك الأوجه في إغناء المخزون المقاصدي لموضوع الأسرة.
• شمول تلك التفاسير حقبة زمنية طويلة تمتد من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري… ما به سنتمكن من الاطلاع على تطور إعمال التعليل المقاصدي لمفسري الغرب الإسلامي خلال تلك القرون من الزمن.
– اعتماد بعض تفاسير العصر الحديث من ذات الاتجاه الاجتماعي5 في تقييم حصيلة التعليلات المقاصدية لمفسري الغرب الإسلامي، تأكيدا أو زيادة أو استدراكا أو تعقيبا… ولا يخفى أهمية ذلك باعتباره مؤشرا مهما على مدى إعمال مفسري الغرب الإسلامي للتعليل المقاصدي وهم يفسرون أحكام الأسرة.
وتجدر الإشارة إلى أن عزمي في البدء كان معقودا على تناول كل أحكام الأسرة الواردة في القرآن الكريم، لكن لما أمسى الوقت المحدد لإنجاز هذه الأطروحة يلوح ويقترب، اضطررت إلى الاقتصار على بعض الأحكام المفصلية في تأسيس الأسرة، وعلى أهم القضايا الزوجية، مرجئة إتمام البحث في باقي الأحكام الأسرية إلى حين، أو قد يقيض الله تبارك وتعالى لذلك من يتممه.
خـطـة البحــث:
لما كان الهدف من هذا البحث هو مقاربة التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي بالجرد والدراسة والتحليل، فقد ألفت موضوعه في ثلاثة أبواب أولهم تمهيدي، تسبقهم مقدمة، وتليهم خاتمة.
وقد قسمت موضوع كل باب إلى فصول، وقضية كل فصل إلى مباحث، ومحور كل مبحث إلى مطالب، وعند اللزوم قسمت المطلب إلى فروع. كما التزمت التمهيد لكل أبواب وفصول ومباحث ومطالب هذا البحث بما يناسبه من تقديم يضعه في سياقه من البحث، لتكون الخطة النهائية للبحث على الشكل الآتي:
المقدمة: من خلالها تم التعريف بموضوع البحث، وبيان دوافع اختياره، وإبراز قيمته العلمية، وتفصيل خطته، وتحديد منهج البحث المعتمد فيه، وتبيين الدراسات المرتبطة بموضوعه.
الباب التمهيدي: اعتبرته محطة للوقوف على الأركان الأساسية التي يقوم عليها موضوع البحث، تعريفا للمعاني وتحديدا، ودراسة للأمور المرتبطة بصميم البحث وتفصيلا. وهكذا قسمت هذا الباب إلى فصلين: أفردت الفصل الأول للحديث عن التفسير والمفسرين في الغرب الإسلامي؛ حيث أشرت في المبحث الأول منه إلى العوامل الممهدة لنشأة علم التفسير في الغرب الإسلامي، كذا إلى تأريخ بداية التأليف في التفسير في تلك المنطقة الجغرافية من العالم الإسلامي، ليكون المبحث الثاني من نفس الفصل مخصصا للتعريف المقتضب لرواد مفسري الغرب الإسلامي وبمصنفاتهم التفسيرية.
أما الفصل الثاني من نفس الباب، فقد خصصت الحديث فيه عن التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة. وقد قسمته بدوره إلى مبحثين: الأول منهما تناولت فيه مفهوم التعليل وبيان بعض أنواعه، لأجعل آخر هذا المبحث محطة للتعرف على مذاهب العلماء في مسألة التعليل والتعبد في أحكام الشريعة؛ لارتباط ذلك بجوهر موضوع البحث. وقد أفردت المبحث الثاني للتعريج على معنى المقاصد وأنواعها، وتحديد المراد بالمركب الوصفي: التعليل المقاصدي، دون أن أغفل الاطلاع على تأريخ الاهتمام بعلم المقاصد وتطور ذلك. وقد ختمت هذا المبحث بتحديد المقصود بالتعليل المقاصدي لأحكام الأسرة.
أما البابان الأول والثاني، فهما بؤرة هذا البحث وجوهره، المتضمنان الدراسة التطبيقية الخاصة بالتعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي، وقد ضمنت كل باب من هذين البابين نوعا من القضايا الأسرية، على النحو الآتي:
الباب الأول: اعتبرته فرشا يضم التعليل المقاصدي لبعض التشريعات الأسرية العامة، وقسمته إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول أفردته للتأكيد على بعض المنطلقات التي اعتبرها الشارع مبادئ أسرية، اكتفيت فيه بذكر أساسين منهما وزعتهما على مبحثين اثنين: الأول منهما ضم ناموس الله في خلقه الناس من نفس واحدة وجعلهم أزواجا، في حين اختص المبحث الثاني بتبيين حقيقة الزواج في الإسلام وقوامه، مستخلصة مختلف التعليلات المقاصدية التي علل بها مفسرو الغرب الإسلامي الأساسين الشرعيين.
أما الفصل الثاني، فقد ارتأيت أن أعرض فيه نماذج من تشريعات تربوية وقائية؛ مثلت لها بشرع الاستئذان العام والخاص في المبحث الأول، ثم شرع آداب النظر ولباس المرأة المسلمة في المبحث الثاني، مع استقراء وتحليل كل التعليلات المقاصدية التي علل بها مفسرو الغرب الإسلامي تلك التشريعات الوقائية.
وبخصوص الفصل الثالث؛ فقد كان مجالا لجرد ودراسة ومناقشة بعض من التشريعات التأديبية التي لها صلة بالأسرة، ممثلة في عقوبتي الزنى والقذف…
بالموازاة مع الباب الأول، كان الباب الثاني مجمع طرح العديد من القضايا الزوجية موزعة على فصول خمسة؛ استقرأت في كل فصل مختلف التعليلات المقاصدية التي علل بها مفسرو الغرب الإسلامي كل قضية منها، مع التحليل والمناقشة على التوزيع الآتي:
الفصل الأول فصلت فيه التعليل المقاصدي لمفسري الغرب الإسلامي للأحكام الخاصة بأصناف النساء في النكاح؛ مووزعة ذلك على مباحث أربعة: الأول منهم ضم دراسة التعليل المقاصدي لحكم المناكحة بين المؤمنين والمشركين، في حين تناول المبحث الثاني التعليل المقاصدي لحكم الزواج بالكتابية، أما المبحث الثالث فقد تضمن عرض ومناقشة التعليل المقاصدي لحكم المحرمات من النساء بسبب الصهر والنسب والرضاع؛ لأفرد المبحث الرابع للتعليل المقاصدي لحكم النهي عن مواعدة المعتدة وإباحة التعريض لها بذلك.
أما الفصل الثاني فقد خصصته للتعليل المقاصدي لقضيتي العضل والولاية في الزواج، جردا وتحليلا ومناقشة وترجيحا.
وقد ضمنت الفصل الثالث مختلف التعليلات المقاصدية لحكمي القوامة والحافظية، مع التحليل والمناقشة.
وبالنسبة للفصل الرابع، فقد أفردته للتعليلات المقاصدية للأحكام الخاصة بحل الخلافات الزوجية وتدبير الشقاق بين الزوجين، استقراءا ودراسة ومناقشة.
وقد كان الفصل الخامس والأخير من هذا الباب محطة لتفصيل الحديث عن التعليلات المقاصدية لآخر قضية مقترحة ضمن القضايا الزوجية، وهي مسألة التعدد.
وقد ختمت الأطروحة بخاتمة ضمنتها خلاصة ما توصلت إليه من نتائج وأفكار، وأردفتها ببعض الاقتراحات، مشفوعة بتبيان ما يفتحه هذا البحث من آفاق الدراسة والانشغال بخصوص التعليل المقاصدي، وفي موضوع الأسرة الذي يعد مجالا خصبا للدراسة المقاصدية.
منهـــج البحـــث:
إن طبيعة البيان والدراسة المرتبطة بموضوع هذا البحث بشقيها النظري والتطبيقي استلزمت مني اتباع منهج متنوع يجمع بين الاستقراء، والدراسة والتصنيف والاستنباط، والتحليل، ثم البناء والتركيب والمقارنة وقراءة الإحصاءات وتحليلها، على التفصيل الآتي:
اعتمدت المنهج الاستقرائي خلال جمع مادة البحث العلمية: التعليل المقاصدي عند مفسري الغرب الإسلامي. وقد استلزم الأمر مني استقراء النصوص القرآنية المتطرقة إلى موضوع الأسرة بمختلف تفصيلاته، سواء كانت من أحكام الشارع أو من خطابه.
ووظفت المنهج الاستنباطي وأنا أستخلص مختلف التعليلات المقاصدية التي علل بها مفسرو الغرب الإسلامي أحكام الأسرة.
وعكفت على الدراسة والتصنيف، حيث قمت بتصنيف أحكام الأسرة ضمن وحدات متناسقة يجمعها موضوع ناظم، كما قمت بدراسة المادة المقاصدية التي حصلت عليها لحصر مضمونها وضبطه، مما يسر لي تصنيفها إلى أنواع بحسب قوتها والحاجة إليها، كذا باعتبار عمومها وشمولها كما سأبينه لاحقا.
واعتمدت منهج التحليل والبناء والتركيب، كذا المنهج المقارن وأنا أقوم بعرض المادة المقاصدية التي علل بها مفسرو الغرب الإسلامي أحكام الأسرة مبينة وجه التعليل المقاصدي فيها. وقد التزمت بعرض جزء الآية أو الآيات موضوع الحكم أو الأحكام الشرعية، مع عرض التعليلات المقاصدية لمفسري الغرب الإسلامي لذلك الحكم مصنفة حسب قوتها ثم حسب عمومها، مشفوعة بتحليل تلك التعليلات وتركيب بعضها على بعض تأكيدا، وتفسيرا، وتخصيصا، وتقييدا، واستدراكا، ونقدا، وتقييما… كما تجدني أرجع إلى تفاسير المحدثين ذوي الاتجاه الاجتماعي في تفسيرهم نفس الحكم لمقارنة تعليلهم المقاصدي مع الحصيلة المقاصدية لمفسري الغرب الإسلامي اتفاقا، أو اختلافا، أو استدراكا، أو رفضا، أو إضافة…
صعـوبات البحـث
لا يجادل اثنان في عدم خلو الخوض في أي بحث علمي من معاناة ومشاق، لكنها بالتأكيد مفيدة ولو بعد حين. وأجمل الصعوبات التي واجهتها وأنا بصدد إنجاز هذا البحث، بجدة موضوعه، وعدم شيوع التطرق إليه من الناحية العملية التطبيقية، اللهم إلا ما أشرت إليه سابقا من خوضي نفس الدراسة عند الطاهر بن عاشور فقط، وبمنهجية مختلفة، حيث كنت أسطر المقصد، ثم أبحث عن أحكام الأسرة التي عللها ابن عاشور بذاك المقصد… أما في هذا البحث، فقد أرشدني الأستاذ المشرف أجزل الله له الأجر إلى تغيير المنهجية؛ وذلك بأن أنطلق من أحكام الأسرة، ثم أجرد كل التعليلات المقاصدية التي بها علل مفسرو الغرب الإسلامي الحكم… وذاك لم يكن بالأمر الهين؛ خصوصا مع كثرة عدد مفسري الغرب الإسلامي المعتمد عليهم، والذي بلغ أربعة عشر مفسرا، تفحصت ستة عشر مصنفا من تفاسيرهم، إضافة إلى مفسري العصر الحديث من ذوي الاهتمام الاجتماعي، والذي تجاوز عدد المعتمد عليهم في المقارنة سبعة عشر مفسرا.
أذكر أيضا بصعوبة أخرى كثيرا ما كانت تعترضني، وهي عدم انضباط المصطلحات المقاصدية بحد واضح من قبل مفسري الغرب الإسلامي… وقد حسمت هذا الإشكال بالاعتماد على ما سطره ابن عاشور باعتباره كان متمما لما قعده الشاطبي6 . أيضا لم يكن التعليل المقاصدي عند مفسري الغرب الإسلامي دائما واضحا وبينا، بل منه ما كان يستشف من تلميحاتهم وإشاراتهم، مما يتطلب انتباها ويقظة وقراءة متكررة للنص الواحد حرصا مني على عدم تجاوز أي تعليل مقاصدي أعملوه.
نتائج البحث وتوصياته
قد خلصت -من خلال دراسة مختلف محاور هذا البحث- إلى خلاصات تلامس أهم الأركان التي يقوم عليها الموضوع، وهي: التعليل المقاصدي من ناحية، ثم ما يخص التعليل المقاصدي عند مفسري الغرب الإسلامي من ناحية ثانية، مفردين أحكام الأسرة بخلاصات مقاصدية خاصة بها من ناحية ثالثة. أيضا سأشفع تلك النتائج باقتراحات قد تفتح آفاق بحث بل بحوث في علم المقاصد، كما في موضوع الاجتهاد الأسري.
– فيما يخص التعليل المقاصدي بشكل عام، استننتجت ما يلي:
• تأكيد الأهمية القصوى للإعمال المقاصدي في تمكين المفسر من الكشف عن مراد الشارع، ومصادفة الصواب في فهم أحكام القرآن وتشريعاته.
• اعتبار التعليل المقاصدي ضابطا من ضوابط الفهم عن الله تعالى، وإطارا مسيجا لأي اجتهاد في أحكام الشريعة، وحصنا منيعا يحمي أحكام الدين من شغب المتأولين، كما يقيها من جمود المتحجرين.
• الاقتناع التام بأن البحث في مقاصد الشريعة مرتبط بتحديد هوية الأمة، والبحث عن المنقذ لها في “زمان التياث الظلم”؛ فقد جرت سنة الله تعالى أنه كلما ازداد الوضع السياسي والاجتماعي والحضاري تأزما، ازداد الاقتناع بضرورة الوقوف على الخلل، والاستنجاد بما هو يقيني كلي وثابت من أمور الشرع 7 .
• ضرورة التعجيل بمراجعة التراث الشرعي ونخله وتنقيته مما ليس أصيلا أو قطعيا يقينيا فيه، وذلك عبر الاستعانة بمقاصد الشريعة التي تعتبر قواعد قطعية وكلية، وعبر التعليل المقاصدي للأحكام الذي يمكن ربط جزئيات الشريعة بكلياتها اليقينية الثابتة.
• اعتبار التعليل المقاصدي مرجعا لتقليل الاختلاف في جزئيات الدين، ومُرجِّحا دلاليا عند حصول التعارض الظاهري بين أدلة الأحكام؛ فهو الجامع بين النظر الكلي وبين الاعتبار الجزئي، ما من شأنه إنقاذ الأمة من الإغراق في التفريعات والاختلافات الجزئية.
• تأكيد قابلية أصول الشريعة القطعية وكلياتها العامة الانطباق على مختلف الأحوال، واستيعاب كل قضايا الناس؛ من خلال علم المقاصد وتعليلاته المسهمين في تحقيق التجديد في الدين الذي وعد به الله تعالى المسلمين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم 8 .
• التعويل على التعليل المقاصدي لدفع جميع أنواع الضرر عن المكلف، ورفع مختلف أصناف الظلم عنه، بسد جميع مداخل الفساد والتحيل التي يلجأ إليها المبطلون.
• اعتبار التعليل المقاصدي عاكسا روح الشريعة، ورافعا الضيق والحرج الناتجين أحيانا عن النظر الجزئي إلى الحكم بمعزل عن كليات الشرع.
– فيما يخص التعليل المقاصدي لمفسري الغرب الإسلامي لأحكام الأسرة التي تطرقت إليها في هذا البحث، استخلصت الآتي:
• تأخر تعليل قدماء مفسري الغرب الإسلامي لأحكام الأسرة، حيث لم أجد أي تعليل للأحكام التي تطرقت إليها في هذا المجال عند يحيى بن سلام ولا عند الهواري، في حين وجدت تقصيدا واحدا لابن أبي زمنين مرتبطا باعتبار الشارع رابطة الزواج ميثاقا غليظا.
• تسجيل انطلاقة ملحوظة للتعليل المقاصدي مع مكي بن أبي طالب القيسي، حيث سجلت له تسع تعليلات بخصوص أحكام الأسرة المدروسة في البحث.
• تطور إعمال التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة زمنيا عند مفسري الغرب الإسلامي الذين اطلعت عليهم؛ فقد نشط بشكل ملحوظ قبل الشاطبي في القرن السادس 9 والسابع 10 والنصف الأول من القرن الثامن 11 الهجري، ليفتر أو يغيب كليا في القرن التاسع وما بعده -أي بعد وفاة الشاطبي-؛ ومن ثم نخلص إلى عدم تأثر مفسري الأندلس، ناهيك عن غيرهم من باقي مفسري الغرب الإسلامي بموافقات الشاطبي في تفاسيرهم. وقد انتعش من جديد الجنوح إلى التعليل المقاصدي في تفسير أحكام الأسرة في الربع الأول من القرن الثالث عشر الهجري على يد ابن عجيبة، ليقل نسبيا بعد ذلك، ثم يعرف تطورا نوعيا وجديدا ابتداءا من الربع الثاني من القرن الماضي على يد ابن عاشور.
• تفاوت مفسري الغرب الإسلامي في إعمال التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة؛ حيث سجلت أكبر نسبة عند ابن عاشور الذي تربع على عرش المعللين لأحكام الأسرة مقاصديا، ليكون فارس هذا المجال بلا منازع 12 .. ويلي ابن عاشور رتبة، الإمام ابن العربي، وقريب منه أبو حيان، فالقرطبي، ثم ابن عجيبة، فابن عطية. بمقابل ما سبق، كان التعليل المقاصدي منخفضا عند ابن الفرس مقارنة مع معاصريه، يليه مباشرة آخر مفسري الغرب الإسلامي وفاة في هذا البحث، وهو المكي الناصري، فمحمد اطفيش، ليقل ذلك بشكل ملحوظ عند ابن جزي، ويستمر في الانخفاض عند الشنقيطي، وعند الثعالبي الذي أورد جل تعليلاته بنفس عبارة سابقيه أو بعبارة قريبة. أما ابن عرفة فلم أسجل له أي تعليل مقاصدي لأحكام الأسرة المذكورة في هذا البحث.
هذا، وتجدر الإشارة إلى وجوب قراءة الأرقام السابقة أخذا بعين الاعتبار كثرة نقل اللاحق من المفسرين للسابق بشكل عام، وعند بعضهم بشكل خاص كما هو الشأن عند القرطبي. إن شيوع ما سبق، لا يخفي استقلال شخصية كل فرد منهم، ومناقشة اللاحق للسابق منهم.
أما ما يخص وجه تميز أفراد مفسري الغرب الإسلامي في إعمال التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة، فقد خلصت إلى الآتي:
• التأكيد على تميز ابن العربي بقوة تعليلاته وعمقها وليس بكثرتها فقط، كما أن الملاحظ ارتباطها بشكل كبير بالمقاصد الحاجية من تيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، واستحضارها للعرف ومراعاته في استنباط الحكم وتنزيله.
• التنبيه إلى الجنوح البارز لأبي حيان في إعمال التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة، رغم ما ذكره بعض المؤرخين من التزامه السابق بمذهب أهل الظاهر، بل ذهاب بعضهم لعدم تراجعه عنه.
• تسجيل كثرة تفرد ابن العربي وأبي حيان بتعليلات مقاصدية متميزة لبعض أحكام الأسرة، لم يتفطن إليها غيرهما من مفسري الغرب الإسلامي الذين وقفت عليهم.
• تميز أطفيش بتعليلات مقاصدية مهمة لبعض أحكام الأسرة، ضمنها بتفصيل في مصنفه “الهميان”، مؤكدا على البعض منها في كتابه “التيسير”.
• ارتباط نسبة مهمة من تعليلات ابن عجيبة بالمقاصد التحسينية.
• تميز المكي الناصري بربط المقاصد الجزئية للحكم الشرعي بالمقاصد الكلية والعامة للشريعة، وعدم اقتصار حديثه عن المقاصد في جانبها الفردي والخاص فقط.
– وفيما يتعلق بالخلاصات المقاصدية لأحكام الأسرة المستخلصة من تعليلات مفسري الغرب الإسلامي، فأجملها من خلال الآتي:
• تأكيد قابلية أحكام الأسرة للتعليل والتقصيد، باعتبارها مندرجة ضمن باب المعاملات، ولما تتضمنه من تشريع حقوق النساء التي هي الأدعى إلى التعليل؛ حتى يتحقق استئناس المؤمنين بها، وتنقاد نفوسهم لامتثال أحكامها وتوجيهاتها، وتكون عصمة لهم من الزيغ أو الزلل في هذا المجال الحساس والخطير.
• إناطة أحكام الأسرة بالحفاظ على العديد من المقاصد الضرورية في اعتبار الشريعة… مما يعني أن أي تفريط في هذه الأحكام أو استهانة بها ينتج عنه اختلال جزء من حياة الناس.
• تعليل معظم أحكام الأسرة بالحاجي من المقاصد، ومن ثم ضرورة العناية بأحكام الأسرة والاهتمام بها، تيسيرا على الناس، وتوسعة عليهم، ورفعا للحرج عنهم.
• إناطة أحكام الأسرة بحفظ المقاصد التحسينية، مما يؤكد حرص الشارع على أن تكون العلاقة الأسرية ومنها الزوجية موافقة للذوق الرفيع، متسمة بالمنظر البهيج، مشجعة الناس على الاندماج وسط أمة المسلمين بما يُلحَظ فيها من مكارم العادات، وجميل المعاملات. كما تبين لنا وجوب توزيع حقوق أفراد الأسرة وواجباتهم بينهم بما تعارف عليه الناس مما تقبله الفطرة السليمة ولا يخالف -بالتأكيد- مقصدا شرعيا.
• اعتبار المقصد العام من كل أحكام الأسرة، هو انتظام أحوال العائلة وضبط علاقاتها وتحقيق مصالحها… ما به تنتظم أحوال الأمة.
• تعليل جل أحكام الأسرة بتحقيق العدل بين الزوجين، ورفع الضرر والظلم سيما عن المرأة.
• ملاحظة قيام أحكام الأسرة على محور التخفيف والتيسير، ورفع الحرج والعنت عن العلاقة الأسرية والزوجية منها على الخصوص… مما يستلزم من مجتهدي الأمة استحضار هذه المقاصد في كل ما يعرض أمام أنظارهم من قضايا في هذا الشأن.
• الحرص الكبير للشارع على تحقق حسن المعاشرة بين الزوجين، وعلى حصول تمام المودة والألفة بينهما، ورغبته الأكيدة في استمرار العلاقة الزوجية وبقائها قائمة بشرط المعروف ما أمكن… ومن ثم وجوب اعتبار تحقق هذا المقصد في أي اجتهاد يخص مؤسسة الزواج.
• تنبيه مفسري الغرب الإسلامي إلى أهمية اعتبار الأعراف السائدة زمن نزول الوحي لحسن فهم بعض أحكام الأسرة؛ ومن ثم وجوب استحضار معطيات واقعنا وتغير أحواله عند الاجتهاد في صياغة أحكام جديدة للأسرة، لضمان تحقق المقصد من تشريع الحكم.
إضافة إلى ما سبق، استخرجت لابن عاشور بعض ما تفرد به من خلاصات من خلال تعليلاته المقاصدية لأحكام الأسرة، أذكر منها ما يلي:
• تنبيه ابن عاشور إلى أن المقصد من الصيغ التي وردت بها أحكام الأسرة أن يكون إقرار حقوق النساء أول ما يقرع الآذان، تنبيها للسامعين، وإشارة إلى الاهتمام بذلك وعدم غمصه.
• اعتبار ابن عاشور أن المقصد العام من تشريع عموم أحكام الأسرة، خلع ما تبقى في نفوس المسلمين وسلوكهم من عوائد الجاهلية في معاملتهم الأسرية عموما وفي معاملتهم الزوجية على وجه الخصوص، ودعوتهم إلى الانضباط لأحكام الشرع في علاقة طالما كانت للرجال اليد الطولى فيها، يتصرفون فيها كيف شاؤوا دون مرشد موجه أو رقيب محاسب، اللهم إلا ما كان في بعضهم من وازع مروءة وشهامة…
• تأكيد ابن عاشور علم الله سبحانه أن التشريع في أحكام الأسرة لم يكن قبوله والإذعان لأحكامه بالشيء الهين على نفوس الرجال؛ لأنهم ورثوا نوعا من السلوك في هذا الباب “الخاص” ترسخ عبر قرون من الجهالة والظلم، وتعودت عليه أنفسهم حتى أصبح حقا “طبيعيا” ما سواه باطل، ومن ثم تدرج الوحي مع المؤمنين بهذه الأحكام؛ فربط عدم الاعتداء على المرأة وعدم التحايل على الشرع بخصوصها بتقوى الله تعالى، للارتقاء من حضيض الظلم والإضرار، إلى كمال المعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان.
– فيما يخص مقارنة التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي مع نظيره عند مفسري العصر الحديث من ذوي الاهتمام الاجتماعي، أسجل الآتي:
• السبق المبكر لمعظم مفسري الغرب الإسلامي الذين اطلعت على تفاسيرهم، في الاعتماد على المقاصد الشرعية في تعليلاتهم للأحكام الشرعية، ومنها أحكام الأسرة، مما يبرز عمق نظرهم الفقهي، وعلو كعبهم الاستدلالي، وقوة اجتهادهم العقلي… وهم يحللون النصوص الشرعية، ويوجهون فهمها وفق مقاصد الشريعة وأصولها وقواعدها، مستحضرين فقه الحال، حريصين على حسن التنزيل ومراعاة للمآل…
• تأكيد نفاسة وعظم الرصيد المقاصدي لمفسري الغرب الإسلامي مقارنة مع نظيره عند مفسري العصر الحديث من ذوي الاهتمام الاجتماعي، حيث لم نسجل لهؤلاء سوى إضافات قليلة أغلبها مرتبط بالتعليل المقاصدي لأحكام وقضايا تمس جوانب لم تكن بارزة في واقع القدماء، وتحتاج إلى إعادة تجديد الفهم بخصوصها على ضوء مقاصد الشريعة…
وتزداد قيمة وأهمية الرصيد المقاصدي لمفسري الغرب الإسلامي مقارنة مع مفسري العصر الحديث من ذوي الاهتمام الاجتماعي بروزا ووضوحا، باستحضار تطور علم المقاصد مع المتأخرين، وبروز قضايا أسرية افتعلها أعداء الدين في واقع المسلمين، نتيجة سوء فهم عموم المسلمين لجوهر أحكام الشرع في هذا المجال، وممارستهم المجانبة لروح الشريعة بخصوصها، وعدم استحضار مقاصد الشريعة المنوطة بها… ما استدعى اهتماما خاصا بشأنها من لدن مفسري العصر الحديث، سيما من ذوي الاهتمام الاجتماعي منهم.
– فيما يخص الاقتراحات وآفاق البحث التي يفتحها موضوع هذه الأطروحة بناءا على الاستنتاجات السالفة الذكر، أجملها في:
• اقتراح إتمام الدراسة المقاصدية لباقي الأحكام والقضايا الأسرية التي لم يتطرق لها هذا البحث، لجرد وإغناء الرصيد المقاصدي بخصوصها.
• اقتراح تعميم الدراسة المقاصدية لأحكام الأسرة على مفسرين آخرين، بل حتى على غيرهم من الفقهاء والأصوليين والمقاصديين؛ بغية جمع أكبر وأنفع للرصيد المقاصدي لأحكام الأسرة.
• اقتراح البحث في التنزيل المقاصدي لأحكام الأسرة، وللاجتهادات المرتبطة بها في ضوء واقع المسلمين؛ لأهمية ذلك في السعي لملاءمة واقعنا الكلي لأمر الله الكلي.
• اقتراح البحث في السياق التاريخي والسياسي للأحكام والفتاوى “المجانبة لروح الشرع” المرتبطة بالأسرة وبمحورها المرأة، لأجل العثور على الحلقة الخفية التي تفسر لنا سر تحول الأحكام الخاصة بالأسرة وبالمرأة بوجه أخص، من التحرير والتنوير والمشاركة الفعالة في زمن الرسالة، إلى الحبس في البيوت وحصر دورها في الاستمتاع بها والإنجاب منها.
• اقتراح بحث جماعي لأجل نخل الأحكام الأسرية في تراث العلماء من مفسرين وفقهاء وأصوليين… من كل ما هو مخالف لجوهر الوحي، دخيل عليه.
• اقتراح استثمار الحصيلة المقاصدية المستخلصة من هذا البحث وغيره مما هو في مجاله، لاستخراج بعض القواعد الأصولية والمقاصدية المؤطرة للعلاقات الأسرية عموما، والزوجية خاصة، تكون بداية استقراء واستنباط تلك القواعد من أمهات المصادر المختصة بالموضوع.
• دعوة كل المهتمين بالمجال الاجتماعي عموما، وبالشأن الأسري خاصة، إلى استثمار الثروة المقاصدية الثمينة المستخلصة من تعليلات مفسري الغرب الإسلامي وغيرهم لأحكام الأسرة ومراعاته عند أي اجتهاد تشريعي أو قضائي أو اجتماعي بخصوص موضوع الأسرة، وعند صياغة قوانين بخصوص هذا الموضوع، تضمن إعطاء كل ذي حق حقه، وتسهم في إقامة العمران البشري، وتحقيق الاستخلاف في الأرض. أخيرا وليس آخرا، أحمد الله تعالى وهو للحمد أهل، أن وفقني لإنجاز هذا العمل على ما فيه من ضعف البشر، وقصر النظر. والشكر الجزيل ممدود موصول إلى أستاذي الجليل الدكتور عبد العالي المسؤول، الذي قبل الإشراف على هذا العمل، ولم يذخر وسعا للنصح لهذا البحث، ولم يأل جهدا في تقويمه، ولم يبخل علي بسديد الإرشادات ودقيق التوجيهات… كل ذلك بصبر جميل، وأدب جم رفيع… فله مني أسمى عبارات التقدير، وأصدق كلمات العرفان. والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل صدقة جارية له، تكتب في صحيفة قرباته وحسناته.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

الهوامش:

[1]- وهو في موضوع “التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند الطاهر بن عاشور من خلال تفسيره “التحرير والتنوير”، تحت إشراف الدكتور: محمد رفيع، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية -فاس- سايس، السنة الجامعية: 1428-1429/2007-2008م.

[2]- سوى ما أشرت إليه آنفا من بحثي السابق حول هذا الموضوع عند الطاهر بن عاشور. كما أن الدراسات المقاصدية السابقة التي وجدتها في موضوع الأسرة والمرأة اهتمت بالحديث عن مقاصد الشريعة في هذا المجال بشكل عام، ينظر مثلا: مقاصد الشريعة في أحكام الأسرة، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية، إعداد الطالبة: ميلودة الشم، إشراف الدكتور: محمد بلبشير الحسني، جامعة محمد الخامس -كلية الآداب والعلوم الإنسانية- الرباط، السنة الجامعية: 1414هـ/1993-1994م. العلاج الشرعي للخلافات الزوجية “كتاب من سلسلة: فقه الأسرة برؤية مقاصدية” لنور الدين أبو لحية، دار الكتاب الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، بدون تاريخ.

[3]- لتحديد مصنفات مفسري الغرب الإسلامي، اعتمدت على ما أوردته مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) تحت إشراف أمينها العام الشاهد البوشيخي، في إنجازها الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم، مضيفة إليها تفسير الإمام الشنقيطي من موريتانيا، باعتبار أن هذا الأخير هو جزء من بلاد الغرب الإسلامي وامتداد لها…

[4]- لم أعثر على أي دراسة لموضوع هذه الأطروحة عند أي مفسر من مفسري الغرب الإسلامي. وقد كان من توصيات الدراسة السابقة التي قمت بها حول هذا الموضوع -والتي كانت مقتصرة على الطاهر بن عاشور فقط- أن تشمل البحوث اللاحقة مفسرين أخرين.

[5]- اعتمدت جل التفاسير المنصوص عليها في الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم، والمنضوية تحت عنوان: تفاسير العصر الحديث، وتفاسير الاتجاه الاجتماعي.

[6]- ينظر تفصيل ذلك عند حديثي عن أنواع المقاصد.

[7]- وخير دليل على ذلك هي العصور التي عاش فيها أئمة المقاصد أمثال الجويني، والغزالي، والعز بن عبد السلام، والشاطبي، وابن عاشور وغيرهم…

[8]- إذ قال: “إنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذهِ الأمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، حديث رقم:4291، ج4/ص:109. قال عنه الألباني: صحيح

[9]- على يد ابن عطية وابن العربي كما سأبينه لاحقا.

[10]- مع القرطبي كما سأتحدث عنه لاحقا.

[11]- على يد أبي حيان كما سأفصله لاحقا.

[12]- ولاغرو في ذلك باعتبار الرجل الثاني المقعد لعلم المقاصد بعد الإمام الشاطبي.

تعليقان (2) على “التعليل المقاصدي لأحكام الأسرة عند مفسري الغرب الإسلامي، قضايا ونماذج”

  1. البحث على أهميته في ربط مقاصد التشريع بطابعها النظري بواقع التشريع بطابعه التكليفي أقصد أحكام التشريع وخاصة ما تعلق بالاسرة منها؛ يظهر لي أنّ عملية الاسقاط بقصد التطبيق العملي أو التعليل بقصد التأصيل الشرعي لا يخلوا من عقبات يعود بعضها لبعض المفاهيم العامة التي ثبتت في التشريع من جهة مقاصده النظرية كمفهوم العدل بين الزوجين من جهة و بين ما تضمنته النصوص الجزئية الصريحة من جهة أخرى؛ وهو ما يطرح إشكال مدى التوافق بينهما وايهما يجب ان يحكّم لتحقيق العدل بين الزوجين…
    وحتى الأمثلة التي ذكرها الشيخ طاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الاسلامية ظهر لي أنها أمثلة إنتقائية لا أكثر

شارك برأيك