كيف نحلّ إشكالية توحيد الفتوى في الجزائر ؟

الحقيقة أن إشكالية توحيد الفتوى في الجزائر وغيرها من الدول يُمكن معالجتها من ناحيتين على الأقل:

الناحية الأولى: وهي غاية في الأهمية؛ بداية يتعيّن على القائمين على أمر الفتوى من العلماء النحارير والفقهاء المُقتدرين وأهل الاختصاص الشرعي ضبط حدّ مصطلح (توحيد الفتوى أو الفتوى الموحدة)، وهذا يتطلب أيضا ضبط مدى توحيدها أو المجال المذهبي لتوحيدها؛ بمعنى توحيد أقوال المذهب الفقهي المفتى به في عموم دولة الجزائر وهو المذهب المالكي، مع الحرص الشّديد على تخليصه من الأقوال الشاذة التي لا يُفتى بها، والآراء المتروكة غير المعتمدة في المذهب، وهذا إن شاء الله تعالى يسيرٌ مقدورٌ عليه؛ خاصة مع وجود عديد الدراسات المؤصّلة والأبحاث المتخصصة التي جدّدت أبواب الفقه المالكي، وخلّصت مسائله ونصحتها من شّوّاذ الأقوال ومتروك الآراء.

في ذات السّياق؛ من المهم أيضا الإفادة من بقية آراء المذاهب الفقهية وأقوالها المعتبرة؛ لأن العبرة في الإفتاء قوّة الدليل ورجحانه حتى وإن كان العمل به خروج عن المذهب المالكي المفتى به؛ وهذا برأيي هو المنهج الصحيح الذي تنفتح فيه الفتوى الشرعية على بقية المذاهب الفقهية دون إقصاء عقلي وتأمّلي أو تهميش مزاجي وعصبي.

أعتقد أن المحافظة على المرجعية المذهبية المالكية لا يجب أن تكون عنوانا للجمود الفكري أو سببا لحجر الفكر، ومدعاة لعقله بعقال التقليد في مفهومه السلبي الذي ينسحب على العالم الفقيه والعامي المتفقه على حدٍّ سواء؛ فالتقليد مذهب العامي بالنسبة إلى من يُفتيه كما هو مقرّر في علم أصول الفقه الإسلامي، أما من له حظ وافر من النظر والاجتهاد والتمحيص وفقا للقواعد الأصولية المتعارف عليها عند الفقهاء والأصوليين؛ فلا جرم أنه معنيٌّ بتتبّع الدليل القويّ وإفادة المجتمع بفتاوى شرعية راجحة.

لكن .. علينا أن ننتبه إلى أن الفتوى أمرها خطير، ومن ثمّ فإنه يتعيّن لزاما في القائم بها أن يُحصّل آلات الإفتاء المشروطة في المفتي، ويستجمع شروط وخصال الإفتاء المرعية شرعا؛ حتى لا تبقى الفتوى مرتعا لكلّ رويبضة مُتطفّل، ومدعاة للخروج من مذهب إلى آخر قد يُوقع صاحبه في التلفيق المحظور شرعا: وهو الأخذ من الآراء الفقهية دون قيد أو ضابط على وجه التشهّي والتلهّي، والخروج برأي فقهيّ لم يقل به أحد من الفقهاء. إذًا إن مراجعة أهل العلم المقتدرين ضرورة وحتمية شرعية لا مناص منها.

الناحية الثانية: إن مشروع توحيد الفتوى في الجزائر وفي غيرها من الدول أيضا مرهونٌ نجاحه بوجود مرجعية مؤسساتية يلتقي فيها الفقهاء؛ تتلاقح من خلالها آراؤهم، وتتفاعل فهومهم، ويتبادلون وجهات النظر؛ ممّا يُسهم في استقرار الفتوى بعيدا عن شطحات الذّراري من المُتعالمين، وهفوات الصّغار من أشباه المفتين.

إن تحديد معالم المرجعية الدينية في شقّها المؤسّساتي التي ستضطلع بإصدار الفتوى والحرص على توحيدها، وإخبار الناس بالأحكام الشرعية فيما يعرض لهم من نوازل في شتى ميادين الحياة؛ يبقى إشكالا مطروحا كنت قد بحثت طرفا منه في دراسة موسومة بعنوان: “إشكالية المرجعية الدينية في الجزائر”. نشرتها على الإنترنت لمن يريد الإطلاع عليها.

هذا ويبقى نجاح المرجعية الدينية المؤسساتية رهن تجميع الكفاءات المؤهلة والإطارات المتخصصة من أبناء البلد الواحد في عديد المجالات العلمية والمعرفية، العارفين بحال الأمة والمُطلّعين على أعرافهم وعوائدهم؛ حتى تضمن موقعها في المرجعية وتؤدّي دروها الرسالي الشرعي على أكمل وجه وأحسنه.

في الأخير..من المهم تشجيع ظهور العلماء وبروزهم والتعريف بهم بدلا من انزوائهم بعيدا في محاريب المساجد وأفنية الزوايا، فأمتنا في حاجة إليهم أكثر من أي وقت مضى، والمرجعية الدينية المؤسّساتية تلعب هذا الدور بلا شك، كما يتحقق هذا المقصد من خلال وسائل الإعلام المختلفة كما أشرت إليه في مقال نشرته على شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات بعنوان: “تغييب العلماء وأهل الذكر العلمي” وهي مُتاحة للإطلاع.

هذا والله أدرى وأعلم.

آخره أنِ الحمد لله رب العالمين.

4 تعليقات على “كيف نحلّ إشكالية توحيد الفتوى في الجزائر ؟”

  1. السلام عليكم دكتور
    لدي سؤال واحد فقط لماذا إلى حد الآن لم ينصب مفتي الجمهورية في الجزائر؟ هل الجزائر تفتقر الى علماء أو فقهاء أو دعاة في المستوى الذي عليه علماء و فقهاء المشرق العربي ، أم أن المنظومة الدينية تعاني أزمة تخصص؟
    و شكرا

    1. وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته،،
      أعتقد جازما أن الجزائر التي أنجبت الونشريسي وعبد الكريم المغيلي والمقرّي وابن باديس..وغيرهم ممن هو على قيد الحياة، ليست عقيمة حتى لا تُنجب آخرين..
      حتى على مستوى التخصص لا أرى أنه لدينا أزمة تخصص، بالعكس الجامعات الإسلامية والمعاهد الدينية تُنتج نخبا متخصصة في العلوم الإسلامية بتخصصاتها المختلفة، مع تأكيدي أنها لا تنتج علماء بالمعنى الدقيق مقتدرين على الإفتاء على الوجه المأمول والمطلوب إلا قليلا وهذا إشكال حقيقي.. لكن لا يعني أنه ليس لدينا علماء يُدرّسون في هذه الجامعات والمعاهد..
      الطالب اليوم (مشروع عالم في المستقبل) ضحية البرامج التعليمية الضعيفة والمتقلبة بتقلب الوجوه التي تمثل الدوائر الرسمية، ضحية واقع مؤلم أدرك من خلاله أن العلم لوحده لا يكفي إن لم يُتوّج بالشهادة، وغالبا الشهادة لا تُجسّد له مشاريعه في تحسين أحواله الإجتماعية (خاصة العلوم الإسلامية تحديدا والعلوم الإنسانية عموما) مع اتجاه الدولة لتعزيز التخصصات العلمية والتقنية والتكنولوجية على حساب غيرها..
      اليوم تخصص العلوم الإسلامية كحقل علمي للتكوين الأكاديمي أرادوا له الذلة والهوان..لدينا علماء يُدرِّسون في الجامعات، ويحوزون إجازات في علوم الشريعة (الفقه، الحديث، الأصول، العقيدة، التفسير، التجويد…) لكن من يُشركهم رسميا (مع تأكيدي على كلمة رسميا) في نوازل الأمة ونوائبها ومصائبها ورزاياها وبلاياها..هذا مع دور الإعلام في تهميش العلماء والتقصير في إغفال ذكرهم إلا بعد موتهم..للأسف.
      بالنسبة لتعيين مفتي الجمهورية أعتقد جازما أن الظروف قد تهيّأت لتعيينه وتنصيبه قبل هذا الوقت، ومن ثمّ فإن التأخر أراه قرارا سياسيا..أخوف ما أخاف أن يكون منصب المفتي منصبا سياسيا لا يُفتي إلا بإيعاز..
      ثم إني أرجوا ألا تكون المرجعية الدينية سيف الحجاج الذي سيقطع أعناقا أينعت بالعلم، ذنبها الوحيد أنها تمقت تحجير العقول ودعوى التعصب، مع ما تملكه -ولله الحمد- من علم وافر يجعلها مقتدرة على الإفتاء بالراجح من أقوال المذاهب دون تقليد أو تلفيق.
      أقول إن المنظومة الدينية تُعاني أزمة تسييس (سياسوية). ومن ثمَّ لا يسعني إلا أن أقول: وَأَسَفَا على علمائنا من مسؤولينااااااااا..والله المستعان على ما تصفون

  2. شكرا على هذا القلم الرائع , ولكن منهم العلماء الذين تعنيهم , هل هم شييوخ الزوايا الذين جلهم من الصوفية الذين يمجدون القبور وزيارتها واقامة الموالد . ارجوا ان توضح استاذي الفاضل هؤلاء العلماء , لانه لدينا علماء ربانيين لايلتف اليهم امثال شيخنا الفاضل اطال الله في عمره الشيخ فركوس . في الاخير اطلب من استاذنا اعدة النظر في اطلاق اسم شيوخ الزوايا . شكرا

    1. بارك الله فيك شيخنا الفاضل على هذا التفاعل. للتوضيح لست أعني بشيوخ الزوايا من تربّى على التصوّف على نحوٍ أوقعه في البدعيات والشركيات التي دافعها شيخنا بن باديس رحمه الله وداوم على رجمها بسهام السنة الصحيحة التي أصابت المتصوّفة في مقتل. هذا أمر لا نختلف حوله البتّة
      عليه فإن شيوخ الزوايا إنما يصدق على من كان منهم سليم المعتقد والمنهج، حتى على فرض أن يكون أشعريا فهو معني لزاما أن يلزم مذهب الأشعري بعد رجوعه عن مذهب الإعتزال وإعلانه تبنّي مذهب أهل السنة والجماعة (مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة الأعلام)
      وعلى فرض أن يكون مالكيّ المذهب فلا بأس شريطة أن يتخلص من ربقة التعصب المقيت، ويفتح فكره أو عقله للدليل الشرعي الصحيح الذي يترجّح به قول من الأقوال حتى إن لم يكن قول مالك..
      مشكلتنا أخي أننا نحاول تجديد مذهب مالك في الفقه لكننا لا نحاول تخليص كتب المالكية من الآراء الشاذة في العقيدة..ولك أن تراجع شروح خليل ومتن ابن عاشر وغيرها..أين نحن من مقدمة الرسالة أو العقيدة القيروانية لابن أبي زيد القيرواني (مالك الصغير) أو عقيدة مالك الصغير وشبهها من الطحاوية والواسطية..
      أما الشيخ الفاضل فركوس وأقرانه فلا شك أن مسؤولينا مدعوون للإفادة من علمهم الزاخر والوافر، ولسنا ممن يُقلّل من شأنهم ويُنكر فضلهم ويتنصّل لهم..
      بارك الله فيك شيخنا وسلمك

شارك برأيك