الَّتنكيل الأخير لمَا وَرد في برنامج البحيرى من الأبَاطِيل

نقدُ المتقدّمين لصحيح البخارى

إنّ حرية الرأى وكلمة الحقّ هما من مزايَا الإسلام ، وحُقّ للإسلامِ أن يفتخِر بهما والنَّقد يجب أنْ يقوم على هذين الركنين : الحُريّة ، وكلمة الحقّ .

ومن يتعرّض لنقدِ صحيح البخارىّ عليه أنْ يعرف مفهوم الحريّة جيّدا ، وأن يلتزم كلمة الحقّ ، وأن يبيّن أنّ الأوّلين نظرُوا في صحيح البخارى نظرات فاحِصة ، وتتبّعوه بالنّقد ونعنى هنا تمييز الجيّد من الرَّدئ وليست الدّلالة الشّائعة بالتّخصيص ، فالإمام الدّار قطنى ت   385هـــ من أعلام نقّاد الحديث اختبر صَحيح البخارىّ حرفًا حرفًا بلا تقييد ولا محاباة وقد صرّح – دون أى تردّد وبصراحة تامّة ، ولكن بعدالة تامّة – أيضًا – بكلّ ما عَلِق بذهنهِ من شكُوك أو شبهات ، وجمعهَا كلّها في رسَالة وسمها بــ ” التّتبع ” وذكر فيها الأحَاديث الّتى رآها معلُولة اشتملَ عليها كِتاب البخارىّ ومسلم أو أحدهمَا ، سَواء كانت تِلك الشّبهات تَتعلّق بالأسَانيد والرّواة أو بالمتُون .

( وقد طبعت هذه الرسالة مع رسالة أخرى للدار قطنى سماها ” الإلتزامات :” كلاهما في مجلد واحد بتحقيق مقبل بن هادى الوادعى ، دار الخلفاء بالكويت )

وقد جَمع شُبهاته كلّها الحافظ ابن حَجر العسقلانى ت 973هـــ ونقلها في ” هدى السارى ” وتناولهَا بالرّد والبحث ، وخصّص فصلًا للبحثِ في الشّبهاتِ التى كَانت تتعلّق بالرّواة ، وفصلًا آخر للنّظر في الشّبهات التى كانت تتعلّق بالرّواة ، وفصلًا آخر للنظر في الشَّبهات التى كانَ أثارها الإمام الدار قطنى فانْجلت وتكشّفت ؛ لأنَّ بعضَها كان مبنيًّا على عدمِ الاطَّلاع وبعضهَا على التَّشدّد ، وبعضهَا بسببِ عدمِ الالتزامِ بالقواعدِ التى اختَارها المحدّثُون ، ومن يُطالع فتح البارى يَجِد في الفصلِ الثَّامِن في سِياق الأحَاديث التى انتقدهَا عليه حَافظ عصرهِ أبوالحسن الدَّار قطنىّ وغيره من النّقّاد وإيرادهَا حَديثًا حَديثًا علَى سيَاقِ الكتَاب وسِياق مَا حَضَر مِنَ الجَوابِ عن ذَلك ” ص 246 .

وفى الفصلِ التَاسِع ” في سِياقِ أسمَاءِ من طَعن فِيهِ من رِجَالِ هذا الكِتاب مرتبًا لهُم علَى حرُوفِ المُعجَم ، والجَواب عنِ الاعتراضَات مَوضعًا مَوضعًا إلخ ” .

وَقد اهتمّ بِهَا العلاّمة بدر الدين العينىّ ت 855هــت – أَيضًا- ومع أنّه لم يُخصصّ لها كِتابًا ولا عَقد لهَا فصلًا خاصًّا أو بابًا ولكنّه رفعهَا وأجَابَ عليهَا بأساليب جيَّدة في مَواضعهَا من صَحيح البخارىّ ، وهكذا فعل العلّامة شهاب الدين القسطلانى ت 923هــ  وغيره من شرّاح البخارىّ .

وبالطَّبع لا نَستطيع في هذهِ المقالاتِ أنْ نُحصى تلك الشّبهات التى عَرضهَا القدامى والرُّدود عليها ؛ لأنَّها طَويلة جدًّا ، بيد أنَّنا أردنَا أنْ نثبتْ أنّ النّقد والنّظرة الأخرَى على صَحِيحِ البخارىّ قَديمَة جدًّا ، لكن شَريطة الإلتزَام بالمنَاهجِ النّقديّةِ المعرُوفةِ ، والأخْلاق المُتوارثة .

ولا يَعنى ذَلك إلّا إعلاء قدر الإمام البخارىّ وصَحيحه الجَامع الذى أوْدَعه برتيبه البديع نكات كثيرة قد يَصعُب استنباطهَا كما قيلَ عنها في مقدمة فتح البارى إنّها : ” حَيَّرتِ الأفكارَ ، وأَدْهَشَتِ العُقُولَ والأَبصار ” ص 13وليس أدلّ على مكانةِ صحيح البخارىّ من جهودِ العلماءِ في شَرحهِ ودراستهِ وقد جمع جلّهم ” محمد عصام عرار الحسينى ” في سفره القيم : ” إتحاف القارى بمعرفةِ جهود وأعمال العلماء على صحيح البخارى” ، وهو يقع في حوالى 510صفحة ، وطبع سنة 1407هــ ، جمع فيه حوالى ثلاثمائة وسبعين ترجمة لعالمٍ أو حافظٍ أو محدّث أو مشارك قد اعتنوا بالصحيح الجامع للبخارى وسيلة أو غاية ، وخاصة من أصحاب الشروح والحواشى والتعليقات وغير ذلك ، وقد أفرد لكلِّ واحدٍ منها ترجمة مختصَرة يُشير فيها إلى : اسم الكتاب إنْ وُجِد ، ولمحة موجزة عن حياةِ صاحبِ الكتاب ، مع ذِكرِ بعض كتبهِ المشهورة ، واسم الكتاب وما يتعلَّق به ، مع بعض التعليقَات ، وبيان ما هو مطبوع ، ومكان وجود مخطوطاته إن أمكن .

وفى هذا المقام أوصَى المتخصِصين في الحديثِ وعلومِهِ بالتفقّه في اختياراتِ الأئمَّة النّقّاد ، وتَوجيهِ الهمّة إلى تحليلِ الأحكام النّقديّة ودراستها ، بدلًا من الاكتفاءِ بالقراءاتِ النّظريّة لكتبِ علومِ الحديث ، وإشغالِ الحركةِ العلميّة بالمماحكاتِ الّلفظيّة والفروق الفنيّة بينَ التَّعاريفِ ممَّا لا يثمر علمًا ولا معرفةً .

علم الحديث يناسب مكارم الأخلاق

كان البحيرى يذكر دائمًا أنّ منهجه أَخلاقىّ! ، ونقول له : علم الحديث يُناسب مكارم الأَخلاق

قال الإِمام النّووى – رحمه الله – علم الحديث شريف يُناسب مكارم الأَخلاق ومحاسن الشّيم

وهو من علوم الآخرة ومن حُرمَهُ حُرِم خيرًا عظيمًا ، ومن رُزِقَهُ نال فضلًا جزيلًا ، فعلى صاحبه تصحيح النّية وتطهير قلبه من أَغراضِ الدُّنيَا ” .

البحيرى يردّد كلام الشّاعر أحمد زكى أبوشادى

البحيرى يردد كلام الشاعر المصرى أحمد زكى أبوشادى ت 1955م ولكن بطريقة فجّة ، فبوْن شاسع بين أسلوب الطبيب الشاعر رائد” مدرسة أبولّو ” والبحيرى ، رغم الاتّفاق في الطعن في البخارى وكتب السنة .

فنجد أحمد زكى أبو شادى يقول في كتابه ” ثورة الإسلام ” ص 44 : ” هذه سنن ابن ماجه والبخارى وجميع كتب الحديث والسُّنة طافحة بأحاديث وأخبار لا يمكن أن يقبل صحتها العقل ، ولا نرضى نسبتها إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – ، أغلبها يدعو إلى السُّخريَّة بالإسلامِ والمسلمين والنبى الأعظم والعياذ بالله ” .

ولا يشك ذو عقل فيما في هذا الكلام من الجهل بقواعد المحدّثين ، يقولُ أحد المحدثين في العصر الحديث وهو الإمام المعلمى – رحمه الله – : ” إنَّ المحدثين راعوا العقل في أربعة مواطن : عند السماع ، وعند التحديث ، وعند الحكم على الرواة ، وعند الحكم على الأحاديث ” .

ونجد البحيرى في دعوته للاحتكام إلى العقل البشرى يأتى بمقتطفات من مراجع علمية ، ويقتصر على شطر الكلام الذى يؤيّد كلامه وأباطيلهُ كالذى يقتصرُ على قوله تعالى : ” ولا تقربوا الصَّلاة ” ولا يذكر باقى قوله ” وأنتُم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ” .

البحيرى يردد شبهات السابقين من المستشرقين

البحيرى يرّدد الكلام القديم فهذه الشبهات ليست وليدة أفكاره ، بل سرقها من كتابات بعض المستشرقين ونسبها إلى نفسه مع دعوى البحث والتحقيق لئلا ينتفر منها الناس ، ولا يثير عليه ثائرة الجمهور .

ونكرر أنّ من الأمور التى جعلت بعض علماء الحديث لا يلتفتون إلى هذه الترهات أن هذه الشبهات تتعلق بالبخارى وفى الحقيقة ليست لها أى علاقة بصحيح البخارى ، وبعضها ترديد لشبهات قديمةٍ باليةٍ قد أكل عليها الدهر وشرب ، وأُجيبت بأجوبةٍ مُفْحِمَةٍ ، ولكنها ما زالت تُرَدَّد من أبواقٍ جديدة بين حينٍ وآخر وتنشر عبر الإعلام المرئى بلغة أقرب للعامية   لبعث الشك والارتياب في قلوب عامة الناس .

وما بقى بعد هذا كله فهو أنموذجٌ نادرٌ من الجهل الفظيعِ بأصُول الحديث وقواعده ، والتُّراث الإسلامى وأدوات قراءته .

فسوف ترى إذا انكشف الغبار … أفرَس تحت رجلك أم حمار

الشبهات حول البخارى لن تتوقف بتوقف برنامج مع إسلام

لن يفرغ الكتّاب من تقديم شخصية الإمام البخارى وتكريم قصة مجده وتجسدها في صحيحه الجامع ولن يدركهم الإفلاس يومًا ؛ لأنّها شخصية تاريخيّة إنسانيّة عميقَة خالدة .

وما فرغت الإنسانية يومًا ولا أَفلست عقول أَبناءها أو قصرت جهودهم عن الغوص في أَعماق أَسرار الرّجال النابهين من المحدّثين أمثال البخارى لمعرفة آثارهم ، ودراستها والاستفادة منها .

وما أدرك الإنسانية التعب من السعى وراء الصحيح الجامع دراسة ونقدًا ، ولو رجعت إلى أى كشّاف أو رصد وراقى لمَا صنف حول البخارى وجامعه الصحيح لهالك ما تجد من مصنفات عبر العصور المختلفة إِلى يومنا هذا ، وعلى سبيل المثال لا الحصر كتاب : ” دليل مؤلفات الحديث الشريف المطبوعة القديمة والحديثة” لمحى الدين عطية ، وصلاح الدين حنفى ، ومحمد خير رمضان يوسف، ويقع في مجلدين ، أفرد في المجلد الأوّل بابًا بعنوان : الإمام البخارى ص 258 ، وذكر أكثر من مائة مؤلف مباشر حول البخارى من كتاب رقم 1067إلى رقم 1189.

وكذا المصنفات حول البخارى في باقى الأبواب كباب : مناقشات وردود ودفع مطاعن واعتراضات . “

صحيح البخارى لا توجد في أوله خطبة كسائر الكتب

من بين الشُّبهات أو الاعتراضَات التى وجّهتْ لصحيحِ البخارىّ وذكرها إسلام البحيرى عرضًا بل أخطأ في عَرضها خلال مناظرتهِ الشهيرة ،حينما ذكر أنّ لموطّأ الإمام مالك مُقدّمة ، وأنّ البخارىّ لا توجد في أوله خطبة كسائرِ الكتب .

بالطبع هناك عشرات الكتب لعلماء من المتقدّمين غُفْل دون مقدمات، ولا توجد فيها الخطبة المتبعة ، – أى الحمد والصلاة – ، ويبدو لى أنّه لم يكن من طريقتهم أن يَجعلوا الخطبة جزءًا من مؤلفاتِهم ، فإنْ وجد فكَان نادرًا ، ومن هذه الكتب” الكتاب ” لسيبويه ت 194 هـــ في العربية ، ويسمى قرآن النحو ، وكذا الكافية لابن الحاجب الإسنوى ت 646هـــ    ، ومن كتب الحديث موطّأ الإمام محمد وموطّأ الإمام مالك   ، وسنن أبى داود ، وسنن النّسائى ، وسنن التّرمذى ، ومسند أحمد بن حنبل ، وسنن الدّار قطنى ، وسنن الدارمى( عبدالله بن عبدالرحمن الدارمى ) ت 255هـــ ،   وهو تلميذ البخارىّ ، وعندما نُعى إليه أطرق رأسه مليًّا ثم أنشد هذا البيت :

إن عِشتَ تُفْجعُ بالأَحبَّةِ كلِّهم …. وبقاءُ نَفْسِك لا أبا لكَ أفجعُ

ومصنّف الإمام ابن أبى شيبة ، وفى أصُول الفقه” الرِّسالة ” للإمام الشافعى محمد بن إدريس ت 204هـــ ، وكذا كتاب الآثار للإمام أبى يوسف ، وكتاب الآثار للإمام محمد بن الحسن الشيبانى وغيرها كثير .

ولعلّ الإمام البخارىّ – رحمه الله – استعاض بالشئِ العَملىّ بدلاً من المُقدمة الكلاميَّة فقد ورَد أنَّه قال : ” ما وضعتُ في كتاب الصَّحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصليتُ ركعتين ” ( مقدمة فتح البارى )

وفى رواية أُخرى : أنَّه قال : صنفتُ كتابى الجامع في المسجد الحرام ، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى ، وصليتُ ركعتين وتيقنتُ صحتهُ ” ( مقدمة فتح البارى) .

فقد حوّل تراجم جامعه بين قبر الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومنبره وكان يصلّى لكلّ ترجمة ركعتين ، وكان – رحمه الله – يبيّض كتابه في المسجد النبوى بين الحجرة والمنبر ، وهو روضة من رياض الجنة أحيانًا ، وفى المسجد الحرام أحيانا .( مقدمة الفتح 489ص ).

فيا ليت شعرى أى طريقة للحمد والصلاة أحسن وأكمل من هذا الفعل ، خاصة وأن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختيارى نعمة كان أو غيرها ، وأىّ مجال للشكّ بعد أن يصرح المؤلف بوضوح بأنه اتّبع أمثل وأعلى طريقة ممكنة للحمد والصّلاة قبل كلّ حديث ، فمن أسوء مظاهر الفهم السقيم والعصبية الطائفية – وهو اتّهام الشيعة ولنا معنهم وقفة بإذن الله – أن يُفسر هذا الأمر المؤكد المعلوم بمجرد ” الاحتمال والتخمين ” .

 الغرض الأساسىّ من تأليف الجامعِ الصَّحيح

حينما يطعن البحيرى في البخارى وبعض الأحاديث التى وردت في الجامع الصحيح يتناسى الهدف الرئيس الذى ألف من أجله البخارى جامعه ، وكان البخارى يرمى إلى غرضين أساسيين في تأليفه للجامع الصحيح :

1-   انتخاب وجمع تلك الأحاديث التى اتفق على صحتها المحدّثون قبل الإمام البخارى ، أو المعاصرون له ؛ ولذلك سماه : ” الجامع الصحيح ( المسند ) من أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسننه وأيامه ” – كما ذكرتُ في الحلقة الأُولى من سلسلة هذه الردود العلميّة.

2-   استنباط المسائل الفقهية واستخراج النكات الحكيمة ، والتى يمكن أن يعبر عنها بـــــ : ” نتائج النظرة الدقيقة التى منحها الله للبخارى ” ، يذكرها في تراجم أبوابه بين حين وآخر ، ومراعاة لهذا الغرض – أى استخراج المسائل الفقهية – ما كان يبالى بتكرار المتن ، ولكنه مع ذلك كان يلتزم أن لا يتكرر المتن والإسناد معا من كل الوجوه ، بل التكرار في مضمون الحديث فقط ، وبكثرة الأسانيد وتعددها ترتفع الأحاديث من الآحاد إلى الشهرة أو التواتر المعنوى ، وهذا التكرار يزيده حُسنًا إلى حُسن .

شارك برأيك