الأسرة وسؤال القيم

تقديم:

يعتبر الحديث عن الأسرة حديثا عن مؤسسة ولدت مع ولادة الإنسان، واستمرت معه في مختلف مراحل وحقب التاريخ، خلاف لباقي مؤسسات المجتمع التي ارتبط وجودها بأسباب وعوامل كان السبب في بقائها أو زوالها، فقد وجدت الأسرة في مختلف المجتمعات رغم اختلاف دياناتها وتوجهاتها، حيث كانت وما زالت القاسم المشترك في جميع المجتمعات رغم التحولات التي طالت بنيتها ووظيفتها وشبكة علاقاتها.

وهي أهم بناء مجتمعي حضي بالاهتمام والتفصيل التشريعي خلافا لباقي مؤسسات المجتمع، بما في ذلك مؤسسة الدولة نفسها، وهي الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل، ويكتسب فيها قيمه وتوجهاته، وتتبلور فيها منظومة قيمه، وتكتمل فيها معالم شخصيته، وتزرع فيها بذور عقيدته، ف “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء” [1]

وهي الضامن لتوارث القيم والعادات والمبادئ بين الأجيال خاصة في أوقات تجفيف مصادرها بمحاصرة واستئصال مؤسسات بنائها والتنشئة عليها،كمؤسسات المسجد والمدرسة والإعلام، يؤكد ذلك تاريخ العديد من الدول ــ كجمهوريات السوفيات سابقا وتركيا … ــ التي حفظت قيمها ومعتقداتها ونقلتها لأبنائها الذين أعلنوا عنها مباشرة بعد زوال موانعها، بزوال الأنظمة المعادية لها، رغم التضييق والتجفيف الطويل الذي عفته قيم الإسلام ومبادئه وتعاليمه، بل ومظاهره ورموزه.

مؤسسة يصعب الإلمام بكل جوانبها في الحديث والدراسة، فهي قد تقارب في بنيتها ووظيفتها، كما قد تدرس من خلال شبكة علاقاتها، وبمقاربات ومناهج متباينة من حيث الأسس الفلسفية والمعرفية، فقد تقرب برؤية اجتماعية، أو قانونية أو تاريخية، أو تربوية…

أما القيم فهي معايير وضوابط توجه سلوك الفرد والمجتمع في علاقاتهما بمكونات الوجود كله، وهي نتاج فكري وسلوكي يتحول بدوره إلي ضوابط توجه السلوك والفكر..

هي عملية خاصة بالجنس البشري، إذ لا وجود له بدونها، فهما متلازمان كظهري الورقة النقدية، ومرتبطان ارتباط الروح بالجسد، وهي لحمة المجتمع ومؤسساته، الضامن لاستقراره واستمراره، ولنهضته أو انهياره، وصدق في ذلك أمير الشعراء لما قال:

                      إنما الأمم الأخلاق ما بقت       إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

والحديث عنها حديث عن جوهر الرسالة الإسلامية، وغايتها لقوله صلى الله عليه وسلم ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فهي الغاية والمقصد، وهي المنطلق والمبتغى.

فإلى أي حد ما زالت الأسرة تحظى بالاهتمام والرعاية العلمية؟ وتمارس وظيفتها ودورها في التنشئة على القيم في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية الجارية؟ وهل استطاعت التكيف مع المستجدات والتحولات والمحافظة على بنيتها ووظائفها وشبكة علاقاتها؟

[1] : اخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب القدر، رقم: 2658.

للاطلاع على الورقة البحثية

شارك برأيك