من الفكر النحوي … العمل والاختصاص

من ينظر اليوم في آليات إيصال قواعد الدرس النحوي العربي للدارسين لابد أن يصيبه قدر كبير من الإحباط من مستوى التقبل لدى هؤلاء لأهم علم امتاز به العرب من غيرهم وهو علم النحو حتى ليكاد الدارس اللامبالي أن يجر معه أستاذه في هذه اللامبالاة لأن التدريس أمر خطابي أو أشبه ما يكون به لابد من وجود المرسل والمستقبل ثم التفاعل بينهما لتحقيق النجاح وإلا بات كمن ينعق في البيداء .
لقد وجدت أن الأطر العامة والطرائق السقيمة لإيصال الأفكار النحوية إلى المتلقي لم تعد عاجزة حسب بل أصبحت ثقيلة تنوء بحملها أجيال المتعلمين وهو خلل واضح بين يصيب عماد لغة العرب .
غير أنه ومن واقع تجربتي مع النحو فقد ألفيت بصيص أمل يمكن أن نستثمره ونشيعه لتطوير المقبولية لدى دارس النحو وهو ربط النحو التطبيقي بقواعده الكلية العامة المسماة أصول النحو الذي هو بالنسبة للنحو كأصول الفقه بالنسبة للفقه كما يقول السيوطي في الاقتراح وذكر أن فائدته التعويل في إثبات الحكم على الحجة والتعليل فهذا الربط يشد انتباه دارس النحو بصورة كبيرة ليجعل من درسه درساً ماتعاً لذيذاً بعد أن أضحى ثقيلاً مملاً كما هو الحال اليوم لا ينكره منكر إلا على وجه الاستثناء .
ومعنى ذلك أن هذا الأمر به حاجة إلى إعادة النظر في المؤلفات النحوية إعادة جزئية ولا أقول جذرية لاسيما المناهج المقررة على طلبة أقسام اللغة العربية في جامعاتنا العربية ولا شك أن أكبر مثال على ذلك هو شرح ابن عقيل الكتاب المقرر على كثير من طلبة الدراسات اللغوية ويكمن الأمر في توزيع القواعد الأصولية في النحو على الموضوعات التي تنتظمها لتعطيها طراوة وترسخ القاعدة المعلوماتية عند دارس النحو وتثخن من مستوى المقبولية النحوية عنده بما فيها من أدلة وبراهين تنشط الذاكرة فتلفي الدارس يتذوق النحو ويرضاه بمتعة وانفتاح بعد أن كان الوجوم والسآمة يخيم على قاعة درس النحو .
لننظر مثلاً في أصل من أصول النحو وهو العمل والاختصاص فهذان موضوعان تجدهما مبثوثين في كتب النحو وفي أماكن متفرقة بين ثنايا الموضوعات النحوية وبإشارات خفية أحياناً ويدرسهما الطالب من غير أن يلم بهما على وجه التفصيل أولاً ومن غير أن يعلم مدى العلاقة الكامنة بينهما وكل ما يعلمه الدارس – وهذا مثال – أن الجر من خصائص الأسماء قال ابن مالك :
بالجر والتنوين والندا وال ومسند للاسم تمييز حصل
ثم يمضي الأمر هكذا إلى أن يصل إلى المجرورات والمتوقع أن يتوضح الأمر إلا أن الواقع غير ذلك فيكتفى بالقول ( هاك حروف الجر …. ) وهكذا فليس من المعلوم أن الجر مختص بالأسماء إلا ببيان شيء من أصول النحو وهو أن الاختصاص يصاحبه العمل والعمل لا بد له من أثر ظاهر أو مقدر وفقاً لنظرية العامل مع وجود بعض الخلاف في هذا الأثر هل هو للعامل من فعل أو نحوه أم هو للمتكلم .
لو سألت دارس نحو عن قولهم ( زيدٌ في الجامعةِ ) و( هل يدرسُ زيدٌ ) عن أي الحرفين هو مختص وأيهما غير مختص في الجملتين ؟ الإجابة في أحسن الأحوال أن الحرف في الجملة الأولى مختص والثانية لا ولو قيل لك وكيف علمت أنه مختص وهل من علامة تبين هذا الاختصاص لحار في إجابته ولربما أجاب بأن ( في ) حرف جر وهو جواب استظهره من المخزون المعلوماتي القديم لذاكرته .
والجواب عن ذلك أن العمل والاختصاص متلازمان فلكي يكون الحرف مختصاً لابد له من عمل والعمل يتبين بالأثر وبغير ذلك لا يعلم هل هو مختص أم لا فالعمل إذن دلالة على الاختصاص والحرفان ( في ) و( هل ) في الجملتين في أصل الوضع متساويان وحقهما عدم العمل إلا أن اختصاص ( في ) بدخوله على الأسماء فقط جعل من اللازم بيان هذا الاختصاص بالعمل وهو الجر ولولا ذلك لما علم بالاختصاص وعدم العلم بذلك يؤدي إلى الفوضى اللغوية لدى مستخدم اللغة لذلك تجد الفكر النحوي العربي قد أجاد في أنه قرن الاختصاص بالعمل وما هذا الجر الذي هو من خصائص الأسماء إلا دلالة على هذا الاختصاص لأن الأصل في العمل هو للأفعال حسب لكن هذه الحروف قد أعملت درءاً للفوضى اللغوية وآية ذلك أنك لو قلت ( خرجَ زيدٌ ) وأردت تعديته لقلت ( أخرجت زيداً ) فالعمل هنا للفعل لأن الهمزة حرف غير مختص لكنك لو عديته بالباء فقلت ( خرجت بزيدٍ ) فالعمل هنا لحرف الجر على الرغم من الجملتين من حيث المعنى واحدة وكان حق الجملة الثانية أن يكون المعدى بها ( زيداً ) أيضاً بالنصب إلا أنه لو كان كذلك لما علم اختصاص الباء بالأسماء فتحصل الفوضى اللغوية المتمثلة في عدم معرفة المختص من غير المختص .
هذا مثال من أمثلة كثيرة يمكن أن ندعم بها القواعد النحوية لتبعث شيئاً من الإقناع بل الارتياح لدى دارس النحو يدرك من خلالها أن النحو العربي قائم على أصول راسخة ثابتة وأن علم أصول النحو – لمن يفهمه ويتذوقه – يمكن أن يجاري الآن أعقد العلوم وهذا الأمر للأمانة ليس جديداً إنما الجديد محاولة تطبيقه بتطعيم مناهج النحو بالأصول النحوية لأنك لو تتبعت الشرح الثري للإمام للشاطبي على الألفية لوجدت شيئاً من ذلك كثيراً فتجد الشاطبي – ذا الخلفية الأصولية – يطعم المباحث النحوية بالقواعد الأصولية مما تعطيها رونقاً وتألقاً وتزيح عنها ثقلاً ومللاً يعاني منه طلبتنا في جامعاتنا العربية إلى حد الزهاد .

شارك برأيك