تهافت حوار الحضارات .. قراءة نقدية في مكوِّنات الذَّات العربية المُحَاوِرة

تعود علاقتنا بالموضوع إلى عام 1999 م، ذلك العام الذي شكّل الانزياح الأكبر في مسار الخطاب الحضاري العالمي الذي تأيد بسؤال جوهري تحكمه ثنائية معقدة تجسدت بالخلاصة الحضارية لما آل إليه وضع الإنسان في نهاية القرن العشرين ومضمون السؤال: عالم قادم بحوار وتجاور أم بصدام وقطيعة ؟
والسؤال مصحوب بهوس العولمة وبتهافت صيغها التي أربكت الإنسانية، حين ألقت بها في متاهات المتغير المعقد الخاضع للكوننة الأمريكية التي أفصحت عن نيتها في صياغة العالم صياغة جديدة تستجيب لرغبة الأمريكي الذي يبدو أنه صمم في نهاية القرن العشرين على امتلاك القيادة والسيادة، وعلى جعل المشترك الأمريكي الأوربي ثانويا في خطاب أمريكي لا يقبل الثنائيات ولا يتعامل معها إلا بمقدار ما يضمن من تفرد وتمايز يؤهله للسيطرة.
وفي الانزياح كان الخطاب الأمريكي الشرس الذي يمنّي الإنسانية بالخير المعولم، ويجتهد في الآن نفسه من أجل بلوغ الخاص، وفي الاجتهاد صراع هنتنجتون وصدامه، وفيه حلم فوكوياما بنهاية العالم وباستقراره في إطار التشكّل الأمريكي الذي لا يقبل البدائل الحضارية ولا يرضى بالإثنيات، وفي الاجتهاد دهاء الخطاب الحضاري الأمريكي وخبثه، ذلك الخطاب الذي ألقى بأوربا نفسها في أتون الصراع من جديد حين أوهمها بالمشترك الحضاري الخاضع لمنطق السيادة الذي سيحكم العالم في القرن الجديد، والذي سيعتمد – يقينا – على التهويل والتدويل.
وفي الانزياح أوربا التي تُظهر المشترك الخاضع في جوهره للمنطق الأمريكي، وتضمر – في الآن نفسه – الخاص الخاضعة لكينونة أوربية متعالية تتعرض للتلاشي، وفي المضمر سيئات دالة على أن أوربا مازالت تحن إلى زمن الأقطاب، وأن الزمن الكولونيالي لم يفارق مخيلتها، وأنها غير راضية عن العولمة الأمريكية التي تريدها رقما ثانويا، وبالمضمر راحت أوربا تعلن الصدام وتمعن في الخاص الذي يحفظ كينونتها من التلاشي…
ويمكننا أن نقرأ ذلك الخاص الأوربي الذي تكثف بخطاب الصدام الذي نركز فيه على ما بدا به عام 1999 م هذا العام الخاص العجيب الذي شكل الأساس لسؤال الوجود عند الأوربيين بصفة خاصة، هؤلاء الذين أدركوا أن القادم من الأزمان ليس سهلا، وأنه الزمان الذي لا يحمل بالضرورة الخير لأوربا، وأنه الانزياح الصعب الذي يحمل في طياته مخاطر الصدام… بكل ذلك كان خطاب الصدام الذي نشير إلى بعض بنياته التي حدثت في هذا العام 1999 م…
لقد خطب رئيس الوزراء البريطاني في حشد من طلبة جامعة ميونيخ قائلا: أيها الطلبة تذكروا جيدا أن الذي يخاطبكم الآن هو رئيس وزراء بريطانيا التي ستبقى بريطانيا العظمى، وفي العام نفسه يخطب الرئيس الفرنسي في بلدية ألمانية مجاورة لفرنسا قائلا: أيها الأعزاء إنني أخاطبكم بالحاضر المؤيد بالتاريخ الذي يجب ألا ننسى تفاصيله أبدا، وفي العام نفسه يصرح برلشكوني قائلا: إن الحضارة العربية الإسلامية لم تعمل يوما على نهضة العالم وعلى ازدهاره.
وفي العام نفسه تبدأ الوسائل السياسية والإعلامية والثقافية بتدشين الخطاب الأوربي الذي يعمل في سبيل الأنا الأوربية المسيحية المتعالية التي لا تقبل الآخر ولا تتجاور معه إلا بما يفيد بتجرده من الخاص الحضاري والخاص هنا شكلي ماثل في حجاب قد ترتديه طفلة بريئة في مدرسة، أوفي خمار قد تضرب به امرأة شريفة متعففة على جيبها…
ويتكثف الخطاب بعد عام 1999 م ليفصح عن الصدام الذي بحث فيه الأوربي أمريكي عن الطرف الآخر المحتمل في الصراع أو الضحية فكانت الحضارة العربية الإسلامية من جديد، وكانت التصريحات المزلزلة التي منها: الحرب المقدسة ضد الآخر… الآخر الجاهل الذي لم يشارك الإنسانية في بناء حضارتها… الآخر المتخلف… الآخر غير الديمقراطي… الآخر المكتنز بآبار البترول…
وفي الانزياح عربي استرسل في النوم، حين اكتفى بالهامش الذي ألجأه إلى العبث في كل شيء وبكل الوسائل، فالخطاب السياسي خطابات، والمرجع المعرفي أشتات، والديني سائد بالمختلف، والقوم أموات…
في ظل هذا العالمي والمحلي المربكين جاء موضوع الحوار الذي طُرِحت عناصره في وضع عالمي غير متكافئ، بنيته الثنائية التي يبدو فيها الحوار بإنسانين أحدهما: قوي يملك الأمر كله في موضوع الحوار، وآخر ضعيف لا يحضر في موائد الحوار إلا عليلا فاقدا لروح المبادرة.
وفي الانزياح – وبصيغ المفارقة الخاضعة لخلل حضاري أصاب الإنسانية – خطاب اعتمده بعض الحالمين الذين أدركوا خطورة المآل الذي ألقى بالعالم في متاهات الصراع، وفي الخطاب دعوة إلى الحوار، وفي الدعوة غموض وإرباك، وفيها الوداعة والرومانسية والأماني، وفيها المجاملة والنفاق، وفيها الخلل في الميزان، وفيها المضمر والمعلن، وفيها السادة في موائد الحوار وفيها العبيد، وفيها من يملك موضوع الحوار، وفيها المسكين الذي يغدو موضوعا في الحوار… هكذا حال الحوار إنه التـهافت.
وفي الانزياح – وبالحوار الخاص الخاضع للذات – نذكر أن سلوك العرب والمسلمين المؤيد بمرجعهم المذهبي والمعرفي المعاصر المعتمد على المختلف قد أفصح عن خلل في حوار الذات، هذا الحوار الذي عجز به أهله عن التعامل مع البنيات الإبستيمولوجية المعاصرة بالمشترك الذي يفضي إلى السلامة والتماسك، فكان الحوار الحلم، وكان التهافت المؤيد بذات مشتتة حائرة تائهة في عالم المراجع… بهذا يأتي موضوع الحوار الذي جعلناه في أربعة محاور أساسية :
المحور الأول : تهافت الحوار (بنيات الحوار، الر صد التاريخي، القرن العشرون والحوار الصعب، صور تهافت الحوار في العالم العربي، البحث عن الغائب، الأزهر وحوار غير متكافئ، الحوار العربي الأوربي، حوار الأقاليم وسيادة المختلف، حوار المدن، حوار الثقافة، الحوار وبنية الذات أوليات الحوار، الحوار بين العائق والحل )
المحور الثاني :في حوار الحضارات، أسئلة الحوار، بين الحضارة والحوار حديث في الماهية، شروط الإنسان المحاوِر، مستويات المرجع : حوار أم صدام، مسوغات الإيجاب والاتجاه نحو المستقبل .)
المحور الثالث : الحوار المأزق، شواهد الحوار، المأزق.
المحور الرابع : من الحوار إلى التحالف، التحالف هامش في السلوك العالمي، بين التحالف والحضارة، بين التحالف والعولمة، من حديث الحضارة إلى ماهية الإنسان .
الخاتمة : وفيها الممكن من النتائج .
والمحاور – بهذا الاختيار- دالة على التهافت الذي يحكم خطاب الأنا المحاورة في علاقتها بذاتها العليلة الخاضعة للتشتيت والضياع، وفي علاقتها بالآخر الذي يبدو بوجهين اثنين: أحدهما محاور وإن بصيغ المجاملة المذكورة، أما الوجه الآخر فهو الأخطر الخاضع لصيغ الصدام.
وبالمحاور نذكر أننا – حين حديثنا عن التهافت – لا نعني التقليل من شأن الحوار أو التحالف أو نرفضه، ومجنون من يدعي ذلك، فالعالم لا يمكنه أن يعاين الحياة إلا بقنوات اتصال معرفية وسلوكية تكون الحكم في المنجز الحضاري الخاضع لكينونة بشرية متماسكة الأفكار والرؤى، والحياة نفسها لا يمكنها أن تزدهر إلا بإنسان يؤمن بالتواصل مع أخيه الإنسان وإن حصل ذلك في ظل العام الذي يراعي الخاص الخاضع للعقيدي والإبستيمولوجي.
لكن الذي نؤمن به أن الحوار ليس تسلية أو سلوكا نوستالجيا يؤديه المخيال البشري في معزل عن السياق الحضاري العام الخاضع لمشكلات الواقع التي يحكمها سلوك إنساني عابث غدت فيه الماديات غايات، وأن الحوار ليس استجداء يؤديه الضعفاء بإلحاح في ظل غياب ميزان العدل في العالم، فبذلك جاءت الموضوعات التي حرصنا فيها على رصد المسار المعرفي والسلوكي المؤسسين للحوار، كما أكدنا فيها على مسوغات الخلل الحاصل في الخطاب العربي المنجز للحوار، وفي الموضوعات رصد لسمات الحوار الإيجابي الذي يمكن للعرب وللعالمين من حولهم أن يقبلوا عليه في إطار الوعي الحضاري الخاضع لتفاعل قيمي بين البشر جميعهم، فإنسانية الإنسان وآدميته لا تتحقق إلا بتفاعل وتواصل يؤول إلى الحوار .

اترك ردا