مؤتمر إدارة التراث التاريخي والتقليدي بالمدن العربية والأفريقية

نظمت بلدية تونس بالتعاون مع  مؤسسة  التراث والمدن التاريخية العربية والأمانة الإقليمية لمنظمة مدن التراث العالمي الخاصة بأفريقيا والشرق الأوسط  وبالتعاون مع البنك الأوروبي للاستثمار  والوكالة الفرنسية للتنمية وجمعية  صيانة مدينة تونس مؤتمراً  حول التراث  تحت عنوان  ” إدارة التراث التاريخي والتقليدي  بالمدن العربية والأفريقية  أي دور للجماعات المحلية والمجتمع المدني” خلال الفترة  4-5 يونيو 2015 في تونس.
شارك في المؤتمر رؤساء بلديات المدن التاريخية العربية وباحثون ومشرفون على إدارة تلك المدن إلى جانب ممثلين عن المؤسسات الدولية والإقليمية المعنية
هدف المؤتمر إلى تبادل الآراء بين أمناء البلديات والإدارات المحلية والخبراء من اجل التعريف بالتجارب الناجحة في ميدان صيانة وإحياء المجموعات التاريخية والتقليدية.
تضمن المؤتمر ستة محاور،  المحور الأول: الإدماج الاقتصادي والاجتماعي  للمدن التاريخية، المحور الثاني: مساهمة الجمعيات والمجتمع المدني في إدارة المدن التاريخية، المحور الثالث: الأدوات التشريعية والقانونية لإدارة المدن التاريخية، المحور الرابع: أدوات تمويل التراث، المحور الخامس: الإرث الثقافي زمن النزاعات والاعتداءات الإرهابية والمحور السادس الفوائد الاقتصادية المنجزة عن تهذيب المدن العتيقة.
في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر تم القاء عدة كلمات لوزيرة الثقافة والمحافظة على التراث في تونس لطيفة الأخضر، رئيس النيابة الخصوصية لبلدية تونس رئيس مجلس أمناء مؤسسة التراث والمدن التاريخية العربية سيف الله الأصرم وأمين عام  منظمة التراث العالمي  دوني ريكارد و مديرة الثقافة وبرنامج المحافظة على التراث بالمنظمة العربية  للتربية والثقافة  والعلوم (الالكسو) حياة القرمازي ومنظمة المدن العربية.
وقد ركزت الكلمات على أهمية الاهتمام بالتراث وحمايته وانتشاله من الإقصاء والتهميش وذلك عبر إعداد برامج للشباب وطلبة المدارس وبرامج لكبار السن في المدن لتنمية اهتمامهم والاستفادة من خبراتهم في التراث.
في كلمة الأمين العام لمنظمة المدن العربية عبد العزيز يوسف العدساني أكد اهتمام المنظمة بالمعالم الحضرية التاريخية والتراثية، كهدف من أهداف المنظمة وقال: أن احتضان مدينة تونس لمؤسسة التراث وتمكينها من أداء رسالتها في خدمة المدينة العربية والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية، إنما يترجم المجهودات الكبيرة التي سبقت ورافقت انعقاد هذا المؤتمر.. في وقت تواجه العمارة العربية الإسلامية تحديات كبرى، وتهب عليها رياح العولمة من كل صوب .. كما يتعرض التراث العربي الإسلامي للكثير من المخاطر والتدمير وفي مقدمها الإهمال .. وبالتالي كان من الطبيعي أن تعمل منظمة المدن العربية على تشجيع مدنها الأعضاء ومؤسساتها ودعمها بكل الإمكانات المتاحة من أجل الحفاظ على تراثها وهويتها ومكنوزاتها التاريخية.
وقال العدساني: نحن اليوم معنيون.. وبالتدخل المتعدد الأطراف.. لتعزيز مفهوم التراث والمعالم التاريخية في مدننا، وفي مدارسنا، في جامعاتنا، في مجتمعاتنا.
نحن معنيون بالنسيج العمراني والمحيط.. حماية وصيانة وإدارة. وإذا كان البند الحادي عشر في أجندة التنمية المستدامة لما بعد العام 2016 قد نص على إقامة: مدن شاملة وآمنة ومستدامة .. فإنه لا مناص من أن تصبح المدن والسلطات المحلية شريكا أساسيا في التمشي الرامي إلى تحديد متطلبات المرحبة الراهنة والتالية، وذلك من خلال إعداد استراتيجية تعيد إعمار ما أفرزته ثورات ما كان يسمى بالربيع العربي. فالشواهد واضحة في كثير من المواقع العربية والأفريقية.. ولا سبيل إلى ذكرها أو الحديث عنها.

تقديم المؤتمر

لا يزال موضوع إدارة التراث التاريخي و التقليدي محلّ اهتمام المدن التاريخية إذ بفضل تطوّر مفهوم التراث العمراني، أصبحت عمليات الصيانة لا تقتصر على الحفاظ على المعالم التاريخية القيّمة فقط بل تعدّت تلك المعالم لتعتني بالنسيج العمراني المحيط بها، و هو ما من شأنه تحقيق صيانة شاملة ورفع لمستوى العيش في المجموعات العمرانية التاريخية.
و لطالما كانت المدن التاريخية تعاني من الإهمال و التهميش ممّا جعل منها مراكز للفقر و الإقصاء بسبب تدهور الأوضاع بها. إلاّ أنّها أصبحت في الأعوام الأخيرة تحظى باهتمام جديد يهدف إلى حمايتها باعتبارها تراثا حيّا و متميّزا. و للتوفق إلى صيانة هذه المجموعات التاريخية، لا بدّ من اعتماد تمشّ متعدّد التدّخلات و قادر على التجاوب مع الواقع، يأخذ بعين الاعتبار المقتضيات التراثية و الاجتماعية و الاقتصادية. و هكذا فإنّه لا مناص من أن تصبح السلطات المحلية شريكا أساسيا في التمّشي الرامي إلى تحديد المعالم التراثية  و صيانتها و إدارتها. و ما اختيار موضوع ” التراث العالمي و التنمية المستدامة : دور المجموعات المحلّية ” كموضوع للاحتفال بالذكرى الأربعين لميثاق التراث العالمي إلاّ دليل على أهميّة هذه المقاربة في صيانة المدن التاريخية.
كيف يمكن إذن تحديد هذا الدور و ما هي آليات التدّخل على الميدان ؟
يعتبر هذا السؤال اليوم موضوع الساعة إذ مثّل المؤتمر الأوّل لمؤسسة التراث و المدن التاريخية العربية المنعقد بدمشق في جوان – حزيران 2008 فرصة لتقييم سياسات و استراتيجيات صيانة المدن العتيقة و دراسة إشكالية التوفيق بين متطلّبات التنمية و متطلّبات المحافظة على التراث و دعى في توصياته إلى التعمّق في هذه المسألة. كما تطرّقت فعاليات ملتقى ” المدن العتيقة 2030 ” الذي انعقد بمدينة مرسيليا بفرنسا من 8 إلى 9 أكتوبر 2011 إلى إشكاليات التهذيب بالمدن التاريخية. كما تعتبر دراسة هذا الموضوع و تبادل الخبرات بخصوصه من الأهداف التي تصبو إليها مذّكرة التّفاهم المبرمة بين منظمة المدن العربية و الجمعية العالمية لرؤساء البلديات الناطقين بالفرنسية و التي تدعو إلى تشريك أكثر فاعلية للسلطات المحلية في منظومة أخذ القرارات الخاصّة بالتراث الثقافي.

و تجدر الإشارة إلى تميّز المجهودات المبذولة خلال السنوات الأخيرة في عمليات التهذيب العمراني داخل العديد من المدن التاريخية، بالرغبة في إرساء توازن فعلي بين القيم الثقافية و التراثية و بين الاعتبارات الاجتماعية و الاقتصادية و ذلك بهدف تحقيق التنمية المستدامة. ويتطلّب هذا التمّشي اعتمادات استراتيجية معقدة للتدّخل، تتّم في إطارها إدارة المراكز التاريخية مع احترام تعدّد أبعادها و انصهار مكوّناتها المعمارية و العمرانية و البيئية من جهة، و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية من جهة أخرى. و مع ذلك ظلّت هذه المجهودات دون الحاجيات الفعلية التي تتطلّبها المراكز التاريخية في مجال التهذيب و الصيانة. وحتّى يتمّ التوّفق إلى تنفيذ سياسات وطنية ناجعة في مجال التدّخل في المدن التاريخية تكون في مستوى التحديات المطروحة، لا بدّ من وضع آليات ناجعة للتدّخل و لإطار قانوني ملائم و مؤسسات محلية فاعلة علاوة على تقدير الموازنات العمومية التي تتماشى مع هذه الإجراءات. و من البديهي أنّه لا سبيل لخلق ديناميكية للتهذيب و لإحياء المدن التاريخية إلاّ بتظافر جهود الدولة و الجماعات المحلية و القطاع الخاص  و المتساكنين أنفسهم. كلّ هذا يتطلّب إحكام التنسيق بين مختلف الإدارات المعنيّة بالتراث و إقامة شراكة فاعلة بين المؤسسات العمومية و ضمان مشاركة حقيقية للجمعيات الناشطة في هذا المجال حتّى تتمكّن من مساندة البلديات و من المساهمة في إنجاز المشاريع.
و من جهة أخرى كيف يمكن للسياحة الثقافية أن تساهم في رفع التحديات التي تواجه مسألة صيانة المدن التاريخية و الناتجة عن تسارع نسق التنمية فيها.
كيف يمكن إذن أن يضطلع التراث بدوره كمحرّك للاقتصاد ؟ وما هو الدور الذي يمكّن لمختلف المتدّخلين المنتمين إلى المجتمع المدني و إلى النوّاب المحلييّن و الوطنيين أن يقوموا به في مجال وضع و تنفيذ استراتيجيات الصيانة و الحماية ؟
هذا، و نظرا لاهتمام المستثمرين المتزايد بالمدن التاريخية، و تصاعد نسق التمويلات المرصودة و تنامي علاقات الشراكة بين القطاعين العام و الخاص في مجالات التهذيب و الإحياء، و للمجهودات المبذولة لإيجاد حلول ناجعة للمشاكل المطروحة في بعض المدن التاريخية والمتعلّقة بالآليات و التمويلات اللاّزمة للصيانة، وقد كان الملتقى فرصة سانحة للتباحث بشأن المواضيع المقترحة و أهميّة وضع استراتيجيات صيانة من شأنها أن تقدّم الإجابات الملائمة للتساؤلات التالية:

أ – على المستوى التشريعي و المؤسساتي :
-إلى أيّ مدى يمكن اعتبار الآليات القانونية و الترتيبية الموجودة حاليا ملائمة لعمليات الصيانة و الإحياء ؟
-ما هي طريقة عمل آليات التصرّف في المدن التاريخية ؟ هل هي ناجعة ؟ هل يمكن إصلاحها
ب – على مستوى آليات التدّخل في المدن التاريخية :
-كيف يمكن استنباط المكوّنات الرئيسية لاستراتيجيات تدّخل بغرض تنمية مستدامة بالأنسجة العتيقة؟ و أيّ دور للجماعات المحلية في ذلك ؟ كيف يمكن تمتين مقدرتها و شرعيتها للتدّخل مباشرة لحماية و إدارة  و إحياء التراث الثقافي في محيطها ؟ و أيّ تكوين منشود لإطاراتها و أعوانها في هذا الميدان ؟
-هل يمكن لآليات مقترحة في مدينة ما أن تكون صالحة لمدن أخرى و ما مدى إمكانية تعميم الحلول و الآليات على المدن التاريخية؟
ج – بخصوص تعبئة الموارد :
-كيف يمكن تعبئة الموارد العامّة لتمويل تهذيب السكن و إحياء المعالم التاريخية و تنمية الاقتصاد بالمدن التاريخية ؟
-كيف يمكن إدراج حوافز مالية ضمن المنظومات القانونية الرامية إلى حماية التراث و التي تمثّل سدّا منيعا ضدّ مختلف أوجه أشكال المضاربات العقارية ؟
-كيف يمكن تشجيع راعيي الثقافة و الفنون على الاهتمام بميدان صيانة التراث ؟
-ما هي التمويلات الخارجية الممكنة عبر قنوات التعاون ؟

المصدر

شارك برأيك