الحق أحق أن يقال … أمة اقرأ… لا تقرأ !

الكاتب: د. معراج الدين الندوي رئيس التحرير لمجلة التلميذ (كشمير)، الدوحة بدولة قطر البريد الالكتروني: [email protected]

الحمد لله الذي عَلَّم بالقلم ، عَلّم الإنسان ما لم يَعلَم سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا رب العالمين. والصلاة والسلام على من بَعَثَه ربُّـه هادِيا ومُعلِّما ونذيرًا وعلى آلـه وأصحابه الذين كانوا مَشاعِل هُدى ونُجوم ضياء .
أما بعد: فتعتبـر القراءة في حياة الإنسان أهم أداة للحصول على المعارف المتنوعة واكتشاف خزائن العلم والمعرفة والثقافة ،وكانت الأمة المسلمة في ذروة المجد و أرقى منازلها أيام كانت القراءة مصدرا رئيسيا من مصادررقيّها،ولايختلف فيه اثنان بأن الأمة المسلمة أمة العلم والقراءة كما وصفت به هذه الأمة هي “أمة اقرأ ” وفي العصر الراهن الذي نعيش فيه هو عصر العلوم والتكنولوجي وانتشار نظم الاتصالات والاستعمال المتزايد للحاسوب والتوسع في استخدام شبكة الانترنت، هذه كلها من العلوم التي جعلت العالم كله قرية صغيرة بلا حدود ،وثبت لكل ذي لب أن أهمية التعليم هي حقيقة مسلمة بلا نزاع و لم تعد اليوم محل جدل في أي منطقة من العالم،وأثبتت أهميته ومكانته بما لا يدع مجالا للشك أن أداة التقدم الحقيقية؛ بل والوحيدة هي التعليم .وكما قال قائل من أهل العلم والمعرفة من دولة قطرالمحبة:انّ المعلومات تتجدد يوميا فإن معلومات المسلم المعاصر بالقراءة والمطالعة والبحث العلمي لا تشيخ بل ستبقى شابا،وحينما يتخلى عن المعرفة و كسب العلوم سيجد نفسه يوما ما على شاطئ الحياة لأنه صار غير صالح لمواكبتها.
لكن الواقع الحالي أن عالمنا الإسلامي دخل القرن الحادي والعشرين وهو مثقل بعبء % 70 مليون أمّيٍّ،معظمهم من النساء . و نرى أن عددا كبيـرا من الشباب المسلمين لا يقرأ ،وإذا قرأ فإما أن يكون ذلك للإمتحان أو الحصول على الوظيفة الحكومية أو غيـر الحكومية،وقليلاما نجدمن يقرأ من أجل العلم والتعلم و نفع الأمة المسلمة . ولقد جاء كثيـر من النصوص الثابتة من الكتاب والسنة متتابعة ومستفيضة في الدلالة على أهمية طلب العلوم الدينية و الدنيوية اذا كانت تعود على الأمة بالنفع والقوة والتمكين للدين ورفعته. وليست دراسة العلوم الدنيوية منافية للتفقه في الدين، والإسلام يدعو إلى الوسطية والاعتدال، فلا تتـرك العلوم الدنيوية بالانشغال في الدين، ولا تتـرك العلوم الشرعية بالانهماك في الدنيا، وكان في دعاء حبيبنا ومرشدنا و قائدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى هذه الوسطية يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي… (رواه مسلم)
ولقد تتابعت كلمة أهل العلم في بيان اهمية ومنزلة العلوم الدنيوية في الاسلام فهاك بعض هذه الأقوال :-كان الامام الشافعي رحمه الله يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب،وهو يقول: ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى . وقال أيضاً: لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه.
قال الغزالي رحمه الله ” اعلم أن الفرض لا يتميـز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم ، والعلوم بالإضافة إلى الغرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغيـر شرعية ، وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب ، ولا التجربة مثل الطب ، ولا السماع مثل اللغة .فالعلوم التي ليست بشرعية : تنقسم إلى ما هو محمود ، وإلى ما هو مذموم ، وإلى ما هو مباح ؛ فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب . وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية ، وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة ؛ أما فرض الكفاية فهو علمٌ لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا ، كالطب ؛ إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان . وكالحساب ؛ فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما . وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين.فلا يُتعجب من قولنا : إن الطب والحساب من فروض الكفايات ؛ فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات ، كالفلاحة والحياكة والسياسة ، بل الحجامة والخياطة ؛ فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم ، وحَرِجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك.” (1)
ولنعد قليلا إلى الإحصائيات التي توصلت إلى المقارنة بين نسبة القراءة والمطالعة في العالمين الغربي والإسلامي.فتدل المعلومات الناشرة على أن %39 من الأمريكيين يقرؤون، وأن 89%” من الأمريكيين يدفعون أولادهم للقراءة .(2) وفي روسيا: بلغ عددُ الكتب الصادرة عام 2003 م (80290) كتابًا، طُبع منها (720) مليون نسخة، وأنَّ هناك روسيًّا يقرأ من بين 3، وأنَّ عددَ القراء الروس يبلغ 33%. (3) وفي فرنسا تذكُر إحصائية حول إحدى المكتبات العامة في باريس أنَّ عدد المتردِّدين عليها يوميًّا يصل إلى ثلاثة عشر ألف شخص، أي: ما يعادل أربعةَ ملايين قارئ في السنة. (4) وفي بريطانيا: يعتمد البريطانيُّون – كقراء – على الصُّحف، فالصحيفة اليومية توزع 15 مليون نسخة، وفي يوم الأحد يرتفع هذا الرقم إلى 18 مليون نسخة. (5)
وكشف تقرير أن الإسرائيليين من بين أكبر عشر دول في حجم النشر والترجمة في العالم حيث باعت دولة الكيان الصهيوني سنة 1997م ما قيمة 13 مليون كتاب أي بمعدّل ثلاثة كتب في العام للشخص الواحد،ومائة كتاب جديد لكل مليون نسمة،وأن الإصدارات السنوية لكثير من دور النشر الإسرائيلية تزيد عن 150 عنوانا،وأن الكتب الجادة في إسرائيل تصدر فيباع منها بسهولة عشرون ألفا أو يزيد من النسخ.
وإذا القينا نظرة خاطفة على حالة الدراسة و القراءة في العالم الإسلامي نجده من حيث القراءة والدراسة و إصدار الكتب جامدا ساكتا و حزينا فقيـرا .وجاء في بعض التقارير الرسمية من قبل الدول المسلمة بأن أي جديد يصدر لا يتجاوز جميع الأرقام منه أكثـر ألف أو ألفين نسخة في الحد الأقصى،وهذا يعنى أن كتابا واحدا لكل 32 ألف شخص في العالم الإسلامي .وهنا نقدم إلى القراء الأحباء جدول الإحصاء كي يتسنى لهم الفهم بحالة الأمة المسلمة في مجال العلم والدراسة في أنحاء العالم كله.
جدول الإحصاء حول الشعوب الذين بلغوا سن العمل دون الحصول على مؤهلات:


يقول الشاعر زاهر بن عواض الألمعي:
أمتي يا ذروة المجد الذي     شع نورا في دياجي الظلم
أمتي كنت و مازلت لنا     قوة نسمو بها في القيم
أمتي حبك تغريد فمي       وجذا قلبي وعزمي ودمي
أمتي دمت منارا مشرقا     من سناة الفذ أبني قيمي
سوف أبقى في وفائي مافيا   واثق الخطو كريم الشيم
مشرئب العزم ثبتا باذلا    لك نفسي ونفيسي فاسلمي
أمتي والناس ضلو وشقو   في الدنى في تيهها المحترم

الهوامش:

[1] الإمام الغزالي ، إحياء علوم الدين” (1/16)

[2] محمود قاسم، الناس والقراءة،مجلة الهلال، عدد أغسطس عام 1992 م، ص 168

[3] سعد القرش، أزمة قراءة أم أزمة كتاب؟ تحقيق، مجلة الشاهد، العدد 235، ص 53

[4] محمود قاسم، مصدر سابق، ص 166

[5] المصدر السابق

شارك برأيك