قضايا في علم الكلام

سعيد البوسكلاوي
جامعة زايد، أبو ظبي/جامعة محمّد الأوّل، وجدة

صدر كتاب جماعيّ بعنوان قضايا في علم الكلام، وهو الكتاب الأوّل في سلسلة أعمال الندوات والأيام الدراسيّة التي نظّمها فريق البحث في الفلسفة الإسلاميّة برحاب كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة محمّد الأوّل بوجدة/المغرب، بين عامي 2012-2015. يتكوّن الكتاب من مائتين وسبع صفحات ويضمّ تسع دراسات تتناول قضايا كلاميّة متنوّعة. وفيما يلي تقديم الكتاب:
يتناول هذا الكتاب قضايا ذات أهميّة بالغة في التاريخ الكلاميّ الإسلاميّ من قبيل قضايا الكلام والإرادة والفعل وحدوث العالم وعلاقة الصفات بالذات والجدل وغيرها. ولا تخفى أهمّية الخوض في علم الكلام عموما، بوصفه مبحثا أساسيّا من مباحث الفلسفة الإسلاميّة التي تشكّل بدورها جزءا مهمّا من التراث الفكريّ والحضاريّ الإسلاميّ؛ فقد أثار المتكلّمون، بالفعل، قضايا فلسفيّة وثيولوجيّة وعلميّة جمّة، صنّفوا فيها التآليف الغزيرة وعمّقوا فيها النظر وشيّدوا المذاهب والعقائد، بخلفيّات عقديّة وفلسفيّة متباينة، بعضها ما زال يحكم نظرنا إلى الوجود والذات الإلهيّة والإنسان والعالم إلى يومنا هذا. لكن هذه الانتاجات الكلاميّة لم تحظ بما تستحقّه من الدرس. لذلك رمنا، من خلال هذا العمل الجماعي، أن نساهم في هذا الإطار بالكشف عن جوانب غير مدروسة من التراث الكلاميّ حينا، أو بتسليط الضوء على قضايا تحتاج إلى مزيد بحث ونظر أحيانا أخرى. وكلّنا أمل في أن نساهم، بشكل أو بآخر، في فتح سبل التواصل والنقاش العلميّ بين الباحثين المتخصّصين في الدراسات الإسلاميّة، الأصوليّة والفلسفيّة معا، في قضايا شتّى من تراثنا العقديّ والفلسفيّ وغيره. كما نرنو أن يكون هذا الكتاب لبنة تضاف إلى مسار الدراسات التي تناولت جوانب من هذا التراث الإسلاميّ، غربا وشرقا بمختلف اللغات، قد تكون دافعا لتناول أعمق لهذه القضايا نفسها أو غيرها في المستقبل من قبل المؤلّفين أنفسهم أو غيرهم من الباحثين، وخاصّة الشباب منهم.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب يضمّ أعمال اليوم الدراسيّ الذي نظّمه فريق البحث في الفلسفة الإسلاميّة في موضوع قضايا في علم الكلام يوم الأربعاء 25 أبريل 2012 بقاعة نداء السلام بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة محمّد الأوّل بوجدة. وهذا اليوم الدراسيّ يجد منطلقه الأوّل في جانب من مشروع البحث الذي يشتغل عليه أعضاء فريق البحث في الفلسفة الإسلاميّة، بالإضافة إلى مساهمة ثلّة من الأساتذة الباحثين من مشارب مختلفة، جلّهم أعضاء في هيئة التدريس بشعبتي الدراسات الإسلاميّة والفلسفة وغيرهما، يجمعهم الانشغال بهمّ النصّ الإسلاميّ الفلسفيّ والكلاميّ. وقد كان من المفروض أن تُلقى المداخلات التي قدّمت في هذا اللقاء العلميّ في شكل محاضرات فرديّة، في إطار سلسلة المحاضرات الشهريّة التي ينظّمها الفريق؛ غير أنّنا ارتأينا جمعها، مادامت تصبّ جميعها في علم الكلام، في يوم دراسيّ واحد حتّى تعمّ الفائدة؛ وهو النشاط الذي يسعدنا أن نقدّم ثمرته اليوم في هذا العمل.
ولعلّ ما يضفي أهمّية إضافيّة على هذا العمل كونه يدرس أبرز مسائل علم الكلام من قبيل مسألة حدوث العالم، ومسألة الصفات الإلهيّة، مسألة الفعل الإلهيّ، مسألة الإرادة الإلهيّة، ومسألة الكلام، وغير ذلك. وإلى جانب تنوّع القضايا المدروسة، لابدّ من الإشارة إلى اختلاف وجهات نظر وطرائق المساهمين في هذا العمل تبعا لاختلاف منطلقاتهم وتكويناتهم واختياراتهم، وهو ما يمنح لهذا العمل طرافة وغنى قد لا يجتمعان في عمل فرديّ.
وهكذا، فقد وقف توفيق فائزي، في الفصل الأوّل، عند “قضية الكلام وفلسفة اللغة”؛ فأثار في خضم ذلك مسألة تجديد علم الكلام، إذ جعل مدار قوله حول السؤال التالي: كيف يمكن أن نجدّد علم الكلام القديم؟ وقد دافع عن فكرة أنّ هذا التجديد لن يكون ببعث النزاع العقديّ، بل بمراجعة مفاهيم علم الكلام وأحكامه واستدلالاته المتعلّقة بالقضايا التي جعلها محلّ نظره، في ضوء النظر الفلسفيّ الحديث. وقد مثّل لكيفية ذلك بقضية الكلام وحاول أن يجعل الحوار قائما بين ما انتهى إليه المتكلّمون من الآراء في تلك القضيّة، وبين ما انتهى إليه نظر فلسفة اللغة الحديثة.
وفي الفصل الثاني نظر صديق زريوحي في مسألة “الأنطولوجيا وضرورة الجدلعند ابن رشد”، وتساءل عن المنزلة التي احتلّها القول الجدلي ّفي الخطاب الفلسفيّ والرشديّ بالخصوص؛ وقبل ذلك تساءل عن مفهوم الجدل، وعن أصوله التاريخيّة، وكذلك عن أهميّته ومكانته سواء في العلم أو الفلسفة. وانتهى إلى أنّ الفيلسوف والجدليّ يشتركان في الفحص، وأنّ الجدل جزء لا يتجزّأ من الفلسفة، لكن دون أن يعني هذا أنّ الجدل والفلسفة يتطابقان أو أن أحدهما يفضل الآخر؛ وذلك اعتمادا على مفهوم الاختلاف بالجهة عند ابن رشد: فاشتراك الجدل والفلسفة في النظر إلى موضوع واحد لا يخفي اختلافهما في جهة نظر كلّ واحد منهما إلى هذا الموضوع المشترك، لذلك يستبعد ابن رشد أن يكون الجدل والفلسفة متطابقين. إنّ هدف الفلسفة معرفيّ، في حين أنّ الجدل هو أداة كلّية للفحص وإثارة الأسئلة.
وفي الفصل الثالث، درس سعيد البوسكلاوي قضيّة “الإرادة الإلهيّة بين الحدوث والقدم في الفلسفة الإلهيّة”، رام فيها رصد أهمّ معالم السجال الكلاميّ والفلسفيّ بين أهمّ الفرق الإسلاميّة في إشكاليّة حدوث الإرادة الإلهيّة أو قدمها؛ وقد وضع نصب عينيه الكشف عن الأدلّة التي قدّمها سواء القائلون بقدم الإرادة الإلهيّة من أشاعرة وفلاسفة، علاوة على أصحاب الحديث وغيرهم، أو القائلون بحدوثها من معتزلة البصرة والكرّاميّة والإماميّة وغيرها؛ وقدّم مقارنات مفيدة بين مختلف المواقف، محاولا إبراز الخلفيّات التاريخيّة والفلسفيّة والعقديّة التي حكمت تصوّر كلّ فريق لطبيعة الإرادة الإلهيّة.
وغير بعيد عن هذا الموضوع، تناول محمد كنفودي، في الفصل الرابع، سؤال “الإرادة وأثرها في الفعل عند ابن تيميّة”؛ فحاول رصد تصوّر ابن تيمية لموضوع علاقة الإرادة بالفعل في صورتيهما الإلهيّة والإنسانيّة، منطلقا في ذلك من مجموعة من النصوص الشرعيّة من جهة، ومبرزا تفاعل ابن تيميّة مع التصوّرات الكلاميّة أخذا وردّا من جهة أخرى. وقد جعل غايته في ذلك محاولة الجواب عن السؤال التالي: هل قلّد ابن تيميّة ما هو موجود في المذهبيّات الكلاميّة، أم اجتهد في بناء نسق فكريّ خاصّ به، متوافق مع المعقولات الصريحة التي ينطلق منها، والنصوص الشرعيّة الصحيحة حسب اعتباراته.
أمّا في الفصل الخامس، فقد كشف محمد الصادقي عن معالم “نقد فخر الدين الرازي لإلهيّات ابن سينا، علاقة الذات بالصفات نموذجا”؛ إذ أعاد طرح سؤال علاقة الصفات بالذات الإلهيّة وما يتفرّع عن ذلك من أسئلة فرعيّة كثيرة، كما عرض موقف الفخر الرازي مركّزا على حواره الفلسفيّ والكلاميّ مع ابن سينا، ساعيا إلى الكشف عن مدى توفّق الأوّل في مواجهة التحدّيات النظريّة التي وضعها الثاني أمام مثبتي الصفات، باستدلالاته القويّة على موقف إنكار أن تكون الصفات زائدة على الذات. وإذا كان موقف ابن سينا يتقدّم بوصفه إشراكا للمعقول الفلسفيّ طلبا للحقّ، وسعيا لحلّ الإشكالات الفلسفيّة والكلاميّة العويصة، فإنّ الرازي عمل، على النحو نفسه، على توظيف هذا المشترك العقليّ لتعزيز المذهب الأشعريّ حول الصفات، وتقرير موقف الأصحاب في إثبات الصفات زائدة على الذات.
ومن جهته رصد محمد بنيعيش، في الفصل السادس، مختلف “الصور البرهانيّة لدليل الحدوث عند المتكلّمين”؛ وجعل بحثه في مطلبين “المذهبيّة والبرهانيّة في مناهج الأدلّة الكلاميّة”؛ والثاني، “دليل الحدوث والتصوّر العقليّ للنهاية الكونيّة”. وقد مهّد لذلك بقول مفيد حول التصوّرات واقترانها بالتصديقات، وفصّل فيالطرق الرسميّة والمناهج التدعيميّة في الاستدلال عند المتكلّمين، مركّزا على دليل الأعراض ونهاية الموجودات دليلا على حدوثها وافتقارها إلى محدث، وما يرتبط بذلك من أدلّة فرعيّة من قبيل دليل الحصر الذاتيّ والعدديّ للموجودات ودليل قبول الزيادة والنقصان في الزمان والمكان.
وفي الفصل السابع، وقف عبد القادر بطار عند “مقاصد الكلام في المذهب المالكي”، مبرزا جوانب مهمّة من مقاصد الاعتقاد في المذهب المالكيّ بدءا بعلاقة الاعتقاد بالعمل، ووظيفة المتكلّم عند المالكيّة، ومقاصد الكلام عندهم، ومحاسن التصنيف العقديّ لديهم، وأخيرا علاقتهم بالأشاعرة. وقد أوضح أنّ المالكيّة قاموا بدور لا يجب إغفاله في الدفاع عن عقائد أهل السنّة ضدّ المبتدعة، ومواقفهم واضحة وهي تعني فرقا إسلاميّة بعينها لا الأشاعرة أو الماتريدية الذين هم من أصحاب المذهب السنّي لا من خارجه.
واختار محمد لشقر، في الفصل الثامن، أن يلقي الضوء على “الغزالي المتكلّم”، موضّحا أنّه لن يتتبّع مواقفه الكلاميّة الأشعريّة، بقدر ما رام بالأساس تحديد دراسة حيثيات موقف حجّة الإسلام من علم الكلام. وقد بيّن أنّ أبا حامد، بعدما دافع بحماس أثناء إقامته ببغداد عن ما أطلق عليه الوظيفة الإيديولوجيّة لعلم الكلام بوصفه حارسا لعقيدة العوام، ومدافعا عن وحدة المسلمين، استقرّ رأيه، بعد انسحابه من التدريس بالمدرسة النظاميّة ببغداد، على كون هذا العلم ليس طريقا موصلا إلى المعرفة وكشف الحقائق قطّ، وهو ما أطلق عليه الباحث محدوديّة علم الكلام المعرفيّة.
وفي الفصل الأخير، يعود صديق زريوحيفيبرز “تباين الحقل الدلالي بين الغزالي والمكلاتي من خلالكتابي مقاصد الفلاسفة ولباب العقول”؛ منطلقا من ملاحظة استلهام المكلاتي لـتهافت الفلاسفة للغزالي، وتساءل هل هذا التماثل في الهدف والقصد يصحبه تماثل في أسلوب البلوغ إلى الهدف، وبالتالي هل يمكن القول إنّ المكلاتي كان بصدد إعادة إنتاج ردود الغزالي على الفلاسفة في قولهم بالقدم؟ وهل هناك من وحدة في نقد الفلاسفة بين الغزالي والمكلاتي؟ وقد عمد، للجواب عن ذلك، إلى تحليل المفاهيم المشتركة التي يعتمدها كلّ واحد منهما في كتاب مقاصد الفلاسفة ولباب العقول، مثل الوجود، الجوهر والعرض، المتقدّم والمتأخّر، الكلّي والجزئيّ، الواحد، السبب والعلّة، القوّة والفعل. وخلص إلى تأكيد استلهام المكلاتي للغزالي، لكن دون أن يذهب الأمر إلى حدود النسخ أو التكرار الفجّ، مبرزا الدور الذي لعبه الغزالي في تشكّل الخطاب الفلسفيّ في المغرب والأندلس.
وفي الأخير، لا نملك إلا أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى السادة الأساتذة الذين شاركوا في هذا الكتاب بمساهماتهم العلميّة القيّمة، كما لا يفوتنا أن نشكر السيّد عميد الكليّة ورئيس الجامعة ونوابهما ورئيس مصلحة الشؤون الثقافيّة بالكلّية على تشجيعهم المستمرّ للأنشطة العلميّة بحثا ومناظرة ونشرا، دون أن نغفل كل ّمن ساهم في إخراج هذا الكتاب إلى الوجود. وكلّنا أمل في أن يجد القارئ في موادّ هذا الكتاب بعض الأضواء التي قد تنير له الطريق من أجل فهم أفضل لبعض القضايا الكلاميّة الشائكة، بل وقد تدفعه إلى توسيع الفهم والإفهام، ومن ثمّ إغناء هذه الأعمال بأطروحات جديدة سواء بالتطوير والإضافة أو بالمساءلة والنقد. وفي كلّ الأحوال، نتمنّى لهذا الكتاب حياة علميّة مفيدة.

تعليق واحد على “قضايا في علم الكلام”

شارك برأيك