تحيّة دمشق للشيخ الخضر حسين.. د مبارك البنداري

د/ محمد مبارك البندارى عضو هيئة التدريس فى جامعتى الأزهر وأم القرى
د/ محمد مبارك البندارى
عضو هيئة التدريس فى جامعتى الأزهر وأم القرى

منذ بدأت الأحداث الدامية في دمشق وأنا أقلّب في كل ما كُتب عن دمشق ، سواء من ناحية التاريخ أو الأدب أو الاجتماع ، فدمشق بوّابة الأمن لمصرنا الحبيبة ، وهى عاصمة الدّولة الإسلاميّة في العصر الأموى من 42هــ – 132هــ ، ومن أروع ما كُتب عن دمشق تحت وطأتِ الاحتلال في العصر الحديث قصيدة أحمد شوقى التى مطلعها :
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ …. وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
ويحفظ جميع طلابنا في المدارس بيته الشهير :
لِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ …. يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وما كدّتُ أقلب في صفحات الدواوين وأطالعها ، حتى وجدتُ قصيدة عن دمشق لشيخ الجامع الأزهر محمد الخضر حسين ت 1377هــ ، ، وقد نشرها أولا في مجلة ” الهداية الإسلامية ” بمصر 1356هــ في المجلد العاشر .
والشيخ محمد الخضر حسين ولد في بلدة نفطة – جنوب تونس- وتوفي في القاهرة، وعاش في تونس وسورية ومصر والجزائر.
وقد تلقّى أولى مراحله التعليمية ببلدة نفطة بالجنوب التّونسي، ثم التحق بجامع الزيتونة عام 1887 م لاستكمال دراسته، حيث تكوّنت شخصيته العلمية والدينية والثقافية ، وفي عام 1898 م حصل على شهادة التطويع، وهي الشهادة التي تمكن حاملها من التطوع لإلقاء الدروس في جامع الزيتونة، كما تؤهله للظفر بمناصب علمية ودينية عديدة.
عمل مدرسًا بجامع الزيتونة، وحضر المجالس العلمية والأدبية مشاركًا نشطًا، مما أكسبه شهرة واسعة في أوساط الطلاب والعلماء على زمانه.

2
وله جهود كبيرة في الدعوة إلى الإصلاح الديني والاجتماعي والأخلاقي، إضافة إلى مشاركاته في الأحداث السياسية آنذاك بقلمه، وفكره، وتحركاته.
كان مؤمنًا بوحدة الهدف والمصير بين المسلمين، وكان يدعو إلى ضرورة اتحاد المسلمين في نظام ديني وسياسي واحد، هو نظام الخلافة.
وقد اختير لمنصب «شيخ الأزهر» عام 1952 م وظلّ في منصبه إلى زمن رحيله، كما كان يقوم بالتّدريس في الكليات الأزهرية.
ويُعد الشيخ محمد الخضر حسين من أبرز الكتّاب في أدب الرحلات، فقد تعددت مقالاته الوصفيّة عن رحلاته، وعن الأماكن التي زارها والمعالم التي اطّلع عليها، والعلماء والأدباء الذين اتّصل بهم ، ومن إنتاجه الشّعرى :
– ديوان «خواطر الحياة» – القاهرة 1946م ، وقد طبع هذا الديوان ثانية عام 1953م ، عندما تولّى صاحبه مشيخة الأزهر، والديوان في 176 صفحة – 139 قصيدة ومقطوعة، قصائده الطوال نصف هذا العدد، والنصف الآخر مقطوعات ، وله العديد من القصائد الأخرى التى نشرت في الصحف والمجلات .
وإذا أردنا عن نتحدّث عن الشيخ محمد الخضر حسين كأديب ، فإنّنا نقولُ هو شاعر عرف بالاهتمام كل الاهتمام بنصُوع الدّيباجة ، وقوّة الجزالة ؛ ولعلّه أقرب إلى تقليد القُدامى منه إلى التّجديد في الأغراضِ ، وقد يقولُ قائل – كما ورد بخاطرى – إِنّ شاعرَ الجزالة هذا لن يَأتيك بجديدٍ ، أَو هو أحرى ألا يأتى بالجديد إذا صحَّ ما يردّده خصُوم الدّيباجة النّاصِعة ، ولكن أدعوك لقراءة ما قال في دمشق لترى عن عيان هذا الحبّ الصَّادق الذى يَدفعه إِلى سبك الألفاظ في قالبٍ شعرى يتميّز صاحبه بالرَّصانة والجزالة ؛ لأن الشعور الصادق – هنا الدقيق – أيضًا – لا يمكن أن يرتسم في أنماط متوارثة يرتبط فيها اللفظ بأخيه ارتباطًا يجعله صاحب المقام الأول في الأسلوب ، والقارئ المعاصر يُريد من الشّعر إحساسًا ونبضًا ، لا وزنا وإيقاعا ، وهذا ما نجده عند الشيخ محمد الخضر حسين في هذه القصيدة خاصّة ؛ رغم أنّ جلّ أنصار الجزالة لا يصدقون عن خوالجهم الدّقيقة ، وآية ذلك أنّ الجديد لديهم من الشّعور يختنق في زحام من حشد الإرث القديم ، وأطلب من القارئ العزيز أن يُعاود النّظر في حيدة وتجرّد لهذه الأبيات ليهتدى إلى الحكم الصحيح على الشاعر الشيخ محمد الخضر حسين .
والشيخ هنا يمتدح دمشق حينما زارها ، ويعبّر بالشام ، ويتذكر الأيام التى عاشاها فيها ، وكانت في قمّة الجمال والحسن ، وأعلام الشعر والأدب ، وتاريخها التليد ، قبل أن تعبث بها الأيادى الخفيّة ، فتدمرها ، وتشرّد أهلها ، وتقتل من بقى منهم … ترى كم تحتاج دمشق لكى تعود كما كانت عاصمة الحضارة الإسلامية في عهد الدولة الأموية 42-132هــ ، وكل شئ فيها لو نطق ليحدثنا عن تاريخ تليد ، وكما هى – هنا – في وصف الشيخ محمد الخضر حسين .
ولعلك تقول الرجل هنا يتحدث عن دمشق التى عاش فيها ، وهو يمتدحها ، ويصف أيّامه فيها ، وهذا جزء من أدب الرحلات ، بَيد أنّه مُغرم بالتَّوجيه والنُّصح ، والأمُور السِّياسية ، ولا غَرو في ذلك فهو الذى أسّس رابطة للشّعوب الإسلاميّة وتحريرها ، ونشاطه الأدبىّ والسّياسىّ معروف ، أما تراهُ يصوّر مجالس الأدب والفكر في قصيدته ، ولكن نقولُ على رِسلك فإنّ الشّاعر بدأ بتصوير مشاعِره تجاه دمشق ، ثم عرج على التّاريخ التّليد ، أَتريد منه أن يصوّر إحساسه جميعه ، أم تريد منه أن يتصيّد المعانى البعيدة والأفكار القريبة ، إذا أردت جميع إحساسه فهناك اشتراك عام في بعض الأحاسيسِ الإنسانيّة تجاه المُدن الحضاريَة في الوطنِ العربىّ ، كدمشق والقاهرة وبغداد … وهو يذكُر أنَّه لا يَشعر بالغربةِ في دمشق ، حتى ولو حدّثته نفسه بذلك ، وهذا شعورنا جميعًا تجاه عواصمنا العربيّة ، وكما قلتُ فليست الجزالة هنا تقليد ؛ ولكنها قيثارة ترسلُ لحنًا صَادقًا يعزفُ على أوتارِ القلوبِ الكليمةِ الآن مهما تردد في الأسماع ، وهى يخاطب وجدان المسلمين ، ويذكرهم بأن أساس النهضة الحقيقية الإيمان والعلم .
تخيل أيها القارئ الحبيب لو أنّ الشاعر بيننا الآن ، يسمع من وسائل الإعلام كل يوم أعداد القتلى ، وتدمير المدن ، وأعداد المهاجرين ماذا تراه سيقول ؟ ، لقد فعلت أياد خبيثة بدمشق ما لم يفعله المغول ، بل ربما هم مغول العصر فعلا ، أما آن لهذا الإرهاب الغاشم أن ينجلى عن دمشق الحبية ! .
والقصيدة على بحر الرمل ، وقافيتها هائية ، واختيار الهاء وهى ضعيفة مهتوتة لإبراز الضعف والوهن الذى يسيطر على الشاعر المحب لدمشق ، فالحبّ فيه ضعف أمام الشئ المحبوب ، وتلك مُلاحظة رئيسَة ننتقل منها إلى قصيدة الشيخ عن دمشق التى عاش فيها فترة من الزمن وتذكّرها عندما زارها بعد فترة :

زَارهـا بعـد نـوًى طـال مداهــــــــــــا … فشفَى قـلـبًا مُجِدّاً فـي هـواهــــــــــــا
راح نشـوانَ ولا راحَ ســـــــــــــــــوى .. أنْ رأى الشـامَ وحـيّاهُ شذاهـــــــــــــا
نظرةٌ فـي سـاحِهــــــــــــــــــا تُذْكِرُه … كـيف كـان العـيشُ يحـلـو فـي رُبـاهـــــا
مـا شَكـا فـيـهـــــــــــا اغتِرابًا وإذا … حدَّثتْه النفسُ بـالشّكـوى نهـاهـــــــــــا
من يحثّ العيس في البيد إلى … بردى يحمد للعيس سُراهَا
فهنا قامت نوادى فتيه … تبلغ النفسُ بملقاهم مُناها
أدب يزهو كزهر عطر … أرشفته السّحب من حمرٍ نداها
خلق لو نصح الخَوْد به … ناصح لاتخذت منه حلاها
ملؤوا جلّق أُنسٌا فأرى …. ليلها طلق المُحَيَّا كضُحاهَا
شد ما لاقوا خطوبًا فانتضوا … مرهفات العزم طعنا في لهاها
…..
ذكرونا سلفا قام على … خطة غراء والدهر طواها
أمة يُذكى التقى غَيْرتها … مثلما يذكى النَّدى نار قراها
شرف لو آنسته الشمس في … أفقه الأعلى لظننته أباها
….
ما الافتخار الحقّ إلا نهضة … أحكم الإيمان والعلم عُراها
فـابعثـوهـا هِممًا تسمُـو كـمــــــــــــا …سمَتِ الجـوزاءُ تزهـو فـي سنـاهــــــــــا
مـا الفخـارُ الــــــــــــــحقُّ إلا نَهضة … أحكـمَ الإيـمـانُ والعـلـمُ عُراهـــــــــا

تعليقان (2) على “تحيّة دمشق للشيخ الخضر حسين.. د مبارك البنداري”

  1. ما شاء الله مقال رائع يا دكتور جزاك الله خيرًا ونسأل الله ان ترجع دمشق إلى عزها ومكانتها وبقية البلاد. اللهم آمين.
    الشام شامة البلاد.

شارك برأيك