ندوة اللغة العربية في بيئات ومجالات مختلفة

ناقش باحثون وخبراء لغويون وأساتذة لسانيات أوضاع اللغة العربية الراهنة في ندوة يعقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعجم الدوحة التاريخي للغة العربية على مدى يومي 26 و27 كانون الأول/ ديسمبر 2015، بعنوان “اللغة العربية في بيئات ومجالات مختلفة”. وتُعقد هذه الندوة في إطار الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية الموافق ليوم 18 كانون الأول/ ديسمبر من كل عامٍ.

اللغة الثانية نقطة ضعف

شكّل واقع اللغة العربية ووضعها ضمن خريطة اللغات في العالم محورًا رئيسًا في جلسات اليوم الأول من الندوة، وأبرز الدكتور محمد بلبول، الأستاذ في برنامج ماجستير “اللسانيات والمعجمية العربية” في معهد الدوحة للدراسات العليا، أنه من الصعب وصف لغة من اللغات بالكمال بناءً على معايير موضوعية، وأنه في المقابل يمكن تحديد موقع لغة ما في النطاق العالمي، استنادًا إلى مجموعة من المؤشرات تشبه إلى حدّ كبير المؤشرات المعتمدة في قياس التنمية. وأكّد أنّ هذه المؤشرات والمعايير تشير، من دون شكّ، إلى أنّ اللغة العربية لغة عالمية، وأنّ وضعها وإنْ حامت حوله الشبهات مكينٌ في عالم اليوم.

وطرح الباحث في ورقته مسألة الازدواج اللغوي بوصفها مؤشرًا رئيسًا في عالمية لغة ما، وذَكر موقفين في رؤية هذه المسألة. فالموقف الأول قائم على منطق “مساواتي” يصنّف اللغات بحسب مركزيتها إلى أربعة مستويات تمثّل اللغة الإنكليزية قمّتها بوصفها اللغة الفائقة المركزية، وفي المستوى الثاني لغات عالية المركزية من بينها اللغة العربية إلى جانب لغات أخرى؛ هي الفرنسية، والإسبانية، والمندران، والهندية، والأوردو، يليه مستوى اللغات المركزية الذي يتضمن ما بين مئة ومئتي لغة، ثمّ مستوى اللغات المركزية الذي يراوح ما بين مئة ومئتي لغة، وأخيرًا مستوى اللغات الثانوية.

أمّا الموقف الثاني، فهو يعتمد مقاربةً أنثروبولوجيةً لاستعمال اللغة في عصر مجتمع المعلومات. ويرى الدكتور بلبول أنّ اللغة العربية تحرز مكانةً جيّدةً حتى في هذه المقاربة، على الرغم من بعض النقائص؛ ذلك أنّ هذه المقاربة تعتمد أربعة مؤشرات في تحديد الوضع العالمي للغات، هي: مؤشر الديمغرافيا (عدد المستخدمين)، ومؤشر ذيوع اللغة بوصفها لغةً ثانيةً، والمؤشر الجيوسياسي، ومؤشر اللغة من الناحية المعرفية. وركّز الباحث في مؤشري اللغة الثانية والعامل الجيوسياسي.

وفي ما تعلق بالمؤشر الأول، قال الدكتور بلبول إنّ جاذبية اللغة تقاس بإقبال الناس على اعتمادها لغةً ثانيةً بسبب أهمية الأدوار التي تؤديها، وفي هذا السياق تبدو اللغة العربية متأخرةً؛ إذ تشير إحصائيات إلى أنّ عدد المتكلمين باللغة العربية لغةً ثانيةً يبلغ 7 ملايين؛ أي ما نسبته 3.4% من مجموع من يتحدثون لغةً ثانيةً. وأمّا بخصوص المؤشر الجيوسياسي، فإنّ وضع اللغة العربية جيّد؛ إذ تتقدم في الترتيب على اللغة اليابانية التي تظلّ على الرغم من كونها لسان حضارة عريقة ومجتمع صناعي متطور لغةً محليةً بامتياز. وتكتسب اللغة العربية مكانتها الجيوسياسية من انتشارها والأدوار التي تؤديها. فعلاوةً على أنها لغة رسمية في 22 دولةً، فإنّ لها حضورًا في مناطق عديدة من أفريقيا؛ إذ يستعملها ثلث سكان القارة لغةً أولى أو ثانيةً، إضافةً إلى امتدادها جنوبَ آسيا في كلّ من إيران وباكستان وأفغانستان وبنغلادش.

وتبدو اللغة العربية في مؤشرات الارتباط بمجتمع الشبكة أو مجتمع المعرفة في وضع غير مريح؛ لأنّ البيانات العلمية العربية المتاحة على الشبكة قليلة والفجوة الرقمية بين العالم الأول والعالم العربي ما تزال عميقةً. وأكّد بلبول في هذا المجال ضرورة سَنّ سياسات لغوية لتقديم تعليم بجودة عالية باللغة العربية، وبناء ثنائية لغوية متوازنة لا تكتفي بالانفتاح على اللغة الإنكليزية أو الفرنسية للإسراع في وتيرة التحديث والاندماج في مجتمع الشبكة، بل تقتحم العالمية عبر تعزيز الإنتاج العلمي والأدبي والفلسفي باللغة العربية.

سياسات لغوية لتعزيز المكانة

باحثون وخبراء لغويون وأيساتذة لسانيات بارزون يحاضرون في الندوة
بالنسبة إلى الدكتور ياسر سليمان، رئيس معهد الدوحة للدراسات العليا بالوكالة، والباحث في اللغة واللسانيات، فإنّ للخطاب المتعلّق باللغة العربية وجهًا أيديولوجيًا رئيسًا، يتمظهر أساسًا في طغيان تعابير “الأزمة” و”الخطر” و”التحديات” و”الكفاح” في الكتابات الصحافية المرتبطة باللغة العربية، وحتى لدى المؤلفين والباحثين الذين سيطر هذا المعنى على مؤلفاتهم. ويوضح الباحث أنّ التعامل مع هذه الهواجس يشمل قسمين اثنين. فهناك خوف مرتبط بالمتن والمحتوى والاستياء من فقدانه، ويكمن حلّه في تطوير البرامج التعليمية والكتب الدراسية. أمّا القسم الثاني، فيتعلق بقلق من ناحية الوظيفة الرمزية للغة، ومصدر القلق هو في الحقيقة قلق تجاه هويتنا العامّة؛ لأنّ اللغة العربية ترمز إلى هويتنا. وخلص إلى أنّ معالجة هذا القلق تمرّ عبر معالجة المشكلة الكبرى المرتبطة بالهوية؛ أي أنْ نعمل من أجل أن تصبح الأمة العربية أمةً قويةً وفاعلة وحينئذٍ سينتهي القلق اللغوي.
وفي ورقة بعنوان “اللغة العربية والمشهد اللغوي الكوني”، أوضح الدكتور حسين السوداني، الخبير اللغوي في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، أنّ المشهد اللغوي الكوني يشهد تحولًا كبيرًا، إذ تفيد دراسات أنّ العالم يفقد واحدةً من لغاته الـ 5000 كلّ 14 يومًا، وأنّ هناك نحو 600 لغة قد أخذت طريقها التدريجي نحو الانقراض، ولذلك يُبذل جهد دولي تتزعمه الأمم المتحدة من أجل وقف النزيف، وقد أقرّت المنظمة في 21 شباط/ فبراير 1999 يومًا عالميًا من كلّ عام للغة الأم، حفاظًا على عشرات اللغات التي يتخلى عنها الناطقون بها ويستعيضون عنها بلغات أخرى ذات تداول أوسع وصاحبة إنتاج علمي وفكري أكبر. وفي ظلّ هذا الوضع، لا تزال اللغة العربية تحظى بمكانة جيدة بعيدًا عن خطر الاندثار. وتشير أغلب التوقعات للمستقبل البعيد المرتبط بانتشار التقنية والترابط الشبكي – على الرغم من ضعف المحتوى العربي إلى حدّ الآن – إلى أنّ اللغة العربية قد تكون واحدةً من لغات قليلة تُعدّ على أصابع اليد الواحدة تحظى بالأهمية والانتشار والاستخدام على نطاق واسع.

وقال المتحدث إنّ للغة العربية إمكانات استثمار مثاليةً، فقد أشارت دراسة أميركية أصدرتها رابطةُ اللغات الحديثة عام 2010 إلى أنّ اللغة العربية تُعدّ من أكثر اللغات الأجنبية تعلمًا في الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ زاد عدد دارسيها نحو 86%.

ولكنّ الباحث يشدّد على ضرورة ألّا يُترك مستقبل اللغة العربية لتحولات خارجة عن نطاقها أو الاتكال على أنّ للسان العربي ربًّا يحميه، وإنما يجب وضع سياسات لغوية كفيلة بأن تجعل اللغة العربية إحدى أدوات القوة الناعمة للدول العربية.

تفاؤل خارجي بالمستقبل وإشكاليات داخلية

قدّم الدكتور عز الدين البوشيخي المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية نظرةً بوجهين بشأن مستقبل اللغة العربية. فمن جهة، هناك خطاب غربي يَنشر على نطاق واسع أهمية الحاجة إلى اللغة العربية، ويُبوئها مراكز متقدمةً، ويرسم لها مستقبلًا زاهرًا. وفي المقابل، هناك واقعُ حالٍ داخل الدول العربية يحمل الكثير من المؤشرات السلبية.

وأوضح البوشيخي في هذا السياق أنّ اللغة العربية تحظى في الخطاب الغربي بمرتبة متقدمة. فهي من بين الخمس لغات الأولى في العالم من حيث عدد المتكلمين، وهي ضمن اللغات العشر الأكثر استعمالًا في العالم، وهي من لغات المستقبل بعد الصينية والإسبانية والإنكليزية، بل تشير التوقعات إلى أنها في مرتبة متقدمة مقارنةً باللغات الهندية والفرنسية والألمانية والروسية. وبحسب تقرير المجلس الثقافي البريطاني الصادر عام 2013، تحتل اللغة العربية المرتبة الثانية، بعد اللغة الإسبانية، ضمن اللغات العشر التي حدّد التقرير حاجة المملكة المتحدة البريطانية إليها في العقدين المقبلين، وفق معايير التجارة والاقتصاد والدبلوماسية والأمن والتعليم والثقافة.

ولكن في الجهة المقابلة، يُبرز المحاضر عوامل ذات تأثير سلبي في توقّع مستقبل اللغة العربية، منها ما تؤكده تقارير الخبراء في ما يتعلّق بتراجعها وانكماشها في مجالات التعليم والإعلام والإدارة والاقتصاد، وعدم الاهتمام الجادّ بتمكينها وتطويرها، مقابل اهتمام متزايد بتعلّم لغات أجنبية تحتلّ مواقعها.

برنامج ثري

شمل برنامج جلسات اليوم الأول من الندوة أوراقًا في عدّة محاور، من بينها مفهوم “اللغة العربية” التي يُتوخى إعمالها انطلاقًا من تدقيق النظر في مفهوم “اللغة المعاصرة” و”اللغة الفصحى” و”العاميات”، إضافةً إلى مدى تأهيل اللغة العربية لاستعمالها في بناء العلوم والمعارف ونقلها وتداولها.

وتتواصل ندوة “اللغة العربية في بيئات ومجالات مختلفة” في يومها الثاني (الأحد 27 كانون الأول/ ديسمبر) في ثلاث جلسات تتناول تحليل أوضاع تعليم اللغة العربية للناطقين بها ولغير الناطقين بها، في دولٍ مختلفة؛ أوروبية وآسيوية وعربية ذات بيئات تربوية وثقافية متنوعة. ويعرض باحثون مشاركون في الندوة نماذج من أعمال حوسبة اللغة العربية وتطوير محتواها في الإنترنت من منظور الاستثمار في اللغة والاقتصاد المؤسّس على المعرفة.

والجدير بالذكر أنه يشارك في هذه الندوة ثلةٌ من الأساتذة والباحثين والخبراء من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومعجم الدوحة التاريخي للّغة العربية، ومن المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية في قطر، ومعهد الدوحة للدراسات العليا، وجامعة قطر، ومعهد قطر للحوسبة.

والجدير بالذكر أيضًا أنّ مؤسسة “المعجم التاريخي للّغة العربية”، هو مشروع أسّسه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وأطلقه رسميًّا في أيار/ مايو 2013، بعد نحو سنتين من التحضيرات. ويتضمن المعجم التاريخي “ذاكرة” كلّ لفظٍ من ألفاظ اللغة العربية، تسجِّلُ تاريخَ ظهوره بدلالته الأولى، وتاريخَ تحوّلاته الصرفية والدلاليّة، ومستعمليه في تطوّراته، مع توثيق تلك “الذاكرة” بالنصوص التي تشهد بصحّة المعلومات الواردة فيها. ومن المتوقع أن يستغرق إعداد المعجم التاريخي المنشود الذي يؤرخ لألفاظ اللغة العربية على مدى عشرين قرنًا، نحو 15 عامًا، وذلك على مراحل يجري عرض إنجازاتها كلّ ثلاث سنوات. كما يتضمن المشروع بناء منصة حاسوبية للمعالجة المعجمية تُتيح للخبراء اللغويين القيام بعمليات المعالجة المعجمية حاسوبيًّا.

شارك برأيك