قراءة قانونية في حكم المادة 51 المعدلة من الدستور الجزائري.. ذ. خالد شبلي

الأستاذ خالد شبلي عضو بمخبر القانون، العمران والمحيط
الأستاذ خالد شبلي
عضو بمخبر القانون، العمران والمحيط

المادة 51 : يتساوى جميع المواطنين في تقلد المهام والوظائف في الدولة دون أية شروط أخرى غير الشروط التي يحددها القانون.
التمتع بالجنسية الجزائرية دون سواها شرط لتولي المسؤوليات العليا في الدولة والوظائف السياسية. “

أقر الدستور الفرنسي الأول عقب ثورة 1789، أن للأمة حق غير قابل للتقادم في تغيير الدستور،حيث تهدف المراجعة الدستورية في أي دولة إلى تطوير و تحيين الكتلة الدستورية مواكبة لمختلف التطورات السوسيواجتماعية، والمؤسساتية، تكريسًا أكثر لمنظومة حكم توازن بين الحرية والسلطة، وفي هذا الإطار جاء مشروع التعديل الدستوري لعام 2016 ، استجابةً لمطالب نخبوية وشعبية بضرورة الإصلاح الدستوري في الجزائر، تهدف هذه الدراسة الموجزة إلى المساهمة في طرح أفكار ومقترحات علمية وعملية وفقًا لرؤية جديدة في سبيل تعزيز أطروحات دولة القانون والمؤسسات.

يسعى مشروع التعديل الدستوري، كما جاء في عرض الأسباب إلى تعميق مسار بناء دولة القانون والمؤسسات، وتدعيم المنظومة الحقوقية ، ومن بين أهم المواد التي عرفت جدلاً واسعًا على المستوى الفاعلين السياسيين، والرأي العام الوطني، ولاسيما الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، المادة 51 المعدلة من الدستور ، حيث تم تعديل هذه المادة بإضافة حكم جديد، ينص على وجوب التمتع بالجنسية الجزائرية بدون سواها لتقلد المسؤوليات العليا في الدولة والوظائف السياسية السياسية، واستجابة لمطالب ملحة، قام رئيس الجمهورية، صاحب المبادرة، بإضافة حكم جديد للمادة 51 من الدستور، لأجل رفع أي إلتباس قد يترتب عن سوء فهم لفحوى المادة، أي عند تطبيقه على أرض الواقع.
إن الإشكالية التي تطرح بسبب هذه الإضافة تتمحور حول: مدى شرعية إضافة شرط دستوري لتقلد المناصب السياسية أو الوظائف السامية في الدولة؟
استقراءً لما جاء في منطوق الفقرة الجديدة من المادة 51 من الدستور، فإنه يستوجب التمتع بالجنسية الجزائرية وحدها لتقلد المناصب السياسية أو الوظائف السيادية في الدولة، وهذا لا يشكل أي عائقًا أمام استرجاع الكفاءات الجزائرية المتميزة نوعًا وكمًا من الخارج، ذلك أنه يمكن استقدامهم وعملهم في جميع القطاعات، أما المجال السياسي أو العمل السيادي فيمكن أن يمارسوه بشرط التخلي عن جنسياتهم الأخرى المكتسبة.
وبدون الخوض كثيرًا في مدى العدالة أو الأحقية أو الإنصاف، في عدم السماح لمزدوجي الجنسية من تقلد المناصب السامية من عدمه، يجب الإشارة إلى أن المؤسس الدستوري، والذي يقصد به في مفهومه البسيط ” الشعب صاحب السيادة ” ، والذي يقرر الشرط أو “لا” يسمح بوجوده، عن طريق الاستفتاء أو عن طريق ممثليه، ضمن جمعية تأسيسية أصلية أو فرعية ( بيد أن اجتماع البرلمان في غرفتيه معا في شكل مؤتمر عام يعد بمثابة هيئة تأسيسية فرعية)، ولكن المسألة الخلافية هذه أوسع من ذلك ، إلا أنه يجب التنويه إلى نقاط وأحكام مهمة ، يبنى عليها حكم هذه المادة، وتتمثل في ما يلي:

1- تكريس حق دستوري لمزدوجي الجنسية في تقلد الوظائف والمناصب غير السيادية:
هذه المادة جاءت ضمن باب الحقوق والحريات العامة أي أنه يجب قراءة حكم هذه المادة، قراءة إيجابية، ضمن رؤية حقوقية، ولا يستقيم الأمر، إلا إذا قرئنا المادة بمفهوم المخالفة، مما يتضح بأن المادة أقرت حكم دستوريا في حق مزدوجي الجنسية في تقلد المناصب والوظائف التابعة للدولة الجزائرية، باستثناء المسؤوليات العليا أو الوظائف السياسية، وفقًا لما جاء في هذا النص الجديد، وهذا مكرس في أغلب دساتير دول العالم. ولكن التساؤل الذي يطرح هنا : ما هو معيار تحديد المسؤوليات العليا في الدولة والوظائف السياسية، والمقصود بها الوظائف السيادية؟
2- المقصود بالوظائف والمناصب السيادية:
لم يحصر المؤسس الدستوري، ولا المشرع الجزائري، على غرار بعض التشريعات المقارنة، قائمة الوظائف أو المناصب السيادية داخل الدولة بشكل واضح وجلي، بغض النظر عن وجود بعض المراسيم التنظيمية التي تضع بعض الشروط في التعيين أو تقر ببعض الحقوق والواجبات لمن يتولى منصب سامي .
إن قراءة أولية لطبيعة النظام الدستوري الجزائري، توحي بأن المناصب أو الوظائف السامية هي المقصود بها المناصب السيادية، والتي يعود لرئيس الجمهورية السلطة التقديرية في التعيين فيها بموجب مرسوم رئاسي، بالإضافة إلى بعض المناصب الأخرى التي يعود لرؤساء المؤسسات الدستورية إقتراح التعيين فيها، وللخروج من الإشكال الذي ينجر ، عن سوء فهم الذي إلتبس على البعض، تم إقرار إضافة نوعية للفقرة المضافة من المادة 51 من الدستور، تفيد بأنه يتم تحديد هده الوظائف أو المناصب بموجب القانون، ولكن هل يحل القانون هذا الإشكال؟ وما المقصود بلفظ “القانون”، هل يقصد به جميع القوانين أي المنظومة القانونية المعنية بهذه الوظائف والمسؤوليات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، على أساس أن المطلق يبقى على إطلاقه ما لم يقيد، أو سيتم إصدار نص تشريعي موحد يتم فيه تحديد وجرد قائمة بهذه الوظائف والمسؤوليات؟

3- كيف يتم تفعيل حكم منطوق الفقرة الثانية من المادة 51 من الدستور المضافة؟:

إن المادة 51 من الدستور ، هي مادة حقوقية ، تكرس لمبدأ أساسي وهو تساوي الجميع في تقلد المناصب والوظائف السامية في الدولة، إن البحث عن حل لاستيفاء شرط عدم ازدواجية الجنسية لتقلد المناصب السامية، هو بالأساس البحث عن إجابة لإشكالية أعمق من ذلك ، وهي إشكالية تقلد المناصب والوظائف العمومية.
إن الإجابة عن هذا التساؤل هو إجابة عن تساءل: كيف يمكن تكريس الحق في تساوي الفرص ، والمساواة في الالتحاق بمناصب العمل ، البسيطة منها أو العليا ، من جهة ، والبحث عن حماية دستورية لمن يلتحق بالوظيفة السامية داخل الدولة، من جهة ثانية، لكي لا يتم مساومته في قراراته أو عمله.
فالحل للإشكال الذي يغالي البعض في طرحه، بسيط يتمثل في التنصيص ضمن القانون المزمع سنه، والمتعلق بالوظائف والمسؤوليات السامية للدولة، هذا الشرط الدستوري ، بمنع تقلد مزدوجي الجنسية المسؤوليات السامية في الدولة، مع إمكانية تنازل الشخص على جنسيته أو جنسياته الأخرى، إذا كانت جنسيته الأصلية جزائرية، وبالتالي يكون وحيد الجنسية، وذو جنسية جزائرية أصلية.
4- فيما يخص مقترحات حول القانون المتعلق بالوظائف والمسؤوليات السامية:

كان الأجدر ، في هذا الصدد، إقرار قانون عضوي ، وليس قانون عادي، يناط به ، تحديد المركز القانوني لذوي المناصب والوظائف السيادية، داخل الدولة، أي حصرها من جهة ، ومن جهة أخرى تحديد شروط ، وطريقة التعيين فيها، بدقة.
ويحبذ في هذا الإطار ، الأخذ بالتجارب المقارنة على غرار التجربة الأمريكية، فالنظام الأمريكي ، بالرغم من أنه دستوريًا ، نظام رئاسي، إلا أن الوظائف السيادية في الدولة، يتم التعيين بها، وفق إجراءات قانونية تراعي مشاركة كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في إقراره، أي رئيس السلطة التنفيذية يقترح أسماء لتقلد مناصب سامية، ولجنة برلمانية، متخصصة، تقوم بدراسة السيرة والمسار المهني للمرشح الذي يزكيه رئيس الجمهورية، و لهذه اللجنة اختصاص وسلطة الموافقة أو رفض التعيين، وهذا مخرج من الإشكالية التي يطرحها البعض في الجزائر ، تحت مسمى ديمقراطية المناصب والمكاسب.

وفي الأخير، يجب التأكيد، بأن الدستور ما هو إلا اجتهاد بشري يتطور باستمرار من أجل تكريس نظام حكم أكثر فعالية، بما يساهم في تفعيل العقد الاجتماعي القائم بين الحرية والسلطة، لذا يجب على الجميع احترامه وتقيد به، مهما يعتريه من نقائص أو سلبيات.

شارك برأيك